1 ُ مشروعُتقعيدُ ُةُِ ّ التلاواتُِالتدبريُ المجوُ دةُُِلدىُالنشءُُِ ُُ عوضم ِّ اُعنُتعلُة ِّ علمُِالمقاماتُِالموسيقيُ إعـــداد أ.حفصة محمد سعد اسكندراني معلمة قرآن في دورات إعداد معلمات القرآن الكريم بالمدينة المنورة
عدد الصفحات ١2 الحمد لله الذي أنزل علينا القرآن خير كتبه، وجعله آية ومعجزة بين يدي خير رسله، كتاب عزيز حكيم، هدى وموعظة للمتقين، يجذب النَّفوس ويبهرها ، ويغذّي الأرواح ويأسرها ، ويطلق العقول بالتأمّل والتفكّر، والتّّوي والتّدبر، ويحرّرها من أغلال الجهل والخرافات. كتاب ﮁ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮀ(1)، عميق المعاني، عذب الإيقا ع، بليغ المقاطع، وجيز العبار ة، له في السّمع حلاوة تستدعي الإنصات له ، وله في القلب وقع يستدعي الإيمان به . فيه جوامع الكلم ، وجوامع الأخبار ، وجوامع الإعجاز ، وجوامع الأخلاق ، وجوامع كل رقيّ وفلاح . ما يمسّ قلب امرئ إلا وتهتزّ أعماقه، و تنبت أرضه ، ويتفتح زهر ه، فتعانق روحه سموا وجمالا وروعة لا ي عرف لها مثيل ولا تشبيه. فالحمد لله أولا وآخر ا، وظاهرا وباطنا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ثم الصلاة والسلام على سيد المرسلين ، محمد الصادق الأمين، المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه. أما بعد.. أتقدم بهذه الورقة كمقتّح مشروع أرجو أن ينفع الله به شريحة الأجيال ال ناشئة من حفظة كتاب الله، لاسيما الذين يمتلكون منهم أصو اتا شجية، وإني ـ يعلم الله ـ لـم أتجرأ على الكتابة في هذا الموضوع إلا بعد أن تعمقت قليلا في علم المقامات ، فاستمعت إلى الكثير من دروسها، وقرأت في أصولها وفروعها ، وتتبعت آراء كبار العلماء ومشاهير القراء فيها ، وقد قضيت في بحثي هذا شهورا ، واطلعت على آراء بعض طلاب العلم من جيل الشباب المهتمين بعلم المقامات، و دار ت نقاشات بيني وبين أحد المتخصصين في علم المقامات على صفحات ملتقى أهل التفسير، وأعتقد أن ذلك قد أضاف إلّ كثيرا، و في مشواري هذا كنت أتبنى أفكارا أميل فيها إلى ضرورة تعليم النشء لعلم المقامات مع تغيير مسمياتها وتعريب الأعجمي منها؛ ثم رأيت التّاجع عن ذلك الرأي لـمّـا تراءى ل ما هو خير منه، ولم أكن أفعل ذلك لهدف معين ب قدر ما كان رغبة مني في استيعاب هذا الجانب والتعمق فيه للخروج بتصور واضح عن ماهيته ، خاصة مع كوني معلمة (1 )سورة فصلت : 22 المقدمــــة
عدد الصفحات ٢3 قرآن أد ر س معلمات القرآن الكريم وأ ع د ه نَّ لمهمة تعليم كتاب الله ، وكم ت ردني أسئلة منهن تدور حول هذا الموضوع ، لذا رأيت ضرورة الخوض فيه . ولقد اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه إلى مقدمة، وتمهيد، ومبحثين، وخاتمة ، وذلك على النحو الآتي: *المقدمة. *التمهيد. * المبحث الأول: تأثير التّتيل المتقن على تدبر القارئ والمستمع . * المبحث الثاني : مشروع تقعيد التلاوات التدبريّة المجوَّدة لدى النشء ، عوضا عن تعل م علم ا لمقامات الموسيقي ة. *المطلب الأول: بواعث فكرة المشروع . * المطلب الثاني: فكرة المشروع ، وآليات تنفيذه. * المطلب الثالث: مميزات المشروع وأهدافه . * الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات. والله أسأل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ، وأن يكلل أعمالنا بالقبول وعظيم الأجر والمثوبة.
