المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الرحمة في القرآن الكريم

أنور محمود المرسي خطاب

صفحة ٣ من ٤

307 الاستماع والإِنصات، لأنهما معًا أَعون على الفهم والتدبر، وأَتمُّ في الله،، فضلاً عما فيه من الأَدب مع اللهالانتفاع، وأَرجى لرحمة ، والمقصود أن لا ينشغل الإنسان عن سماع )1(”>واحترام كلامه القرآن، حتى يصل إلى فهمه وتدبره والعمل بما فيه، وإلا فالاستماع تعالى اللهوالإنصات بدون العمل لا يؤدي إلى رحمة ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ (، قال تعالى: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة جمعت هذه الآية ثلاثة ]النور[ )ﮝﮙ ﮚ ﮛ ﮜ أشياء؛ إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول، والمعنى: ما أطمعهم الله،)2(« بتلك الرحمة عند عملهم بموجبها إلا ليرحمهم، لما هو معلوم من وقد تقدم القول في طاعة الرسول. )3(فضله وكرمه وإقامة الصلاة: الإتيان بها كاملة الأركــان والهيئات والشروط في أوقاتها. وإيــتــاء الــزكــاة: إخــراج جميع أنــواع الــزكــوات على الوجه المطلوب شرعًا وإعطاؤها لمستحقيها. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ( ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ .]التوبة[ )ﮬﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ (، قال تعالى: الاستغفار تحكي الآيــة ]النمل[ )ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ لقومه يستنكر فيها استعجالهم نزول الكريمة مقولةً لصالح العذاب، حيث عقروا الناقة وطلبوا نزول العذاب، كما قال تعالى: .1575/3 التفسير الوسيط) 1( .304/3 لباب التأويل) 2( .554/5 أضواء البيان) 3(

عدد الصفحات ٣٣

308 ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ( ، وكان الأجدر بهم أن يطلبوا الحسنة، ]الأعراف[ )ﮝﮚ ﮛ ﮜ تعالى ويتوبوا من ذنوبهم، وأولها الشرك رجاء اللهوأن يطلبوا مغفرة أن يُرحموا في الدنيا والآخرة، فرحمة الآخرة لا تكون إلا للمؤمنين. ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ (، قال تعالى: البعد عــن المعاصي يخبر تعالى ]ي[ )ﭽﭺ ﭻ ﭼ غيهم وضلالهم، وعــدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، ومــا هم ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ (يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة باتقائكم الله لعل )ﭻ ﭼ( قال مجاهد: من الذنوب، )ﭺ ، وقيل المعنى) 1(ذلك يرحمكم ويُؤَمنكم من عذابه وَمثُلاته بمن حلّ ذلك به من الأمم قبلكم اللهبين أيديكم من نقم أن يحلّ مثله بكم بشرككم وتكذيبكم رسوله ، وهو )2(هلاككم مما أنتم لاقوه إن هلكتم على كفركم الذي أنتم عليه يؤول إلى المعنى الأول، إذ اتقاء هذه الأمور إنما يكون بترك المعاصي. -على القول )إذا(وجــواب ، وفي الآية إشارة واضحة إلى أن )3(»)إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ (بعده تعالى.اللهالذنوب تؤدي إلى العذاب، وأن تركها يؤدي إلى رحمة ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ( تعالىاللهالإصلاح بين المؤمنين وتقوى حقيقة >يقرر المولى ]الحجرات[ )ﯧﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ يجب أن تسود بين المؤمنين كلهم، وهي حقيقة الأخوة الإيمانية التي تجمعهم، فهناك أخوة النسب، وأخــوة الإنسانية، والأخــوة الإيمانية، وهذه هي التي ينبغي أن تسود بين أبناء المجتمع الإيماني، وتُقَدَّمُ على .580/6 تفسير القرآن العظيم) 1( .525/20 جامع البيان) 2( .232/16 اللباب في علوم الكتاب) 3(

