للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 291 المسألة42) اختياره«المراقي»خلافا لما «الإمداد»من جواز تغسيل المرأة لزوجها وهو مُ ظاهر منها: قال الشرنبلالي: «(والمرأةُ تغسل زوجها) ولو معتدّة من رجعي أو ظهار منها في الأظهر» والمعتمدقال الطحطاوي (1)« :وهذا يُنافي ما قاله في الشرح ـ «أي إمداد الفتاح»ـ، وفي المظاهر منها روايتان: الأظهر أنَّ لا يحلّ لها تغسيله، فجعل الأظهر عدم الحلّ » والسربب: لعلّه عند اختصاره لكتاب «الإمداد» في«المراقي»، رأى أن الأرجح رواية جواز الغسل؛ لوجود الحلية بينهما، والامتناع في الظهار من الوطء خاصة، والله أعلم. * * * (1) في حاشيته على المراقي2 :208.
عدد الصفحات ٢٨٩292 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المسألة (43) اختياره لقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بقصد القرآنيّة قال الشرُّ نبلالي: «وجاز قراءةُ الفاتحة بقصد الثناء كذا نُصَّ عليه عندنا، و البُخاريِّ عن ابنِ عَبَّاس « :أنَّه صَلىَّ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال لتعلموا أنَّه من السنّة»، وصحَّحه الترِّْمِذِيّ، وقد قال أئمتنا: بأنَّ مراعاةَ الخلاف مستحبّة، وهي فرضٌ عند الشافعيِّ فلا يُمانع من قصد القرآنية بها خروجاً من الخلاف وحقِّ الميت » والمعتمدقال الطَّحطاويّ (1)« :فيه أنََّّم صرّحوا بعدم الجواز، فتكون مكروهة تحريماً ، ولا تتأدّى به السنة، فكيف يطلب منه تلاوتُا بقصد القرآنية... وما ذكره من استحباب مراعاة الخلاف ليس على إطلاقه، فيه نظر، بل مقيَّدٌ بما إذ لم يلزم عليه ارتكاب مكروه مذهبه، فكان الاعتماد على ما هو مُصرََّحٌ به في كتب المذهب كـ «المحيط»و«التجنيس»و«الولواية»وغيرها من أنَّ قراءتَُا بنيَّة القراءة لا تجوز معللاً بأنََّّا محلّ الدعاء دون القراءة » وورد في الس نة ما يؤيد مذهب الحنفية في عدم القراءة، منه: عن سعيد المقبري « :أنَّه سأل أبا هريرة: كيف تُصليِّ على الجنازة؟ فقال أبو هريرة : أنا لعمر الله أُخك: أتبعها مع أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله، وصليت على نبيه، ثم أقول: اللهمّ إنَّه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأنّ محمّداً عبدُك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهمّ إن كان محُسناً فزد في (1) في حاشيته على المراقي2 :225.
عدد الصفحات ٢٩٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 293 إحسانه، وإن كان مُسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهمّ لا تحرمنا أَجره، ولا تفتنا بعده»(1)، وعن نافع « :إنَّ عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في الصلاة ع الجنازة»(2). والسر بب: مبنى الصّلاة عند الحنفيّة على الدُّعاء للميت، وهذا غيرُ متحقِّق في الفاتحة، ووردت أحاديث تؤيِّد هذا المسلك للحنفيّة بعدمِ القراءة، ف هو معقولٌ مبنيٌّ على منقول، وهذا كمالُ الاجتهاد، وإغفالُ الإمام الشرنبلالي لهذا، وبناؤه على الحديث الظاهر في «البُخاري»بعيد عن البناء القويم لبناء الفروع على أصول مستقاة من القرآن والسنة وآثار الصحابة، بناء على أصول معتبرة في المذهب ومحررة، ونقض لها. كيف ولفقهاء الكوفة مدرسة نقلية لسنة النبي على رأسها ابن مسعود وعلي ابن أبي طالب ومئات الصحابة الآخرين ، حمل علمهم كبار أئمة التابعين حتى وصل لأبي حنيفة، في تنقيح النقل المعتبر عن النبيّ ، فهذه الهيئةُ لصلاة الجنازة مسألةٌ ثابتة في مدرسة الكوفة الفقهيّة ، ولا يكون الخروج عنها بهذه السهولة للوقوف على ظاهر حديث، والله أعلم. * * * (1) في موطأ مالك1 :228. (2) في موطأ مالك1 :228.