عدد الصفحات ٣2 قبل البدء يهمني أن أوضح للقارئ أن موقفي من حكم القراءة بالمقامات هو أنني أميل لمن يحرّمها، وفي الوقت ذاته أدرك وأعي أ لا أحد يقرأ القرآن ولا يصدر صوتا منغما إلا وهو موافق لمقام من المقامات ، عرف ذلك أم لم يعرف ، وأقرَّ به أم لم يقرّ ، غير أني أوافق القائلين بالتحريم في غيرتهم على كتاب الله ، وأؤمن أن تعلم المقامات مشغل عن التدبر، وبه الكثير من العبث الذي لا يليق بآيات الله، فبالرغم من أن الثمرة الآجلة المتّتبة على تعلم المقامات قد تكون ثمرة نافعة وذات أثر قوي مبهر تدفع بالمستمع دفعا إلى التدبر؛ لكنني أظن أن الوصول إلى التدبر أيسر من سلوك ذلك الدرب ، فمخاطر الولوج في هذا الطريق ليست بالهينة، والأعمار أقصر من أن نضيعها في طريق طويل محفوف بالمخاطر لأجل الوصول إلى هدف التدبر ؛ رغم أن الخط المستقيم إليه أقرب وأيسر . ولقد سر ت خطوات في هذا الطريق الخطر لأكتشفه، ولألقي الضو ء على بعض خفاياه وزواياه، بل وملت أول الأمر إلى رفض رأي القائلين بالتحريم جملة وتفصيلا ، ثم حاولت التّوي والتأمل، والانغماس والتعمق بتجرد لأجل الحكم بإنصاف ودقة على واقعنا ، ولأجل ا لبحث عن طريق آمن بين الفريقين ـ من أباح، و من حرم ـ طريق يأخذ بيد شبابنا إلى الهدف المنشود دون المخاطرة بفعل محرم ـ على رأي المحرمين ـ ودون العبث والتساهل الذي يقع فيه فريق المبيحين لدراسة علم المقامات. التمهيد
عدد الصفحات ٤5 لقد اعتنت الأمة الإسلامية في كل عصورها ـ ولا تزال ـ بانتقاء أئمة المساجد وأئمة التّاويح من ذوي الأصوات الشجية العذبة المميزة ، لما لهم من تأثير بالغ في خشوع قلوب المصلين ، وتدبر عقولهم لما ي تلى عليهم، ومضاعفة إقبالهم على الإنصات والطاعة، وقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله :"ليس منا من لم يتغن بالقرآن"(2) وقال: "لله أشد أذانا إ الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى القينة "(3). ولا يخفى على أحد مطّلعٍ منصفٍ ما للأصوات الشّجيّة من أثر في دفع السامع إلى تدبر آيات ا ، بل إن هذه الأصوات الخاشعة قادرة على جذب الانتباه إلى معاني الآيات ومقاصدها؛ وم ا فيها من قصص وأحداث؛ وما وراءها من أسباب نزول، ليس هذا فحسب؛ بل إن أعين الأعاجم قد تذرف دموع خشيةٍ من مجرد سماع ترتيل شجيّ آس ر لآيات الله. إن القارئ حسن الصوت المتقن للأداء الصوتي لا يتلو الآيات مجرد تلاوة؛ وإنما يعيش دا خل الآيات فتلامس قلبه وإحساسه، و ينصهر وجدانه معها كلمة كلمة، ومعنى معنى، فتأتي تلاوته عذبة متدبرة ، يقف المنصت لتلاوته مبهورا ، ويكاد يجزم أنه يسمع الآيات لأول مرة . ع نْ أ بِ موسى