المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أدب الرحلات

عثمان قدري مكانسي

صفحة ١ من ٢٢

- 1 - أدب الرحلات الدكتور عثمان قدري مكانسي

عدد الصفحات ١

- 2 -

عدد الصفحات ٢

- 3 - بسم الله الرَّحمن الرَّحيم بين يدي الكتاب قالوا : إذا أحب الله عبدان أراه ملكو. كقالوا : اغبَب تتجددٍ لقد كانت حياتنا ترحالان دائمان ، نزكر بلبد الله - مشرقها كمغرّٔا - سياحة أك عملبن أك دعوة. كقلٌ أف بٛرٌ سنتاف من حياتنا دكف أف نسافر إبٔ بلد جديد أك ب٪دد السفر إبٔ بلد عرفناه . ككل بلبد الله بٝيل. كلكنٍ لا يعدؿ بٝاؿى الوطن الذم حيرمنا منو مدة تزيد على ثلث قرف بٝاؿه . قصىدٍنا اب١زائر كالإمارات كأمريكا للعمل ، كزرنا فرنسا كإب٪لبَا كإيطاليا كتركيا كا ليمن كمصر ، كغبّىا سياحة . كعشنا بُ الأردف فبَة بٍ استقر مقامنا فيها . كزرنا باكستاف كأذربيجاف لإكماؿ الدراسات العليا .. ككانت البلبد اب٤قدسة بُ اب٢جاز مهول قلبينا نعتمر أك ب٫ج بُ طريقنا إبٔ الأردف بُ معظم العطلبت الصيفية أك بُ عودتنا إبٔ الإمارات . فهل ك انت الزيارات الأخرل خالية من الدعوة إبٔ الله ؟! .. إف الداعية الذم نذر نفسو لدين الله – كنرجو أف نكوف كذلك ، كلا نزكي أنفسنا - يستطيع أف بٯد لدعوتو مكانان بُ كل بلد بٰط فيو رحالو ، كلو كاف سائحان أك

عدد الصفحات ٣

- 4 - مستجمان . إف ىذه الرحلبت ما كانت لتذكر لولا أف ىيٌأ الله ب٥ا قلم أديب يصور معاناة صاحبو كيرسم اب٤واقف الطريفة كيلقي الضوء على بعض أخلبؽ الشعوب كعاداتها . أدب الرحلبت أدب قدبٙ متجدد . لكنٌ اب١ديد بُ ىذا الكتاب اختلبفو عما ألف القرٌاء من تسجيل كصف جغرابُ للبلداف، فليست تلك مهمة ىالأديب . إنها خواطر ساقها صاحبها يع بٌّ بصدؽ عن عواطف ذاتية كمشاىدات حيٌة عاشها بنفسو كأحب أف يقدمها إبٔ القارئ ، فلعلٌ بُ بعضها عبّىان كعظاتو ، كفائدة كذكرل . إب٥اـ ب٧مد صبّم ببّه جكلي

عدد الصفحات ٤

- 5 - رحلة إلى الجزائر ( 1 ) الوصول إلى الجزائر أكؿ خركج من بلدم سورية كاف بُ العشرين من أيلوؿ عاـ بٜانية كسبعبْ كتسع مئة كألف إبٔ اب١زائر الشقيقة مدرسان للغة العربية . ذىبت إليها كزكجبٍ –كىي مدرٌسة للغة العربية كذلك كقد بٚرجنا معان عاـ سبعبْ من جامعة حلب- معارين لسنوات أربع كما جرت العادة إلا أننا مكثنا ىناؾ سنتبْ فقط. كحطٌت الطائرة بنا بُ مطار اب١زائر العاصمة ليستقبلنا ىناؾ مندكبوف عن كزارة البَبية كانوا من اللطافة بٗكاف، كالإخوة اب١زائريوف على ما عرؼ عنهم من شدة كبأس بٰبوف الضيف، كبٰاكلوف إكرامو ما استطاعوا، كقد عشنا السنتبْ بينهم طيبة مباركة أيامهما، كعاطفتهم جيٌاشة حسب اب٤وقف، فمع العدك لا يهابوف اب٤وت –فهم أبناء ثورة اب٤ليوف شهيد كنصف اب٤ليوف- كمع الأخ كالصديق غاية بُ الذكؽ كالأدب . نقلنا إبٔ مدرسة أعدت بشكل مقبوؿ لراحة الوافدين، من الأقطار العربية كمن بٍ يوزعوف إبٔ الولايات اب١زائرية، كقد كاف كل منٌا يعرؼ اب٤دينة أك الولاية البٍ سيتوجو إليها للعمل فيها، ككاف نصيبنا مدينة "كولومب بشار" بُ اب١نوب الغربي من اب١زائر على اب٢دكد اب٤غربية . بقينا بُ العاصمة ثلبثة أياـ طفنا فيها الشوارع كالأماكن العامة، كزرنا الأماكن الأثرية فيها، كبٛتعنا بالنظر إبٔ أبنيتها البٍ مزجت ببْ القدبٙ كاب١ديد، كالطراز العربي كالأكربي، نطل عليها من أعلى منطقة بُ اب٤دينة، فقد كانت قائمة على مرتفعات تهبط تدربٯيان ب٫و البحر، ككانت مياه الأمطار الوافرة تغسل اب٤نازؿ كالشوارع فتبدك نظيفة أنيقة، فإذا ما أشرقت الشمس