عدد الصفحات ٣٤

309 الأُخُوَّتَين الأخريين، فالمؤمنون كلهم أخوة، وإن وقع شقاق بين جماعت من المؤمنين، فيجب على المجتمع الإيماني أن يقوم بواجب الإصلاح بينهما، وأن يرأب ما بينهما من صدع، وأن يصلح ما وقع من فساد، اللهولو كانت إحداهما باغية أخذوا على يديها، حتى ترجع إلى حكم في القيام بهذا التكليف وغيره اللهتعالى، ويجب عليهم أن يتقوا من التكليفات، فإن هم قاموا بواجب الإصلاح بين المتخاصمتين وتحلوا ، رحمة >الله تعالى فإنه يرجى لهم أن يصلوا إلى رحمة اللهبتقوى في الدنيا والآخرة، فإنهم إن تركوا الطائفتين في خلافهما، فسوف الله تسال الدماء في المجتمع المسلم، وتُزهق الأرواح، فالإصلاح بينهما يرحم المجتمع في الدنيا من ويلات الحروب ودمارها، ويؤدي إلى الرحمة في الآخرة، فإنه (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في فبالإصلاح بينهما تُرجى الرحمة في الآخرة للمُصْلح، حيث )1(النار تعالى، وللمقتتلين حيث يخرجان من هذا الوعيد.اللهامتثل أمر المطلب الثاني اللهأسباب اليأس والقنوط من رحمة تعالى إلا أننا نجد بعض الناس ييأس من هذه الرحمة، اللهمع سعة رحمة تعالى عنها مهما كثرت الله كبيرة من الكبائر، نهى اللهواليأس من رحمة ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ (: >ذنوب العبد، فقال بل ذهب بعض ]الزمر[ )ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ لا يحصلُ اللهالعلماء إلى أنه كفر، قال الرازي )، مسلم 6481 رقم2520/6 :) ﭦ ﭧ( تعالى: الله أخرجه البخاري ك/ الديات ب/ قول )1( )2888 رقم2213/4ك/ الفتن وأشراط الساعة ب/ إذا تواجه المسلمان بسيفيهما

عدد الصفحات ٣٥

310 إلاَّ إذا اعتقد الإنسان أنَّ إله العالم غير قادر على الكمالِ، أو غير عالم بجميع المعلوماتِ، أو ليس بكريمٍ، بل هو بخيلٌ، وكل واحد من هذه الثلاثة )1(يوجب الكفر هذا اليأس له أسباب كثيرة، وهي على كثرتها ترجع إلى البعد عن منهج عندما طلب من بنيه أن يبحثوا  تعالى، وقد أشار إلى ذلك يعقوبالله ﭑ ﭒ ( وأخيه، فقال -كما حكى القرآن الكريم-: عن يوسف ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ، والله فنهاهم عن اليأس من رحمة ]يو[ )ﭦﭤ ﭥ وتفريجه من صفة الكافرين، إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، اللهمن رحمة ، ومن الملاحظ أن هذا الخبر جاء بصيغة )2( تعالىاللهوإما الجهل بصفات ، فما أبعد اللهالحصر، فالكفر سبب رئيس من أسباب اليأس من رحمة المؤمن عن هذه الصفة، ولا يتصف بها إلا مرضى القلوب، لذلك عندما نهى المؤمنين عن موالاة الكافرين أخبر أن بعض أصحاب أمراض القلوب الله ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ (يوالونهم خوفًا منهم، ويأسًا من رحمته تعالى، فقال ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ فالمؤمن يرجو ]المائدة[ )ﮉﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ الله، وبالله على كل حال، وفي كل مكان وزمان، ويحسن الظن اللهرحمة .)3(تعالى عند ظنه، كما قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء ، يسألهم  حين أتته ملائكة ربه تبشره بإسحاقوهذا إبراهيم عن كيفية هبة هذا الغلام بعد أن صار عجوزًا وانقطع حمل زوجه، فتخبره الملائكة أن هذا خبر صدق، لا ينبغي أن يرتاب فيه، ولا يجوز لأحد أن ييأس ﭴ ﭵ ( الله تعالى فيخبرهم أنه ليس به يأس من رحمة اللهمن رحمة .159/18 مفاتيح الغيب) 1( .274/3 المحرر الوجيز) 2( ) قال الأرناؤوط: إسناده صحيح16059 رقم491/3 أخرجه أحمد) 3(

