المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخرافة الإيمان في عصر العلم روبرت ل.بارك

غير معروف

صفحة ٩ من ٩

هل بهذا كان ديڤيد وشون محقين؟ لا أعني ما يتعلق بالروح القدس، ولكن فكرة أننا نعرف بالغريزة الصواب من الخطأ. ففيما عدا الروح القدس، إن كان الأمر غريزيا فلا بد أنه نتيجة الانتخاب الطبيعي، ككل شيء آخر من حولنا. وإن لم نعرف بعدُ كيف لهذا أن يتطور، فلنصبر. فقد مر على الهومو ساپينس 160,000 سنة، ولكن معظم ما نعرفه عن الكون تعلمناه ضمن أعمار أشخاص لا يزالون أحياء. المعرفة تولد معرفة، ونحن نمضي أسرع فأسرع في قراءة كتاب الطبيعة. إن مصدر حكمة المكافاة، في الواقع، هو تقريبا أسخن موضوع بحث في المجال المنشأ حديثا عن تطور السلوك البشري، والذي يتضمن رد-تفكير جذريا حول أفكارنا عن الأخلاق. وأكثر المحاولات كمالا لحد الآن لجمع ما نعرفه عن الآليات خلف الأخلاق البشرية تقترح أننا فهمنا الأمر بالعكس. ففي كتابه الجديد، العقول الأخلاقية: كيف صممت الطبيعة حِسّنا العالمي للصواب والخطأ، يكتب الأستاذ في هارڤرد مارك هاوزر، "غرائزنا الأخلاقية منيعة على الأوامر المعقدة بوضوح التي تمليها علينا الأديان والحكومات." يجب على الحكومات فرض معايير للسلوك تتلائم مع الحضارة. فقياسا بوجود الهومو ساپينس ذي الـ 160,000 سنة، فالحضارة اختراع جديد جدا. ولهذا، فغرائزنا الأخلاقية هي غرائز جامعين صائدين. أحيانا تضارب الغرائز والحضارة، وأحيانا لا. وتأخذ المحاكم ضمنا هذا بالاعتبار فيما يتعلق بالإصرار والترصد. لا يتوقع منا قمع غرائزنا الأولية، ولكن جهازنا الإفرازي لا يترك لنا وقتا كثيرا للتفكير. فالجرائم المرتكبة بحرارة العاطفة تعامل بقسوة أقل مما لو كانت متعمدة. ولكن الدين لا يعمل استثناءات. فهو يسعى لفرض القوانين التي يؤمن بأنها قد أنزلت من سلطة عليا. وتلك السلطة لم تعطنا أي إجراء لرد-معاملة المقاطع الكتابية التي يؤكد لنا أنها كلمة الله الموحاة. فليس يسمح للمؤمنين بمراجعة كلمة الله. غرائزنا متعاطفة أحيانا. فحين يدخل عابر في مبنى محترق لينقذ طفلا لأحدهم يصرخ، فهو لا يستذكر الوصايا العشر في عقله، أو يقيم المتطلبات القانونية لتقديم المساعدة، أو يقرأ القاعدة الذهبية. بل هو ببساطة لا يطيق أن يرى الطفل يعاني دون أن يحاول المساعدة، حتى في الخطر الشديد لمعاناته هو. فهو مدفوع بالتعاطف، شاعرا بما قد يشعر به الطفل الذي تحاصره النار. ومهما كان الخطر، فسيكون مؤلما جدا أن لا يذهب لمساعدة الطفل. في كتاب حديث، فرضية السعادة، يتتبع جوناثان هايدت، وهو نفساني تطوري في جامعة ڤرجينيا، ارتباطاتِ غرائزنا الأخلاقية بالدين والسياسة. ويختصر نظامنا الأخلاقي الغريزي إلى خمس مبادئ أخلاقية تطورت قبل اختراع الكتابة بكثير، وبهذا قبل الحضارة. خلافا للوصايا العشرة، التي تتكون من النهي فقط، هذه المبادئ المتطورة تدعو للفعل. وليس مفاجئا أنها تبدأ بحكمة المكافاة، أو القاعدة الذهبية:

عدد الصفحات ١٢٩

1. التعاطف—حكمة المكافاة 2. الولاء للمجموعة 3. احترام السلطة 4. حماية الضعيف 5. توحيد الطقوس هذه الخمسة تنادي إلى درجة من الإيثارية. أعطت الإيثارية الجنس البشري درجة على الحيوانات التي عليها البقاء بجهدها فقط. فنحن، على كل، حيوانات أخلاقية، تطورت للعيش في مجموعات تساعدنا في الأوقات الصعبة. والملتزمون بهذه المبادئ، رغم كلفتها الشخصية لهم، يحتفي بهم المجتمع كأبطال. وحتى في مجتمعنا الذي تسوده اليهومسيحية، تتفوق على الوصايا العشر، تلك الغرائز الأخلاقية القاعدية لدى هايدت، التي تطورت قبل وقت طويل من اختراع الكتابة. بالمقارنة، فالوصايا العشرة حديثة للغاية، ولا تتبع إلا قليلا. ففي الحرب مثلا، نتجنب ذكر الوصية السادسة: "لا تقتل." وبالفعل، الأصوليون الذين ينادو ن بالوصايا العشر بأعلى صوت هم معظم الوقت أول من ينادي للحرب. ففي الحرب، الولاء للجماعة والأمة يكون في المقام الأول، وأولئك الأبرع في القتل ينالون التقدير—ما داموا يتقيدون بقتل المنتمين للقبيلة العدوة. لهذا جانب موحش. فحين تدفع لأقصاها، لغرائزنا الأخلاقية القدرة على التهديم. قد يتسبب الولاء للقبيلة في حروب مستمرة—حروب بين العوائل، القبائل، الأمم، وبازدياد بين الأديان. احترام السلطة سيفتح الباب للمستبدين أو لأسخف المؤسسات البشرية، الملكية، والتي لا تزال مستمرة حتى في القرن الحادي والعشرين. والطقوس الموحدة، التي تمارس على كل مستوى من نادي ميكي ماوس إلى النادي البوهيمي الحصري في سان فرنسيسكو، يمكن أن تكون بذورا لنِحَل cults هدامة ذات مبادئ شبه-دينية، كالساينتولوجي.

