المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القول بتوقف تفسير القرآن على أقوال السلف

أحمد فتحي البشير

صفحة ١ من ٦

www.tafsir.net (2) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) ملخص البحث يقوم هذا البحث حول مناقشة قضية مركزية تأسيسية فيما يَتعلَّق بتفسير النصّ القرآني، وهي: القول بتوقُّف أخذ تفسير ألفاظ القرآن وتراكيبه على أقوال السَّلَف، وعدم جواز الخروج عنها. وقد جعلتُ دراسة هذه القضية عند ابن تيمية (ت للاستدلال له، وهو أكثرُ مَن فصَّل في ذِكر المسألة بأدلتها. وقد اعتنى ابن تيمية بتناوُل هذه المسألة في العديد من كتبه، لكننا في بحثنا جواب هذا اعتمدنا على طرحه لهذه القضية في كتابه المطبوع حديثًا، وهو »الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية في كتابه هذا بما لم يَفعَله في كتبه الأخرى، فاعتنى بذكرها والاستدلال عليها بالأصالة، بخلاف تعرُّضه لهذه المسألة في باقي كتبه، فإنه لم يُلْمِمْ بعَرْضها ولا باستيفاء أدلتها كمَا فعَل في هذا الكتاب؛ فاستدلَّ فيه عليها بعشرة أوجُه: خمسة في بيان استقامة الاعتماد على طريقة السَّلَف وقيام الأدلة في نظره على ذلك، وخمسة على عدم نهوض الاعتماد على طريق التفسير الآخَر، وهو الاعتماد على اللغة. ولا يَعنِي هذا أننا أغفلنا ما سطره شيخ الإسلام عن هذه المسألة في باقي كتبه، »...جواب الاعتراضاتبل رجَعْنا إليها، ولم نجده قد زاد شيئًا على ما كتَبه ولكننا قد نَدْعَم في بعض المواضع كلامَه في هذا الكتاب من كتبه الأخرى لمزيد بيان أو تحرير أو فائدة. لكن المتأمِّل ما استدلَّ به ابن تيمية يَجِد أن هذه الأوجُه التي اعتمد عليها لا تخلو من نظر ومناقشة؛ ولهذا رأَينا من يُعارِض ما ذهَب إليه ابن تيمية ويُناقِشه

عدد الصفحات ٢

www.tafsir.net (3) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) »البحر المحيطفي بعضها، ومنهم أبو حيان الأندلسي في مقدمة تفسيره هناك أن أحد معاصِرِيه يَرَى أن معرفة معاني ألفاظ القرآن وتراكيبه متوقِّفة على أقاويل السَّلَف -وقد ترجَّج لدينا أنه يَعني بمعاصره ابنَ تيمية، كمَا سيأتي بيانه في موضعه من بحثنا هذا-، وقد ناقش أبو حيان رأي معاصِرِه هذا، ولم تكن هذه المناقشة لكلِّ الأوجُه التي ذكَرها ابن تيمية؛ ولهذا فإننا استعنَّا في مناقشتنا لابن تيمية بمناقشة أبي حيان له في المَواضِع التي ناقَشه فيها، ولكنَّنا لم نقتصِر على ما ذكَره أبو حيان. وقد عرضنا لأدلة ابن تيمية وناقشناها؛ فأَوردنا ما قد يعضدها أو يَرِد عليها. ومذهب ابن تيمية في هذه المسألة لازمُه هو المنع من إحداث تأويل جديد، وهو ما تقلَّده ابن تيمية بالفعل، وقد عرضنا لمذهب ابن تيمية في هذه المسألة وأدلته فيها في مواجهة قول الجمهور، بعد مناقشة أدلته التي استدلَّ بها على قوله بتوقُّف التفسير على أقوال السَّلف. وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. sss