عدد الصفحات ٣٦

311 ، فيدفع عن نفسه رذيلة ]الحجر[ )ﭼﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ « االيأس من رحمة ، فإنه لا ييأس من )1(أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك النعمة الجليلة تعالى إلا الضالون عن طريق الحق والصواب، الذين لا يدركون اللهرحمة ونفاذ قدرته.سعة رحمته ﯷ ﯸ ( عن الكفار أنهم يائسون من رحمته، فقال: وأخبر )ﰄﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ والتعبير بالاسم الموصول يفيد عِلِّية ما في حيز الصلة، فكأن ]العنكبوت[ تعالى،الله سبب يأسهم من رحمة وتكذيبهم لقاءه اللهكفرهم بآيات )ﯼ(وسبب دخولهم العذاب الأليم، ويقوي هذا باسم الإشــارة فـ الإشارة من أوصاف، أي: أنهم استحقوا اليأس من الرحمة، وإصابتهم ، ويأسهم هذا )2(بالعذاب الأليم لأجل كفرهم بالقرآن وإنكارهم البعث إمــا في الآخــرة حين يتيقنون مصيرهم، ويتحققون منزلهم، ينقطع رجاؤهم لأي سبب يؤدي بهم إلى الرحمة، وإما في الدنيا، فلا ينجح تعالى.اللهفيهم وعظ ولا تذكير، ولا يؤثر فيهم كتاب فبالنظر في هذه الآيات وغيرها ندرك أن أسباب اليأس من رحمة والبعد عن منهجه، وضعف اليقين به تعالى ترجع إلى الكفر به الله أن يزيدنا يقينًا، وأن يثبتنا على دينه القويم ومنهجه تعالى، نسأله المستقيم. .82/5 إرشاد العقل السليم) 1( .156/20 التحرير والتنوير) 2(

عدد الصفحات ٣٧

312 المبحث الرابع من وُصِف بالرحمة في القرآن الكريم المطلب الأول الكتب السماوية بالنظر في القرآن الكريم نجد أن الكتب السماوية وُصِفَت بالرحمة، ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ (فالتوراة وصفت بالرحمة في قوله تعالى: )ﮟﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ، والمراد بالكتاب هنا التوراة، أنزلت تامة إتمامًا للنعمة على موسى ]الأنعام[ لإحسانه، وفيها بيان كل شيء يحتاجون إليه من أمور الدين، وفيها عليهم، لكي يؤمنوا بالبعث،>اللههدى من الضلالة، وإنزالها رحمة من تعالى حيث الله. فنزول التوراة رحمة من )1(ويصدقوا بالثواب والعقاب أنزل عليهم ما به يهتدون، وعن طريقه يصلون للرحمة. ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ (وقوله: أي: ألواح التوراة التي كان ألقاها قبل ]الأعراف[ )ﯚﯖ ﯗ ﯘ ﯙ تعالى أن ألواح اللهذلك عندما غضب، حيث عبد قومُه العجلَ، فأخبر وأراد الانتفاع بها. اللهالتوراة هذه تشتمل على هداية ورحمة، لمن خاف ﯤ ﯥ ﯦ (وقوله: ]17هود[ )ﮦ ﮥ ﮤ ﮡ ﮢ ﮣ(وقوله .174/2 ينظر: لباب التأويل) 1(