الأشعري قال : قال ل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "ل وْ ر أ يتني و أنا أ سمع قراءتك الْبارحة لقد أ وت يت مزمارا منْ مزامير آل د اود " قال: "ل وْ عل مت لح بـَّرْت ه لك تَ ْب ير ا"(2). (2 )أخرجه البخاري في كتاب التوحيد ، برقم /7527 (3 )أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (22ظ ـ25و)، وقال المنذري في التّغيب والتّهيب (3/181 :)رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي. (2 )رواه البيهقي" سننه " ( 3 /12 )وقال الألبا– في "صحيح أبي داود " ( 5 /232 )- :سنده جيد على شرط مسلم . المبحث الأول: تأثير الترتيل المتقن على تدبر القارئ والمستمع
عدد الصفحات ٥6 قال الإمام ابن حجر رحمه الله : "ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالتّنم أكثر من ميلها لمن لا يتّنم ، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع ، وكان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان ، أما تَسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره؛ فلا نزاع في ذلك " (5) ولعلنا لو تأملنا نماذج من أشهر قرائنا المعاصرين في العالم الإسلامي فسنجد أنهم امتلكوا ثلاث مقومات مكنتهم من التأثير القوي الذي يزداد يوما بعد يوم رغم وفاة بعضهم ، هذه المقومات ـ من وجهة نظري ـ هي : 1. خامة الصوت الجيدة. 2. ومهارة استخدام الصوت . 3. والعيش مع الآيات والتأثر والتفكر بها. واجتماع هذه المقومات في تلاوة يضفي عليها رونقا وتأثيرا عميقا بمعانيها. ولو أن قارئا لا يملك خامة صوت جيدة فإنه لن يحسن مهارة الأداء الصوتي، وبالتال لن يتمكن من التأثير على المستمع بسهولة، وكذلك القارئ الذي يمتلك خامة صوت جيدة مع مهارات في تأدية وإخراج هذا الصوت؛ لكنه لا يعيش مع الآيات ولا تلامس قلبه وفكره بل همه م نص ب على التّكيز في استعراض مهارته الصوتية؛ فإن تلاوته وإن كانت جميلة إلا أنه ا تظل ينقصها أحد المقومات الأساسية و هو الإحساس العال بمعاني الآيات، فتّى السامع منشغل هو الآخر بالمهارات الأدائية أكثر من إنصاته للكلمات والمعاني، لذا لابد من تو فر الثلاثة مقومات لأجل الحصول على تلاوة نموذجية مؤثرة . ويمكن القول بأن من امتلك خامة الصوت الجيدة؛ وأتى بالثالثة فعاش مع الآيات وتدبرها وأحسن التفكر بها؛ لكنه لم يتقن مهارات مميزة في استخدام صوته؛ فإنني أزعم أن له تأثيرا عجيبا أيضا في آذان وقلوب المنصتين له وإن قرأ على وتيرة واحدة. (5) فتح الباري 9/72
عدد الصفحات ٦7 المبحث الثاني: مشروع تقعيدُ التلاواتِ التدبريّةِ المجوَّدةِ لدى النشءِ , عوضا عن تعلِّم علمِ المقاماتِ الموسيقيِّة .