عدد الصفحات ٣

www.tafsir.net (4) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) المقدمة إنّ من المقرَّر عند جميع علماء الإسلام في سائر الفنون أن الأصلَ الأول الذي تؤخذ منه أحكام الشرع وأوامره ونواهيه هو القرآن، وقد قامت سائر الفنون الشرعية ابتداءً من أجْلِ أن تُسهم في فَهم نصوصه وبيان معانيه. وقد نصَّ العلماء أن الجهات التي يؤخذ منها تفسير آي القرآن عديدة؛ منها القرآن نفسه، ومنها السُّنة النبوية، ومنها أقوال الصحابة والتابعين، ومنها اللغة. إلا أن جهة أقــوال السَّلَف من الصحابة والتابعين قد دار حولها بعض التساؤلات والمباحث؛ ومنها: مدى حُجِّيتها والالتزام بالوارد عنهم، وحُكم الخروج عنها وإحداث قول جديد، وغير هذه التساؤلات التي دارت حول أقوال السَّلَف في التفسير. ومن هنا جاء بحثنا هذا، وهو: القول بتوقُّف تفسير القرآن على أقوال السَّلَف دراسة في استدلالات ابن تيمية من خلال كتابه « فتناوَلنا فيه مسألة توقُّف تفسير القرآن على أقوال السَّلَف عند ابن تيمية، وبيان أَوجُه الاستدلال التي اعتمد عليها في القول بهذا، ثم مناقشته في هذه الأدلة. وقد كان اختيارنا لدراسة هذه القضية عند ابن تيمية؛ لأنه قد تَعرَّض لها واستدلَّ عليها أكثر من غيره، بل لا نبعُد عن الصواب إن قلنا إنه الذي نظَّر لهذه المسألة واستدل لها، وردَّ على من يُخالِف فيها دُوْن غيره.

عدد الصفحات ٤

www.tafsir.net (5) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) جواب الاعتراضاتوأكثرُ مَوضِع أفاض فيه ابن تيمية في هذا كان في كتابه »المصرية على الفتيا الحموية بالأصالة. البحر وفي مناقشتنا لابن تيمية استعنَّا بكلام أبي حيان الأندلسي من كتابه »المحيط لابن تيمية في عدم القول بتوقُّف تفسير القرآن على أقوال السَّلَف، وأنه حِين عرَض لهذه المسألة كان يَرُدُّ فيها على أحد معاصِرِيه، ويَعني به ابنَ تيمية في وجهة نظرنا. ثم تَكلَّمنا عن لازِم قول ابن تيمية بتوقُّف التفسير على أقوال السَّلَف، وهو عدم جواز إحداث تأويل جديد، إذ ذهَب ابن تيمية إلى ذلك، واستدلَّ عليه، ورَدَّ على المجيزين، وهُم الجمهور، فتناوَلْنا أدلة المذهبَيْن بالمناقشة. ولأهمية هذه المسألة وندرة من تناولها بالبَسط والمناقشة رأيتُ أن أُفردها بالبحث والدراسة. أهمية البحث وأسباب اختيار الموضوع: ويَكمُن سبب اختياري هذا الموضوع في النقاط التالية: 1 من علاقة ببيان النصّ القرآني وتفسيره، والتي لم يُشبَع القول فيها حدود اطلاعنا. 2 المصرية الضروري التعرُّض لمذهبه وأدلته بالبيان والشرح والمناقشة، والوقوف على المؤثرات التي جعلته يتقلَّد هذا الرأي.

عدد الصفحات ٥

www.tafsir.net (6) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) 3 جوابمن الباحثين لهذه القضية عنده من خلال هذا الكتاب، وهو كتاب »الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية وقد ذكَر فيه من الأدلة التي ينتصر من خلالها لمذهبه ما لم يذكره في كتبه الأخرى، لا سيما فيما يَتعلَّق بالبُعد اللغوي وأثره في هذه المسألة. 4 من الضروري بيان أن هذه الأدلة فيها مجال للبحث والمناقشة والنظر 5 إظهارها والتعليق عليها، وإظهار مدى البُعد والقُرب بين الرؤيتين 6 لها دور في بيان قوله هذا، وهي مسألة: حُكم إحداث تأويل. وهي لازِم قوله بتوقُّف التفسير على أقوال السلف، وقد تَعرَّض لها في كتبه، فأردتُ أن أُبِين عن مذهبه فيها في مقابل المذاهب الأخرى، بما يُفيد في إظهار أبعاد قوله بتوقُّف التفسير على أقوال السَّلَف. الدراسات السابقة: لم أقف في حدود اطلاعي على مَنْ أَفْرَد هذه المسألة بعرض المذاهب فيها ومناقشة أدلتها. خطة البحث: قسمت البحث إلى: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مطالب، وخاتمة. أهمية البحث، وأسباب اختيار الموضوع، والدراسات المقدمةفتناولتُ في السابقة.