عدد الصفحات ٣٨

313 ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ )ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ (وقوله: ]الق[ )ﯴﯲ ﯳ فهذه الآيات وغيرها تخبر أن التوراة كتاب رحمة وهداية.]12الأحقاف[ ﯙ(والقرآن الكريم وُصِفَ بالرحمة في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ( وقوله: ]157الأنعام[ )ﯩ ﯪ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ (وقوله: ]الأعراف[ )ﭛﭘ ﭙ ﭚ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ( وقوله: ]203الأعراف[ )ﯖ ﯗ ﯫ ﯬ (وقوله: ]يون[ )ﮐﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ وقوله: ]يو[ )ﰃﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ ﰋ ﰌ ( ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ( وقوله: ]النحل[ )ﰏﰍ ﰎ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ( وقوله ]89النحل[ )ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ]النمل[ )ﭕﭑ ﭒ ﭓ ﭔ(وقوله ]82الإ[ )ﮩ ﮪ ﮫ ، فهذا القرآن بما اشتمل عليه من ]لقمان[ )ﭛﭘ ﭙ ﭚ(وقوله الحجج الواضحة والدلالات الظاهرة يوصلكم إِلى أَعلى درجات الإِيمان، ، لكل الخلق، ولكنه خص المؤمنين والمسلمين )1(وهو كذلك رحمة شاملة والمحسنين، لأنهم المنتفعون بهداياته الراجون للرحمة العظمى يوم القيامة. وهكذا كل الكتب السماوية تشتمل على هدايات لمن أراد أن يهتدي بها، تعالى.اللهوهي رحمة لمن أراد أن يرحمه .1575/3 ينظر: التفسير الوسيط) 1(

عدد الصفحات ٣٩

314 المطلب الثاني الرُّسُل ، وإذا مما لا شك فيه أن الكتب السماوية أنزلت عن طريق الرسل كانت الكتب الإلهية رحمة فلا ريب أن من هو وسيلة لوصول هذه الكتب بأنه رحمة في آيات كثيرة، Sرحمة عظمى -أيضًا- وقد وصف نبينا والمراد]159اآل عمران[ )ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ(منها قوله تعالى: تعالى ألقى في قلب الله للرفق والتلطف بهم، وإن S نبيه محمدًا>الله ، فالرحمةُ من )1( داعية الرحمة واللطف، حتى فعل ذلك معهمSنبيه « S، والمتصف بها هنا نبيهالله )2( بهالله بعثه S ، قال ابن عباس]الأنبياء[ )ﮕﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ(وقوله: من الله إذا كُذِّب أهلك S« كذَّبه، ومحمد أُخر من كذّبه إلى موتٍ أو قيامةٍ، والذي صدقه عُجلت له ، قال ابن عطية)3(الرحمة في الدنيا والآخرة معناه: وما أرسلنك للعالمين إلا رحمة، أي: هو رحمة في نفسه، أخذ به )4(من أخذ: وأعرض عنه من أعرض ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ (وقــولــه: ]61التوبة[ )ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ رحمة للمؤمنين، حيث كان سببًا لهدايتهم ونجاتهم من النار، Sفهو وهو يشفع لهم في الآخرة، و .)5(حصل لهم بالإيمان بسبب الرسول لم يحصل لغيرهم .311/1 لباب التأويل) 1( .148/2 تفسير القرآن العظيم) 2( .229/15 التفسير البسيط) 3( .104/4 المحرر الوجيز) 4( .64/5 البحر المحيط) 5(