عدد الصفحات ٧8
عدد الصفحات ٨9 إن المتأمل لواقعنا سيجد أنالكثير من الإمكانيات الصوتية المبهرة متوفرة لدينا في شبابنا الناشئ من حفظة كتاب الله، غير أن هذه الحناجر الذهبية إما أن تندثر، وإما أن تنصرف عن القرآن إلى الإنشاد، ومن استمر منهم على توظيف حنجرته في تلاوة كتاب الله فهو لا يخلو من حالتين: إما أن يعتمد على تنميته لمهاراته الصوتية ذاتيا، أو يكون عرضة لأن تتلقفه أيدي أساتذة المقامات، وقد يحجم البعض منهم عن ذلك احتّاما للنهي الصريح ولفت اوى التحريم، والبعض الآخر ينجرف مع هؤلاء في هاوية المح ظور، فنر ى القارئ الفتيَّ يتدرب بين يدي مايستّو حقيقي يقرأ القرآن طلوعا ونزولا كما ت تلى النوتة الموسيقية!، وتراه ي نصرف تماما عن الآيات التي يقرأها وعن التطبيق وسائر التجويد ، ويجعل جل اهتمامه منصب ا على اللحن ، وعلى سلاسة التحول من مقام إلى مقام، و الإتيان بالقرار والجواب وما إلى ذلك ، وهذا بلا شك واقع مؤسف ومؤلم لا بد له من وقفة حاسمة لتداركه . و في زمننا الحاضر تفشت ظاهرة تعلم المقامات بين قراء القرآن بشكل لم نعهده من قبل في عالمنا العربي والإسلامي، وانتشر ت برامج تعليم المقامات في الإذاعات والفضائيات وغيرها، كما ك ثـ ر ت مقاطع الفيديو على موقع (اليوتيوب) التي تعرض نماذج لتلاوات القرآن الكريم بمقامات ختتلفة ، وكذلك دروس تعليم المقامات. ولقد شاهدنا الكثير من المقاطع على (اليوتيوب) لأطفال مبدعين في قراءتهم للقرآن لكنهم للأسف يتعلمون بين يدي من يقول لهم: إيتني بالدرجة الرابعة من مقام السيكا! هات الآية التالية بمقام السوزنار ! أو ابدأ الآية بيات ثم اقفل عجم!إن هذا الواقع المزري يدفعنا للبحث عن حلول ، ربما البعض لا يعني لهم ولا يؤلمهم أن يتحول طفل أو شاب متدبر وخاشع في تلاوته لكتاب الله إلى مؤدي ألحان همه الطرب والأوزان ، وعد وإحصاء تفريعات كل مقام؛ لكننا نتألم من ذلك، و إغلاق الباب أمام الطاقات الصوتية الناشئة ليس حلا فاعلا، فهناك نوافذ أخرى مشرعة لهم، وخلفها فضاء رحب يرحب بهم ويتلقفهم ليحتضن إبداعاتهم!، المطلب الأول: بواعث فكرة المشروع
عدد الصفحات ٩11 وهذا الواقع يثير غيرتنا على كتاب الله ، و لابد أن تكون هذه الغيرة موزونة عاقلة مستبصرة بالواقع ومدركة لأبعاد المشكلة دون إفراط ولا تفريط ، وعلينا في الوق ت ذاته أن نلاحظ ونرقب بقلق كمية الأسئلة التي أصبحت ترد في هذا الموضوع بإلحاح من عامة الناس في صفحات الإنتّنت ومواقع التواصل أو برامج الاستفتاء وغيرها، ومن يسعى لتحسين صوته في القرآن لا يلام، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه ، عن الرسول قال: "زينوا القرآن ب أصواتكم"(6 )وقال الإمام ابن حجر رحمه الله : "والذي يتحصل من الأدلة: أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع "(7) . فهؤلاء الذين يسألون عن كيفية تَسين أصواتهم في تلاوة القرآن؛ وعن أسهل الطرق وأيسر دروس تعليم المقامات؛ سي دفع بهم قسرا إلى أروقة المقامات الموسيقية مالم يجدوا المناخ الملائم الذي ينتشلهم عن لججها وأوحالها ، فمن المسؤ ول عن ذلك حينئذ؟؟