المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جامع أحكام الجان

محمد بن نصر أبي جبل

صفحة ١ من ٣٧

جامع أحكاـ الجاف تأليف: محمد بن نصر أبي جبل

عدد الصفحات ١

- 2 - المقدمة إف الحمد لله نحمده كنستعينو كنستغفره، كنعوذ بالله من شركر أنفسنا كسيئات أعمالنا، من يهده الله فلب مضل لو، كمن يضلل فلب ىادم لو، كأشهد ألا إلو إلا الله كحده لا شريك لو، كأشهد أف محمدنا عبده كرسولو. {يىا أىيػُّهىا الَّذًينى آمىنيوا اتػَّقيوا اللَّوى حىقَّ تػيقىاتًوً كىلاى تىميوتينَّ إًلاَّ كىأىنتيم مُّسٍلًميوفى } (آؿ عمراف: َُِ). {يىا أىيػُّهىا النَّاسي اتػَّقيوا رىبَّكيمي الَّذًم خىلىقىكيم مّْن نػَّفٍسو كىاحًدىةو كىخىلىقى مًنػٍهىا زىكٍجىهىا كىبىثَّ مًنػٍهيمىا رًجىالان كىثًيران كىنًسىاءن كىاتػَّقيوا اللَّوى الَّذًم تىسىاءىليوفى بًوً كىالأىرٍحىاـى إًفَّ اللَّوى كىافى عىلىيٍكيمٍ رىقًيبان }النساء: ُ). {يىا أىيػُّهىا الَّذًينى آمىنيوا اتػَّقيوا اللَّوى كىقيوليوا قػىوٍلان سىدًيدان *ييصٍلًحٍ لىكيمٍ أىعٍمىالىكيمٍ كىيػىغٍفًرٍ لىكيمٍ ذينيوبىكيمٍ كىمىن ييطًعً اللَّوى كىرىسيولىوي فػىقىدٍ فىازى فػىوٍزان عىظًيمان }الأحزاب: َٕ، ُٕ). أما بعد: فكما ىو معلوـ فالجن عالم غير عالم الإنساف كعالم الملبئكة، بينهم كبين الإنساف قدر مشترؾ من حيث الاتصاؼ بصفة العقل كالإدراؾ، كمن حيث القدرة على اختيار طريق الخير كالشر، كيخالفوف الإنساف في أمور أىمها أف أصل الجاف مخالف لأصل الإنساف. ك قد سمو جنٌان لاجتنانهم، أم: استتارىم عن العيوف، قاؿ ابن عقيل: " إنما سمٌي الجن جنٌان لاجتنانهم كاستتارىم عن العيوف، كمنو سمي الجنين جنينان، كسمٌي المجنٌ مجنان لستره للمقاتل في الحرب ". كقد من الله علي بكتاب "جامع أحكاـ الإيماف بالجاف" كقد تكلمت فيو عن الأحكاـ المتعلقة بالجاف جملة كتفصيلب، فما كاف فيو من حقٌ كصواب فمن الله كحده {كىلاى

عدد الصفحات ٢

- 3 - ييحًيطيوفى بًشىيٍءو مًنٍ عًلٍمًوً إًلاَّ بًمىا شىاءى }البقرة: ِٓٓ) ،كىعىلَّمىكى مىا لىمٍ تىكينٍ تػىعٍلىمي } (النساء: ُُّ) ، كما كاف فيو من تقصير كخطأ فمن نفسي كالشَّيطاف، كأستغفر الله. فللو الحمد كالشكر كالمنَّة، كالثَّناء الحسن، على فضلو، كتيسيره، كإعانتو، كتوفيقو كالحمد لله أكلا كآخرنا. إف تجد عيبنا فسدَّ الخللب * جلَّ من لا عيبى فيو كعلب فأسألك اللهم أف تجعل عملي في ىذا الكتاب من الجهاد في سبيلك، كأف تجعلو من موازيني كصحائفي يوـ العرض عليك، كبيض بو كجهي يوـ تبيض كجوه أىل السنة كالائتلبؼ كتسود كجوه أىل الفرقة كالاختلبؼ. كصلى الله كسلم على نبينا محمد كعلى آلو كصحبو. كتبو: محمد بن نصر أبي جبل