عدد الصفحات ٦

www.tafsir.net (7) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) ، فجاء في ثلاثة مطالب، الأول: عرضتُ فيه لتعريفات المصطلحات التمهيدأمَّا الواردة في العنوان. والثاني: ذكرت فيه تنبيهات بين يدي البحث، قد تكون محلّ تساؤل من المطَّلِع على بحثنا هذا، بالإضافة إلى أنها تعتبر من الأصول العامة المؤثرة في مسار البحث. والثالث: جعلته مدخلاً عامًّا للكلام عن مسألة البحث، والأبعاد المؤثرة فيها والمترتبة عليها. ، فجاء بعنوان: استقامة طريقة تفسير القرآن بالرجوع إلى المطلب الأولأمَّا أقوال السَّلَف. وعرضتُ فيه للأدلة التي اعتمد عليها ابن تيمية في قوله بوجوب الرجوع إلى أقوال السَّلَف في التفسير، وأن هذه الطريقة مستقيمة لا يعتريها ما يَعتري طريقة التفسير الأخرى (اللغة) من الانتقادات والاعتراضات والإيرادات. ، فجاء بعنوان: ضعف أخذ التفسير عن اللغة إذا قُورن المطلب الثاني وأمَّا بأخذه عن طريق أقوال السَّلَف. وعرضتُ فيه للأوجه التي استدل بها ابن تيمية على هذا وناقشتُه فيها. ، فتكلمتُ فيه عن حُكم إحداث تأويل ثالث في آية إذا المطلب الثالث وأمَّا اختلف الصحابة والتابعون على تأويلَيْن. فعرضتُ فيه لرأي ابن تيمية وأدلته في مقابل قول المخالفين له، وحرَّرت محلّ النزاع بينهما في هذه المسألة. ، وفيها أبرز النتائج والتوصيات، ثُمَّ فهرس المراجع والمصادر.الخاتمةثُمَّ تأتي sss

عدد الصفحات ٧

www.tafsir.net (8) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) التمهيد وفيه ثلاثة مطالب: : التعريف بمصطلحات عنوان البحث.المطلب الأول تنبيهات بين يدي البحث.المطلب الثاني: مدخل عامٌّ وتوطئة حول مسألة البحث. المطلب الثالث:

عدد الصفحات ٨

www.tafsir.net (9) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) المطلب الأول التعريف بمصطلحات عنوان البحث إنّ التعريف بالمصطلحات الواردة في أيّة دراسة، وتحديد المراد منها قبل الولوج في مباحثها -لَهُو أمر مُهمٌّ؛ من أجل عدم إحداث أي لَبْسٍ أو غموض قد يُحيط بالمسائل المتعلِّقة بهذه المصطلحات إذا لم يُحرَّر المراد منها. ولهذا خصَّصنا هذا المطلب للتعريف بالمصطلحات الواردة في عنوان البحث، والتي هي محطُّ نظرها، وتحريرُ المراد منها. أوَّلً: التوقُّف: لغةً: الواو والقاف والفاء: أصلٌ واحد يَدُلُّ على تَمَكُّثٍ في شــيء المجازي: هذا الأمر متوقِّفٌ عليك، أي: لا يَتِمُّ دُوْنك هو المراد في بحثنا هذا. أمَّا توقّف تفسير القرآن على أقوال السَّلَف في الاصطلاح، فسنُرجئه إلى أن ننتهي من تعريف مصطلح التفسير ومصطلح السَّلَف. ثانيًا: المراد بمصطلح التفسير: أ- لغةً: وهو في اللغة مشتق من الفَسْر، وهو أصلٌ يَدُلُّ على بيان الشيء وإيضاحه، يُقال: فَسَرتُ الشَّيءَ وَفَسَّرتُهُ: أبنتُه 135/1( .)350/2( .)55/504/3(