، وما هو البديل الآمن الذي وفره العاقلون لهم؟؟ . إننا بحاجة إلى منهجية سليمة لأجل توظيف الأصوات المميزة من شبابنا (حفظة كتاب الله ) حتى يكونوا قرا ء وأئمة مساجد مدربين تدريبا جيدا على أجود ترتيل وأحسن أداء لا يخل بقواعد التجويد ، ويعين في الوقت ذاته على الخشوع والإنصات والتفكر والتدبر فيما ي تلى، وقد ألف الإمام ابن الكيال (ت929ه) رحمه الله كتابا سماه: الأنجم الزواهر في تَريم القراءة بلحون أهل الفسق و الكبائر؛ و قال في سبب تأليفه "وبعد فهذا كتاب ختتصر مفيد في تَريم قراءة القرآن المجيد بلحون أهل الفسق والكبائر الداخلين في الوعيد ، واستحباب قراءته وفضلها بلحون العرب وأصواتها ، بالتّتيل والتجويد"(8) ويقول د. أيمن رشدي سويد في كتابه : البيان لحكم قراءة القرآن الكريم بالألحان والذي درس فيه باستفاضة جميع ما ورد ه من نصوص وآثار في هذا الموضوع وخلص في نهاية بحثه إلى قوله : "فالنتيجة التي انتهينا إليها من بحثنا هي أن قراءة القرآن الكريم بالأنغام المستفادة من علم الموسيقى ح كمها دائر بين الكراهة والح رمة، فلا يرضينّ امرؤ لنفسه في قراءة كتاب الله تعالى إلا بأعلى الأمور، متّبعا غير مبتدع، والحق أحق أن ي تبع"(9) (6 )أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد برقم (82 ـ ص82 ) (7 )فتح الباري 8/691 (8 )الأنجم الزواهر في تَريم القراءة بلحون أهل الفسق والكبائر ، ص25 (9 )البيان لحكم قراءة القرآن الكريم بالألحان ، د. أيمن سويد ، ص27
عدد الصفحات ١٠11 ويقول شيخ القراء في سورية الشيخ حسين خطاب : "خير ما ي سم ع من فم القراء ما يقال عنه: المصحف المرتل ، المنسجم مع الطبيعة، والتي توجد معه هيبة القرآن" (11) غير أن المشكلة التي تقف عقبة أمام تَقيق هذا الهدف هي عدم وجود طريق واضح آمن يسلكه حافظ كتاب الله لكي يساعده على توظيف إمكانياته الصوتية دون الاضطرار إلى دخول مستنقع علم المقامات الموسيقية، الذي لا ي ؤمن على الداخل فيه أن يخرج منه بقلب سليم ، فبالاستقراء والتتبع نجد أن أغلب محاولات تعليم التغني بالقرآن بواسطة علم المقامات تبدأ حذرة منضبطة إلى حد بعيد ، لكنها تتحرر من الحذر كلما أبحرت بالطالب نحو عمق هذا العلم ، فيجد المتعلم نفسه هو وقارئ النوتة الموسيقية سواء !. إن الأحاديث والفتاوى الكثيرة التي تؤكد على تَريم قراءة القرآ ن بلحون أهل الفسق ـ ولا مجال لذكرها هنا اختصارا ـ وتَذر في الوقت ذاته من التساهل في ذلك؛ لابد أن تؤخذ بجدية ، ولابد أن تكون مصدر قلق لمن يرغب في تعلم المقامات ، فالذي يحرص على تَسين صوته في القرآن ثم يجد نفسه مضطرا إلى تعلم المقامات من أجل تَقيق هدفه؛ عليه أن يحذر، و الوصول إلى غاية ما لا يبرر سلوك طريق يرى الأغلبية حرمته ، والقليل هم من يرون جوازه ، وبما أنه كذلك فهو في أحسن أحواله طريق مشتبه فيه ، وحري بالعاقل الذي يرجو الوصول إلى رضا الله ألا يسلك درب شبهاتٍ ، فلربما زلت قدمه فهوى . ومن خلال تتبعي لهذا الموضو ع لفت نظري ازدواجية عجيبة ! فبالرغم من وجود عدد من المشايخ المعتبرين الذين يفتون بحرمة تعلم المقامات نجد أن بعضهم يمتدح في الوقت ذاته قراءة القراء الكبار كالشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ المنشاوي والشيخ الطبلاوي وغيرهم، وينعتونهم بالكبار!