عدد الصفحات ٣

- 4 - (باب الإيماف بوجود الجنُ) ُ كرد لفظ الجن في القرآف الكريم في آيات كثيرة، كسميت باسمهم سورة ىي سورة الجن، ككرد في السنة المطهرة كذلك ذكر الجن في مواضع متعددة، ككل ذلك إنما يدؿ على أىمية ىذا المخلوؽ، إذ أنو يشاطر الإنس في التكليف، قاؿ تعالى: كىمىا خىلىقٍتي الٍجًنَّ كىالإًنسى إًلا لًيػىعٍبيديكفً [الذاريات: ٔٓ]، كعلى ىذا فما ىو ىذا المخلوؽ؟. الجن بالكسر: اسم جنس جمعي كاحده جني، كىو مأخوذ من الاجتناف، كىو التستر كالاستخفاء. كقد سموا بذلك لاجتنانهم من الناس فلب يركف، كالجمع جناف كىم الجنة. كعلى ىذا فهم ضد الإنس، لأف الإنس سمي بذلك لظهوره، كإدراؾ البصر إياه، فيقاؿ: آنست الشيء: إذا أبصرتو. كيقاؿ: لا جنَّ بهذا الأمر: أم لا خفاء بو كلا ستر. كالمجن بالكسر: ىو الترس، لأف المقاتل يستتر بو من الرامي كالطاعن كغير ذلك. ككل شيء كقيت بو نفسك كاستترت بو فهو جنة. كمنو قوؿ الرسوؿ صلى الله عليو كسلم: ( .. كالصياـ جنة). أم كقاية، لأنو يقي صاحبو من المعاصي. كجن الرجل جنونان كأجنو الله فهو مجنوف: إذا خفي عقلو كاستتر، كجن الرجل كذلك: أعجب بنفسو حتى يصير كالمجنوف من شدة إعجابو. كقاؿ القتيبي: كأحسب قوؿ الشنفرم من ىذا: فلو جن إنساف من الحسن جنت .. قاؿ شيخ الإسلبـ في مجموع الفتاكل ( ُٕ/ْٔٔ): كالإنس سموا إنسا لأنهم يؤنسوف أم يركف . كما قاؿ تعالى { :إني آنست نارا }أم رأيتها كالجن سموا جنا لاجتنانهم يجتنوف عن الأبصار أم يستتركف . كما قاؿ تعالى : {فلما جن عليو الليل }أم استولى عليو فغطاه كستره كليس أحد من الإنس يستتر دائما عن أبصار الإنس كإنما يقع ىذا لبعض الإنس في بعض الأحواؿ : تارة على كجو الكرامة لو كتارة يكوف من باب السحر كعمل الشياطين كلبسط الكلبـ على الفرؽ بين ىذا كبين ىذا موضع آخر . أسماء الجن في لغة العرب: قاؿ ابن عبد البر: الجن عند أىل الكلبـ كالعلم باللساف على مراتب: ُ - فإذا ذكركا الجن خالصان قالوا جني. ِ - فإذا أرادكا أنو مما يسكن مع الناس، قالوا: عامر كالجمع عمار. ّ - فإف كاف مما يعرض للصبياف قالوا: أركاح. ْ - فإف خبث كتعرض قالوا: شيطاف. ٓ - فإف زاد أمره على ذلك كقوم أمره قالوا: عفريت. أما تعريف الجن اصطلبحا: يستخلص من التعريفات المتعددة للجن: بأنهم نوع من الأركاح العاقلة، المريدة، المكلفة على نحو ما عليو الإنساف، مجردكف عن المادة، مستتركف عن الحواس، لا يركف على طبيعتهم، كلا

عدد الصفحات ٤

- 5 - ثبت كجود الجن بالقرآف كالسنة كعلى ذلك انعقد الإجماع ، فمنكر كجودىم كافر لإنكاره ما علم من الدين بالضركرة . كلقد أفاض القرآف الكريم كالسنة النبوية في الحديث عن الجن كأحوالهم في مواضع كثيرة، فقد كرد ذكرىم في القرآف في مواضع متعددة تقرب من أربعين موضعان عدا عن الآيات التي تحدثت عن الشيطاف كىي كثيرة، كانفردت سورة كاملة للحديث عن أحواؿ النفر الذين استمعوا للقرآف من الرسوؿ عليو الصلبة كالسلبـ كىو بمكة ىي سورة الجن، إذ كرد في مطلعها إخبار الله لنبيو باستماع ىذا النفر للقرآف، قاؿ تعالى: قيلٍ أيكحًيى إًلىيَّ أىنَّوي اسٍتىمىعى نػىفىره مّْنى الٍجًنّْ فػىقىاليوا إًنَّا سىمًعٍنىا قػيرٍآننا عىجىبنا يػىهٍدًم إًلىى الرُّشٍدً فىآمىنَّا بًوً كىلىن نُّشٍرًؾى بًرىبػّْنىا أىحىدنا [الجن:ُ - ِ] كاعتبرىم القرآف نوعان آخر يشترؾ مع الإنساف في التكليف كإف اختلف عنهم في الصفات، فجاءت كثير من خطابات التكليف شاملة للجن كالإنس قاؿ تعالى: كىمىا خىلىقٍتي الٍجًنَّ كىالإًنسى إًلا لًيػىعٍبيديكفً [الذاريات: ٔٓ]كقاؿ: يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإًنسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مّْنكيمٍ يػىقيصُّوفى عىلىيٍكيمٍ آيىاتًي كىيينذًريكنىكيمٍ لًقىاء يػىوٍمًكيمٍ ىىذىا [الأنعاـ: َُّ]، كرتب القرآف الجزاء لهم حسب أعمالهم في الدنيا فقاؿ: كىلىكًنٍ حىقَّ الٍقىوٍؿي مًنّْي لأىمٍلؤىفَّ جىهىنَّمى مًنى الٍجًنَّةً كىالنَّاسً أىجٍمىعًينى [السجدة: ُّ]، كقاؿ في معرض الحديث عن نعيم الجنة: فًيهًنَّ قىاصًرىاتي الطَّرٍؼً لىمٍ يىطٍمًثػٍهينَّ إًنسه قػىبػٍلىهيمٍ كىلا جىافّّ بصورتهم الحقيقية، كلهم قدرة على التشكل، يأكلوف، كيشربوف، كيتناكحوف، كلهم ذرية، محاسبوف على أعمالهم في الآخرة. كىذا التعريف يعطي الصفات البارزة لهذا العالم الذم نجهل الكثير عن طبيعة حياتو، لأنو غائب عن حواسنا، ... كبناء على ما تقدـ فإف الجن خلق يغاير طبيعة البشر من حيث الشكل كأصل المادة التي خلقوا منها، إذ أنهم مخلوقوف من النار، بعكس الإنساف الذم خلق من الطين قاؿ تعالى: خىلىقى الإًنسىافى مًن صىلٍصىاؿو كىالٍفىخَّارً كىخىلىقى الٍجىافَّ مًن مَّارًجو مّْن نَّارو [الرحمن : ُْ - ُٓ] ككذلك فإف ىذا المخلوؽ لو حياتو الخاصة من حيث الطعاـ كالشراب، يختلف فيها عن الإنساف، كغير ذلك مما يختص بو من الصفات .. عالم الجن في ضوء الكتاب كالسنة (صّ ،ٖ)، ك عالم الجن كالشياطين لعمر سليماف الأشقر (ص ُِ).