عدد الصفحات ١٣٠

الصندوق الأسود دائما ما عامل طلاب الفيزياء طلابَ علم النفس بشيء من الاستهجان. فعلم النفس "رخو،" اختاره من أحبوا العلم ولكن كانوا غير مستعدين لتأدية العمل العقلي المضني في حل معادلات تفاضلية جزئية. ولكن في الأعوام القريبة، بدا علماء النفس يتحولون إلى علماء أعصاب. أدوات علمية جديدة، مكيّفة من أجهزة الفيزياء، تحيل الدراسة الذاتية للسلوك البشري إلى قياسات موضوعية للكيانات المادية التي تعرّفنا. وعلم النفس يتحول لعلم "صلب." أكثر قوانين الكون قاعدية، الذي يكوّن أساس العلم، هو أن كل نتيجة مادية هي حصيلة سبب مادي—بما في ذلك السلوك البشري. كان علماء النفس دوما يعاملون العقل وكأنه صندوق أسود. كانوا يفحصونه بمثيرات متباينة ويراقبونه ليروا ما يظهر. ما يحصل بين بلايين النيورونات في الدماغ وصلاتها بالأعضاء الحسية، بالجهاز الإفرازي، وبكل الأشياء الأخرى التي تكوّن إنسانا لتصل إلى حصيلة ملاحظة يبدو معقدا جدا ليتعامل معه. ومقابل ذلك في الفيزياء سيكون قوانين الثيرموديناميك. أعلن الرئيس بوش، مثلا، في خطابه عن حالة الاتحاد عام 2004 أن الولايات المتحدة ستحرر نفسها من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط بالتحول إلى وقود الهيدروجين، الذي سنستخرجه من ماء البحر. عرف الفيزيائيون رأسا أن هذا غير ممكن. غير ممكن لأنه سينتهك القانون الأول للثيرموديناميك: الطاقة لا تفنى ولا تستحدث. وبالتأكيد، يجب احتساب كل الطاقة، فشيء من الطاقة سيستهلك في كل خطوة على الطريق بسبب الاحتكاك أو أي عدم كفاءة أخرى. وهذا هو القانون الثاني للثيرموديناميك. لا عليك أن تسأل كيف سيستخرج الهيدروجين من ماء البحر؛ كيفما حصل فسيستهلك طاقة أكثر مما سيعود علينا استخدامه كوقود. كان هذا واضحا لأن الناتج الوحيد لحرق الهيدروجين هو الماء، وهو ما بدأنا به. لِماذا لم يُخبر رئيس الولايات المتحدة، الذي يمكنه الاتصال بأي عالم في الأمة للمساعدة، بهذه الحقيقة الواضحة قبل خطابه هو أمر غامض يتجاوز حله مقدرتنا. رغم أن الصندوق الأسود للثيرموديناميك كان كافيا لكشف خطة الرئيس كخطأ أحمق، فالفيزيائيون لن يكونوا أبدا سعداء بالكامل حتى يدخلوا في الصندوق ويروا ما يحصل. تأتي التقدمات الكبيرة في العلم من تحطيم المشاكل إلى أبسط أجزائها، وفهم ما يحصل في كل جزء. والمثل صحيح في فهم السلوك البشري. نحتاج لندخل في الدماغ كي نرى ما يحصل فعلا ضمن بلايين النيورونات، ونبسط ذلك لأبسط وظائفه. وهذا ما الذي عالم النفس، الذي أصبح عالم أعصاب، يفعله. الصورة في المرآة المشكلة هي أننا لا نستطيع المضي بالنخز في أدمغة الناس. ولكن عام 1986 كانت مجموعة في جامعة پارما في إيطاليا، تقوم بالنخز في دماغ قرد ماكاك (لنا فعل هذا). كان القرد واعيا بالكامل، ولكن لا توجد متحسسات ألم في الدماغ، ولم يشعر القرد بأي ضيق. كان علماء الأعصاب يدرسون النيورونات في القشرة الجبهية الداخلية، الم تخصصة في أفعال اليد كالقبض على غصن أو التقاط شيء. سجلوا إطلاق نيورون معين حين التقط القرد طعامه، ولكن النيورون أطلق أحيانا حين لم يقم القرد بأي حركة من يده. وفهموا في النهاية أن