عدد الصفحات ٩

www.tafsir.net (10) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) ب- اصطلاحًا تعدَّدت تعريفات العلماء لمصطلح التفسير، إلا أن القِسم المشترك بينها هو أن المراد منه إيضاح معاني القرآن وبيان المراد في بحثنا هذا. ثالثًا: المراد بمصطلح السَّلَف: أ- لغةً: لفظة السَّلَف في اللغة تَدُلُّ على التقدُّم والسَّبق، فالسَّلَف من الناس على ذلك هُم الذين مَضَوا ب- اصطلاحًا: فمصطلح السَّلَف إذا كان يُطلَق في اللغة على كلِّ مَن تَقدَّم بإطلاق إلاَّ أنه في الاصطلاح يَختَصُّ بزمان معين، والذي عليه جماهير العلماء أنهم يُطلِقون هذا المصطلح على القرون الثلاثة: الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، الذين خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ شُهِد لهم بالخيرية في قوله ﷺ 3(»يَلُونَهُمْ وهذه الخيرية سببها أمور، منها: قربُهم من زمن نزول الوحي، ومشاهدةُ النبي ﷺ ومصاحبتُه التي أطلعَتْهم على قرائن الأحوال المُعِينة على الفَهم، وقِلَّةُ 13/57/1( 3/العرفان في علوم القرآن، للزرقا صالح محمد سليمان، ص 95/2( 3(

عدد الصفحات ١٠

www.tafsir.net (11) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) البِدع والنزاعات في أوقاتهم، وهذه الأسباب وغيرها هي التي اعتمد عليها ابن تيمية فيما ذَهَب إليه من القول بتوقُّف تفسير القرآن على أقوال السَّلَف كمَا سيأتي بيانه في أثناء البحث. في مجال التفسير لم يختلف عمَّا سبَق من أنهم هُم الصحابة والمراد بالسَّلَف والتابعون وتابعوهم، وهو مراد ابن تيمية وتابعيهم في مرتبة حُجِّية أقوال الصحابة في نظر ابن تيمية، وإنما أَدْخَل التابعين وتابعي التابعين ضِمن مصطلح السَّلَف؛ لأنهم في رأيــه أخــذوا التفسير عن الصحابة، ولم يخرجوا عمَّا نقلوه عنهم، ومن كلامه في هذا قولُه الصحابة إذا كانوا حَفظوا، فالتابعون لهم بإحسانٍ الذين أَخذوا عنهم وتَلقَّوا منهم لا يَجُوز أن يَكُونوا عدَلوا في ذلك عمَّا بلَّغَهم إيَّاه الصحابةُ، لا يَجُوز ذلك في العادة العامّة، ولا في عادة القوم وما عُرِف مِن عقلهم ودينهم، مع ما عَلِموه من وجوب ذلك عليهم في دينهم رابعًا: توقّف تفسير القرآن على أقوال السَّلَف: والمتتبِّع كلامَ مَن تكلَّم في هذه المسألة يَظْهَر له بوضوح أن المراد بتوقُّف تفسير القرآن على أقوال السَّلَف هو وجوب أخذِ معاني آي القرآن من خلال أقوالهم هذه، وعدم الخروج عنها sss 1( والتفسير اللغوي للقرآن الكريم، د. مساعد الطيار، ص 2( 3( .)16/المحيط، لأبي حيان