عدد الصفحات ٥

- 6 - [الرحمن : ٔٓ]كتحدل الله الجن كالإنس أف يأتوا بمثل ىذا القرآف فقاؿ: قيل لَّئًنً اجٍتىمىعىتً الإًنسي كىالٍجًنُّ عىلىى أىف يىأٍتيواٍ بًمًثٍلً ىىذىا الٍقيرٍآفً لاى يىأٍتيوفى بًمًثٍلًوً كىلىوٍ كىافى بػىعٍضيهيمٍ لًبػىعٍضو ظىهًيرنا [الإسراء: ٖٖ]، كاستنكر القرآف المزاعم التي تقوؿ بأف الجن يعلموف الغيب فقاؿ في معرض الحديث عن موت سليماف عليو السلبـ: فػىلىمَّا خىرَّ تػىبػىيػَّنىتً الٍجًنُّ أىف لَّوٍ كىانيوا يػىعٍلىميوفى الٍغىيٍبى مىا لىبًثيوا فًي الٍعىذىابً الٍميهًينً [سبأ: ُْ]كغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن أحواؿ ىذا المخلوؽ. كمعلوـ أف القرآف الكريم قد ثبتت صحتو، لأنو منقوؿ إلينا بالتواتر، فعلى ىذا الأساس لا مجاؿ لإنكار ىذا النوع من المخلوقات متى كاف الخبر صادقان، كإنكارىم يكوف تكذيبان لخبر الله عنهم دكف حجة أك برىاف، كذلك لا يكوف إلا من سمات الجاىلين أك الكافرين، ككجودىم بشكل قاطع لا يحتمل التأكيل بأم شكل من الأشكاؿ. كأما السنة النبوية فقد كرد ذكرىم في أحاديث كثيرة، كىذه الأحاديث بمجملها تبين أحواؿ ىذا المخلوؽ، من حيث المادة التي خلقوا منها، كمن حيث طعامهم كشرابهم كتناسلهم كمطالبتهم بالتكاليف الشرعية، كمحاسبتهم في الآخرة، بالإضافة إلى الأحاديث التي تبين إمكانية رؤيتهم بمختلف الصور التي يتشكلوف فيها، كغيرىا من الأحاديث التي تشرح أحوالهم، قاؿ الدميرم في حياة الحيواف الكبرل (ُ/ َِٔ): (كاعلم أف الأحاديث في كجود الجن كالشياطين لا تحصى، ككذلك أشعار العرب كأخبارىا، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما ىو معلوـ بالتواتر) ا.ىػ. فمن حيث بياف أصل المادة التي خلقوا منها، فقد أكرد الإماـ مسلم في صحيحو من حديث عركة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: (خلقت الملبئكة من نور، كخلق الجاف من مارج من نار، كخلق آدـ مما كصف لكم)ُ. كما كرد من الأحاديث في تكليم الرسوؿ صلى الله عليو كسلم الجن كقراءتو ُ أخرجو مسلم (ِٔٗٗ).