عدد الصفحات ٤٠

315 ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ( ونظير هذه الآيات قوله: .]التوبة[ )ﯛﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮫ ﮬ ﮩ ﮪ( بأنه رحمة في قوله تعالى: ووصف عيسى )ﯛﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ لما بشرتها الملائكة بأنها ستحمل بعيسى  وذلك أن السيدة مر]مر[ سألتْ عن كيفية الحمل به، وهي لم تتزوج ولم يقربها بشرٌ، فأخبرها  تعالى دون ذَكَرٍ، وهذا أمر هين في قدرة الله أن الحمل به بأمر جبريل تعالى، ثم أخبرها أن الحمل به سيكون آية للناس كلهم على كمال الله . قال ابن >الله، ثم أخبر أن هذا المولود سيكون رحمة من اللهقدرة ، نبيًّا من الله أي: ونجعل هذا الغلام رحمة من )ﯕ ﯖ(كثير ، فيعلم من ذلك أن مقام )1( تعالى وتوحيده اللهالأنبياء يدعو إلى عبادة تعالى بالبشرية، فهي الطريق لاهتداء كثير اللهالنبوة والرسالة رحمة من . اللهمن الناس، فالأنبياء كلهم رحمة من المطلب الثالث المؤمنون المؤمنون من أتباع جميع الأنبياء الأصل فيهم أنهم موصوفون بالرحمة، وإن تخلوا عن خلق الرحمة في أي وقت فإن ذلك خلاف الأصل، كما حدث من بني إسرائيل حين قست قلوبهم، فأصبحت أشد قسوة من الحجارة، أما المؤمن الحق فلا يتصور منه إلا الاتصاف بالرحمة المقتبسة من رحمة المنهج الذي معه، ورحمة النبي الذي يتبعه، الرحمة المستمدة من رحمة تعالى بهذه الرحمة المؤمنين من أتباع عيسى اللهالإله الذي يعبده، وصف .220/5 تفسير القرآن العظيم) 1(

عدد الصفحات ٤١

316 ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮁ(، فقال:  أي: وجعلنا]27الحديد[ )ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ في قلوب الذين اتبعوه مودة ولينًا يجمعهم على الخير، ويدفع عنهم الشر، .)1(وتعطفًا ومحبة تجلب لهم المنافع، وتقيهم المضار ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ( Sوالمؤمنين من أتباع محمد ثم يخبر عن أتباعه S تعالى برسالة نبيناالله يخبر ]29الفتح[ )ﭚ ﭛ )ﭚ ﭛ( غلاظ عليهم كالأسد على فريسته )ﭗ ﭘ ﭙ( أنهم يرحم أحدهم الآخــر، قال ابن عباس: الرجل للرجل منهم كالولد لوالده، ، و) 2(والعبد لسيده في نفوسهم. وقد وردت أخبار أخوتهم وتراحمهم في مواضع كثيرة من القرآن ، ولا نطيل بذكرها الآن، وإنما الذي يعنينا أن المؤمنين )3(»Sوكلام الرسول في رحمتهم S اوصفوا بالرحمة في القرآن الكريم، وقد شبههم رسول بالجسد الواحد، فقال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل .)4(الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى المطلب الرابع الغيث بخلقه، اللهوقد أُطلق على الغيث رحمة في القرآن الكريم، فهو رحمة من ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ (ومواطن وصفه بالرحمة كثيرة، منها: ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ (وقوله: ]57الأعراف[ )ﯫ .1308/9 ينظر: التفسير الوسيط) 1( .326/20 التفسير البسيط) 2( .173/26 التحرير والتنوير) 3( )2586 رقم1999/4 أخرجه مسلم ك/ البر والصلة ب/ تراحم المؤمنين وتعاطفهم) 4(

عدد الصفحات ٤٢

317 ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ( ]الفرقان[ )ﮔﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ « ]63النمل[ )ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮋ ( )1(الذي هو رحمته، وإنما سماه رحمة لأنه سبب لحياة الأرض الميتة ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ (، ]ال[ )ﮜﮙ ﮚ ﮛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ( ]50الروم[ )ﰂ ﰃ ﰄ ، وقد سبق أن المراد بالرحمة في مثل ]ال[ )ﯪﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ وقدرته، لذلك سيقت اللههذه الآيات المطر، فهو مظهر من مظاهر رحمة هذه الآيات في سياق الاستدلال على قدرته تعالى وانفراده بالخلق والتكوين، فمما يذكرهم به رحمته بهم، ومن ذلك أنهم في جدبهم وقحطهم تتداركهم الأرض الميتة، اللههذه الرحمة فينزل المطر، فيكون من آثــاره أن يحيي ويجري الأنهار، وينبت الزرع وتخرج الثمار، فيحيا الزرع والحيوان والإنسان، وتتحول البقعة التي نزل بها المطر إلى حياة تامة فيها جميع مظاهر الحياة. المطلب الخامس التشريعات الإلهية تعالى اللهمما لا شك فيه أن التشريعات الإلهية إنما هي رحمة من وضع لهم منهجًا يسيرون عليه، منهجًا لا يصلح لهم بعباده، حيث إنه ولا يُصْلحهم سواه، حتى تشريعاته التي قد تبدو فيها شدة وقسوة، هي في حقيقة الأمــر رحمة بهم لمن تأملها حق تأملها، وفهمها حق الفهم، ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ (: يظهر ذلك جليًّا في آية القصاص، حيث يقول ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ .212/2 لباب التأويل) 1(

