مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 75 مراعاة المخاطب والمقام في النحو القرآني د. ىناء محمود اسماعيل جامعة بغداد – كمية التربية لمبنات الخلاصة: تكشؼ ىذه الدراسة عف أساس ميـ مف أسس النحو القر آني التي أسس ليا القدماء وىو مراعاة المخاطب والمقاـ في النحو القر آني . فكاف البحث محاولة متواضعة في بياف عمؽ البحث النحوي القر آني عند القدماء في تحميؿ النص القر آني. لذا استقصى البحث جيود النحوييف الاوائؿ في اعتماد ىذه الأسس في بناء الأحكاـ النحوية واستقراء قواعد النحو العربي. المقدمة ناؿ موضوع المخاطب والمقاـ اىتماماً كبيرًا في الدرس المغوي , فظيرت عناية البلبغييف بوجوب مراعاة المتكمـ لأحواؿ المتكمميف (1),و"ما يجب لكؿ مقاـ مف المقاؿ(2.) كما اتجو الدرس المغوي الحديث نحو التداولية في النص باعتماد قرائف السياؽ والمقاـ (3.) والمُتمعف في الموروث النحوي يجد أف دوافع فيـ القرآف الكريـ ومعرفة أسراره وفيـ تراكيبو وبياف أثرىا في الأحكاـ التشريعية قد أدت إلى إيجاد النحو الذي استنبط مف أساليب القرآف ونظمو وىو (النحو القرآني) (4) ,أو (نحو القرآف الكريـ (5.) فقد اتضح وجود اتجاه معنوي في الدرس النحوي عند القدماء يعتمد النص القرآني المصدر الأوؿ لو,ويقصد مف النحو ىدفًا أكثر عمقًا وشموًلا وىو: قواعد بناء الكلبـ,ونظمو,وعوارض تأليؼ الجمؿ كالتقديـ والتأخير,والحذؼ والذكر,والفصؿ والوصؿ(6). وكشفت جيود النحوييف الأوائؿ عف سبقيـ في اعتماد الأسس المعنوية والفكرية في تحميؿ النص القرآني وتعميمو ومنيا : العناية بالنص القرآني,وترابط عناصر ه,وعلبقة النص بالنظاـ المغوي وبمنشئو وبمتمقيو ,وبقرائف المقاـ والحاؿ. وىذه الأسس المعنوية مثمت صورة مف صور (نحو النص) باصطلبحو المعاصر. فكاف البحث عف المعاني المحور الأساسي الذي دارت حولو بحوث النحاة المتقدميف ، واتضحت عنايتيـ البميغة بتحديد العلبقة بيف ال متكمـ والسامع، وأثرىا في تحقيؽ فائدة الكلبـ وتحقيؽ التواصؿ واستجابة المخاطب لو, ومراعاة ظروؼ وملببسات الحدث الكلبمي وما يصاحبو مف أحواؿ ومقامات.
عدد الصفحات ١مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 76 فكانوا يدركوف أف الكلبـ يٌقاؿ لكي يوصؿ المتكمـ إلى المخاطب معاني يقصدىا ، قاؿ الزجاجي : "إف المخاطَبْ والمُخا طِبْ ، والمُخبِر عنو ، والمُخبَر بو ، أجساـ وأعراض تنوب في العبارة عنيا اسماؤىا ، أو ما يعتوره معنى يدخمو تحت ىذا القسـ مف أمر أو نيي أو نداء ، أو نعت أو ما أشبو ذلؾ، مما تختص بو الاسماء؛ لأف الأمر والنيي إنما يُعقداف عمى الاسـ النائب عف المسمى فالخبر إذف ىو غير المُخبَر، والمُخبَّر عنو ، وىما داخلبف تحت قسـ الاسـ ، والخبر ىو الفعؿ وما اشتؽ منو أو ضُمِّف معناه، وىو الحديث الذي ذكرناه، ولا بد مف رباط بينيما وىو الحرؼ, ولف يوجد إلى معنى رابع سبيؿ فيكوف الكلبـ قسـ رابع ، وىذا معنى قوؿ سيبويو : الكمـ اسـ وفعؿ و حرؼ "(6). فكاف المخاطب والسامع محور العممية الكلبمية ، فالمتكمـ يصوغ كلبمو وفقاً لأحواؿ السامع ومعارفو ، وىذه العلبقة المُنظَّمة بينيما ىي التي تقود إلى الكشؼ عف المعاني وعف مقاصد المتكمميف ، قاؿ السييمي : "اعمـ أف الكلبـ صفة قائمةٌ في نفس المتكمـ يُعبر لممخاطب عنو بمفظٍ أو لحظٍ أو (بخطٍ) ، ولولا المخاطب ما اُحتيج إلى التعبير عما في نفس المتكمـ"(7). لذا برز أثر المخاطب والمتكمـ في العممية المغوية والاتصاؿ الإبلبغي ، وعُدّ المخاطب مشاركاً لممتكمـ في إنتاج الكلبـ ، "فمّما كاف المخاطب مشاركاً لممتكمـ في حاؿ معنى الكلبـ، إذ الكلبـ مبدأه مف المتكمـ ومنتياه عند المخاطب ، ولولا المخاطب ما كاف كلبـ المتكمـ لفظاً مسموعاً، ولا احتاج إلى التعبير عنو ......"(8). وىذا يقرب مما يذىب إليو النظر المغوي الحديث في تحديد نظرية التمقي رؤية جديدة ومفيوماً جديداً لفعؿ الفيـ وتجعؿ المتمقي شريكاً في إنتاج المعنى وبنائو فيو : "عممية بناء المعنى وا نتاجو وليس الكشؼ عنو أو الانتياء إليو ، وبذلؾ يُعدُّ المحصوؿ المساني مُؤثراً واحداً مف مؤثرات الفيـ لا بد مف تغذيتو بمرجعيات ذاتية قائمة عمى فعؿ الفيـ مف لدف المتمقي"(01.) وقد أكد عمماء العرب ية عمى التفاعؿ بيف المنتج والمتمقي والنص ، وىو وجو مف أوجو التماسؾ الدلالي النصِّي (10) ، فالمتكمـ يراعي حاؿ المخاطب مف حيث العمـ والجيؿ بو ، ويكوف أساساً في ترتيب الكلبـ وبناء أجزائو(20)، منو ماذكره سيبويو في (التعريؼ والتنكير) والمعرؼ بػ (أؿ) : "وا نما صار معرفةُ ؛ لأنؾ أردت بالألؼ واللبـ الشيء بعينو دوف سائر أمتّو ؛ لأنؾ إذا قمت : مررت برجؿٍ ، فإنؾ إنما زعمت أنؾ إنمّا مررت بواحد ممف يقع عميو ىذا الاسـُ، لا تريد رجلبً بعينو يعرفو المخاطب، وا ذا أدخمت الألؼ واللبـ فإنما تُذكّرُه رجلبً قد عرفو ، فتقوؿ : الرجؿ الذي مف أمره كذا وكذا ، ليتوىـَ الذي كاف عيده ما تذكر مف أمره"(30) . كما تحدث المُبرِّد في (باب الابتداء) عف فائدة الخبر"فالابتداء نحو قولؾ : زيدٌ ، فإذا ذكرتو فإنما تذكره لمسامع ؛ ليتوقع ما تُخبرُه بو عنو، فإذا قمت (منطمؽ) أو ما أشبيو صحَّ معنى