عدد الصفحات ١١

www.tafsir.net (12) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) المطلب الثاني تنبيهات بين يدي البحث فهذه تنبيهات نقصد من ورائها التنبيه على ما يُمكِن أن يكون محلّ تساؤل ممَّن يَقِف على بحثنا هذا، بالإضافة إلى أنها من مركزيات البحث المؤثِّرة في تفاصيله، فهي كالقواعد والأصول الكلية لهذا البحث، والمؤثرة في مساره. وهو التنبيه على سبب اختيارنا تناوُل هذه المسألة عند ابن تيمية التنبيه الأول: »جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحمويةمن خلال كتابه فلم يكن اختيارنا لهذا الكتاب لتناوُل قضية البحث من خلاله معناه أننا أغفلنا هذه القضية في باقي كتبه، بل قد استقْرَينا أطراف هذه المسألة في معظم كتبه، ولكننا اخترنا هذا الكتاب لأمرين: أنه توسَّع فيه في هذه المسألة توسُّعًا كبيرًا، لم نره قد توسَّع مثله في كتبه الأول: الأخرى. أنه تناول فيه جانبًا لم يتناوَله في كتبه الأخرى، وهو بيان ضعف أخذ الثاني: التفسير من خلال اللغة المحضة إذا قورن بأخذه من خلال أقوال السلف؛ فقد توسَّع في بيان هذا الأمر، والاستدلال عليه. ومع ذلك لم نغفل عن طرحه لهذه المسألة في كتبه الأخرى، فقد تتبعناها فيها، وذكَرنا كلامه منها في بحثنا هذا، من باب التعضيد أو لمزيد إيضاح أو لفائدة. التنبيه الثاني: هو أن الناظر في كلام ابن تيمية في أثناء تناوُله لقضية توقُّف التفسير على أقوال السلف يَجِدُ أن تناوُلَه لها كان في سياق الردِّ على المعتزلة والمتكلمين؛

عدد الصفحات ١٢

www.tafsir.net (13) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) إذ يَرَى أنهم يَعتمِدون في تأويلاتهم للقرآن وتفسيرهم له على عقولهم واللغة المحضة، ولا يُلْقُون بالاً للوارد عن السلف في ذلك، ومنه قوله والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأوَّلوه من اللغة؛ ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين؛ فلا يعتمدون لا على السُّنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة ولعلَّ المطَّلِع على بحثنا هذا يسأل: إذا كان تقرير ابن تيمية لمسألة توقُّف التفسير على أقوال السلف كان في سياق عامٍّ يتناول فيه ابن تيمية الأبعاد المعرفيّة والأصول الكلية الضابطة للتعامل مع النصوص الشرعية، وهي التي خالَف فيها المتكلِّمون السلفَ، وهذا أعمُّ ممَّا أردتم تقريره في بحثكم هذا الذي قصرتم الكلام فيه على توقُّف التفسير على أقوال السلف، فكيف قررتم هذا الخاصّ من خلال هذا العامّ؟ وإن كان الكلام على توقُّف التفسير على أقوال السلف أخصّ من طرح قلنا: ابن تيمية الأعمّ، إلاَّ أنّ تنظيره للمسألة، وتفريعات كلامه فيها، وتتبُّع ما كتبه حولها جعلَنا نقرِّر أن تقريرنا لهذه المسألة لا يَقْدَح فيه أنها قِيلت في سياق أعم منه. وسيَظهَر لك هذا في أثناء معالجتنا للبحث، بالإضافة إلى أن هذا الذي قرَّرناه من أن مذهب ابن تيمية هو توقُّف التفسير على أقوال السلف -هو ما قرَّره جَمْعٌ من الباحثين، كما سيأتي النصُّ عليه في المطلب التالي. هو أننا في مناقشتنا لابن تيمية، قد استعنَّا بما يُفِيد في ذلك من التنبيه الثالث: كتابات الأصوليين والمفسرين واللغويين، إلاَّ أننا قد عوَّلنا بقدرٍ غير قليل على كلام أبي حيان في هذه المسألة؛ إذ قد ناقشَ أبو حيان أحد معاصِرِيه في مقدمة 119/1(