عدد الصفحات ٢٩١294 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المسألة (44) اختياره عدم رفع الصروت في تسليم صلاة الجنازة قال الشرُّ نبلالي: «ولا ينبغي أن يرفعَ صوتَه بالتسليم فيها كما يرفع في سائر الصّ لوات» والمعتمدقال الكاساني (1)« :هل يرفع صوته بالتسليم؟ لم يتعرض له ظاهر الرواية، وذكر الحسن بن زياد: أنَّه لا يرفع صوته بالتسليم في صلاة الجنازة؛ لأنَّ رفعَ الصوت مشروعٌ للإعلام، ولا حاجة إلى الإعلام بالتسليم في صلاة الجنازة؛ لأنَّه مشروعٌ عقب التكبيرة الرابعة بلا فصل، ولكنَّ ا لعمل في زماننا هذا يخُالف ما يقوله الحسن »، وعن نافع: «أنَّ ابن عمر كان إذا صلى على جنازة سلَّم حتى يُسمع مَن يليه »، قال محمّد (2)« :وبهذا نأخذ يسلم عن يمينه ويساره ويسمع من يليه، وهو قول أبي حنيفة» (1 في )البدائع1 :313. (2) في موطأ محمد2 :237،عن أبي هريرة : أَنَّ رسولَ اللهَِّ قال : (مَن صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له)، وفي نسخة : (فلا شيء عليه) أخرجه أبو داود، كما في جامع الأصول ر4335، ولفظ: (فلا شيء له) هو موافق للفظ لرواية عبد الرزاق 3 :527 ، ويؤيدها رواية ابن أبي شيبة في مصنفه 3 :44: (مَن صلى على جنازة في المسجد فلا صلاة له، قال وكان أصحاب رسول الله إذا تضايق بهم المكان رجعوا ولم يصلوا)، وفي رواية: (فليس له شيء في سنن ابن ماجة 1 :486، ومسند أحمد 2 :444؛ ولذلك قال الخطيب: وهو هو المحفوظ (فلا شيء له)، كما في نصب الراية2 :275
عدد الصفحات ٢٩٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 295 والسربب: ما ذكره هو رواية الحسن، لكنَّ الكاسانيّ يُقرّر أنَّ العملَ على خلافه، وهذا أولى بالقبول بالنّظر للواقع؛ لأنَّ الفقه علم تطبيقي لا نظري، فمراعاة ما عليه العمل هو المرجح. * * *
عدد الصفحات ٢٩٣296 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المسألة (45) اختياره كراهة التنزيه لصّلاة الجنازة في المسجد قال الشرُّ نبلالي: «(وتُكره الصّلاةُ علي ه في مسجدِ الجماعة، وهو): أي الميت (فيه) كراهة تنزيه في روايةٍ، ورجَّحها المحقِّقُ ابنُ الهُمام، وتحريمٌ في أُخرى » والمعتمدالمشهورُ في المذهب كراهة التحريم؛ لحديث: «مَن صلى ع جنازة في المسجد فلا شيء له»(1). قال ابن عابدين (2) « :قال الشيخ إسماعيل: فيه نظر لجواز كونه، مثل: « لا صلاة لجار المسجد »، ثم نقل عن مفتي الحنفية بمكة المشرفة قطب الدين «تاريخ مكّة »أنَّه أفتى بالجواز وعدم الكراهة، كما هو رواية عن أبي يوسف ذكرها«المحيط»؛ لتظافر أهل الحرمين سلفاً وخلفاً على ذلك دليلاً يؤدي إ تأثيم السلف. وقد رأيت رسالة للم لا عليّ القاري مؤدّاها ذلك أيضاً، لكن ردّ الشيخ إسماعيل على قُ طب الدِّ ين بأنَّه لا يفتى بخلاف ظاهر المذهب على أنَّه جدير بالترجيح؛ لما شاهدنا في عصرنا من نفساء ماتت فوضعت في باب الجامع الأموي فخرج منها دم ضمخ العتبة، فالاحتياط عدم الإدخال، ولعلّ أهل الحرمين على مذهب غيرنا، اهـ، وللعلامة قاسم رسالة خاصّة نقل فيها الكراهة عن أئمتنا الثلاثة وحقَّق أنََّّا تحريمية » (1 )سبق تخريجه في الصفحة السابقة (2 في )منحة الخالق2 :201.