، وهؤلاء لم ي ولدو ا كبارا دون أن يتعلمو ا، بل قد اشتهر عن بعض المشايخ القدامى أنهم كانوا يتعلمو ن قراءة القرآن بالمقامات الموسيقية، فهل يحسن بنا التغافل عن هذه المعلومة؟، وهل المقصود بالتحريم هي فتّة التعليم ثم إذا ما أتقن القارئ وتناهى إلى أسماعنا إبداعه في التلاوة م دح واست عذب صوته وكان في حكم الحلال؟ !. ومن هنا كانت بواعث الفكرة ... (11 )نقله عنه الدكتور أيمن رشدي سويد في كتابه : البيان لحكم قراءة القرآن الكريم بالألحان ، ص29
عدد الصفحات ١١12 قبل أن أعرج على فكرة المشروع أ ود أن أعرض تجربة متميزة قمت بها بنفسي ، ومن خلالها تبلورت فكرة المشروع في ذهني ، فلقد قمت باختيار عدة مقاطع قرآنية مميزة من ناحية الأداء الصوتي والتطبيقي، ثم أعطيتها لشقيقتي التي لاحظت امتلاكها لخامة صوت جيدة ، لكنها لا تَسن توظيفها في كتاب الله ، فطلبت منها التدرب على تقليد تلك المقاطع تدريبا مكثفا ، وبالفعل أتقنتْ تقليدها دون الحاجة إلى معرفة أسماء مقاماتها أو السلم الموسيقي لكل مقام، واكتسب صوتها ثقة لم تكن فيه من قبل، فأبهرتْ بحسن صوتها وسلاسة أدائها معلماتها فأصبحتْ تقرأ في أغلب الحفلات التي تقام في مدرستها ، بل وتم اختيارها لتتلو القرآن في بعض حفلات وزارة التّبية والتعليم . هذه التجربة وهذا النموذج التطبيقي هو ما شجعني وحمسني لدراسة هذه الفكرة ومن ثمّ طرحها للاستفادة منها، لسهولة تطبيقها وسرعة إنجازها وعظيم أثرها ونتائجها . (1) فكرة المشروع : على ضوء الواقع الذي فصلت الحديث فيه فإننا بحاجة إلى مشروع أوّلٍّ لحماية التلاوات القرآنية الشَّج يَّة المنضبطة تجويدي ا من عبث علم المقامات الموسيقيّ الذي يشغل السَّامع عن التفك ر والتَّدب ر في الآيات، بحيث يقوم هذا المشروع على : جمع أجمل التلاوات التدبرية المنضبطة تجويديا من تسجيلات القراء المشاه ، ذلك الكنز الصوتي الذي نمتلكه، ولا يلزم حصرها وإنما جمع نماذج ختتلفة ومتميزة منها . التعرّف على المقامات التي ق رئت بها تلك التلاوات من قبل المتخصصين ليسهل عليهم تصنيفها والتعامل معها، ومن ثمّ .. تغيير بعض مسمياتهاـ إن تيسر ذلك ـ بمسميات يغلب عليها الوصف أكثر من كونها أعلاما ، كإطلاق وصف التحزين أو الحزن على مقام الصبا ، والتعظيم على النهاوند وهكذا، وإلا فالأساس تركها بلا مسميات، فهدفنا ليس تغيير أسماء المقامات بقدر ما هو انتقاء التلاوات المنضبطة تجويديا لتكون نموذجا يحتذى به؛ أيا كان نوع ومسمى المقام الذي ق رئت به. المطلب الثاني: فكرة المشرو ع وآليات تنفيذه