عدد الصفحات ١٣

www.tafsir.net (14) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) كتابه يومًا مع بعض مَنْ عاصرنا، فكان يَزعُم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فَهم معاني تراكيبه بالإسناد إلى مجاهد، وطاووس، وعكرمة، وأضرابِهم، وأن فَهم الآيات متوقِّف على ذلك وقد ترجَّح لنا أنه كان يعنِي بهذا المعاصِر ابنَ تيمية، وهو الذي عناه بقوله السابق، ودليلنا على ذلك: 1 بالقول به ابنُ تيمية، وما ذكَره أبو حيان هو ما يَذْكُره ابنُ تيمية عينه في كتبه كمَا سيظهر -إن شاء الله- في أثناء البحث، ومعروف أن أبا حيان وابن تيمية كانت بينهما نزاعات عِلمية، فكان أبو حيان يعتني بتعقُّب ابن تيمية؛ فقد تَعقَّبه الماد « عاصَرَنا 2 فأمَّا ابن حجر العسقلاني (ت صحيح؛ فقد قال عنه في أثناء ردِّه عليه في مسألة بحثنا العقلاء؟ 16/1( 2( .)17/3( .)16/4( .)17/5(

عدد الصفحات ١٤

www.tafsir.net (15) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) واعتمادنا على ما سبَق من أدلة بالإضافة إلى ممارسة كلام ابن تيمية وأبي حيان في المسألة محلّ بحثنا جعلَنا نقطَع أو يغلِب على ظنِّنا أن هذا المعاصِر في كلام أبي حيان في تفسيره ولم نجعَل دراستنا هذه دراسة موازنة بين ابن تيمية وأبي حيان؛ لأن أبا حيان لم يناقش ابن تيمية في كلِّ ما ذكَره من أدلة عرَض لها في كتبه؛ لأن أبا حيان قد ردَّ عليه ردًّا مجمَلاً، وبطريق العَرَض. ولهذا فإذا كان لأبي حيان مناقشة لابن تيمية ذكَرنا كلام أبي حيان وبيَّناه، وقد نعضده بغيره، وإن كان في ردِّ أبي حيان نظر، أوضحناه وبيَّنا جانب الضعف فيه. وأما ما لم يكن لأبي حيان فيه كلام وثبَت لنا عدم نهوض كلام ابن تيمية وضعفه، فإننا اجتهدنا في تحصيل ما نَــرُدُّ به على ابن تيمية من العِلم اللائق بالكلام؛ فإذا كان الكلام في اللغة استعنَّا بكلام اللغويين والنحاة، وإن كان الأمر متعلِّقًا بالنظر والاستدلال رجَعنا إلى كلام الأصوليين، وإن كان متعلِّقًا بمباحث التفسير رجَعنا إلى كتب التفسير وعلوم القرآن. : هو أننا في هذا البحث قد اقتصرنا على البُعد الاستدلالي الذي التنبيه الرابع اعتمد عليه ابن تيمية، فناقشناه فيما استعان به من أدلة، ولم نقصِد إلى تتبُّع التطبيقات العملية المتعلِّقة بالمسألة، فهذا أمر يحتاج إلى دراسة مستقلة، بل إلى دراسات، بالإضافة إلى أن ذِكر الأمثلة العملية في الدراسات التي تُعنى بالتأصيل والاستدلال ليس شرطًا فيها، ومع ذلك لم نُخْلِ البحث من التدليل التطبيقي على ما يقرِّره ابن تيمية تنظيرًا واستدلالاً، حتى يطمئن المطَّلِع على بحثنا هذا أنّ ما أصَّلنا له من مذهب ابن تيمية صحيحٌ موافِقٌ لمَا مارَسه عمليًّا فيما تَعرَّض لتفسيره من آيات القرآن. sss