عدد الصفحات ٢مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 77 الكـ ، وكانت الفائدة لمسامع في الخَبر ؛ لأنو قد كاف يعرؼ زيداً كما تعرفو ، ولولا ذلؾ لـ تقؿ لو زيدٌ ، ولكنت قائلبً لو : رجؿ يقاؿ لو زيد، فممّا كاف يعرؼ زيداً ، ويجيؿ ما تُخبره بو عنو أفدتو الخبرَ ، فصحَّ الكلبـ ؛ لأف المفظة الواحدة مف الاسـ والفعؿ لا تفيد شي ئاً، وا ذا قرنتيا بما يصمحُ حدث معنى واستغنى الكلبـ"(34) ويشير النص إشارات دقيقة إلى الفائدة مف الكلبـ وىو إعلبـ السامع بالخبر ، فيو متوقع بما يُخبِرُه المخاطب عنو ، فالكلبـ لـ يصغ إلا لمسامع، بمعونة السياؽ المحيط وقرائف النص المقترنة بالاسـ والفعؿ الموحية بالمعنى والاستغناء الحاصؿ في الكلبـ . وفي ضوءىذا الفيـ الدقيؽ لعممية الكلبـ وأطرافو ومكوّناتو تنَّبو النحاة عمى "أف ظاىر العبارة القرآنية ليس ىو كؿ شيء في تحديد معناىا ، وأفّ معاني النصوص لا تتقرر مف داخميا، ووفقاً لما تمميو لغتيا المباشرة وحدىا، وا نما تت حكـ في تحديد معنى النص القرآني كثير مف الملببسات والقرائف ، منيا المأثور مف التفسير ، وأسباب النزوؿ ، والسياؽ المفظي ، والقرينة العقمية ، ...."(04). لذا عمد النحويوف الأوائؿ إلى اعتماد وسائؿ غير لغوية في تحديد المعنى القرآني وفيـ الجممة ومنيا : المخاطَب ، والسياؽ ، والمقاـ ، "فالجممة أصبحت خاضعة لمناسبات القوؿ ولمعلبقة بيف المتكمـ والمخاطب، ولا يتـ التفاىـ في أية لغة إلا إذا رُوعيت تمؾ المناسبات ، وأخذت العلبقة بيف أصحابيا بنظر الاعتبار, ولف يكوف الكلبـ مفيداً ولا الخبر مُؤدّياً غرضو ما لـ يكف حاؿ المخاطب ممحوظاً ليقع الكلبـ في نفس المخاطب موقع الاكتفاء والقبوؿ"(05) . والُمتأمؿ في الموروث النحوي يجد أف النحوييف وضعوا المبنات الأولى ليذا الجانب المعنوي في تحميؿ النص ، فكانوا عمى وعي متقدـ بضرورة أف يتجاوز النص تحميؿ البنية الداخمية ليشمؿ بنية السياؽ والعلبقات القائمة بيف البنيتيف السطحية والعميقة بما يشكؿ تماسكاً دلالياً ممحوظاً . إف ما تػنَّبو عميو النحاة يقارب ما شاع لدى دارسي النص المُحدّثَيف وىو ما يُعرؼ بػ(المقامية)(06 )، أو (المستوى التداولي في النص) وىذا الاتجاه نحو التداولية أصبح واضحاً في نياية العقد الثامف مف القرف العشريف (75). فشاعت في مؤلفات النحاة القدامى مفاىيـ مراعاة المتكمـ والسامع ، و(السياؽ) ، و(مقتضى الحاؿ) أو المقاـ . ولا غرابة في ذلؾ ؛ لأف الغاية الكبرى عندىـ الكشؼ عف معاني النص القرآني الكريـ، وفيـ تراكيبو وأسرار إعجازه، فاىتموا بالسياؽ وك ؿ ما يحيط بالنص ، مف ظروؼ وملببسات ، فالسياؽ ىو المحدد لممعنى (08) . كما أف"فاعمية النصوص لا تظير إلا مف خلبؿ مجموعة مف العوامؿ السياقية التاريخية والنفسية والاجتماعية بما يصطمح عميو قديماً بػ (المقاـ) وحديثاً بػ (سياؽ النص) "(16). والكممة المفردة لا تكتس ب حياتيا إلا
عدد الصفحات ٣مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 78 مف خلبؿ التأليؼ ولا يتحدد معناىا إلا بالسياؽ ذلؾ أف "الكلبـ إنما وضع لمفائدة ، والفائدة لا تُجنَى مف الكممة الواحدة ، وا نما تُجنَى مف الجُمؿ ومَدارِج القوؿ"(10). وتظير أىمية السياؽ عند عبد القاىر الجرجاني في ملبءمة الألفاظ لمعانييا التي تمييا ؛ إذ إف "الألفاظ لا تتفاضؿ مف حيث ىي كمـٌ مفردةٌ ، وا ف الألفاظ تثبتُ ليا الفضيمة وخلبفيا في ملبءمة معنى المفظة لمعنى التي تمييا ، أو ما أشبو ذلؾ مما لا تعمؽ لو بصريح المفظ "(11) . وظيرت عناية النحاة الأوائؿ بػ (موقع الكممة) مف السياؽ والاستعماؿ القرآني الم خصوص ليا . فالمفظة القرآنية ليا خصوصيتيا وليا واقعيا الخاص الذي يجعميا تتمبس بالجو العاـ للآية أو السورة مما يجعميا مُنزَّىة عف التبديؿ والترادؼ (71) ، وليا موقعيا المقصود في التركيب القرآني مف دقة الاختيار ، وحُسف الانتقاء ، وبراعة النسج مما يُشكؿ نسيجاً قوياً متماسكاً ، "ويشيد التتبع الاستقرائي لألفاظ القرآف في سياقيا أنو يستعمؿ المفظ بدلالة معينة لا يمكف أف يؤدييا لفظ آخر في المعنى الذي تحشد لو المعاجـ وكتب التفسير عدداً قؿّ أو كثُر في الألفاظ"(81) . وقد ثبتت عناية العمماء بقرينة السياؽ في القرآف الكريـ فيي كبرى القرائف (91) ، وليا ثلبث رتب فيي "إما متقدمة عمى المفظة التي تُفسِّرىا ، أو متأخرة عنيا ، أو مكتنفة ليا مف جانبييا السابؽ ليا واللبحؽ وجميعيا مف داخؿ النص القرآني "(101)، وتقسـ القرائف إلى "لفظية، ومعنوية ، والمفظية تنقسـ إلى متصمة، ومنفصمة ، أما ا لمتصمة فنوعاف : نوع يصرؼ المفظ إلى غير الاحتماؿ الذي لولا القرينة لحُمؿ عميو، ويُسمى تخصيصاً وتأويلبً . ونوع يظير بو المراد مف المفظ ويسمى بياناً "(16). وتظير أىمية السياؽ في النص القرآني في تحديد المراد وتخصيص العاـ وتقييد المطمؽ ، قاؿ الزركشي : "أما دلالة السياؽ فأنيا تُرشِد إلى تبيِّيف المُجمَؿ والقطع بعدـ احتماؿ غير المُراد وتخصيص العاـ، وتقييد المطمؽ ، وتنوع الدلالة ، وىو مف أعظـ القرائف الدالة عمى مراد المتكمـ "(17). وتعيف قرينة السياؽ عمى تحديد دلالة الألفاظ القرآنية ؛ إذ يكسب السياؽ القرآني والاستعماؿ المخصوص الألفاظ دلالات جديدة غير معيودة : "فمف أىممَوُ غمط في نظيره ، وغالط في مناظراتو ، وانظر إلى قولو تعالى: اذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخاف38] يدؿُّ عمى أنو الذليؿ الحقير"(18. ) والتفت النحاة إلى قرينة (سياؽ الحاؿ (21)، أو (الموقؼ) التي تدؿ عمى الظروؼ والأحواؿ الخارجية التي تحيط بالحدث المغوي. كما أدركوا أف ثمة عناصر غير لغوية ليا أثر في تحديد