عدد الصفحات ٢٩٤للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 297 والسربب يظهر أنَّ الصَّ لاة في المسجد على الميت لم تكن معروفة في مدرسة الكوفة، وهذا هو نقلُهم لسنّة النبي في ذلك، ويشهد لهم أحاد يث في ذلك، ويتوافق مع هذا أنَّ المساجد للصلوات المكتوبة والنَّوافل لا للجنائز، ولعلّ حمل الكراهة على التَّنزيه من الإمام الشرُُّنْبلاليّ أنَّه كان في عرف بلادهم تصلى الجنازة في المساجد، والأمر متسع، والله أعلم. * * *
عدد الصفحات ٢٩٥298 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المسألة (46) اختياره لعدم غسل قاطع الطّ ريق: قال الشرنبلالي: «(ولا يُصلىَّ على باغ) اتفاقاً وإن كان مسلماً. (و)لا ع (قاطع طريق) إذا (قُتِل) كلٌّ منهم (حالة المحاربة)، ولا يُغَسَّل؛ لأنَّ عَليّاً لم يُغَسِّل البُغاة. وأمّا إذا قُتِلُوا بعد ثبوت يد الإمام، فإنََّّم يُغَ سَّلون ويُصلىَّ عليهم » والمعتمد قال ابن عابدين(1)« :إنَّما لم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم؛ إهانة لهم وزجراً لغيرهم عن فعلهم، وصرََّح الحصكفي بنفي غسلهم؛ لأنَّه قيل: يغسلون ولا يصلى عليهم للفرق بينهم وبين الشهيد كما ذكره الزيلعي وغيره، وهذا القيل رواية، و فيه إشارة إلى ضعفها، لكن مشى عليها في «الدرر»و«الوقاية»، و «التتارخانية»وعليه الفتوى» قال الزَّيلعيّ: وأمّا إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم فإنََّّم يغسّلون ويُصلىّ عليهم، وهذا تفصيل حسن أخذ به كبار المشايخ؛ لأنَّ قتلَ قاطع الطريق في هذه الحالة حدّ أو قصاص، ومَن قُتِل بذلك يُغسَّل ويُصلىّ عليه، وقتل الباغي في هذه الحالة للسياسة أو لكسر شوكتهم فينزل منزلته لعود نفعه إلى العامّة(2). والسّبب: عدم الصلاة على الباغي والقاطع؛ لبشاعة فعلهم من قطع الأمن، وفي ترك الصلاة عِظة لغيرهم؛ لئلا يسلكوا مسلكهم، وفيه كفاية في الزجر، فلم يعد حاجة لترك الغسل لهم؛ فلذلك كان الأكثر اعتماداً، ومَن اختار ترك الغسل أراد المبالغة في الزّ جر، والله أعلم. (1 )في رد المحتار2 :210. (2 )رد المحتار2 :210.