عدد الصفحات ١٣١

الإطلاق الإضافي استجاب لقرد آخر في المختبر يلتقط طعامه في مرأى واضح من القرد المدروس. استجاب القرد 1 لمرأى القرد2 يلتقط طعامه كما لو أنه كان يلتقط الطعام بنفسه لأن نيورونات القرد 1 "أرأت" سلوك القرد2، تسمى نيورونات المرآة يظن أن نيورونات المرآة مختصة في تعلم المهارات الحركية واللغة—وربما أكثر بكثير. توجد كما يبدو في مناطق دماغ متكافئة في البشر والقرود. ولكن لا نستطيع أن نفتح جماجم البشر، كما فعلوا مع الماكاك. وبالفعل، يعتقد بعض الناس أن العلماء لا يجب السماح لهم بفعل أشياء كهذه للقرود، حتى إن كان في هذا حفظ لحياة البشر. في حركة حقوق الحيوان، توسعت غريزة الولاء القبلي لتشمل رئيسيات أخرى، أو كل الثدييات، أو حتى كل الكائنات الحية. وللمفارقة، يحرّك دعاة حقوق الحيوان بنفس الشيء الذي كان يدرسه علماء الأعصاب، خلايا المرآة. يمكن أن ينظر لحركة حقوق الحيوان كدراسة حالة من التعاطف سيئ التوجيه. ولكن حديثا، قام العلماء بتطوير تقنيات تصوير دماغ غير تداخلية. وبالخصوص فإن تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي، fMRI، يقوم بتثوير دراسة السلوك البشري. تعود جذورfMRI إلى عمل إيزيدور رابي عام1938، الذي كان أول من قاس العزم المغناطيسي النووي في الذرات. العزم المغناطيسي خاصية أساسية لنواة الذرة، ولأجل ذلك منح رابي جائزة نوبل في الفيزياء عام 1944. وجد لاحقا أن العزم المغناطيسي الدقيق لنواة الذرة حساس للمحيط الكيميائي للذرة، وهو ما قاد إلى مطيافية الرنين المغناطيسي النووي ( NMR). وسرعان ما أصبح أداة قوية في الكيمياء، ومُنح فيلكس بلوخ وإدوارد پورسيل جائزة نوبل في الفيزياء عام 1952 لتطويره ومكّنت التقدمات الكبيرة في الإلكترونيات والحسبان computing من اختراع أجهزة مسح يمكنها إظهار أين توجد مواد كيماوية متنوعة في الجسم. ولتهدئة الخوف العام من أي شيء "نووي،" حذفت الكلمة بحكمة من الاسم وأصبح تصوير الرنين المغناطيسي (MRI) أحد أقوى تقنيات التشخيص في الطب. ومنح پول ليتربور والسير پيتر مانسفيلد جائزة نوبل في الفسلجة والطب لتطويره. قاد قياس خاصية فيزيائية أساسية للمادة إلى ثلاث جوائز نوبل ولا شك أنه ساهم في عمل فائزين آخرين بنوبل—وربما ستكون هناك جائزة رنين مغناطيسي أخرى في الطريق. حين تكون منطقة معينة من الدماغ فعالة، يزداد جريان الدم إلى تلك المنطقة. لا طريقة مباشرة لقياس جريان الدم مباشرة في الدماغ، ولكن الخواص الپارامغناطيسية لهيموجلوبين الدم تتباين اعتمادا على جريان الدم. وباستخدام الپارامغناطيسية كبديل عن جريان الدم، يمسح fMRI الدماغ في شرائح ثنا -بعدية، مخططا مستوى جريان الدم وكذلك محيطات contours فعالية الدماغ. يمكن للباحث مراقبة التغيرات على شاشة مع تبدل دماغ الموضوع من فعالية لأخرى. دقة fMRI لا تكفي للتوصل إلى خلايا مرآة منفردة، ولكن يمكن استنتاج وجودها في معظم الأحيان. إن عرّض الشخص المفحوص بـ fMRI إلى منظر شخص آخر يعاني الألم، يفعّل هذا منطقة الألم في دماغ المفحوص—فهو يشعر حرفيا بألم الشخص الآخر. وحده مرأى الألم على وجوه معروضة على شاشة سيفعّل منطقة الألم في الدماغ.

عدد الصفحات ١٣٢

وهكذا نكون قد قطعنا دورة كاملة. فقد استنتج علماء النفس أن الصندوق الأسود للعقل البشري يشعر بالعطف، وهذا ما ينتج غريزتنا لاتباع القاعدة الذهبية؛ والآن قد تقدم علماء الأعصاب وتعرفوا على المقابض والبكرات في الصندوق الأسود التي تؤدي لهذه النتيجة. اعتمادا على هذه الغريزة، أيَّ عالَمٍ نريد؟

عدد الصفحات ١٣٣

ـ الفصـلــالثانيــعشـرـ الفراشة الأخيرة وفيه ما من مكان آخر لنذهب تمشيت حافيا على الطريق الصخري خلال أشجار الحمضيات المثقلة بالفواكه شبه الناضجة نحو مزرعة جدّي وجدتي. احتفَّت بجانبي الطريق نخلات سامقات—إلا حيث مرَّ بمنزل السيد وودز. فمن دون النخل كان ليزرع صفا آخر من أشجار الغريپ فروت. كان يسخر قائلا، "وكم من الفاكهة تلك النخلات تنتج؟." كالعادة، اجتذبت الشجيرات المزهرة في حديقة جدي غيوما من الفراشات. عددنا أنا وأخي مرة خمسة عشر نوعا من الفراشات تحوم حول أجمة واحدة. كان الوادي الأسفل لنهر ريو غرانده هو أقصى مدى شمالي لعدة أنواع مدارية، وجنّة لفتى في الخامسة عشرة كان يحلم أن يصبح حشراتيا. قبل عدة سنين علمتنا أمي كيف نصنع شبكات فراشات من علاقات معاطف سلكية ثنيت في دائرة وعلقت بعصا مكنسة، مع ستائر مخرمة قديمة كقماش شبكي. وأرتنا كيف نثبت الفراشات واشترت لنا كتابا لنتعلم أسماءها. كان أخي قد غادر للكلية حينها، ولكن جدي كان قد وعد أن يذهب معي للبحث عن شرانق من روتشيلديا فوربسي Rothschildia forbes i، عثة الحرير الرائعة. كان العمال المكسيكيون في بساتين الحمضيات يسمون هذه العثة cuatro ventanas، أربعة نوافذ، للبقع البيضوية الكبيرة على كل جناح التي تكون شفافة حين ينظر لها عموديا ولكنها عاكسة حين ينظر لها من زاوية. لا أملك أية فكرة عن الغرض من تلك النوافذ، ولكنها عثة جميلة. ولكن كي تحصل على عينة ممتازة، عليك أن تجمع الشرانق وتنتظر بزوغ الب الغات. ويستغرق منها الأمر عدة ساعات خارج الشرنقة كي ينفتح كل جناح ويجف قبل أن تبسط أجنحتها. كان جدي قد انتهى للتو من الحلب، وبعد أن أخرج البقرات لتأكل بين أشجار الغريپ فروت، قاد طريقه في البستان إلى جدول الإرواء الرئيس. كان هذا الوادي يوما جزءا من كينغ رانش الشاسع؛ ولكن التروية قد أحالته من دغل شائك إلى بساتين حمضيات بديعة. كانت القناة الخزفية قد بنيت فوق أرض الوادي المسطحة بعدة أقدام. وقد بنى مزارعو الحمضيات دون قصد موطنا شماليا أقصى لـ روتشيلديا، وموطنها الأصلي المكسيك وأمريكا الوسطى. كانت ضفتا القناة قد زرعتا بكثافة بصفصاف ودردار ريو غرانده التي تتغذى عليها يسروعات روتشيلديا. كان الوقت أوائل ديسمبر، وأغصان الأشجار العارية كانت واضحة بحدة في سماء شديدة الزرقة، مما يسهّل ملاحظة الشرانق على الأغصان الخارجية. كان واجبي هو تسلق الأشجار، وكسر الأغصان التي تضم شرانق، وإسقاطها إلى جدي.