عدد الصفحات ٤مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 79 المعنى بؿ ىي جزء مف أجزاء معنى الكلبـ ومنيا : شخصية المتكمـ وشخصية السامع وتكوينيما الثقافي ، وشخصيات مَف يشيد الكلبـ –إفْ وج دوا - وعلبقتيـ بالموقؼ المغوي ..... (112) . واعتمد المفسروف في توجيو دلالات النصوص القرآنية عدة قرائف سياقية تسيـ في تحديد المعنى ومنيا : "معنى المفردة ، وقرينة الحاؿ ، والقرينة العقمية، وتكوف القرينة الفيصؿ في ترجيح دلالة دوف أخرى مف خلبؿ النظر إلى القرائف التي فيو سواء أكانت محيطة بالنص مُكتنفة إياه، أـ كانت متقدِّمة أو متأخِّرة عنو ، ولولا وجود القرائف السياقية لـ نتوصؿ إلى المقصود مف كثير مف النصوص القرآنية "(122). والواضح أف المفسريف وظَّفوا ىذه القرائف لمكشؼ عف الوحدة الدلالية لمنص القرآني الكريـ، أما الن حويوف فمـ يكونوا حديثي عيد بقرائف المقاـ وأحوالو بؿ ظير الاىتداء إلييا مبكراً ، فقد وظفَّوىا لمكشؼ عف الوحدة النصِّية القرآنية وىذا وعي متقدـ سبقوا فيو غيرىـ ، فكاف ىدفيـ تفسير النص القرآني والكشؼ عف معانيو بكؿ الوسائؿ ,والنحو لـ يكف الغاية، بؿ كاف وسيمة مف وسائؿ الكشؼ عف النص . ولمّا كانت المعاني الأسس المعنوية التي بنى عمييا النحاة نحوىـ ، فمـ يقتصر الأمر عندىـ عمى اعتماد ىذه القرائف في الاستدلاؿ عمى المعاني ومقاصد المتكمميف فحسب بؿ سعوا إلى توظيؼ ىذه القرائف في بناء الأحكاـ النحوية ، وا يضاح العلبقات بيف أجزاء التركيب ، وتحديد المعاني الوظيفية لمفردات التركيب القرآني. ويتضح ذلؾ في مباحث الحذؼ والإضمار والتقديـ والتأخير. وأقدـ الإشارات الأولى ليذا الفيـ المعنوي ما ذكره سيبويو عف قرينة سياؽ الحاؿ (الحاؿ المُشاىَدةَ) ، فقد ربط بيف فيـ النص وتقدير العوامؿ المحذوفة بما يحيط بو مف أحواؿ وملببسات تؤثر في بنية النص ومثالو "إذا رأيت رجلبً متوجياً وجْيَةَ الحاج ، قاصداً في ىيئة الحاج ، فقمت مكةَ وربِّ الكعبةِ . حيث زكنتَ ، أنّو يريد مكة ، كأنؾ قمت : يريد مكة واللِ "(22)، وقولو"أو رأيت رجلبً يُسدِّد سيماً قِبَؿ القرطاسِ فقمت : القرطاس والل ، أي يصيبُ القرطاس ؛ وا ذا سمعت وقعَ السَّيـ في القرطاسَِِ قمت : القرطاسَ والل أي : أصاب القرطاسَ . ولو رأيت ناساً ينظروف اليلبؿَ وأنت منيـ بعيد فكبّروا لقمت: اليلبؿَ وربِّ الكعبةِ أي : أبصروا اليلبؿَ "(23). فرؤية الحاجّ في ىيئة ال حج، ورؤية الرجؿ في حاؿ تسديد القرطاس ، ورؤية الناس المتجمعيف لرؤية اليلبؿ أغنت عف تقدير الفعؿ المحذوؼ، واستدؿ بيا عمى مراد المتكمـ . كما اىتدى النحاة إلى أثر القرينة العقمية في دلالة الخطاب الإليي وتوجيو الحكـ النحوي ، وتوقؼ النحاة عند نمط مف الأساليب القر آنية التي تُثير الإشكاؿ في الفيـ والمبس في المعنى، والتي تحمؿُ في ظاىرىا معنى الدعاء الصادر عف الخالؽ عمى عباده ، إذ كيؼ يدعو الخالؽ عمى الإنساف
عدد الصفحات ٥مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 80 وىو في قبضتو ورىف مشيئتو؟ (24)، ومف ذلؾ قولو تعالىقَاتَمَيُمُ المَّوُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة21 ] وأوّليا ابف عباس بأف القتؿ : المعف، قاؿ: " لعنيـ الل. وكؿ شيء في القرآف (قتَؿ) فيو لَعْفٌ "(25.) والتفت سيبويو إلى الإشارات المعنوية الدقيقة الموجبة لصرؼ العبارة عف ظاىرىا ، وفرّؽ بيف دلالتي الدعاء الصادر عف الخمؽ والخالؽ ، واستند في ذلؾ إلى قرينة العقؿ التي تمنع أف يكوف الفعؿ صادراً عف الخالؽ وىو القادر المقتدر ، قاؿ: " وأما قولو تعالىوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِمْمُكَذِّبِينَ [المرسلبت 04]وَيْلٌ لِمْمُطَفِّفِينَ [المطففيف0] المفظ بو قبيح ، وا نما جاء القرآف عمى لغتيـ وعمى ما يعنوف وكُؿِِّّـ العباد بكلبميـ ، وقولو وَيْؿٌ لِمْمُطَفِّفِيفَ : أي ىؤلاء ممف وجب ىذا القوؿ ليـ في الشر واليمكة ، ومثمو قولو تعالى: فَقُولا لَوُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَمَّوُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى [طػو33] قَاتَمَيُمُ المَّوُ [21]ي ىذا عمى كلبـ العباد وبو أنزؿ القرآف "(26) . وىنا ينبّو سيبويو عمى أف أساليب الخطاب القرآني في خطاب البشر وتكميـ العباد إنما جاءت عمى ما تعارفوا عميو تقريباً لمفيـ والإفياـ. وعّد ابف قتيبة ىذه الأساليب مف باب (مخالفة ظاىر المفظ معناه) وأفرد ليا باباً في كتابو (تأويؿ مشكؿ القرآف) ومنو "ومف ذلؾ الدعاء عمى جية الذـ الذي لا يراد بو الوقوع ، كقوؿ الل قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [01] قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [06]قَاتَمَيُمُ المَّوُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [21] الجزا ء عف الفعؿ بمثؿ لفظوُ والمعنياف مختمفاف نحو قولو تعالى: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَيْزِئُونَ *المَّوُ يَسْتَيْزِئُ بِيِمْ [البقرة 03-04] الاستفياـ وىو تقرير... ومنو أف يأتي عمى مذىب الاستفياـ وىو تقرير ،.. أو تعجب... أو توبيخ... أو يأتي الكلبـ عمى لفظ الأمر وىو تيديد... أو تأديب... أو إباحة......"(27). واىتدى النحاة إلى قرينة تعادؿ ما يعرؼ حالياً بػ (سياؽ الحاؿ) أو (سياؽ المقاـ) وىي قرينة (أسباب النزوؿ) ، فيي أعظـ القرائف في فيـ المعنى (28) ، وىي"طريؽ قوي في فيـ معاني القرآف "(31) ، واستفاد النحاة مف ىذه القرينة في الكشؼ عف مقاصد الخطاب القرآني وا يضاح معاني النصوص القرآنية، فربطوا بيف أسباب نزوؿ الآيات وما تحيط بيا مف ظروؼ وملببسات بالحكـ النحوي وعدّوىا قرينة خارجية تحيط بالنص مف الخارج استعيف بيا في فيـ النص وتوجييو . وقد فسّر النحاة المتقدموف كثيراً مف مواطف الحذؼ في القرآف الكريـ اعتماداً عمى ىذه القرينة ، كما في حذؼ (الفاعؿ) في قولو تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى *أَنْ جَاءَهُ الَْْعْمَى [عبس0-1 . ]