عدد الصفحات ٦

- 7 - القرآف عليهم كدعوتهم إلى الله في أكثر من مرة، كقد كاف ابن مسعود رفيقان للرسوؿ عليو السلبـ في كثير منها ... كىذه الأحاديث في كثير منها أحاديث صحيحة، ركاىا الثقات من الصحابة كالتابعين عن الصادؽ المصدكؽ عليو الصلبة كالسلبـ، فلب مجاؿ لتكذيبها أك تأكيلها تأكيلبن فاسدان يخرج عن المقصود منها. كقد فصلت ىذه الأحاديث كثيران من أحواؿ الجن كصفاتهم، كمتى ثبتت صحتها، فإف المكذب بها يكوف مكذبان للقرآف، الذم نص على كجوب الإيماف بما أخبر بو عليو الصلبة كالسلبـ، قاؿ تعالى: (فىآمًنيوا بًاللَّوً كىرىسيولًوً كىالنُّورً الَّذًم أىنزىلٍنىا كىاللَّوي بًمىا تػىعٍمىليوفى خىبًيره ) [التغابن: ٖ]، كقاؿ: (يىا أىيػُّهىا الَّذًينى آمىنيواٍ آمًنيواٍ بًاللهً كىرىسيولًوً كىالٍكًتىابً الَّذًم نػىزَّؿى عىلىى رىسيولًوً كىالٍكًتىابً الَّذًمى أىنزىؿى مًن قػىبٍلي كىمىن يىكٍفيرٍ بًاللهً كىمىلبىئًكىتًوً كىكيتيبًوً كىريسيلًوً كىالٍيػىوٍـً الآخًرً فػىقىدٍ ضى لَّ ضىلبىلان بىعًيدنا) [النساء: ُّٔ] على أف ىذه الأدلة السمعية الواردة عن الرسوؿ صلى الله عليو كسلم في كجود الجن، لها في نفس الوقت دلالات حسية كذلك على كجودىم، إذ قد ثبت رؤيتهم لو عليو السلبـ كلنفر من أصحابة الذين رافقوه عند ذىابو لتكليم الجن كقراءة القرآف عليهم، كمثل ىذا قد حصل لأبي ىريرة عندما جاءه الشيطاف في صورة رجل فقير فجعل يحثو من ماؿ الصدقة ... ككما كرد عن ابن عباس (أف امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليو كسلم فقالت: يا رسوؿ الله إف ابني ىذا بو جنوف، كأنو يأخذه عند غدائنا كعشائنا فيخبث علينا، فمسح رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم صدره كدعا، فثع ثعة، كخرج من جوفو مثل الجرك الأسود يسعى)ُ. ُ أخرجو أحمد (ُ/ِّٗ)، كالدارمي (ُٗ)، كابن أبي شيبة في المصنف (َِّٖٓ) كالطبراني في الكبير (ُِ/ٕٓ)، كأبو نعيم في دلائل النبوة (ّٓٗ) كالحديث قاؿ عنو ابن كثير في البداية كالنهاية ( ٔ/ِٖٗ): غريب من ىذا الوجو –فيو- فرقد السبخي فيو كلبـ كلو شاىد ، ك لأجل فرقد السبخي ضعف الحديث البوصيرم في إتحاؼ الخيرة (ْ/ُْٔ)، ك الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (ِ/ّٕٓ)، كضعفو العلبمة الألباني في المشكاة (ِّٗٓ) ككذا ضعفو الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ْ/ّٕ) بقولهم: إسناده ضعيف، فرقد السبىخي: ىو فرقد بن يعقوب السبخي قاؿ البخارم: في حديثو مناكير، كقاؿ أحمد كأبو حاتم: ليس بالقوم، كقاؿ يحيى القطاف: ما تعجبني الركاية عنو، كضعفو ابن سعد كابن المديني كالنسائي كيعقوب بن شيبة كغيرىم.

عدد الصفحات ٧

- 8 - فهذه قصة سمعية من جهة، حسية من جهة أخرل، حيث دلت على رؤية الحاضرين للجني على شكل جرك أسود يسعى، كما حصل ذلك من أخذ الرسوؿ عليو السلبـ للشيطاف كخنقو إياه عندما جاءه ليقطع صلبتو، حتى كجد برد لعابو على يديو الشريفتين. كغير ذلك من الركايات التي تحمل دلالات حسية على رؤية الجن مما لا يجعل مجالان للشك في كجودىم..... ك العقل لا يمنع من كجود عوالم غائبة عن حًسّْنا، لأنو قد ثبت كجود أشياء كثيرة في ىذا الكوف لا يراىا الإنساف كلكنو يحس بوجودىا، كعدـ رؤية الإنساف لشيء من الأشياء لا يستلزـ عدـ كجوده، كالقاعدة العلمية تقوؿ: عدـ العلم بوجود شيء لا يستلزـ عدـ كجوده. أم عدـ رؤيتك للشيء الذم تبحث عنو لا يستلزـ أف يكوف بحد ذاتو مفقودان، إذ أف الموجودات أعظم من المشاىدات، أم ليس كل الموجودات خاضعة لحاسة الرؤية، أك لمطلق الحواس... كقد ثبت عن طريق القرآف الذم لا يأتيو الباطل من بين يديو كلا من خلفو، كمن طريق السنة الصحيحة كجود عالم يختلف عن الإنساف يسمى عالم الجن، كىذا القرآف ليس من تأليف الرسوؿ عليو السلبـ، أك من تأليف أحد من البشر على الإطلبؽ، فعندئذ كجب التصديق بهذا الإخبار الصحيح عن الله عز كجل كعن رسولو صلى الله عليو كسلم، كلا اعتبار بجهل الإنساف بهذا العالم ما داـ المخبر صادقان . كلا يدعي إنساف عاقل على الإطلبؽ أنو رأل الميكركبات بالعين المجردة التي لا ترل إلا بالمجهر بعد تكبيرىا آلاؼ المرات، لأف السبب في عدـ رؤيتها أف حاسة البصر عند الإنساف غير مؤىلة لهذه الرؤية، ما دامت الرؤية لهذا البصر محدكدة في مجاؿ العالم المشهود للئنساف، قاؿ محمد رشيد رضا في تفسير المنار (ٖ/ ّٔٔ): (كلو كاف الاستدلاؿ بعدـ رؤية الشيء على عدـ كجوده صحيحان كأصلبن ينبغي للعقلبء الاعتماد عليو، لما بحث عاقل في الدنيا عما في الوجود من المواد كالقول المجهولة، كلما كشفت ىذه الميكركبات التي ارتقت بها علوـ الطب كالجراحة إلى