عدد الصفحات ١٣٤

لنفصل الشرانق التي لا تزال تحتوي خادراتpupae من تلك القديمة الفارغة، كنا نهزها برفق قرب آذاننا. إن كانت لا تزال مشغولة، كنت لتسمع الخادرة تخشخش. وفي مشغل جدي في الحظيرة، بنينا قفصا من مشبك سلكي ليضم الشرانق. كانت العثات البالغة لتنبثق في أسابيع قليلة. لم أكن لأتخيل أن بعد ذلك سيختفي عالمي الهانئ هذا. القطن يأتي للوادي مرت بالوادي أحيانا مواسم شتاء قاسية بما يكفي لتدمير محاصيل الخضروات. وفي النادر، كانت لتتجمد بقساوة كافية لتهديد الحمضيات وقتل بعض شجيرات الزينة المدارية، ولكن الوادي لم يمر يوما بموجة برد كالتي مرت تلك السنة. كان المزارعون القلقون يتجولون بين أشجار الحمضيات، ويشقون الفاكهة ليروا إن تكونت أي بلورة ثلج. إن حصل، كانت الفاكهة لتباع للعصير بسعر أقل بكثير. كانت معامل تعليب العصير تعمل طوال اليوم، ومع ذلك بقيت باردة. بدأت الفاكهة بالسقوط من الأشجار، مغطية أراضي البساتين بالكامل. ثم بدأ اللحاء على الجذوع بالتقصف وأوراقها بالتساقط. لم يبق شيء يمكن حمايته—بما في ذلك حلمي في دراسة علم الحشرات. كانت رائحة الدخان تعم المكان حين كانت التركتورات تسحب آلاف الأشجار بعمر أربعة عقود من الجذور وتحرقها في محارق ضخمة. قلة من المزارعين كانوا قادرين على إعادة زرع الحمضيات وانتظار الست السنين اللازمة قبل أن تحمل الفاكهة. كان عليهم أن يزرعوا محصولا نقديا كي يعيشوا، واختار أكثرهم القطن. مع تربة قاع النهر الغنية ونظام تروية في محله سلفا، نما القطن طويل التيلة بطول الإنسان وأنتج محاصيل ضخمة. جنى بعض المزارعين على مال أكثر من القطن مما كانت توفره الحمضيات. ولكن الشتاءات الدافئة أيضا أنتجت أعدادا استثنائية من أنثونومس غرانديس Anthonomus grandis، خنفساء القطن. كان القطن قد جرّب في الوادي من قبل، ولكن الشتاءات الدافئة عملت لصالح خنفساء القطن وآفة أخرى تدعى دودة القطن الوردية. ولكن مسؤول المقاطعة، مدعوما بمقالة أعيد طبعها من Reader’s Digest، طمأن المزارعين بأن للإنسان اليوم اليد العليا فوق عالم الحشرات فقد اكتشف للتو مضاد حشري معجز، DDT، قيلأنه كان غير ضار إطلاقا للناس وحيوانات المزرعة. وخلال وقت قصير، كانت طيارات رش المحاصيل منطلقة مع هزيع الفجر قبل هبوب الريح، ترش حقول القطن بـ DDT. بدأت القدرة البيضاء تغطي كل شيء، ولفترة ما بدت خنافس القطن تختفي. بدأ المزارعون ومربو الماشية باستخدام DDT لكل شيء. كانت الماشية تغمر في مغطس منDDT للقضاء على الديدان النغفية. كانت هناك علامات تحذير. فقد وضع جار لنا كلب صيده في مغطس ليخلصه من البق. قتل ذلك البق، والكلب أيضا. وسرعان ما أكدت نظرية داروين في التطور بالانتخاب الطبيعي نفسها. فخنفساء القطن تمر في 12 جيلا خلال موسم قطن واحد وسرعان ما طورت مقاومة لـ DDT. لم يكن غريبا أن نجد خنافس قطن تحفر بسعادة في جوزات قطن غير ناضجة مع

عدد الصفحات ١٣٥

غطاء واضح منDDT على ظهورها. وتبعتDDT سموم أكثر خطورة، كل منها عمل لوقت ما. كان الخبر الجيد، ظن بعض الناس، أن البعوض قد اختفى. وكذلك الفراشات. في نفس الوقت، وعلى بعد 2500 كيلومتر في نيوجيرسي،پول إيرلخ، فتى أصغر مني بعام، كان يجمع الفراشات والعث أيضا. ولكن پول وجد أنه لم يعد يستطيع تنمية اليساريع للحصول على العينات المثلى—فقد كان هناك كثير من DDT يرش في نيوجيرسي. لقد كان على الأوراق التي كان يجمعها لتتغذى عليها اليساريع. توجه پول لاحقا لدراسة عل م الحشرات في جامعة كنساس عند خبير النحل ك.د. ميشنر. كانت أطروحة الدكتوراه تبعه حول السلوكيات السكانية للفراشات. وأصبح بعد ذلك أستاذا في جامعة ستانفورد. إن الرياضيات في تعداد البشر والفراشات هي نفسها، وكتاب إيرلخ الصادر عام 1968، قنبلة السكان، بقليل بعد كتاب ريتشل كارسون الربيع الصامت، أصبح من أفضل المبيعات. أنواع مهددة وفقا لمنطق البقاء القاسي، فـ الهومو ساپينس يبلي حسنا. إذ هناك 1,040 حيوانا ونباتا في الولايات المتحدة مدرجة حاليا تحت قانون الأنواع المهددة لعام 1973. ورغم الحروب والسمنة، ليس البشر على القائمة. فنحن في الحقيقة نستولي على الكرة الأرضية، دافعين بأنواع أخرى بلا حصر إلى الانقراض مبكرا عن طريق تدمير مواطنها. حتى الشمپانزي، ألصق أقربائنا الأحياء ينحصر الآن في موطن يتقلص بسرعة في أفريقيا الاستوائية وهو اليوم على حافة الهاوية. فالبشر ينشئون مواطنهم الخاصة، على حساب الأنواع الحية الأخرى. إن "توازن الطبيعة" خرافة لا أكثر. فالتاريخ الطبيعي للأرض هو سجل من الانقراضات؛ ولهذا لدينا علماء إحاثة. إن النوع الناجح وفقا للتطور هو الذي يزاحم الأنواع الأخرى، نباتات أو حيوانات، ببساطة إذ يتكاثر أسرع منها. التغير المناخي، الكوارث الطبيعية، الأوبئة، استنفاد الموارد—كلها ترجح الموازين، خالقة منافذ لأنواع معينة وتاركة متحجرات لأخرى كي يتأمل فيها إحاثيو المستقبل. هذه ليست خطة مهندسة بعناية. فالبشر لم "يُراد" لهم أن يسودوا العالم من قبل مصمم عظيم ما. هذا ما حصل، وبقدرته على الكلام بصدفة تطفرية، يمتلك الهومو ساپينس زمام الأمور ويبدو مصمما على تعبيد الكوكب بالكامل، دافعين بالأنواع الأخرى إلى الحافة. إذ سهّل الربيع الصامت مهمتها، نجحت الحركة البيئية في تمرير قانون الأنواع المهددة عام 1973 . أحيانا قد ينقذ نوع مرئي بكثرة كالعُقاب الأصلع من حافة الخطر، ولكن رغم بعض القضايا المنتشرة بقوة كالبومة المبقعة و snail darter، يستحيل موطن نوع بعد آخر إلى أسفلت. وخلاف ذلك، يبدو البشر ناجحين جدا في أننا نجد أنفسنا ننتشر حتى شفا الكارثة—فهذا، بعد كل، كوكب متناهي. ما الذي نفعله الآن؟ بالنسبة لپول إيرلخ بدا ذلك واضحا: على البشر ممارسة تنظيم النسل. وبدأ بإنذار العموم في سلسلة من الكتب بدأت بـ قنبلة السكان. يمكننا أن نجادل حول تفاصيل وتوقيت تنبؤاته، كما فعل عديد من النقاد، ولكن النتيجة النهائية لا مفر منها إلا لو تجاوزنا اعتراضاتنا الدينية حول تنظيم النسل. وهذه هي النقطة التي تتحول عندها الخرافة من رغبة لا تضر إلى تهديد للنوع البشري. مطارد الأرانب