عدد الصفحات ٦مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 81 وىنا أغنت قرينة أسباب النزوؿ عف الحاجة إلى ذكر الفاعؿ (133) ، وأوحت بمقاصد الخطاب ، فالغاية ليست الإخبار عف الفاعؿ القائـ بالحدث، وا نما الاىتماـ بالحدث الذي أوحى بو المقاـ. واىتـ النحاة بػ (المقاـ) وأحوالو التي تؤثر في توجيو الدلالة والحكـ الإعرابي ، وىو ما أكد عميو ابف ىشاـ في توجيو المُعربيف إلى أف المعنى الواضح يقود إلى معرفة الإعراب الصحيح ، في قولو تعالى: وَا ِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي [مريـ 4] (الموالي)، ولا يصح تعمقو بالفعؿ ؛ لأنو يبعده عف دلالة التركيب وسياؽ الموقؼ والحاؿ المصاحِب لو، والخوؼ الحاصؿ ىنا ليس مف و رائو ، وا نما الخوؼ مف ولايتيـ بعده وسوء خلبفتيـ لذا وجب تعمُّقو (بالموالي) لصحة المعنى والإعراب ، قاؿ : "فإف المتبادر تَعمُّؽ (مِفْ) بػ(خِفتُ) ، وىو فاسد في المعنى، والصواب تعمُّقو بالموالي لما منو مف معنى الولاية ، أي خفت ولايتيـ مف بعدي وسوء خلبفتيـ ، أو بمحذوؼ وىو حاؿ مف الموالي أو مضاؼ إلييـ ، أي كائنيف مف ورائي ، أو فِعؿ الموالي مف ورائي ، وأما مف قرأ (خَفّتِ) بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء (31)؛ فمف متعمقة بالفعؿ المذكور"(32) . ومف الظواىر النحوية التي بحثيا النحو القرآني في ضوء ىذه القرائف 1- الحذف والتقدير :- كشفت جيود النحوييف القدامى عف رفض النحو القرآني الحذؼ والتقدير في النص القرآني الكريـ ، فيو الكتاب المُقدَّس المُنزَّه عف الحذؼ والنقصاف والزيادة والحشو. وكاف ىذا الرفض مبنياً عمى أسس معنوية قرآنية تنَّبو عمييا القدامى في إطار تعمقيـ في تحميؿ النص القرآني الكريـ ودراستو ، لذا عمدوا إلى اعتماد عدة وسائؿ كاشفة عف العنصر المغيب تغييباً قصدياً ؛ إذ ما مف حرؼ أو كممة في الخطاب الإليي إلا ووضع لغاية مخصوصةٍ وقصد إليي سابؽ .وىي اعتماد القرائف السياقية في الاستدلاؿ عمى مقاصد النص وفي تسويغ الحذؼ (33) . فقد بنوا أحكاميـ عمى مراعاة حاؿ المتكمـ والمخاطب ومجموعة مف القرائف الحالية والمقالية التي يعتمد عمييا المتكمـ في إيصالو الكلبـ وتحقيؽ إستجابة المتمقي . وتوصؿ النحاة الأوائؿ إلى أنو لا يوجد (حذؼ) وا نما ىناؾ (استغناء) لذا اعتمدوا دلالة الاستغناء عف ذكر العنصر المحذوؼ بناءً عمى قرينة عمـ المخاطب، وقرائف السياؽ والمقاـ ، فمـ
عدد الصفحات ٧مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 82 يجيزوا الحذؼ إلا (فيما يستغنى عنو) , قاؿ سيبويو في"باب ما جرى مف الأمر والنيي عمى إضمار الفعؿ المستعمؿ إظياره ، إذا عممت أف الرجؿ مستغفٍ عف لفظؾ بالفعؿ "(34) . وقد وجد النحاة أف حذؼ المبتدأ والخبر جائزٌ استغناءً بعمـ المخاطب ، واكتفاءً بدلالة قرينة (الحاؿ المُشاىدَّة) أو الدليؿ المُتقدـ ، قاؿ المبرد "فأما حذؼ الخبر فمعروؼٌ جيدٌ ، ومف ذلؾ قولو : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِوِ الْجِبَالُ أو قُطِّعَتْ بِوِ الَْْرْضُ أو كُمِّمَ بِ وِ الْمَوْتَى بَلْ لِمَّوِ الَْْمْرُ جَمِيعاً [الرعد 20] المحذوؼ معموماً بما يدؿُّ عميو مف متُقدـ خبر، أو مُشاىدة حاؿ"(35) . واعتمد سيبويو عمى القرينة الحالية الدالة عمى المحذوؼ في باب (ما ينتصب عمى إضمار الفعؿ المتروؾ إظياره مف الأمر والتحذير) ، فقد صرؼ الاستغناء برؤية الحاؿ وما يجري عميو مف الذكر عف ذكر (الفعؿ) ، لذا جاء حذؼ الفعؿ في ىذه الأحواؿ كثيراً في كلبميـ فصار المفعوؿ الأوؿ بدلاً مف المفظ بالفعؿ(36) . وكاف سيبويو بارعاًفي رصد أحواؿ المخاطب، وربطو بيف الأحواؿ الاجتماعية والنفسية لكؿ مف المتكمـ والمخاطب ، فبنى كثيراً مف الأحكاـ النحوية بناءً يتناسب وتمؾ الحالات والأوضاع (37) ، فجاءت تمؾ الأحكاـ متساوقة مع طبيعة المغة ، ومف ذلؾ تصوّره قدرة المخاطب عمى الموازنة بيف الأشياء ا لتي يسمعيا ، وبيف الاستدلاؿ بكؿ ما يوحي بو النص مف قرائف وا شارات (38) ، وىذا دليؿ عمى قدرة المخاطب عمى الاستدلاؿ بالقرائف في تفسير الحذؼ ، ومنو قولو: في باب (التنازع) واستنباطو أف الفعؿ الذي يمي الاسـ ىو العامؿ استناداً إلى معرفة المخاطب : "ومما يقوِّي ترؾَ نحو ىذا لعمـ المخاطَبِ قولو وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَيُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ المَّوَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب 24] موضع الخبر لفظ الواحد ؛ لأنو قد عمـ أف المخاطب سيستدؿ بو عمى أف الآخريف في ىذه الصفة"(41) والحذؼ في القرآف الكريـ "لعمـ المخاطب بيا كثيرة جداً ، وىي إذا أظيرت تـ بيا الكلبـ ، وحذفيا أوجز وأبمغ"(144) . لذا عُدَّ الحذؼ مف الأساليب القرآنية البميغة فمـ يُجوّزوه إلا بما يقتضيو السياؽ مف عمـ المخاطب، أو وجود أدلة سياقية دالة عمى المحذوؼ . فالعرب لا يحذفوف شيئاً إلا وأبقوا عميو دليؿ (154). وفصؿ ابف جني مواطف الحذؼ وشروطو ، قاؿ"قد حذفت العرب الجممة