عدد الصفحات ٥

- 6 - انعكس ضوءىا على اب٢دائق كاب٤تنزىات –كىي كثبّة - فارتد شعاعها شمسان ثانية تبهر العيوف، كتبهج النفوس . بٓ يكن الطعاـ الذم قدٌـ إلينا كىو مغربي –نسبة إبٔ بلبد اب٤غرب العربي كلها - مطعمه باب٤طبخ الغربي الفرنسي على الأخص، ب٩ا يناسب اب٤شرقيبْ أمثالنا ب٩ن بٓ يعرفوا إلا النوع العر بي كالسورم خاصة، فنحن بٓ يتسنَّ لنا اب٣ركج من بلدنا قبل اب١زائر، فلب نستسيغ سواه، إلا أننا بعد الزيارات اب٤تنوعة، لغالب البلداف، كب٨الطة الأمم كلها تقريبان من الشرؽ اب٥ندم إبٔ الغرب الأكربي، إبٔ الولايات اب٤تحدة الأمريكية، اعتدنا أف نأكل ما ييقدٌـ إلينا مطبوخان كاف أـ مشويان أـ مقليان أـ نيئان، على أف يكوف حلبلان يرضي الله تعابٔ بُ نوعو كطريقة صنعو .. بٓ يكن الطعاـ أغلبو كما ذكرتي مستطابان فنزلنا ب٪وب الشوارع القريبة من مكاف إقامتنا نبحث عن مطعم شرقي ب٪د فيو ضالتنا، فلم ب٪د بغيتنا لأمرين اثنبْ أكب٥ما: أف اب٤ طاعم لا تفتح سول أربع ساعات بُ اليوـ فقط، ببْ الثانية عشرة كالثانية ظهران لوجبة الغداء، كببْ السادسة كالثامنة مساء لوجبة العشاء، أما بُ بلبدنا فهي مشرعة الأبواب ليلبن كنهاران تستقبل الزبائن بُ كل حبْ كآف . أما طعاـ الفطور ففي اب٤قاىي حيث لا ب٘د سول أنواع الكاتو –كىي كثبّة كمتنوعة - مع كأس من القهوة، أك الشام الأخضر، فهم لا يعرفوف غبّه، كلا يسألك أحدىم: أتفطر؟ إب٭ا يقوؿ لك: "أتتقهول"؟ ثانيهما: أف الوجبات قليلة بل قل معدكدة، فلب نصيبى للمتأخر، إضافة إبٔ أنها أنواع قليلة متكررة، فطعاـ الظهر غبّ طعاـ اب٤ساء، ع لى العكس من مطاعم اب٤شرؽ العربي البٍ تغىصٌ بأنواع اب٤أكولات، كبٯتهد أصحأّا بُ تلوين اب٤أكولات ككثرة الوجبات .