عدد الصفحات ١٥

www.tafsir.net (16) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) المطلب الثالث مدخل عامّ حول قضية البحث إنّ مسألة توقُّف فَهم القرآن وتفسيره على أقوال السَّلف ذاتُ محورَيْن لا يَنفكُّ أحدهما عن الآخَر، وهُما: حُكم الرجوع -ابتداءً- لأخذ معاني القرآن من خلال أقوالهم، وحُكم الخروج عن أقوالهم بقول جديد لم يُنقَل عنهم؛ لأن الذي لا يَرَى الرجوع إلى أقوالهم -ابتداءً- واجبًا؛ سيُجوِّز -قطعًا- الخروج عن أقوالهم، ومَن رأَى وجوب الرجوع كابن تيمية سيَمْنَع من الخروج عن أقوالهم بإحداث تأويل جديد. والحاكم في قضية إيجاب الرجوع إلى أقوالهم وعدمه هي النظرة إلى الآلة المنوط أن يَتمَّ فَهم القرآن من خلالها، وهي اللغة؛ فإن الذين لا يَرون ضرورة الرجوع إلى أقوال السَّلَف يَنظرون إلى أن القرآن نزَل بالعربية كمَا جاء ذلك في غير ما آية من القرآن، فمَن أَتقَن هذه اللغة وحصَّل القدر الذي يَستطيع من خلاله أن يَفهم معاني ألفاظ القرآن وتراكيبه -فلا يَلزَمه أن يَرْجِع إلى أحدٍ بعد ذلك ليُفهِمه تلك المعاني؛ ولهذا فإن أبا حيان الأندلسي وهو المتبنِّي القول بعدم توقُّف تفسير القرآن على أقوالهم يَنصُّ على أن مَن يُلزِم مَن أَلَمَّ بعلوم اللغة التي تؤهِّله إلى فَهم النصّ القرآن بالرجوع إلى غيره ليُفهمه إياه -فإن قائل هذا لا يُعَدُّ من العقلاء وأولُ مَن قرَّر هذه الرؤية ونظَّر لها -في حدود اطلاعنا- التي تبناها أبو حيان هو القاضي عبد الجبار (ت فصلٌ في أنّ مراد الله تعالى بالقرآن لا يَختَصُّ بمَعرِفة الرسول ولا السَّلَف. 16/1( .)361/2( ً

عدد الصفحات ١٦

www.tafsir.net (17) بحوث القَولُ بِتَوَقُّفِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ عَلَى أَقْوَالِ السَّلَف www.tafsir.net (PP) وفي تقلُّد أبي حيان هذه الرؤية التي تبنَّاها القاضي عبد الجبار -وهو معتزلي إيحاءٌ بأن المسألة عنده بعيدة الصِّلة عن البُعد الكلامي العقدي؛ لأن من المعروف أن أبا حيان على مذهب الأشاعرة المناوئين للمعتزلة، بل كان كثير الحطِّ عليهم في تفسيره مذهبهم الكلامي. والمتأمِّل صنيع ابن تيمية المخالِف لهذه الرؤية يَجِدُ أن تقريره لرؤيته هذه إنما كان في الأصل للرَّد على المعتزلة والمتكلِّمين لعدم اعتبارهم الوارد عن السَّلَف في تأويل القرآن وخروجهم عن أقوالهم فيه وهذا البُعد العقدي في تقرير هذه المسألة -في رأينا- هو الباعث والمحرِّك لابن تيمية في تقلُّد القول بتوقُّف التفسير على أقوال السَّلَف، وعدم جواز إحداث تأويل لم يقولوا به -كمَا سيأتي بيانه في أثناء الدراسة-؛ إذ الناظر في تقرير ابن تيمية لهذه المسألة، وهو كثير التعرُّض لها في كتبه، يجد أن تعرَّضه لها في الغالب إنما كان في سياقٍ كلامي محض وعلى كلٍّ فإن ابن تيمية قد ذَهَب إلى توقُّف التفسير على أقوال السَّلَف، ويَدُلُّ عليه قوله قوم فسَّروا الآية بقول آخَر؛ لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان -صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. 89/272/511/1( 2( 3( .)412/الفتاوى َّ

عدد الصفحات ١٧