عدد الصفحات ٤٣

318 )ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ، )ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ( فبعد أن ذكر القصاص يقول: ]178البقرة[ فهو وإن كــان فيه شــدة وقسوة على الجاني إلا أن فيه تخفيفًا ورحمة ﯔ ﯕ ﯖ (بالمجتمع كله، لذلك كان التعقيب الإلهي في الآية التالية ، إنه حياة للمجتمع كله ]البقرة[ )ﯜﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ورحمة بالمجتمع كله أن يأخذ على يد الظالم الباغي، ليردعه حتى يرعوي عن غيه، وينتهي عن جرمه وتعديه على المجتمع، فضلا عما في تشريع تعالى كتب على اللهالقصاص من رحمة بالجاني أيضًا، “قال المفسرون: إن أهل التوراة أن يُقِيدُوا، ولا يأخذوا الدية، ولا يعفوا؛ وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدية؛ وخَيّر هذه الأمة بين القصاص والدية . )1(، أي: التخيير بين هذه الأشياء)ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ(والعفو، فقال: ذكر أن تشريع القصاص تخفيف ورحمة، فقد >وإذا كان المولى ﯗ ﯘ ﯙ (ذكر في غيره أنه يسرٌ، كما ذكر في الحديث عن الصيام الله، وهل إرادة اليسر إلا رحمة من ]185البقرة[ )ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﮨ (تعالى، وذكر في تشريع الجهاد أنه رفع عن هذه الأمة الحرج، فقال: ، وفي الوضوء يقول: ]78الحج[ )ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ، وهل رفع الحرج إلا ]6المائدة[ )ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ( مظهرًا من مظاهر رحمته تعالى، هذا فضلاً عما في بقية التشريعات من رحمة يدركها المنصف بأدنى تأمل. .540/3 التفسير البسيط) 1(

عدد الصفحات ٤٤

319 الخاتمة رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، للهالحمد سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فبعد هذه الجولة التي حاولت فيها التأصيل لخلق الرحمة من القرآن الكريم، يطيب لي أن أسجل أهم النتائج، وهي: أن الرحمة خلق إسلامي أصيل، ورد التأكيد عليه في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. أنها استعملت في القرآن بصيغ كثيرة، منها الفعل والاسم والمصدر، ونكرة ومعرفة. أنها وردت في القرآن على أوجه كثيرة، منها: الجنة، والإسلام، والنبوة، والقرآن، والمطر، والمغفرة... أن هناك ألفاظًا قريبة في المعنى من الرحمة، منها الرأفة، والنعمة، والمغفرة، والعفو، والرقة. تعالى، فهو الرحمن الرحيم، وهي من اللهأن الرحمة صفة من صفات ، ولا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ المخْلُوقِين. اللهصفات المعاني القائمة بذات