عدد الصفحات ٦

- 7 - دخلنا مطعمان نسألو عن الفوؿ كاب٢مٌص كالفلبفل، فابتسم صاحبو معتذران كسألناه عن الأرز كاللحم كعن اب٤لوخية كشوربة اب٣ضار، كعن.. فكاف بٯيبنا بأدب جم: لا نعرؼ ما تذكركنو كيذكر نوعبْ أك ثلبثة عنده فقط . فعلنا ىذا بُ عدة مطاعم فلم ب٫ظ بطائل، عدنا أدراجنا مصدكمبْ نريد اب٤درسة علٌنا ب٪د بقايا ما أكلو اب٤درسوف أمثالنا ىنا، فنادانا صاحب أحد اب٤طاعم البٍ دخلناىا قائلبن : - بإمكانكما أف تشبَيا ما تريداف من البق الة آّاكرة كتطبخاه ىنا . سررنا ّٔذا العرض، فهو يدؿ على أخلبؽ رفيعة تدؿ على أف الرجل أحسَّ بٗا نعانيو ، فأراد مساعدتنا كالتخفيف عنا، ففعلنا ذلك شاكىرين لو عرضىو اللطيف ، ككانت زكجبٍ، كما تزاؿ طباخة ماىرة، فصنعت عددان من الوجبات الشرقية ب٩ا تيسٌر لنا شراؤه . ككاف الرجل يتذكٌؽ ما تصنعو كيظهر إعجابو، كسأب٥ا أف يتعلٌم صنع ذلك.. كقد رأيناه بعد ذلك يقدٌـ لزبائنو ما تعلٌمو منها . كأردنا أف نركب سيارة أجرة فتقدٌمنا من سائقها كسألناه أف يوصلنا إبٔ شارع عبد القادر اب١زائرم كىو بُ منتصف اب٤دينة، فأجابنا "ما نيش خدٌاـ" كصيدمنا من جوابو الذم ظنناه ب١هلنا باللهجة اب١زائرية خركجان عن اللياقة، كاعتبّناه سوء أدب!! فمن قاؿ إنو خدٌاـ؟ إننا بٓ نتعاؿ عليو حبٌ بٯيبنا ىكذا!! كابتعدنا عنو ب٩تعضبْ لنستقل سيارة أخرل رحٌب بنا صاحبها، فاجبَأنا على الاستفسار منو عما قالو الآخر، فضحك الثاب٘، كضحكنا كذلك ب٫ن حبْ علمنا أنو يعتذر لأنو كاف مشغولان لا يستطيع خدمتنا أك إيصالنا إبٔ ىدفنا ، كبٓ نستطع التفاىم مع الإخوة اب١زائريبْ إلا باللغة العربية، فقد كانت ب٥جاتنا ب٨تلفة كثبّان ، فالاستعمار الفرنسي حاكؿ على مدل مئة كثلبثبْ سنة ب٧و القرآف كلغتو، كاكتسبوا ىم الكثبّ من اب٤فردات

عدد الصفحات ٧

- 8 - الفرنسية . ابتدأب٘ أحدىم قائلبن: "كشراؾ" فلم أجبو فاستدرؾ قائلبن: كيف حالك؟ كىي بٗعبُ "أم شيء كراءؾ"؟ ككما تقوؿ بلهجة بلبد الشاـ "شلونك" كب٥جة مصر "ازٌيك" أك "عامل إيو" كاب٤غرب " كًداير ." لغة القرآف كانت الطريقة الوحيدة – بُ بداية حياتنا بُ اب١زائر - للتفاىم إبٔ أف مرٌت شهور فتأقلمنا مع ب٥جتهم إلا أننا منذ اللحظات الأكبٔ أحببناىم فقد كانوا بُ ب٦ملهم عاطفيبْ بٰبوف الغرباء كيكرمونهم . كلئن كاف البعد اب١غرابُ كالثقابُ سببان بُ تعذٌر الفهم الكامل لبعض اب١مل المحلية بُ اب١زائر، إفٌ ىذا أمر عادم، لا غرابة فيو، لكنٌ الغرابة أف يظن اب٤شرقي السوء بُ لفظ قرآب٘ يتداكلو الصغبّ كالكببّ، فقد اعتاد أحد السوريبْ من القرداحة أف بٰمل معو أحد الإخوة اب٤صريبْ إبٔ اب٤درسة البٍ يعملبف فيها، فكاف ىذا الرجل كلما ركب السيارة قاؿ: "سبحاف الذم سخٌر لنا ىذا كما كنٌا لو مقرنبْ، كإنا إبٔ ربنا ب٤نقلبوف" كىو الدعاء اب٤أثور عن النبي صلى الله عليو كسلم إذا ركب دابتو، فجاءب٘ صاحب السيارة يشكو اب٤صرمٌ سوء أدبو كيعلن أنو لن بٰملو فقد كرٌر الإساءة كأصرٌ عليها حبْ كرٌر ىذا الدعاء!.. فقد فهم صاحبنا أف كلمة "سخٌر" تدؿ على السخرية كالاحتقار من صاحب السيارة على الرغم من أنو يساعده كبٱدمو حبْ بٰملو معو إبٔ اب٤درسة ..!! فقلت لو: معك اب٢ق لا ينبغي للدابة إلا أف تكوف دابة، كلا أدرم أفهم مقولبٍ أـ بٓ يفهمها ...