عدد الصفحات ٨مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 83 ، والمفرد ، والحرؼ ، والحركة وليس شيء مف ذلؾ إلا عف دليؿ عميو ، وا لا كاف فيو ضرب مف تكميؼ عمـ الغيب في معرفتو . فأما الجممة فنحو قوليـ في القسـ ، والل لا فعمت ، وتالل لقد فعمت ، واصمو أقسـ بالل ، فحذؼ الفعؿ والفاعؿ وبقيت الحاؿ مف الجار والجواب دليلبً عمى الجممة المحذوفة وكذلؾ الأفعاؿ في الأمر والنيي والتحضيض "(164) . ومف ذلؾ ترؾ (الفاعؿ) لقرينة عرفية وسياقية، قولو تعال ى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [صّ21]"يعني الشمس ، ولـ يجرِ لمشمس ذكر ، وىذا لا أحسبيـ أعطوا الفكر حقو فيو ؛ لأف في الآية دليلبً يدؿ عمى الشمس وىو قولو: إذ عُرضت عميو بالعشيّ توارت ا لشمس بالحجاب وليس يجوز الإضمار إلا أف يجري ذكره أو دليؿ ذكر بمنزلة الذكر "(43) . ومنو أيضاً (ترؾ المعطوؼ) اكتفاءً بدلالة السياؽ نحو قولو تعالىسَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَر [النحؿ70]"ولـ يقؿ: البرد ، وىي تقي الحرَّ والبرد ، فتُرِؾ؛ لأف معناه معموـ"(44) . وقد يُترَؾ ذكر المفعوؿ بو اكتفاءً بدلالة القصد والغرض : فقد يتعمؽ الغرض بمجرد الإعلبـ بوقوع الفعؿ مف غير تعييف مف أوقع عميو ، أو إيقاع الفاعؿ لمفعؿ ، أو إسناد الفعؿ إلى فاعمو ، ولا يسمى حينيا محذوفاً بؿ متروكاً لدلالة القصد عميو (45) . وكاف ابف ىشاـ دقيقاً في دراستو ىذه الظاىرة ، ووضع قيوداً في تقدير المحذوؼ منيا بياف حاؿ المقدر "فينبغي تقميمو ما أمكف لتقؿ مخالفتو الأصؿ"(46) وفي كيفية التقدير ، ومواضعو، وشروطو(47) . وقرر أف الحذؼ ىو مف مقتضيات صناعة النحو ، وىو تقدير تعميمي لإفادة متعممي التفسير والعربية (48) . كما تنَّبو النحاة عمى وجو مف وجوه الإعجاز في الخطاب القرآني وىو التوجو نحو المتمقي ، فالمنيج الكمي الشمولي لا يتحقؽ إلا بتحقيؽ التواصؿ مع المتمقي ، والنص يبرز الفضاءات الذىنية والمعرفية المشتركة بيف طرفي الكلبـ المتكمـ والمخاطب (51) ؛ إذ يحاكي النص معتقدات المتمقي ويعمؿ عمى استثارتيا ، فمف الممكف أف يصبح النص نصاً آخر عند المتمقي بما يتناسب مع معارفو ومعتقداتو . وقد أوجد الخطاب القرآني نمطاً مف النظـ يمنح الحرية لمتمقيو في استكشاؼ دلالاتو المتجددة ويُوقظ الوعي ويُنَبِّو الفكر إلى دلالاتو الجمالية . وأبرز صور التوجو القرآني نحو المتمقي (ترؾ الأجوبة) في قولو تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِوِ الْجِبَالُ أو قُطِّعَتْ بِوِ الَْْرْضُ أو كُمِّمَ بِوِ الْمَوْتَى بَلْ لِمَّوِ الَْْمْرُ جَمِيعاً [الأنعاـ16]
عدد الصفحات ٩مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 84 القرآني الجواب مفتوحاً وتركو لممتمقي وىو السامع والقارئ لمقرآف ليُشكَّؿ الجواب بما توحيو دلالات النص (175) . لذا تطمب تغيير بنية الجممة والتعبير بالفعؿ الماضي لإيقاظ وعي السامع وتنبييو ومنو قولو تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّيُمْ إلى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوىَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُيَا وَقَالَ لَيُمْ خَزَنَتُيَا سَلامٌ عَمَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُمُوىَا خَالِدِينَ [الزمر 62] الجزاء بقرينة عمـ المخاطب وعدـ قدرتو عمى تخيؿ ما سيحدث قاؿ "وا نما حذؼ ؛ لأنو في صفة ثواب أىؿ الجنة، فدّؿ بحذفو عمى أنو شيء لا يحيط بو الوصؼ، وحؽَّ موقعو ما بعده خالديف"(51) ، كما أف ذكر (الواو) فيو دلالة عمى الجواب ، ووصؼ حاؿ أىؿ الجنة، فالأبواب كانت متفتحة ليـ ومُتشوِّقة إلى لقائيـ لذا جيء بالواو(52 ). مف ذلؾ يتبيف أف (ترؾ الأجوبة) أو (ال حذؼ) في القرآف الكريـ إنما يحَسُف في مواقع التيويؿ والتفخيـ؛ لقوة دلالة المعنى والسياؽ عميو (53). فيو أشبو بالرياضة الفكرية التي تجعؿ النفس تدور في تصوّر الأشياء المُستغنَى عنيا ، فلب جدوى مف الإصرار عمى تقدير المحذوؼ، لأنو يُذىِب بمقاصد الخطاب (54) ، ما داـ ىناؾ دليؿ عمى المحذوؼ أو بنية معيودة وقرينة في السياؽ. لذا يعد (الحذؼ) مظيراً مف مظاىر السياؽ (55) ، وضرباً مف ضروب الاقتصاد المغوي (56) . والنظـ القرآني راعى قضية الحذؼ والذكر فكما أف لمحذؼ مواضعو ، فإف لمذكر مواضعو (57) ؛ إذ"لا تذكر كممة إلا إذا اقتضاىا السياؽ ، ولا تحذؼ كممة إلا وحذفيا أبمغ وأنسب وأكثر ترابطاً في الأسمو ب .... بحيث تتداعى الألفاظ تداعياً طبيعياً حسبما تقتضيو الأفكار ، وتنحدر بسيولة ويُسر حتى تتماسؾ في مواضعيا التي ىُيئِّت ليا"(58) . 2- التقديم والتأخير بحث النحاة أسموب التقديـ والتأخير بوصفو مف الأساليب التي تؤكد قدرة المنشيء عمى تغيير مواقع الجمؿ عف مواضعيا ، وتغيير مراتب الجمؿ والألفاظ نحو تقديـ الفعؿ عمى الفاعؿ والفاعؿ عمى مفعولو .... ولمتقديـ في موضعو وفي رتبتو أغراض ومعافٍ يقتضييا المقاـ والحاؿ ، وىي أغراض بلبغية يقصدىا المتكمـ (61) ، لا يمكف التعبير عنيا إلا بالتقديـ كالعناية والاىتماـ بالمُقدَّـ وتخصيصو دوف غيره قاؿ سيبويو: "كأنيـ إنما يُقدِّموف الذي بيانو أىـ ليـ وىـ ببيانو أعنى,