عدد الصفحات ١٣٦

كان المتفائلون التقنيون قد ارتعبوا من هذا الضرب من التفكير السلبي. اعتقدوا أن مشاكل العالم يمكن أن تحل عن طريق الرفاه الذي سيجلبه التصنيع غير المقيد، الذي يدعم تعدادا متوسعا دوما—وهكذا كان الأمر ينجح. لا نحتاج إلا لمعرفة أين سنضع الناس. لهذا بدأت التخيلات المستقبلية لدى جيرارد ك. أونيل عن استعمار الفضاء. متأثرا بنجاح مهمات أپولو في الوصول إلى القمر، اقترح أونيل، وهو أستاذ فيزياء في پرنستون تُعرف عنه الأصالة، أن الموطن البشري يمكن توسيعه ليشمل الفضاء. وفكر أن علينا أن نبدأ من الآن. كان أول عرض علني لفكرة است عمار الفضاء هذه في اجتماع لقسم الفيزياء في جامعة ماريلاند، حيث قبلت للتو مقعد أستاذية. تخيل أونيل مستعمرات فضاء عملاقة على شكل أنابيب أسطوانية دوارة بطول 64 كيلومترا وقطر 8 كيلومترات، مغلقة الطرفين، وموضوعة في نقطة لاغرانج-5 المستقرة بين الأرض والقمر. يمكن للناس العيش في السطح الداخلي المحدب تحت جاذبية صناعية يولدها الدوران. ماذا سيفعل هؤلاء الناس طوال اليوم؟ هممم، ربما كان هناك عنصر من الخيال الجنسي على الخط. كان المستعمرون ليشغلوا أنفسهم بإنجاب أطفال أكثر، وببناء مستعمرات فضاء إضافية لإسكان التعداد المتنامي. سيتم بنائها باستخدام مواد خام مستخرجة من الكويكبات. و الهومو ساپينس سيستمر بالتكاثر دون حدود. إن فن المستقبليّ هو إزالة الصعوبات بحركة من يده. ولكن خطاب أونيل ركز على إمكان الفكرة لا على الأسباب الداعية لها. بالنسبة له كان الإمكان كافيا؛ وككل المستقبليين، كان في عشق مع التقنية. لا أظن أن الجزيرة 1، كما دعاها، تنتهك قوانين الفيزياء، ولكن ماذا كان غرضه؟ لقد خلط بين التعقيد التقني المتزايد والتقدم البشري. وعند سؤاله، اعترف بأنه كاثوليكي ملتزم يعد تنظيم النسل أمرا مقيتا. عاملت ناسا خيال أونيل المجنون كما لو كان رؤية عقلانية للمستقبل، مموّلة "بحثه" وممدة إياه بتصاوير فنية مفصلة للحياة على جزر أونيل في الفضاء. وبدت دوما كالحياة في الضواحي. أحب الإعلام القصة، وتحلب ريق قادة الصناعة لوعود نمو السوق دون حد، ووجد القادة الدينيون موردا لا ينتهي من الأرواح ليخلّص، وتخيل الجيش حاميات في الفضاء، مستعدة دوما للرد على أي علامة من العدائية ضمن النزلاء. ادعى جيرارد أونيل أنه قد أجرى حساباته حول فكرة الجزر-في-الفضاء ووجدها عملية. والأسوأ أنه أطلق قطيعا من تلامذته بنفس التفكير في العالم. لا يزال مهاويس الخيال العلمي هؤلاء طليقين، مستخدمين كلمات كـ "المصير" لتوليد المزيد من الخيالات التقنية غير العملية. اعتمد أونيل بثقة على التخمينات التي جهزتها ناسا حول كلفة إطلاق المواد في الفضاء. وكان ذلك خطأ فادحا. كانت ناسا تسعى لدعم الكونغرس لأجل بناء مكّ وك الفضاء. واستغلت لذلك التقنية المرموقة آنذاك من تقليص تخمينات الكلفة: فحين يجد الكونغرس أنه قد علق بالشص، سيكون متأخرا جدا أن يُلغى برنامج المكّ وك دون التسبب بأذى اقتصادي فادح في المقاطعات الأساسية للكونغرس. هذه الكلف غير الواقعية إطلاقا التي خمنتها ناسا لإطلاق المواد في الفضاء هي ما استخدمه أونيل لتخمين كلفة مستعمراته الفضائية.