عدد الصفحات ٨

- 01 - الدرجة التي كصلت إليها، كلا تزاؿ قابلة للبرتقاء بكشف أمثالها، كلما عرفت الكهرباء التي أحدث كشفها ىذا التأثير العظيم في الحضارة، كلولم تكشف الميكركبات - كأخبر أمثالهم بها في القركف الخالية - لعدكه مجنونان، كجزموا باستحالة كجود أحياء لا ترل، إذ يوجد في نقطة الماء ألوؼ الألوؼ منها، كأنها تدخل في الأبداف من خرطوـ البعوضة أك البرغوث .. الخ، كما أف ما يجزـ بو علماء الكهرباء من تأثيرىا في تكوين العوالم، كما تعرفو الشعوب الكثيرة الآف من تخاطب الناس بها من البلبد البعيدة بآلات التلغراؼ كالتليفوف اللبسكلية - كلو مما لم يكن يتصوره عقل، كقد كقع بالفعل). كيقوؿ أيضان كما في فتاكل الإماـ محمد رشيد رضا (ُ/ ِِٓ): (كيعجبني قوؿ الدكتور (فانديك) في كلبمو عن الحواس الخمس إذ يقوؿ: لو كانت لنا حواس أخر فوؽ الخمس التي لنا، لربما توصلنا بها إلى معرفة أشياء كثيرة لا نقدر على إدراكها بالحواس الخمسة التي نملكها، كلو كانت حواسنا الموجودة أحدَّ مما عليو لربما أفادتنا أكثر مما تفيدنا كىي على حالتنا الحاضرة، كلو كاف سمعنا أحدَّ لربما سمعنا أصواتان تأتينا من عالم غير ىذا الذم نحن فيو)، كلكن حكمة الله اقتضت أف تكوف حواسنا كما ىي عليو الآف. كقد أثبتت التجارب كجود أشياء كثيرة في ىذا الكوف مع أف الإنساف لا يراىا، فالكهرب الذم يسرم في السلك موجود كلكننا لا نراه، كالموجات الصوتية التي تنتقل عبر الأثير نحس بها كنلمس آثارىا، خاصة في ىذا العصر الذم ارتقت فيو المعارؼ كالعلوـ ارتقاء عجيبان ... كباسم المنهج التجريبي في البحث أنكر كثير من المنتسبين لو كجود مخلوقات تسمى بالملبئكة كالجن، كلم يكن لهم حجة يلجأكف إليها في إنكار ذلك إلا أنهم لم يشاىدكىا كلم يضعوىا تحت المجهر أك في أنابيب الاختبار، ليجركا عليها التجارب، في الوقت الذم يتحدثوف فيو للبشرية عن كجود الجاذبية كالمغناطيسية كالكهرب، كغيرىا من الأشياء التي تغيب عن حواسنا، كلقد أخطأت الحضارة الغربية كغيرىا من الحضارات المادية عندما آمنت بالعقل كجحدت

عدد الصفحات ٩

- 00 - ما سواه، كعاشت تحت ظلبؿ كثنية عقلية، ىي أخطر ألواف الوثنيات كأشدىا إذلالان كإىدارا للقيم الإنسانية العليا، كىذا العقل الذم عبدتو ىذه الحضارة شيء عظيم حقان في عالم الحس كالمشاىدة، لأنهما يخضعاف لهذا العقل في مجاؿ التجربة كالاختبار، أما ما كراء الحس كالمشاىدة، فلب مجاؿ للعقل أف يحكم على ذلك بالظنوف كالتخرصات، كفي الوقت الذم نجد فيو إبداع ىذه الحضارة المادية في مجاؿ الماديات، نجدىا في الجانب الآخر قد تعثرت تعثرا مضحكان في المعنويات كالأخلبقيات كالعبادات، كفي كافة ما يتصل بأمور الغيب كالركح كالإلهاـ كالوحي، لأنها أمور فوؽ الحس كالمشاىدة.... كمع شهرة ىذه الإدلة ككضوحها فقد انقسم الناس قديمان كحديثان في أمر الجن إلى مذاىب شتى، فما بين مثبت لوجودىم، أك منكر، أك مؤكؿ لهم بشتى التأكيلبت الفاسدة، أك مغاؿو في قدرتهم كسلطانهم في الأرض، إلى غير ذلك من المذاىب كالتصريفات المختلفة في شأف ىذا المخلوؽ. كيمكن إجماؿ ىذه المذاىب فيما يلي: ُ - مذىب أىل السنة كالجماعة: الذم عليو أىل السنة كالجماعة من المسلمين كىو إثبات كجود مخلوقات غائبة عن حواسنا تسمى الجن، كأنها لا تظهر إلا أذا تشكلت في صور غير صورىا في بعض الأحواؿ كلبعض الناس، كأنها مخلوقات عاقلة مكلفة بالتكاليف الشرعية على نحو ما عليو البشر، كأنهم يأكلوف، كيشربوف، كيتناكحوف كلهم ذرية. قاؿ ابن حزـ في الفصل في الملل كالأىواء كالنحل (ٓ/ ُِ): لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله عز كجل بصدقهم بما أبدل على أيديهم من المعجزات المحلية للطبائع بنص الله عز كجل كعلى كجود الجن في العالم، كجب ضركرة العلم بخلقهم ككجودىم، كقد جاء النص بذلك كبأنهم أمة عاقلة مميزة، متعبدة، موعودة متوعدة، متناسلة، يموتوف. كأجمع المسلموف كلهم على ذلك ا. ىػ.