عدد الصفحات ١٠مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 85 وا ف كانا جميعاً ييمانيـ ويعينيانيـ "(186) ، ومنو قولو تعالى وَا ِذِ ابْتَمَى إِبْرَاىِيمَ رَبُّوُ بِكَ مِمَاتٍ [البقرة 013]"وا براىيـ ىو المبتمى ، فمذلؾ انتصب"(196). وتقديـ المفعوؿ بو ىنا جاء للئىتماـ بو وما أوجبو ىو الضمير العائد عمى المفعوؿ والمتصؿ بالفاعؿ . كما اىتـ النحاة بمراعاة كؿ ما يتعمؽ بصحة بناء الجممة، وسلبمة التركيب ، فكاف انشغال يـ بالتأسيس ليذه المعاني واستخلبصيا مف الأبواب النحوية يصرفيـ عف التوسع في أغراض التقديـ والمعاني الثانوية لو عمى غرار ما نجده عند البلبغييف والمتأخريف مف النحاة (62). وفي التعبير القرآني يكتسب التقديـ والتأخير دلالة خاصة وأغراضاً يتحكـ بيا المعنى والمقاـ السياؽ وكؿ ما يحيط بالنص مف ملببسات وأحواؿ (63) . ولمنص القرآني نظامو المُعجِز والخاص ، فبناء الآية القرآنية بناء مترابط ومتكامؿ الأجزاء ، فالتقديـ والتأخير ، والذكر والحذؼ والإطالة والإيجاز والأطناب لا يكوف إلا بما يستدعيو المقاـ والموقؼ ، والقصد الإليي(64). واتضح ذلؾ عند الشيخ عبد القاىر الجرجاني فقد جاء بحثو ليذه الظاىرة بحثاً أسموبياً استند فيو إلى تحميؿ النص القرآني مف وجية نظر أسموبية خالصة حينما وَجَّو التحميؿ الداخمي لمعبارة بديلبً عف التقسيـ الخارجي (الشكمي) ، وبحث علبقات النص التركيبية في السياؽ ، وتعاضدىا في إنتاج الدلالة المتكاممة ، فأكمؿ ما بدأ بو النحاة ، ولـ يقؼ عند الجانب الشكمي والظاىري في تعميؿ التق ديـ بالعناية والاىتماـ والاتساع(65) ، بؿ اعتمد النظر في الفروؽ الدلالية والمعنوية ليذه الأساليب، وبحث الفائدة في التصرؼ في الألفاظ والمعاني والأساليب بحسب سياقاتيا في النص القرآني الكريـ . ومف ذلؾ : تفريقو بيف دلالتي تقديـ الاسـ، وتقديـ الفعؿ، ومجيء ىمزة الاستفياـ لمتقرير بالفعؿ ، والتقرير بالفا عؿ كما في قولو تعالى: قَالُوا أَأَنْتَ فَعَمْتَ ىَذَا بِآلِيَتِنَا يَا إِبْرَاىِيمُ [:51] وتوبيخ لفاعمو عميو(66 )، لذا بُنيت أنماط التراكيب القرآنية وفقاً ليذه الدلالات. واستنبط الجرجاني مف التقرير باليمزة دلالة (إنكار حدوث الفعؿ مف أصمو)، ويربطو بنصوص أخرى مف التنزيؿ ، قاؿ: "وأعمـ أف اليمزة فيما ذكرناه تقرير بفعؿ قد كاف وا نكار لو لِـ كاف، وتوبيخ لفاعمو عميو ، وليا مذىب آخر وىو أف يكوف لإنكار أف يكوف الفعؿ قد كاف مف أصمو ، ومنو قولو تعالى: ََ أفَأَصْفَ اكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمً ا [:31]
عدد الصفحات ١١مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 86 تعالىََ اصْطَفَى الْبَنَاتِ عَمَى الْبَنِينَ *مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات042-043] عمى المشركيف وتكذيب ليـ في قوليـ ما يؤدي إلى ىذا الجيؿ العظيـ ......"(67 . ) ومف دلالات تقديـ الاسـ في القرآف الكريـ تنبيو السامع ببعض الأساليب التي تُنزَّؿ منزلة التمثيؿ والتشبيو ، ومنو قولو تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أو تَيْدِي الْعُمْي [الزخرؼ 31 ]"ليس إسماعْ الصَـِّ مما يَدَّعيو أحدُ، فيكوف ذلؾ للئنكار، وا نما المعنى فيو التمثيؿ والتشبيو، وأف يُنزَّؿ الذي يُظَّفُّ بيـ أنيـ يَسمعْوف، أو أنو يستطيع إسماعيـ منزلة مف يرى أنو يُسْمِعُ الصـَّ وييديَ العميَ..."(68 )والجرجاني يُقمِّب الاستفياـ عمى وجوىو المختمفة مف استفياـ باليمزة، أو مع المنفي أو المثبت ، وفي كؿ منيا يُثبتْ معنًى زائداً ودلالة فنية لا تتوافر في الآخر، فاليمزة إذا ولييا الفعؿ دلت عمى معنى ، وا ذا ولييا الاسـ دلت عمى معنى آخر(71) . ومف تحميلبتو المعنوية العميقة في تقديـ بعض الألفاظ نحو لفظة (الشركاء) إذْ أفاد التقديـ فائدة معنوية وتنبيو السامع عمى عِظـ شأف المعنى ، فالتقديـ زاد النص زيادة في المعنى دوف زيادة المبنى ، وأفاد انتقاؿ المعنى إلى ضده (207) ، فيو ضرب مف الإيجاز في النظـ القرآني في التقديـ والتأخير ، كما في قولو تعالى: وَجَعَمُوا لِمَّوِ شُرَكَاءَ الْجِ نَّ [الأنعاـ:011] الجرجاني أف المعنى المغوي الأولى تمييدٌ ودليؿ إلى معنى آخر لا تدركو إلا الأفياـ الجيدة واليمـ اليقظة وىو الفائدة الشريفة مف ىذا التقديـ (217) ، وىو"أنو ما كاف ينبغي أف يكوف لل شريؾ لا مف الجفِّ ولا غير الجفِّ، وا ذا أُخِّ ر فقيؿ : جَعموا الجفَّ شركاء لل لـ يْفِدْ ذلؾ، ولـ يكف فيو شيء أكثر مف الإخبار عنيـ بأنيـ عبدوا الجف مع الل تعالى"(227) . 3- التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع - عُنِي النحو القرآني بظواىر بينِّة في أسموب القرآف الكريـ ونظاـ العربية وىي الظواىر التي يقوـ عمييا صحة التركيب وسلبمة المعنى وضرورة تطابؽ عناصر الجممة في الجنس والعدد والنوع ، ومنيا : التذكير والتأنيث ، والإفراد والتثنية والجمع ، والعدوؿ في وجوه المخاطبات (73) . فقد استوقؼ الاستعماؿ القرآني المقصود النحاة ونظروا في ىذه الظاىرة التي رأوا فيي ا شذوذاً عما أصّموه وأسسوا لو مف مطابقة بيف أركاف الإسناد ، أو بيف النعت ومنعوتو . فجاءت دراستيـ ليا في ضوء تمسكيـ بػ (الأصؿ والفرع) (74 )، وعدّوىا عدولاً عف القياس العقمي، وعف أصؿ قياس مفترض (75 )، لذا لجأو إلى التأويؿ والقوؿ بالمجاز والعامؿ، ليستقيـ مع أصوليـ وقواعدىـ ، قاؿ ابف جني : "التذكير ىو الأصؿ ، والتأنيث فرع عميو ، لذا احتاج إلى علبمة تُميِّزه"(76) ، وعدّ ابف