عدد الصفحات ١٣٧

للبعض، كانت جزر أونيل في الفضاء هي التجسد الأروع للفردوس التقني، ولكن لآخرين كانت تبدو ككابوس خيال علمي—تستبدل فيه جوهرة كوكبنا الجميلة بمطارد أرانب عملاقة. إجراء الحسابات في فصلي المتكون معظمه من طلاب جدد في الفيزياء، نختبر إمكانية حلول تقنية مقترحة لمشاكل المجتمع، كبناء مستعمرات فضائية لتخفيف مشاكل السكان، أو استخدام كحول الذرة كبديل عن الجازولين. لنأخذ نظرة موجزة عن كيفية إجراء الحسابات. في أول يوم في الفصل، سألتهم كم منهم يعتقدون أنه يوما ما في المستقبل سيستطيع الناس السفر إلى نجم آخر وكواكبه. كمدمنين على ستار تريك، رفع معظمهم—وأحيانا كلهم— أيديهم. وهكذا كنا نخصص عدة دقائق من وقت كل فصل للتخطيط لهذه الرحلة. في كل وقت فصل كنت أطلب من المتطوعين أن يأتوا للفصل اللاحق بأرقام نحتاجه في الخطوة اللاحقة للتخطيط للمهمة، مثل:  ما هو بعد أقرب النجوم؟  ما المدة التي يستعدون لقضائها في السفر؟  بأي سرعة يجب أن يسافروا كي يقوموا بالذهاب والإياب في تلك المدة؟  كم شخصا يجب أن يكون على الطاقم؟  وما هو الحجم الذي يجب أن تكون به المركبة؟  ما الذي سيحتاجون لأخذه معهم؟ وفي النهاية، مع اقترابنا من نهاية الفصل الدراسي، كنا نتفق على تخمين محافظ للكتلة الكلية لمركبة الفضاء. وكنت أطلب منهم أن يأتوا للفصل القادم مع رقم يمثل استهلاك الطاقة السنوي لكل البشر على الأرض لاستخدامه كنقطة مرجعية. ونحن الآن مستعدون للحساب النهائي. قلة في ا لفصل بدأوا بالضحك المكبوت، عارفين إلى أين نتجه، لأنهم قاموا بالحسابات سلفا. باستخدام ميكانيك نيوتن البسيط، نحسب الطاقة اللازمة لتعجيل مركبة بهذا الحجم إلى السرعة المطلوبة للقيام بالرحلة في تلك الفترة—نصف الكتلة ضرب السرعة تربيع—ونقارنها باستهلاك البشر السنوي للطاقة على الكوكب بكامله. كانت الطاقة اللازمة لرحلة إلى أقرب نجم في عمر بشري كامل—والآن هم يضحكون جميعا—تبلغ آلاف أمثال كل الطاقة المصروفة على الأرض في سنة. في الواقع، إنها كبيرة جدا بحيث لا معنى للمرور على الاحتمالات. فهي ببساطة لا تستحق التساؤل. الخبر السيء، أقول لهم، هو أننا لن نزور أبدا نجما آخر. والخبر الجيد أنهم لن يزورونا أيضا. يحقق هذا الاختبار هدفين: الأول، لن يتخيل الطلاب يوما أن رؤية UFO موثقة قد تكون دليلا على زيارة من غرباء فضائيين. والثاني، لن يحملوا أي برنامج بمستوى كبير على محمل الجد إلا حين يقومون، ولو بشكل عمومي، بالحسابات ليروا إن كانت معقولة. هذا حساب فقط، ولكن من المهم أن يقوم به أحد ما. لم أعرف يوما أن صحفيا قام بالحسابات؛ فواجبهم هو نقل حسابات شخص آخر. جزر في الفضاء

عدد الصفحات ١٣٨

وهذا ما يعيدنا إلى مقترح جيرارد أونيل لحل مشكلة السكان ببناء مستعمرات فضائية في نقطة لاغرانج-5 المستقرة في نظام الأرض-القمر. حتى وفق تخمينات ناسا غير المسؤولة للكلفة، يستحيل أن نأتي بأي شيء يقارب الأرقام التي استخدمها أونيل في مقالته في الفيزياء اليوم عام 1974 حول مستعمرات الفضاء. لنقم ببضعة حسابات بأنفسنا  عام1974، العام الذي نشر فيه أونيل مقالته في الفيزياء اليوم حول مستعمرات الفضاء، تجاوز تعداد الأرض حاجز 4 بلايين  حين أكتب هذا في أواخر 2007، تقرأ ساعة تعداد الأرض6,630,725,709 . تخيّل أونيل أن 1,000,000 شخص يستطيعون العيش في إحدى أسطواناته العملاقة.  للحفاظ على تعداد الأرض في مستوى عام 1974 نحتاج لترحيل2.63 بليون نسمة إلى 2630 مستعمرة فضاء في السنين الـ33 الفاصلة والواقع أن ميزانية الفضاء لستة عشر دولة مشاركة يكفي بالكاد للإبقاء على طاقم من ثلاثة على محطة الفضاء الدولية ISS. إن كان لـISS غرض على الإطلاق، فهو أن تستعرض بشكل مقنع حتى لأشد الحالمين أن فكرة أونيل حول مستعمرات الفضاء هي خبل مطلق. ولا يوجد مكان آخر لنذهب إليه. فسطح المريخ الأجرد المغطى بالصخور، كسطح القمر الخالي من الحياة، لا يوفر وعدا بمستعمرات مكتفية ذاتيا. حتى إن كان هناك كوكب آخر يمكن سكنه في النظام الشمسي، فالمستعمرات خارج الأرض لن تحل مشكلة السكان على الأرض. فنقل البشر إلى مكان آخر في أي مكان على النظام الشمسي سيفاقم استنفاد الموارد هنا على الأرض. تضخم السكان ـ الدفيئة الأرضية لإطعام سكان الأرض المتزايدين، خلق العلم الزراعي ما يعرف بالثورة الخضراء. كإنجاز تاريخي للعلم والتقنية في القرن العشرين، جعلت الثورة الخضراء القضاء على الجوع في الأرض ممكنا—لوقت ما. نحتاج ذلك الوقت لنبني إصلاحات اجتماعية أساسية لتقييد نمو السكان؛ وإلا فلن ينجح إلا في تأجيل يوم المحاسبة. ربما تستطيع الثورة الخضراء تغذية التعداد المتزايد، ولكن بالإضافة إلى مزاحمة أنفسنا والأنواع الأخرى على هذا العش الذي نسميه الأرض، فالتعداد ال متزايد يخرب العش دون رجعة. فحين نستهلك خزين الوقود الأحفوري المتضائل لتوليد الطاقة الكافية لإمداد التعداد المتزايد، نستخدم الغلاف الجوي كمزبلة لنتائج الحريق، ومعظمها ثنا-أكسيد الكربون. ولإطعام السكان، نستخدم المحيطات كمزبلة للبقايا الزراعية المستهلكة للأكسجين. لهذا، يجب أن تعد الدفيئة الأرضية كأحد أعراض تضخم السكان. يمكننا ممارسة المحافظة واختراع مكائن أكفأ، ولكن إن استمر السكان بالنمو فستستولي علينا الكارثة في النهاية. ببساطة لا يمكن إمداد تعداد متزايد دون حد.