عدد الصفحات ١٢13 عرض هذه الدراسةـ بعد الانتهاء من إعداد ما سبق ـ على أهل العلم والقراء والمفتين المعنيين ، لأخذ رأييهم وموافقتهم على صلاح هذه النماذج لتكون مادة مشروع يعين الشباب حفظة كتاب الله وأئمة المساجد على تَسين أصواتهم. يأتي بعد مرحلة الإعداد السابق ذكرها مرحلة التنفيذ , وفيها يتم: ترتيب النماذج التي تم انتقاؤها من الأسهل إلى الأصعب ، ولنفتّض أنها بلغت عشرين مقطعا ، فنجعلها كبرنامج يأخذه الطالب ويتدرب عليه وحده دون معلم ، فإذا ما أتقنه توجه إلى الجمعيات القرآنية التي تتبنى مثل هذا المشروع ف ي جرى له اختبار فيها، و يكون الاختبار بتسميع نفس المقاطع الموجودة بالبرنامج مرتبة وبدرجة عالية من الإتقان ، وحين يجيد المتعلم ذلك ي طلب منه القراءة بالتحزين مثلا، أو بنفس نغمة الشيخ فلان في النموذج العاشر، فيطبق المتعلم ذلك على آيات أخرى تختارها اللجنة غير تلك الموجودة في النماذج التي تدرب عليها، وفي حالة تميز الطالب في كل ذلك يم نح شهادة في تَسين الصوت، هذه الشهادة ستزداد قيمتها يوما بعد يوم كلما أثبت المشروع نجاحه ، وهذا ما أتوقعه له بإذن الله. ومما سبق يتضح أن إعداد المشروع سيتطلب وقتا وجهدا ، غير أن النتائج العظيمة المتّتبة على تنفيذه تستحق ذلك الوقت وذلك الجهد، والجميل فيه أن تنفيذه سهل جدا، فهو لا يحتاج إلى دروس ومدرسين ، وإنما يحتاج إلى جهد فردي مستند إلى خامة وإمكانيات صوت المتعلم .
عدد الصفحات ١٣12 (2) آليات تنفيذ المشروع : تكوين لجنة أو فريق عمل من أميز قراء القرآن الكريم وحفظته المهرة . توفر تسجيلات لأشهر قراء عالمنا العربي والإسلامي، وحبذا التّكيز على تلاوات المتقدمين . الاستعانة بأكثر من متخصص في علم الصوتيات وعلم المقامات. توفر تقنيات حديثة لاقتصاص النماذج المختارة من تسجيلاتها . قد يقف أمام تنفيذ هذا المشروع بعض العوائق وأهمها عدم وجود من يتبنى الفكرة ويؤمن بها ، وكذلك صعوبة الاطلاع على جل التسجيلات القرآنية ، والحرج من أخذ تلاوات لبعض القراء الأحياء دون غيرهم، والحرج أيضا من ترك تلاوات لبعض القراء الذين لا يتقنون التطبيق .
عدد الصفحات ١٤15 مميزات المشروع ميزة تعلم تَسين الصوت من تسجيلات القراء لا من أساتذة المقامات الموسيقية أنها تدرب الشباب وتعلمهم علوما بسيطة ونافعة لا تؤخذ إلا من المشايخ المقرئين ، وهي رغم بساطتها تزين التلاوة وتبرز معانيها على أي مقام كانت، ولعل منها على سبيل المثال: *الإتيان بالاستفهام في القراءة وهو بديلا لما يسمى في علم المقامات بالجواب، فلا يمر القارئ بسؤال ولا استفهام إلا وأشعرك به، فيحرك الفؤاد لقوة وقعه وتأثيره، ويدفع المستمع دفعا إلى التدبر في الآيات ومراد الله من الاستفهامات الواردة فيها. *إعطاء فعل الأمر صوت الآمر الجازم ، فتّاه يحدّث المستمع كما لو أنه هو المقصود، مثال: ﮁ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﮀ (11). *الاعتناء بعلم الوقف والابتداء. *تَقيق معنى الاستثناء صوتيا عند قراءة الآيات التي فيها استثناء، مثال: ﮁ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﮀ(12). *بث روح المعنى كما لو كان مصورا في بعض الكلمات مثل: ﮁ ﭴ ﮀ(13)ﮁﮃ ﮀ(12) . إلى آخر هذهالأمثلة التي يعتني بها كبار القراء، فنراهم بإتقانهم لفن خفض الصوت ورفعه يظهروا الشوق (11)اعراف : 31 (12) آل عمران : 73 (13)البقرة : 5 (12)البقرة : 11 المطلب الثالث: مميزات المشروع وأهدافه .