عدد الصفحات ١٢مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 87 جني ىذه الأساليب مف باب (الحمؿ عمى المعنى) وىي ظاىرة في المغة واسعة وشائعة (77)وأ كثر مف أف تحصى(78.) إلا أف المُدقِّؽ في مصادر النحو القرآني يتممس بوضوح عمؽ التفكير النحوي ودقتو في دراسة ىذه الظواىر المُخالفة (للؤصؿ) كما ذىبوا إلييا ، إذ بحث النحاة ىذه الأساليب بحثاً معنوياً في ضوء المعنى والقصد الإليي ومراعاة أحواؿ النص وملببساتو مف قرائف ودلائؿ موحية بالمعنى المراد . ولذا أصبح الإعراب قائماً عمى أدلة معنوية وقرائف دلالية. فالتذكير والتأنيث يُقررِّه المعنى والقصد والسياؽ ، "فمرة يكوف التأنيث أجود، ومرة يكوف التذكير أجود بحسب القصد والسياؽ "(81) وىو ما تنَّبو عميو عمماء النحو الأوائؿ ، قاؿ سيبويو في قراءة بعض القراء بػ (التاء(80 )في قولو تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُيُمْ إِ أَنْ قَالُوا [الأنعاـ12]يَمْتَقِطْوُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ [يوسؼ01 ]"وربما قالوا في بعض الكلبـ : ذىبت بعض أصابعو ، وا نما أنَّث البعضَ؛ لأنو أضافو إلى مؤنّثٍ ىو منو، ولو لـ يكف منو لـ يُؤَنِّثو ، لأنو لو قاؿ : ذىبتْ عبدُ أمِّؾ لـ يَحْسُفْ "(81) . وعمّؿ الخميؿ وصؼ المذكر بالمؤنث بدواعي المعنى والسياؽ "فقد يكوف الشيءُ المذكَّر يوصؼ بالمؤنث ، ويكوف الشيء المذكر لو الاسـ المؤنث نحو (نَفْس) ، وأنت تعني الرجؿ بو . ويكوف الشيء المؤنث يوصؼ بالمذكر ، وقد يكوف الشيء المؤنث لو الاسـ المذكَّرُ فمف ذلؾ : ىذا رجؿٌ رَبعةٌ وغلبـ يَفعةٌ . فيذه الصفات"(82) . ويَحسُف تذكير الاسـ المؤنث فيما يعقؿ ، فيأتي التذكير والتأنيث لمفصؿ بيف معنى الاسـ والفعؿ ، وىو ما ذىب إليو الأخفش : "وأما قولو تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْيَا شَفَاعَةٌ [البقرة 37] ذَكَّر الاسـ المؤنث ؛ لأف كؿ مؤنث فَرقّت بينو وبيف فعمو حَسُفَ أف تُذكِّر فعمو ، إلا أف ذلؾ يَقبحُ في الإنس وما أشبييـ مما يعِقؿُ؛ لأف الذي يعقؿ أشد استحقاقاً لمفعؿ ؛ وذلؾ أف ىذا إنما يْؤنَّث ويُذكِّر ليفصؿ بيف معنييف . والمواتُ : كالأرض ، والجدا ر ، ليس بينيما معنًى كنحو ما بيف الرجؿ والمرأة فكؿُّ ما لا يعقؿ يُشَّبو بالموات "(83). كما يتحكـ القصد الإليي في صياغة ىذه الأساليب ووضع الألفاظ في غير مواضعو(84)، ونظـ الأساليب التي تخرج عف المألوؼ ووضعيا في غير ما ينبغي ليا مف تأنيث أو تذكير ، أو إفراد أو تثنية أو جمع ، أو تعريؼ أو تنكير . ويفصح الاستعماؿ القرآني المقصود عف دلالات جديدة مستنبطة مف سياؽ النص القرآني وأحواؿ المقاـ ، فيذه الأنماط مف الأساليب تحاكي عقوؿ مخاطبييا في توليد معافٍ جديدة واستنباط طرائؽ جديدة في التعبير . ومف أمثمة ذلؾ العدوؿ عف خطاب المثنى بالمفرد لقصد معرفة المخاطب واكتفاءً بدلالة الحاؿ الموحية بالمعنى ، قاؿ الفرّاء : في قولو تعالى: فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ
عدد الصفحات ١٣مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 88 فَتَشْقَى [طػو006]"ولـ يَقؿْ فتشقيا ، لأف آدـ ىو المخاطب ، وفي فعمو اكتفاء مف فعؿ المرأة ، ومثمو قولو تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ؽّ06] المعنى معروؼ"(85.) وفسّر الزمخشري اختصاص إسناد فعؿ الشقاء بآدـ وحده دوف حواء ؛ لأنو ىو القيـ عمى أىمو، وضمف سعادتو سعادتيـ ، فاختصر الكلبـ بإسناده إليو أو يكوف المراد التعب في طمب العوف(86 ). وقد تكشؼ قرينة أسباب النزوؿ أسرار التخالؼ والعدوؿ كما في وضع الجمع موضع المثنى في قولو تعالى: ىَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّيِمْ [الحج08]" (ىذا خصماف) فريقيف أىؿ دينيف . فأحد الخصميف المسمموف والآخر الييود والنصا رى .... فقاؿ الييود والنصارى لممسمميف : ديننا خيرٌ مف دينكـ ؛ لأنّا سبقناكـ ، فقاؿ المسمموف: بؿ ديننا خير مف دينكـ لأنا آمنا بنبينا والقرآف وآمنا بأنبيائكـ وكتبكـ وكفرتـ بنبِّينا وكتابنا. فَعَلبىـ المسمموف بالحجة ، وأنزؿ الل ىذه الآية. ولـ يقؿ (اختصما) لأ نيما جمعاف ليسا برجميف، ولو قيؿ: اختصما كاف صواباً . ومثمو (وا ف طائفتاف مف المؤمنيف اقتتموا) يذىب إلى الجمع. ولو قيؿ : اقتتمتا لجاز، يذىب إلى الطائفتيف"(87) . وقيؿ أف ىذه الآية نزلت في "حمزة وعمي وعبيدة بف الحارث بف عبد المطمب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والول يد بف عتبة(88) ، وقد يكوف الخصـ"واحداً وجماعة"(011) . ومنو أيضاً اختصاص الأسموب القرآني بالتوحيد مرة ، وبالجمع مرة كما في قولو تعالى وَمِنْيُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَمْنَا عَمَى قُمُوبِيِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَيُوهُ [الأنعاـ14] وقولووَمِنْيُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِمُونَ [يونس31] الآيتيف المتشابيتيف بقرينة أسباب النزوؿ ، فالأولى قيؿ أنيا في "قوـ مف الكفار كانوا يستمعوف إلى النبي وا لى قرآنو بالميؿ ، فإذا عرفوا بيا مكانو رجموه وآذوه ومنعوه مف الصلبة خوفاً مف أف يسمعو منيـ مف تدعوه دواعي الحؽ فيسمـ ، وىذا في قوـ قميمي العدد يرصدونو بالميؿ، وكاف الل يمنعيـ عنو بنوـٍ يمقيو عمييـ وحجاب يحجبو بو عنيـ لقولو تعالى: وَا ِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَمْنَا بَيْ نَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْْخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً [:34] قموبيـ، وكالصـ في آذانيـ . وفي الآية الثانية فيو في كؿ الكفار الذيف يسمعوف مسموعاً ىو حجة عمييـ، وىو القرآف ولا ينتفعوف بسماعو فكأنو صـٌ عنو..."(010). و(مِفْ) تصمح لمواحد فما فوقو، لذا