عدد الصفحات ١٣٩

ولكن لماذا على التعداد أن يزداد؟ فقد أعطتنا "الحبة" الوسيلة التقنية للتحكم بالتعداد. في أورپا والمناطق المتقدمة تقنيا من العالم، كالياپان، تناقص معدل الخصوبة إلى اثنين، أي معدل الاستبدال.13 سيستمر التعداد بالتزايد لسنوات قليلة بسبب العدد الكبير من النساء في عمر الإنجاب، ولكن إن بقي معدل الخصوبة منخفضا فسيستقر التعداد في النهاية—أو حتى يبدأ بالتقلص. كل هذا حصل بهدوء دون أثر من سياسات الحكومة القمعية التي وجدها جيرارد أونيل وليبرتاريون آخرون محتومة لتكوين تعداد مستقر. كانت السياسة الوحيدة للحكومة حول نمو السكان في تلك البلدان هو أن تبقي نفسها بعيدة، ولا تخلق حواجز على استخدام موانع الحمل. ولا كان النمو الصفري مرافقا بانهيار اقتصادي كما تنبأ الليبرتاريون. وبالفعل، فالأمم ذات النمو الصفري سكانيا هي الأكثر تحررا ورفاهية على الكوكب. وبسبب معدل الخصوبة المتناقص في أورپا، أعلن بيورن لومبورغ، الذي كتب البيئي الشكاك عام 2001، أنه ما من مشكلة سكان. وأقرب منه، فيالحالة المتحسنة للعالم، يقدم إندور غوكلاني حجة مماثلة مبنية على الظروف المتحسنة في الهند والصين. كل من لومبورغ وغوكلاني ينسبان في المحصلة معدل الخصوبة الواطئ إلى الرفاهية. لقد خلطا بين السبب والنتيجة. فمعدلا ت الخصوبة الواطئة والرفاهية هما ببساطة لأم واحدة—حقوق المرأة. علينا فقط أن ننظر إلى الأعداد. الأعداد أعلى معدل خصوبة في أي بلد هو رقم 7.0 المخيف في أفغانستان الفقيرة المدقعة. ولكن الفقر ليس سببا في معدل خصوبة أفغانستان المرتفع. فالسبب الأقرب هو قوة طالبان، وهي حركة أصولية سنية ملتزمة تحكمت بأفغانستان حتى 2001، حين استبدلت، ولم تستأصل، على يد الأمم المتحدة. تحت الشريعة الإسلامية ليس للنساء حقوق—ولا طرق وصول إلى الحبة. ثاني أعلى معدلات الخصوبة هو في الكويت الغنية بالنفط وباقي إمارات النفط العربية. إن الناتج الداجن الإجمالي لكل فرد في هذه البلدان متوازي مع أورپا الغربية، ولكنه نتيجة لحادث جيولوجي. فهذه البلدان تعوم على محيط من النفط. وحين ينضب، لن يجدد محيط النفط نفسه. كانت الأنباء في ديسمبر 2007 أن معدل الخصوبة في الولايات المتحدة قد ارتفع إلى معدل الاستبدال، 2.0، لأول مرة في خمسة وثلاثين عاما قد هلل لها كخطوة مهمة في مجتمع الأعمال، رغم أن الاستبدال الحقيقي سيحتاج معدل أقرب إلى 2.1 ليعوض عن وفيات الأطفال. وصل معدل الخصوبة في الولايات المتحدة لقمته عند 3.8 في الـ1950ـات بُعيد الحرب العالمية الثانية، ولكنه انخفض لما دون 2 بعد جيل نتيجة لتطوير الحبة. وجدت الصناعات التي انتفعت خلال الحرب في نقصان الخصوبة كارثة. اشتكى متحدث باسم شركة من أن "نظمنا الاجتماعية قامت على النمو—لا نستطيع إلا أن ننمو." لو صح ذلك، فالكارثة محدقة. 13. أي أن كلزوج وزوجة ينجبان طفلين، على الأغلب ذكرا وأنثى، يحلان محلهما في التعداد. وهذا يعني في المحصلة ثبات التعداد على ما هو عليه بافتراض خصوبة الجميع، ولكن هذا الافتراض ليس واقعيا تماما.