عدد الصفحات ١٥16 الصادق ـ وليس المفتعل ـ في آيات وصف النعيم، والوجل في آيات العذاب ، ويبرزوا مواضع الخبر والاستفهام والعجب والاستنكار، ويحركوا القلوب ب الوعد و الوعيد، ويحسنوا تأدية الحوارات القصصية بتجسيد ها، لذلك أرى أن إتقان خفض الصوت ورفعه فن يجدر الالتفات إليه والعناية به، فهو ليس مقصورا على مقام دون آخر، ولا يلزم لمن يريد تعلمه أن يتعلم علم المقامات ، بل هو فن صوتي قائم بذاته. وقد نقل الدكتور غانم قدوري الحمد في كتابه الدراسات الصوتية عند علماء التجويد قولا ل لدركزل من كتابه المخطوط (خلاصة العجالة) يقول فيه: "قال بعض المحققين ينبغي أن يقرأ القرآن على سبعة نغمات: فما جاء من أسمائه تعالى وصفاته فبالتعظيم والتوقير، وما جاء من المفتّيات عليه فبالإخفاء والتّقيق، وما جاء من ذكر الجنة فبالشوق والطرب ، وما جاء من ذكر النار والعذاب فبالخوف والرهب ، وما جاء من الأ و امر والنواهي فبالطاعة والرغبة ، وما جاء من ذكر المناهي فبالإبانة والرهبة "(15). ومن خلال إنصاتي لكثير من التلاوات المسجلة لعدد من القراء أثار انتباهي أن أي قارئ ذا صوت حسن أو مقبول؛ يستطيع أن يجبر المنصت له على التأثر بتلاوته تأثرا شديدا ، بينما قارئ آخر صوته أجمل من القارئ الأول لا يحدث هذا ا لتأثير فيمن ينصت له؛ رغم أن كلاهما يقرأ بنفس المقام. بل إن قراءة الشيخ الواحد كالشيخ عبد الباسط عبد الصمد ـ رحمه الله ـ في سورة يوسف في تسجيلٍ عادي تختلف تماما عن تلاوته لها في الحفلات ، والسبب هو عنايته بتجسيد الحوارات بواسطة (خفض الصوت ورفعه ) في تلك الجلسات الهادئة بشكل عجيب، وفي أثناء إعداد بحثي هذا قرأت كلاما يو افق هذه النقطة تَديدا، حيث قال الدكتور إبراهيم الدوسري في كتابه إبراز المعاني بالأداء القرآني : " ولا جرم أن القراء يتباينون في تلاوتهم تبعا لتباين أصواتهم جودة وعذوبة، بيد أن حسن الأداء لا يتوقف من جهة الصوت على الخلق والتكوين، فكم من قارئ يقع صوته في النفوس أكثر ممن هو أندى منه صوتا، وما ذاك إلا لتوفر عوامل أخرى عند القارئ استدعت الاستماع والإصغاء إليه ، ومن أهمها موافقة الكيفيات الصوتية قواعد التجويد ومعاني الألفاظ ومشاعر الوجدان ، إذ التجويد هو الضابط لتفخيم حروفه وترقيقها وانحباس الصوت وجريانه ، وأيضا المعاني وما تَدثه من انفعال وجداني هما العاملان في ارتفاع الصوت وانخفاضه وسرعته وبطئه "(16). أهداف المشروع . (15) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد -غانم قدوري الحمد، ص281 (16 )إبراز المعاني بالأداء القرآ ، د.إبراهيم الدوسري ، ص25
عدد الصفحات ١٦