عدد الصفحات ١٤مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 89 يجوز عودة الضمير إلى لفظو وا لى معناه ، ومف ىنا صُمح حمميا في موضع القمة عمى المفظ ، وفي موضع الكثرة عمى المعنى (011) . نخمص إلى القوؿ بأف ىذه الظواىرعبّرت عف اتساع المغة في استعماؿ الصيغ المُعبِّرة عف معاني الإفراد و التثنية والجمع ..... (012). وكاف القدامى يدركوف أىمية وضع الألفاظ في غير مواضعيا لما ليا مف أىمية معنوية . قاؿ ابف جني في باب (الواحد والجماعة) "نحو قوليـ : ىو أحسف الفتياف وأجممو .... فأفرد الضمير مع قدرتو عمى جمعو وىذا يدلؾ عمى قوة اعتقادىـ أحواؿ المواضع وكيفية ما يقع فييا ، ألا ترى أف الموضع موضع جمع ، وقد تقدـ في الأوؿ لفظ الجمع فترؾ المفظ وموجب الموضع إلى الإفراد ؛ لأنو مما يُؤلؼ في ىذا المكاف"(013) الخاتمة كشؼ البحث عف عمؽ البحث النحوي عند نحاتنا القدامى,واتضح أف النحو القرآني الذي أسس لو الأوائؿ كا ف فكرًامعنويًا قائمًاعمى أسس معنوية تعبر عف مقاصد المتكمميف وأغراضيـ,انطمقوا فيو مف نص القرآف الكريـ.فقد وضعوا المبنات الأولى لمتفكير النحوي القرآني في الاستدلاؿ بقرائف المخاطب والسياؽ والمقاـ في تحميؿ النص القرآني,وبناء الأحكاـ النحوية. فمـ تكف دراستيـ لظ واىر النص القرآني شكمية ,بؿ كانت دراسة معنوية عميقة,وتوصموا إلى أنو لايوجد حذؼ في النص القرآني وا نما عدّوه(ترؾ ذكر) و(استغناء)بقرينة عمـ المخاطب وقرائف السياؽ والمقاـ .أما تقدير المحذوؼ فيو مف مقتضيات الصناعة النحوية. فكاف (ترؾ الاجوبة) في الخطاب القرآني ص ورة مف صورالتوجو القرآني نحو المتمقي لاستثارة معارفو وايقاظ وعيو وفكره. فالحذؼ والذكر,والتقديـ والتأخير, والعدوؿ في وجوه المخاطبات, ووضع الألفاظ في غير مواضعيا يكوف لأغراض ومعاف يقتضييا المقاـ والسياؽ. وكاف النحاة بذلؾ يؤسسوف لمفاىيـ قرائف المعنى والسياؽ ب ما يدؿ دلالة واضحة عمى شيوع تمؾ المفاىيـ في بيئة الدرس النحوي, وغناه بيذه الدلالات. إلا أف طغياف النزعة التعميمية والبحث العقمي والمنطقي عمى بحوث النحاة ولاسيماػ المتأخريف منيـ ػ ىو ماشاب اجتياداتيـ, وعكّر صفوابتكاراتيـ, وأرائيـ العميقة التي أخذت حيزاً واسعًا مف تفكيرىـ واىتماميـ. اليوامش ػػػػػػػػػػػػػػ (0) ينظر: البياف والتبييف 0/027. (1) المصدر نفسو0/025 .
عدد الصفحات ١٥مراعاة المخاطب والمق ام في النحو القر آني ........................................ د. هناء محمود اسماعيل مجلةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة كليةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة التربيةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةة الأساسةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةةي العدد السبعون 3122 90 (2) ينظر: عمـ لغةالنص : د.سعيد بحيري 017 , ولسانيات النص,محمد خطابي186. (3) ينظر القرآف الكريـ وأثره في الدراسات النحوية 215,ونظرية النحو القرآ ني :38. (4) ينظر:نحو القرآف 5 ,وقضايا نحوية,د.ميدي المخزومي45,والنحويوف والقرآف الكريـ 7, ودراسات نقدية في المغة والنحو,د.كاصد الزيدي : 75 . (5) ينظر: إحياء النحو05. (6)الإيضاح في عمؿ النحو31 . (8) نتائج الفكر071 . (9) بدائع الفوائد، ابف قيّـ الجوزية : 0/071 . (01) نظرية التمقي أصوؿ وتطبيقات ، د. بشرى موسى صالح 99 . (00 )ينظر: عمـ المغة النصِّي بيف النظرية والتطبيؽ ، د. صبحي إبراىيـ الفقي0 /039 . (09) ينظر: مراعاة المخاطب في الأحكاـ النحوية في كتاب سيبويو ، د. كريـ حسيف 93 . (03) الكتاب : 9 /5 . (01) المقتضب1 /091 ، وينظر : الكتاب0 /93 و0 /87 . (05) التأويؿ المغوي في القرآف الكريـ ، د. حسيف حامد الصالح 011 . (01) في النحو العربي نقد وتوجيو ، د. ميدي المخزومي 995 . (07) ينظر: مدخؿ إلى عمـ النص ، محمد الأخضر الصبيحي97 . (08) ينظر: أسس لسانيات النص001 . (09) ينظر: المغة والمعنى والسياؽ ، جوف لاينز 999 . (91) نظرية التمقي 01 . (90) الخصائص9 /333 . (99) دلائؿ الإعجاز99 . (93) ينظر: السياؽ أثره في الكشؼ عف المعنى 013- 011 . (91) الإعجاز البياني لمقرآف الكريـ ، د. عائشة عبد الرحمف: 0 /7 . (95) ينظر: البياف في روائع القرآف، د. تماـ حساف 0/011 . (91) القرائف الدلالية لممعنى في التعبير القرآني ، د. عدوية عبد الجبار 91 . (97) البرىاف في عموـ القرآف 9 /035 (98) المصدر نفسو9 /097 . (99) المصدر نفسو9 /097 . (31) ينظر: نظرية النحو العربي في ضوء مناىج النظر المغوي الحديث ، د.نياد الموسى 85 . (30) ينظر: عمـ المغة ، د. محمود السعراف 959 . (39) القرائف الدلالية لممعنى في التعبير القرآني 99 . (33) الكتاب0/957 .
عدد الصفحات ١٦