عدد الصفحات ١٤٠

ولكنه ليس كذلك. فبإعطاء النساء التحكم على عملياتهن التكاثرية، تسمح الحبة لهن بالتقدم بكامل إمكانياتهن. كل أمة تفشل في استغلال عبقرية نصف سكانها لا يتوقع منها أن تتنافس بنجاح في عالم اليوم القائم على المعرفة. إن معارضة الحبة أمر ديني في المقام الأول، ولكنه يحرّض من قبل عالَ م شركات يساوي بين نمو السكان ونمو الاقتصاد. لا تستخدم الحبة بشكل واسع في الأمم الأفريقية الفقيرة جدا، والنتيجة هي أن معدلات الخصوبة تبقى عالية جدا. كثير من تلك الأمم مسلمة، ومعارضة حقوق المرأة تفرضها الشريعة الإسلامية. ولكن حتى ضمن الأمم الأفريقية غير المسلمة، تحدد العادات القبلية من حقوق المرأة وتبقى معدلات الخصوبة عالية جدا. قوانين الطبيعة وجدت ندوب في الجلد من الجدري في مومياءات مصرية قبل آلاف السنين. وقتل الجدري 60 مليون أورپي في القرن التاسع عشر وحده، وأعمى ثلث الناجين. خلافا لمعظم الأوبئة، التي تصيب الفقراء المتكدسين بتحيز، لم يكن الجدري يميز: فخمسة من ملوك أورپا الحاكمين كانوا من بين ضحاياه. رغم أن لقاحا للجدري قد عُرف منذ حوالي قرنين، لا يزال المرض يضرب أحيانا منطقة قصية ما من العالم في القرن العشرين. ولكن اتفاقا عالميا غير مسبوق تضمن كل كيان سياسي على الأرض، سمح بفرق الاستجابة السريعة من منظمة الصحة العالمية بتجاوز كل الحدود السياسية على الكوكب دون موافقة مسبقة. إن ضرب المرض في منطقة معزولة ما، كان الفريق ليتعقب كل من تقرب من الضحايا ويقوم بتلقيح جماعي. عام 1979 أعلن أن الجدري تم استئصاله من الأرض. وكان ذلك أعظم إنجاز للعرق البشري، ليس فقط لأنه استأصل مصدرا قديما للمعاناة البشرية من الأرض، ولكنه بفعل هذا أظهر ما يمكن تحقيقه حين يتعاون العالم بكامله. إن الأمل في فعل نفس الشيء لشلل الأطفال يتضاءل حين يجعل الصراع الديني اتفاقات كهذه أصعب فأصعب. وجدت قطعة من جمجمة هومو إريكتس، وهو سلف للهومو ساپينس، عمرها 500,000 حديثا في تركيا. تحمل هذه الجمجمة علامات واضحة لآفات السل. كان السل يسبب معاناة وموتا باكرا لأسلافنا البشرانيين Hominids طويلا قبل أن يتطوروا إلىالهومو ساپينس. يمكن أن يسيطر على السل الآن بالمضادات الحيوية وهو الآن نادر في الدول الأورپية. ولكن بإمكاننا أن نفعل ما هو أكثر من استئصال أو شفاء الأمراض. يمكن للهومو ساپينس الآن أن يطمح لإنهاء الأسباب التاريخية للمآسي البشرية الكبرى. فالجوع اليوم ليس سوى مشكلة توزيع في الأجزاء التي مزقتها الحرب من العالم. والمكائن تحرر الناس العاديين من الجهد المخدر للعقل الذي كان على عاتقهم طوال التاريخ. كل ما تعلمه العالم هو اليوم على أطراف أصابع المواطنين العاديين. ما الذي جعل هذه الأشياء ممكنة. لطخات ضعيفة من مادة تستنسخ نفسها محتجزة على هذا الكوكب الصغير الغريب من أصل عشرة تدور حول نجم غير مميز، واحد ضمن بلايين النجوم في مجرة اعتيادية في كون يحتوي ملايين المجرات، اختارت أن تقضي حصتها من الدوران متفحصة وفاتحة لكتاب الطبيعة. وجدت على صفحاته أنه، بكل تعقيده، كل شيء على هذا الكون الفسيح تحكمه ذات القوانين الطبيعية. نستطيع تعلم هذه القوانين واستغلالها لصالحنا، ولكن لا نستطيع تغييرها.

عدد الصفحات ١٤١

كما رأينا في الفصل الثاني، بدأ بحثنا عن قوانين الطبيعة قبل2,600 عام مع فكرة ثاليس العلمية أن هناك سببا ماديا وراء كل حدث. يتتبع العلم المسار من سبب لآخر. ويحاول الفيزيائيون اليوم أن يتتبعوا السببية لـ 14 بليون سنة حيث تكونت المادة من الطاقة، باستخدام مصادم الهادرون الكبير في CERN. كثير تعلمناه من كتاب الطبيعة—وأكثر منه لا يزال ينتظر. الخرافة في داخلنا نحن صائدون لاقطون. والدماغ الذي يمكننا من كتابة الغزَل وحل المعادلات التفاضلية لم يتغير كثيرا خلال 160,000 عام. في الأعوام الـ2,593 منذ مولد العلم مع ثاليس، لم يبدو أنه تغير إطلاقا. لقد نقلنا العلم إلى عالم من النقل النفاث والتواصل الإلكتروني مع دماغ لا يزال مبنيا على غرائز متوحشين قاتلوا للبقاء في برية الپليستوسين. لا نزال، كما كنا دوما، أطرافا في صراع دائم مسلح في المعظم، لا يدور أكثره إلا على الفروق الثقافية، المعتقدات الخرافية التي بذرت فينا كأطفال. حتى حين يغير العلم حياتهم اليومية، يرفض معظم الناس أن يعتقدوا أن الأحلام والعواطف التي تدور فيهم يمكن تقليصها إلى قوانين الفيزياء. تبدو دفقة هرمونية، يحتثها التنويم الذاتي أو قائد ديني ذي شعبية، للبعض كمقابلة مع الإلهي. هل هناك إله؟ يستحيل أن نثبت أنه هناك، وكذلك يستحيل أن نثبت العكس. وبالتأكيد لا نخلو من أناس يدعون أنهم على اتصال به أو بها. يبدو أنهم يعرفون تماما ما يتوقعه الإله منا، ولكنه غير واضح إطلاقا لماذا يختارهم الإله، من بين الناس، ليكونوا سفرائه. وعلى كل، لو تقبلنا وجود الإله، يبقى لدينا السؤال الأكبر: من أين أتى الإله. فالإله، كما يبدو، ليس فكرة مفيدة. ما يتعلّمه العلم عن القوانين التي تحكم الكون يعطينا القدرة على تحويل الكون إلى أقرب شيء للفردوس سيراه أي منا. هذه المعرفة لم تأتِنا من كتب مقدسة، أو وحي نبوي. العلم سبيلنا الوحيد للمعرفة—وكل ما سواه محض خرافة.

عدد الصفحات ١٤٢