عدد الصفحات ٢٩٦للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 299 المسألة47) اختياره لاشتراط الجمع الكثير في قبول شهادة مَن يأتي من خارج ا رؤية الهلال: قال الشرنبلالي: «(وإن لم يكن بالسماء علّة فلا بُدّ) للثبوت (من) شهادة (جمع عظيم لرمضان والفطر) وغيرهما؛ لأنَّ المطلعَ متحدٌ في ذلك المحلّ، والموانع منتفيةٌ، والأبصار سليمةٌ، والهمم في طلب رؤية الهلال مستقيمة، فالتفرُّدُ في مثل هذه الحالة يوهم الغلط، فوجب التوقُّف في رؤية القليل حتى يراه الجمع الكثير، لا فرق في ظاهر الرواية بين أهل المصر ومَن وَرَدَ من خارج المصر » والمعتمدفصَّلَ الطحاويّ باشتراط الجمع فيما لو كان المخبرون من داخل المصر، فأمّا إذا كانوا من خارجه، فيكفي شهادة الواحد العدل الثقة برؤيته؛ لأنه يتيقّن في الرؤية في الصَّحا ري ما لا يتيقّن في الأمصار؛ لما فيها من كثرة الغبار، وكذا إذا كان في المصر في موضع مرتفع، وصحَّحه القُدُوري واعتمد عليه المرغيناني وصاحبُ الفتاوى الصغرى. قال ابن عابدين(1)« :وهذا وإن كان خلاف ظاهر الرواية فينبغي ترجيحُه زماننا تبعاً لهؤلاء الأئمة الكبار الذي هم من أهل الترجيح والاختيار، وجزم به الإمامُ السغناقي في النهاية » وقال السرََّخْسيِّ (2) : « إن ترد شهادته ـ أي الواحد ـ إذا كانت السماء (1) في تنبيه الغافل ص79. (2) في المبسوط3 :64.
عدد الصفحات ٢٩٧300 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية مصحية، وهو من أهل المصر فأما إذا كانت السماء مغيمة أو جاء من خارج المصر، أو كان من موضع نشز، فإنَّه تقبل شهادته عندنا». قال ابنُ عابدين (1)« :ولا يخفى أن«المبسوطَ»من كتب ظاهر الرواية، وقوله يقبل عندنا؛ يفيد عدم الخلاف فيه في المذهب، فيكون إطلاق ما في أكثر الكتب في محلّ التقيد واحد، فلا منافاة بين رواية الطحاوي وظاهر الرواية » والسربب عدم الق بول لمَن كان في المصر مبنيٌّ على التهمة في رؤية فرد مع توفر الأسباب حتى يرى الجمع، ولم تبق هذه التهمة موجودة لمَن يأتي من الخارج، فكان العمل على هذا. وكان حريٌّ بالإمام الشرنبلالي موافقة أهل الترجيح بالقول بالتفصيل، فهم الأحق بالاتباع، وانظر ما أجمل عبارة ابن عابدين السابقة (2)« :وهذا وإن كان خلاف ظاهر الرواية فينبغي ترجيحُه في زماننا تبعاً لهؤلاء الأئمة الكبار الذي هم من أهل الترجيح والاختيار، وجزم به الإمامُ السغناقي في «النهاية»» * * * (1) في تنبيه الغافل ص80. (2في ) تنبيه الغافل ص79.