عدد الصفحات ١٠

- 01 - قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع الفتاكل (ُٗ/ ِّ): كجماىير الأمم يقر بالجن كلهم معهم كقائع يطوؿ كصفها كلم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهاؿ المتفلسفة كالأطباء كنحوىم كأما أكابر القوـ فالمأثور عنهم : إما الإقرار بها . كإما أف لا يحكى عنهم في ذلك قوؿ كمن المعركؼ عن بقراط أنو قاؿ في بعض المياه : إنو ينفع من الصرع لست أعني الذم يعالجو أصحاب الهياكل كإنما أعني الصرع الذم يعالجو الأطباء كأنو قاؿ طبنا مع طب أىل الهياكل كطب العجائز مع طبنا . كليس لمن أنكر ذلك حجة يعتمد عليها تدؿ على النفي كإنما معو عدـ العلم كقاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية أيضا في مجموع الفتاكل (ُٗ/ ٗ): لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في كجود الجن كلا في أف الله أرسل محمدان صلى الله عليو كسلم إليهم .. إلى أف يقوؿ: كىذا لأف كجود الجن تواترت بو أخبار الأنبياء تواتران معلومان بالاضطرار، كمعلوـ بالاضطرار أنهم أحياء عقلبء فاعلوف بالإرادة، بل مأموركف منهيوف، ليسوا صفات كأعراضان قائمة بلئنساف أك غيره كما يزعم بعض الملبحدة ا. ىػ. كقاؿ الحافظ في الفتح (ٔ/ّّْ): (قولو –أم البخارم- باب ذكر الجن كثوابهم كعقابهم) أشار بهذه الترجمة إلى إثبات كجود الجن كإلى كونهم مكلفين فأما إثبات كجودىم فقد نقل إماـ الحرمين في الشامل عن كثير من الفلبسفة كالزنادقة كالقدرية أنهم أنكركا كجودىم رأسا قاؿ كلا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآف كالأخبار المتواترة قاؿ كليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم قاؿ كأكثر ما استركح إليو من نفاىم حضورىم عند الإنس بحيث لا يركنهم كلو شاءكا لأبدكا أنفسهم قاؿ كإنما يستبعد ذلك من لم يحط علما بعجائب المقدكرات كقاؿ القاضي أبو بكر ككثير من ىؤلاء يثبتوف كجودىم كينفونو الآف كمنهم من يثبتهم كينفي تسلطهم على الإنس كقاؿ عبد الجبار المعتزلي الدليل على إثباتهم السمع دكف العقل إذ لا طريق إلى إثبات أجساـ غائبة لأف الشيء لا يدؿ

عدد الصفحات ١١

- 02 - على غيره من غير أف يكوف بينهما تعلق كلو كاف إثباتهم باضطرار لما كقع الاختلبؼ فيو إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أف النبي صلى الله عليو كسلم كاف يتدين بإثباتهم كذلك أشهر من أف يتشاغل بإيراده ا.ىػ كقاؿ ابن حجر الهيتمي في الفتاكل الحديثية (ص: ُِّ): كأما الجاف فأىل السنة كالجماعة يؤمنوف بوجودىم ا. ىػ ِ - مذىب جمهور الكفار كعامة أىل الكتاب كالمجوس، كجمهور الكنعانيين، كاليونانيين، كالركماف، كالهنود القدماء، كعامة مشركي العرب: الإقرار بوجود الجن، مع انحراؼ في تصورىم عن ىذا المخلوؽ، ىذه الطوائف المختلفة أقرت بوجود الجن، كلكن إقرارىم ىذا صاحبو تصورات فاسدة كمنحرفة، فمنهم من اعتبر أف الجن شركاء لله في الخلق كالتدبير، كمنهم من اعتبر أف للجن سلطانان في الأرض، كأنهم يعلموف الغيب، كمنهم من أثبت أخوة بين الله كإبليس - تعالى الله عن ذلك- إلى غير ذلك من التصورات المنحرفة ّ - مذىب أكثر الفلبسفة كجماعة من القدرية كالمعتزلة كالجهمية، ككافة الزنادقة قديمان كحديثان : إنكار الجن، بالإضافة إلى نفر قد أكلوا النصوص الدالة على كجود الجن تأكيلبن يدؿ على إنكارىم، كما سيأتي. قاؿ الإماـ القرطبي في تفسيره (ُٗ/ ٔ): كقد أنكر جماع من كفرة الأطباء كالفلبسفة الجن كقالوا: إنهم بسائط، كلا يصح طعامهم، اجتراء على الله كافتراء، كالقرآف كالسنة ترد عليهم ا. ىػ كقاؿ ابن تيمية في مجموع الفتاكل (ُٗ/ َُ): كجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أىل الكتاب من اليهود كالنصارل فهم مقركف بهم كإقرار المسلمين، كإف كجد فيهم من ينكر ذلك، ككما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك، كما يوجد في طوائف المسلمين كالجهمية كالمعتزلة من ينكر ذلك، كإف كاف جمهور الطائفة كأئمتها مقرين بذلك ا. ىػ.