عدد الصفحات ٤٥

320 تعالى عامة لكل الخلق، وإن كان هناك أنواعًا منها اللهأن رحمة تخص بعضًا دون بعض. مظاهر كثيرة، منها، إرسال الرسل وإنزال الكتب، عدم اللهلرحمة مؤاخذة الناس بذنوبهم في الدنيا وعدم معاجلتهم بالعذاب، خلق الليل والنهار، الرزق، إنزال المطر، رفع الضر عنهم، وشمولهم بالنعم. تعالى وطاعة الله تعالى كثيرة، منها؛ طاعة اللهأن موجبات رحمة ، اتباع القرآن الكريم، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، Sرسوله تعالى. اللهالاستغفار، الإصلاح بين المؤمنين، وتقوى منهيٌّ عنه شرعًا، وأن له أسبابًا ترجع في اللهأن اليأس من رحمة تعالى.اللهمجملها إلى البعد عن منهج تعالى، ومن ذلك: الكتب اللهأنه ورد وصف الرحمة في حق غير السماوية، الرُّسُل، المؤمنون، الغيث، التشريعات الإلهية. لذا فإني أوصي الباحثين والدعاة بأن يبرزوا هذا الخلق الرفيع من أخلاق الإســلام، ويؤكدوا عليه، ويبينوا أصالته في الدين الإسلامي، وأوصي المسلمين جميعًا أن يتحلوا بهذا الخلق الإسلامي، الذي طالما تعالى اللهكان الاتصاف به من وسائل الدعوة إلى وبعد، فهذه محاولة مني للتأصيل للرحمة من خلال آيات القرآن الكريم، وحده، وله الحمد والمنة، وإن تكن الأخرى فمن اللهفإن أكن قد وفقت فمن تعالى أن يغفرها لي، إنه سميع قريب مجيب، والحمد اللهنفسي، وأسأل رب العالمين.لله أولاً وآخرًا، وسلام على المرسلين، والحمد لله

عدد الصفحات ٤٦

321 مراجع البحث 1 .الإتقان في علوم القرآن، عبدالرحمن بن أبي بكر، جلال الدين هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، 911السيوطي، المتوفى م.1974هـ1394الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2 .إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، أبو السعود محمد بن هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت، 951محمد العمادي، المتوفى م.1994هـ1414،4لبنان، ط 3 .هـ)،321الاشتقاق، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، المتوفى .3تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، مكتبة الخانجي- القاهرة، ط 4 .أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد هـ)، دار 1393المختار بن عبدالقادر الجكني الشنقيطي، المتوفى م.1995هـ1415الفكر، بيروت، لبنان، 5 .البحر المحيط، أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبدالموجود، وآخرين، 754حيان، المتوفى م.2001هـ1422،1دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، ط 6 .البحر المديد، أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة، المتوفى هـ.1423م2002،2هـ) دار الكتب العلمية- بيروت، ط1224( 7 . محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، ابن قيمعبداللهبدائع الفوائد، أبو هـ) تحقيق: هشام عبدالعزيز عطا وآخرين، 751الجوزية، المتوفى م.1996هـ1416،1مكتبة نزار مصطفى الباز- مكة المكرمة، ط 8 .هـــ 811التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، المتوفى هـ.1405،1تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي- بيروت، ط

عدد الصفحات ٤٧

322 9 .بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للإمام: مجد هـ) تحقيق: 817الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، المتوفى عبدالعليم الطحاوي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- القاهرة، م.2000هـ1421،3ط 10 .التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن هـ) مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، 1393عاشور، المتوفى م.2000هـ1420،1ط 11 . محمد بن محمد بن عرفة التونسي،عبداللهتفسير ابن عرفة، أبو م.2008،1هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط803المتوفى 12 .هـــ)،468التفسير البسيط، علي بن أحمد الــواحــدي، المتوفى تحقيق: مجموعة من الباحثين، عمادة البحث العلمي بجامعة .1الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط 13 .تفسير القرآن العظيم، أبــو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير هـ)، تحقيق: سامي بن محمد السلامة، 774الدمشقي، المتوفى م.1999هـ1420،2دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 14 .التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الهيئة العامة لشئون المطابع م. 1973هـ1393،1الأميرية، ط 15 .تهذيب اللغة، أبــو منصور محمد بــن أحمد الأزهـــري، المتوفى هـ) تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي- 370( م2001،1بيروت، ط 16 .التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبدالرؤوف المناوي، المتوفى هـ) تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار 952( هـ1410،1الفكر- بيروت، دمشق، ط

عدد الصفحات ٤٨