عدد الصفحات ٢٩٨للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 301 المسألةُ48:) اختياره الكفارة لمن واصل الجماع بعد تذكره أنره صائم: قال الشرُّ نبلالي: «منها: (ما لو أكل) الصائم (أو شرب أو جامع) أو جمع بينها (ناسياً) لصومه؛ لقوله « :إذا أكل الصائمُ ناسياً أو شرب ناسياً فإنَّما هو رزقٌ ساقه الله إليه »(1)، فلا قضاء عليه، والجماع في معناهما، فإن تذكَّر نَزَعَ من فوره، فإن مَكَ ثَ بعده فَسَدَ صومُه، فإن حَرَّكَ نفسَه ولم ينزع أو نزع ثمّ أولج لزمته الكفّارة» والمعتمداعترض عليه بأنَّ وجوبهَا مخُالفٌ لما سيأتي في كلامه من أنَّه إذا أكل أو جامع ناسياً فأكل عمداً لا كفّارة عليه على المذهب لشبهةِ خلاف مالك؛ لأنَّه يقول بفساد الصَّو م إذا أكل أو جامع ناسياً. قال ابنُ عابدين (2)« :ووجه المخالفة أنَّه إذا لم تجب الكفّارة في الأكل عمداً بعد الجماع ناسياً يلزم منه أن لا تجب بالأولى فيما إذا جامع ناسياً فتذكر ومكث (1) فعن أبي هريرة قال: (إذا أكل الصائمُ ناسياً أو شرب ناسياً فليتمّ صيامه فإن أطعمه الله وسقاه) في سنن النسائي الكبرى2 :244، وصحح ابن حبان8 :286، وعنه قال: (مَن أكل ناسياً وهو صائم فليتم صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه) في صحيح البخاري 6 :2455، وصحيح مسلم2 :809، وعنه قال: (مَن أفطر في شهر رمضان ناسياً ف قضاء عليه ولا كفارة) في صحيح ابن حبان 8 :287، والمستدرك 1 :595 وصححه، وصححه ابن حجر في بلوغ المرام، كما في إعلاء السنن 9 :130. (2 )في رد المحتار2 :398.
عدد الصفحات ٢٩٩302 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية وحرّك نفسه؛ لأنَّ الفساد بالتحريك إنَّما هو لكون التحريك بمنزلة ابتداء جماع، والجماع كالأكل. وإذا أكل أو جامع عمداً بعد جماعه ناسياً لا تجب الكفارة فكذا لا تجب إذا حَرَّكَ نفسه بالأولى، لكن هذا لا يخالف مسألة الطلوع. نعم يؤيد عدم الوجوب فيها أيضاً إطلاق ما في البدائع حيث قال: هذا أي عدم الفساد إذا نزع بعد التذكّر أو بعد طلوع الفجر، أما إذا لم ينزع وبقي فعليه القضاء ولا كفارة عليه في ظاهر الرواية، ورُوِي عن أبي يوسف: وجوب الكفارة في الطلوع فقط؛ لأنَّ ابتداء الجماع كان عمداً وهو واحد ابتداء وانتهاء، والجماعُ العمد يوجبها، وفي التذكر لا كفارة. ووجه الظاهر: أنَّ الكفّارة إنَّما تجب بإفس اد الصوم وذلك بعد وجوده، وبقاؤه في الجماع يمنع وجود الصوم فاستحال إفساده فلا كفارة، اهـ، فهذا يدلّ على أنَّ عدمَ وجوبها في التذكّر متفقٌ عليه؛ لأنَّ ابتداءَه لم يكن عمداً وهو فعل واحد فدخلت فيه الشبهة؛ ولأنَّ فيه شبهة خلاف مالك كما علمت، وإنَّما الخلاف في الطلوع وما وجه به ظاهر الرواية يدلّ على عدم الفرق بين تحريك نفسه وعدمه» والسّبب: ما ذكره ابن عابدين فيما سبق: «الفساد بالتحريك إنَّما هو لكون التّ حريك بمنزلة ابتداء جماع، والجماع كالأكل، وإذا أكل أو جامع عمداً بعد جماعه ناسياً لا تجب الكفارة فكذا لا تجب إذا حَرَّكَ نفسه بالأولى » * * *