عدد الصفحات ١٢

- 03 - كالملبحدة كالمتفلسفة يجعلوف الملبئكة قول النفس الصالحة، كالشياطين قول النفس الخبيثة. كما في مجموع الفتاكل (ْ/ ّْٔ). كقد أنكرت جماىير القدرية ككافة الزنادقة الجن قاؿ إماـ الحرمين كما في إيضاح الدلالة في عموـ الرسالة (صْ): ككثير من الفلبسفة، كجماىير القدرية، ككافة الزنادقة أنكركا الجن كالشياطين رأسان، كلا يبعد لو أنكر ذلك من لا يتدبر كلا يتشبث بالشريعة، كإنما العجب من إنكار القدرية مع نصوص القرآف كتواتر الأخبار كاستفاضة الآثار ا. ىػ كالذم يظهر أف المتأخرين من القدرية ىم الذين ينكركف كجود الجن مع اعتراؼ متقدميهم بذلك، قاؿ أبو بكر الباقلبني كما في إيضاح الدلالة في عموـ الرسالة (صٓ): ككثير من القدرية يثبتوف كجود الجن قديمان كينفوف كجودىم الآف، كمنو من يزعم أنهم لا يركف لرقة أجسامهم كنفوذ الشعاع فيها، كمنهم من قاؿ: إنما لا يركف لأنهم لا ألواف لهم ا. ىػ كأما المعتزلة فالمشهور عن أكثر العلماء أف الكثيرين منهم ينكركف كجود الجن، يقوؿ الجويني كما في كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ِّّ): كقد أنكرىم معظم المعتزلة، كدؿ إنكارىم إياىم على قلة مبالاتهم، كركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، كقد نصت نصوص الكتاب كالسنة على إثباتهم، كحق على اللبيب المعتصم بحبل الدين أف يثبت ما قضى العقل بجوازه، كنص الشرع على ثبوتو ا. ىػ. كقاؿ ابن حجر الهيتمي في الفتاكل الحديثية (ص: ُِّ).: كإنكار المعتزلة لوجودىم فيو مخالفة للكتاب كالسنة كالإجماع، بل ألزموا بو كفران لأف فيو تكذيب النصوص القطعية بوجودىم. كقاؿ الدميرم في حياة الحيواف الكبرل (ُ/ َِٔ): فإذا قيل: ما تقوؿ فيما حكى عن بعض المعتزلة أنو ينكر كجود الجن؟ قلنا: عجيب أف يثبت ذلك عمن يصدؽ بالقرآف كىو ناطق بوجودىم ا. ىػ.

عدد الصفحات ١٣

- 04 - كقد ذكر محمد رشيد رضا في تفسير المنار (ٕ/ ِٖٓ) أف الزمخشرم كشيعتو لم يكونوا من المنكرين لوجود الجن، كإنما الجن - كما يقولوف - من عالم الغيب، لا نصدؽ من خبرىم إلا ما أثبتو الشرع، أك ما ىو في قوتو من دليل الحس أك العقل، كلم يثبت شرعان ، كلا عقلبن ، كلا اختباران ، أف شياطين الجن تأكل الناس، كلا أنها تظهر لهم في الفيافي كما كانت تزعم العرب، كغير ذلك في طور الجهل كالخرافات ا. ىػ أما الزنادقة قديمان كحديثان كالدىرية كالملحدين من الشيوعيين كغيرىم فإنهم ينكركف الغيبيات بشكل عاـ، كيعتبركف أف الكوف كجد ىكذا صدفة، كعلى ىذا فهم يحاربوف الأدياف كيعتبركنها أفيوف الشعوب، كذلك كما تفعل الشيوعية في الوقت الحاضر، كليس لهؤلاء حجة في إنكار الغيبيات - كالجن من بينهم - إلا عدـ الإيماف بما لا يقع عليو الحس، كلا يعرؼ بالتجربة كالمشاىدة، كىي حجة ساقطة من أساسها، لا تقول على الوقوؼ أماـ الأدلة الكثيرة الناطقة بوجودىم شبو المنكرين لوجود الجن كالرد عليها: كجملة الشبو التي يتمسك بها المنكركف للجن تتلخص فيما يلي: ُ - أف الجن لو كانوا موجودين لوجب أف يكونوا أجسامان كثيفة أك لطيفة، كلو كانوا أجسامان كثيفة لرآىم كل إنساف سليم الحس، كلو كانوا أجسامان لطيفة لتمزقوا عند ىبوب الرياح كالعواصف، كللزـ أف لا يكوف لهم قدرة على الأعماؿ الشاقة كما يقوؿ مثبتو الجن على حد قولهم. كالجواب على ىذه الشبهة: أف الجن مجردكف عن المادة كالجسمية التي نشاىدىا في الأمور المحسوسة أمامنا كالبشر، كالدكاب، كالأشجار كغير ذلك، كلكن ىذا لا يمنع أف يجعل الله فيهم خاصية القدرة على التشكل بالأشكاؿ المختلفة: (إًنَّمىا أىمٍريهي إًذىا أىرىادى شىيٍئنا أىفٍ يػىقيوؿى لىوي كينٍ فػىيىكيوفي [ )يس: ِٖ]، كقد كردت الأحاديث الصحيحة في تشكلهم بمختلف الصور، فمعارضة ىذه النصوص بالظن إنما ىو تحكم بالباطل.