عدد الصفحات ٣٠٠للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 303 المسألة49) اختيارُه وجوب دفع صدقة الفطر لواحد قال الشرُُّنْبُلاليّ: «ويدفع كلُّ شخصٍ فطرتَه لفقير واحد » والمعتمدقال ملا خسرو(1): «وجب دفع كل شخص فطرته إلى فقير واحد حتى لو فرقه إلى فقيرين لم يجز؛ لأنَّ ا لمنصوص عليه الإغناء، ولا يستغنى بما دون ذلك، وقال الكرخي: جاز دفعها إلى فقيرين، لكن الأول هو الأولى» قال الشرُّنب (2)« :والصحيح قول الكرخي؛ لما قال «البرهان»ويجوز دفع صدقة واحدة لجمع من الفقراء لوجود الدفع إلى المصرف على الصحيح، وقال في «البحر»صرّح الولوالجي وقاضي خان وصاحب «المحيط»و«البدائع» بجواز تفريق الفطرة الواحدة على مساكين من غير ذكر خلاف، فكان هو المذهب كجواز تفريق الزكاة، وأما الحديث المأمور فيه بالإغناء فيفيد الأولوية، وقد نقل في «التبي»الجواز من غير خلاف في باب الظهار» والسرببُ الإمام الشرُُّنْبُلاليّ نفسه حرَّر في «حاشية الدرر »الجواز للتفريق على الجمع، وبينَّ أنَّ الحديث في البناء محمول على الأولوية، وهذا تحقيق وتحرير للمسألة في غاية الدقة، وهو أولى بالقبول مما قال في «المراقي»، ولعله«المراقي» نظر إلى ظاهر الحديث فحسب، وا أعلم. * * * (1) ينظردرر الحكام1 :196. (2) ينظرالشرنبلالية 1 :196.
عدد الصفحات ٣٠١304 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية المسألة (50) اختياره استحباب صلاة الفجر في منى بغلس: قال الشرُّ نبلالي: «ويستحبُّ أن يُصليِّ الظهر بمنى، ولا يترك التلبيةَ أحواله كلِّها إلا في الطواف، ويمكث بمنى إلى أن يُصليِّ الفجر بها بغلس » والمعتمدذكره في الشّلبيّ (1) عن«الغاية»، ومثله «الخانية»، لكنَّ الأكثر على خلافه، «شرح اللباب»(2). والسرببُ: بسبب أنَّ الأحاديث المشهورة تخبر أنَّ الصلاة تكون في الإسفار إلا فيما يتعلق بيوم مزدلفة لثبوته واستفاضته، وما عداها يبقى على الأصل عند الحنفية، فكان الأولى بالقبول عند الأكثر، والله أعلم. * * * (1) في حاشية التبي2 :24. (2) ينظررد المحتار2 :503.
عدد الصفحات ٣٠٢للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 305 المسألة51) اختيارُه لوجوب تكبير قنوت الوتر قال الشرُّ نبلالي: «(ويجب قراءةُ (قنوت الوتر) عند أبي حنيفة، وكذا تكبيرةُ القنوت، كما في «الجوهرة» » والمعتمد نصّ في «الجوهرة النيرة»(1) على وجوب سجود السَّهو بتركِ تكبيرة القنوت، وذكر في «الظهيرية»أنَّه لو ترك تكبيرة القنوت، فإنَّه لا رواية لهذا، وقيل: يجب سجود السهو اعتباراً بتكبيرات العيد، وقيل: لا يجب، اهـ، وينبغي ترجيح عدم الوجوب (2)، وقال «البحر»في باب سجود السهو: وممَّا ألحق به: أي بالقنوت تكبيره؛ وجزم الزَّيلعي بوجوب السّجود بتركه (3). والسّبب: تقليده لما في «الجوهرة»، والمسألة محطّ أنظار للعلماء، كما هو ملاحظ من النقاش السابق، وإن كان المشهور عدم وجوب التَّكبير؛ لنصّ عامّة الكتب على وجوب القنوت بدون ذكر التّكبير، فتدلّ على أنَّ حكمَه حكم سائر التكبيرات من السنية، فلا يجب السجود به، والله أعلم. * * * (1) الجوهرة النيرة1 :77. (2) ينظرالبحر2 :103. (3 )رد المحتار1 :468.
عدد الصفحات ٣٠٣306 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقه الترجيح المذهبي عند السادة الحنفية
عدد الصفحات ٣٠٤