عدد الصفحات ١٤

- 05 - أما قولهم: إنهم لو كانوا أجسامان لطيفة لتمزقوا عند ىبوب الرياح كالعواصف فجوابو: لقد ثبت عند الفلبسفة أف النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار كالحديد كتخرج من الجانب الآخر، فلم لا يعقل مثلو في ىذه الصورة؟!، كعلى ىذا التقدير فإف الجن تكوف قادرة على النفوذ في بواطن الناس كعلى التصرؼ فيها، كأنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين كالوقت المعلوـ، فكل ىذه الأحواؿ احتمالات ظاىرة، كالدليل لم يقم على إبطالها، فلم يجز المصير إلى القوؿ بإبطالها كقد ثبت تسخيرىم للنبي سليماف عليو السلبـ بصريح القرآف، كقد كاف يراىم على صورىم الأصلية كما دؿ عليو ظاىر القرآف. ِ - أف ىذه الأشخاص المسماة بالجن لو كانوا حاضرين في ىذا العالم، مخالطين للبشر، فالظاىر الغالب أف يحصل لهم بسبب طوؿ المخالطة كالمصاحبة إما صداقة، كإما عداكة، فإف حصلت الصداقة كجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة، كإف حصلت العداكة كجب ظهور المضاد بسبب تلك العداكة، إلا أننا لا نرل أثران لا من تلك الصداقة كلا من تلك العداكة. كالجواب على ىذه الشبهة: أنو لا يشترط أف يحصل للئنساف من مصاحبة أحد صداقة أك عداكة يترتب عليهما المنافع كالمضار، كمع ذلك فإف الوقائع الصحيحة التي كردت في السنة تدؿ على أف بعض الجن قد حصل منهم إيذاء لبعض من يكرىونو من الأنس، كقد ثبت علبج الرسوؿ صلى الله عليو كسلم لبعض من صرعتهم الجن، كقد ثبت كذلك نفع الجن لبعض الإنس كما حصل مع أبي ىريرة عندما جاءه الشيطاف فجعل يحثو من الطعاـ كقد تكرر مجيئو ثلبث مرات، ككاف يزعم أنو لا يعود، حتى ىمَّ أبو ىريرة أف يرفع أمره للرسوؿ صلى الله عليو كسلم، فقاؿ الشيطاف عند ذلك: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، فعلمو آية الكرسي كقاؿ لو: اقرأىا فإنو لا يقربك شيطاف ، كغير ذلك مما قد ثبت في نفع الجن لبعض الناس كإضرارىم لبعض منهم.

عدد الصفحات ١٥

- 06 - ّ - إف الطريق إلى معرفة الجن إما الحس كإما المشاىدة كإما الدليل، كلم يثبت لنا بالحس كجودىم كرؤيتهم، كالذين يقولوف إنا أبصرناىم كسمعنا أصواتهم طائفة من المجانين يتخيلوف ذلك، كليست في الحقيقة كذلك، كأما الخبر بواسطة الأنبياء عليهم السلبـ فباطل، لأف ذلك يؤدم إلى إبطاؿ نبوتهم، كلجاز أف يقاؿ إف كل ما أتى بو الأنبياء من المعجزات إنما ىو بإعانة الجن كالشياطين، فإذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنساف فلم لا يجوز أف يقاؿ: إف حنين الجذع إنما كاف لأف الشيطاف نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين؟ كلم لا يجوز أف يقاؿ: إف الناقة تكلمت مع الرسوؿ صلى الله عليو كسلم لأف الشيطاف دخل في باطنها فتكلمت؟ كأما الدليل كالنظر فهو متعذر، لأنا لا نعرؼ دليلبن عقليان يدؿ على كجود الجن كالشياطين. كالجواب على ىذه الشبهة: أف الدليل الحسي قد دؿ على كجود الجن، حيث رآىم الرسوؿ عليو الصلبة كالسلبـ كىو نبي معصوـ من الخطأ كالكذب، كرآىم ابن مسعود عندما ذىب معو ليلة تكليم الجن، كرآىم أبو ىريرة عندما جاءه الشيطاف في صورة رجل فقير، فأخذ يحثو من ماؿ الصدقة، كقد حدث مثل ذلك لنفر من الصحابة، كغير ذلك من الوقائع التي تدؿ على رؤية الجن من قبل ىؤلاء، كىم صحابة أجلبء كليسوا من المجانين كما يزعم المنكركف لوجود الجن، بل ىم من العقلبء الموثوؽ بهم. كأما الخبر فقد جاءت نصوص القرآف مخبرة عن أحواؿ الجن في مواضع متعددة من القرآف، كليس ىناؾ من سبيل للطعن بكتاب الله - المنقوؿ بالتواتر - بأم حاؿ من الأحواؿ، كدؿ على كجودىم السنة المتواترة التي تقطع الشك كترفع العذر في إنكار كجودىم أك تأكيلهم. كالقوؿ أف في الاعتراؼ بهم إبطالان لنبوة الأنبياء غير صحيح، لأنو قد ثبت لنا كجودىم عن طريق ىؤلاء الأنبياء كذلك، فالشك في كجودىم يوجب الطعن في نبوتهم أيضان .

عدد الصفحات ١٦