عدد الصفحات ٨

- 9 - بجاية حطٌت بنا الطائرة بُ مدينة " بيشار" الصحراكية مصدر الطا قة الببَكلية كالغازية البٍ تنازعت الدكلتاف اب١ارتاف عليها بعد خركج الفرنسيبْ من اب١زائر كجرت فيها معارؾ طاحنة ببْ الطرفبْ كلّّ منهما –اب٤غرب كاب١زائر - تريد اب٢فاظ ّٔا للبستئثار بالذىب الأسود، فظلٌت من نصيب اب١زائر . كانت أبنيتها إلا القليل على الطراز الصحر اكم، أحجارىا لىبًِه صفراء بٛيل إبٔ البّتقابٕ أحيانان كإبٔ الببٌِ أحايبْ، كشوارعها بُ الغالب مسفلت كفيها الرملي اب٤رصوص، ىواؤىا نقي كالرؤية فيها كاضحة كاب١و بُ النهار حاره كبُ الليل معتدؿ، تتوزع فيها بعض اب٢دائق البٍ تشرؼ عليها بلدية اب٤دينة فكأنها جزر خضرا ء بُ بٕر أصفر ، كاب٢ياةي فيها أقرب إبٔ اب٥دكء . إلا أف عاصفة رملية شديدة بٓ نر مثلها من قبل اجتاحت اب٤دينة الصغبّة فأحسسنا بضيق التنفس كلزمتنا كآبة غبٌّت رأينا بُ العمل فيها، ككنا قد قصدنا حبْ كصولنا إدارة اب٤نطقة البَبوية ككضعنا أنفسنا بٙت تصرفها، ككاف أث ر العاصفة أشدٌ على زكجبٍ فقد استأصلت إحدل كيليتيها بُ حلب قبل سفرنا بأشهر قليلة، كبدا الإعياء عليها، فآثرنا العودة إبٔ العاصمة على الرغم من تشجيع بعض من تعرفنا عليهم، ككاف أحدىم طبيبان من حلب من آؿ "النعٌاؿ" بٞلنا بُ سيارتو كطاؼ بنا شوارع اب٤دينة كمعاب٤ها كمبٌُ نفسو بالأكل الشامي كخاصة اب٢لبي بأنواعو اب٤شهورة من الكبٌة إبٔ اللحم بالعجبْ إبٔ ما لذٌ كطاب فهو عازب ىوايتو إبٔ جانب الطبٌ تناكؿي الأطايب . عدنا أدراجنا بعد أياـ قليلة فتفهٌم اب٤سؤكلوف الأمر بأربٰيٌة كعرضوا علينا إحدل اب٤دف الساحلية، فاخبَنا بٔاية شرؽ العاصمة على بيعد مئتبْ كبٟسبْ كيلو مبَ منها ..

عدد الصفحات ٩

- 11 - ركبنا ىذه اب٤رة الباص فوصلنا إليها بعد بٟس ساعات تنقص قليلبن.. كانت الطريق متعرجة كثبّان على بٲينها كدياف خضراء تشرح النفس كتسرُّ اب٣اطر، بٱبَقها نهر ىادئ بٲلؤ الأرض حياة كخًصبان كب٭اء، كعلى يسارىا جباؿ شاب٨ ة تكسوىا الأشجار اب٣ضراء، كبٛتد فيها مساطب اب٤زارع، يتخللها القرل اب٤تصلة، كالبيوتي اب٤تناثرة، كلا أزاؿ أذكر بلدبٌى "سيدم عيش" ك"أقبو" كغبّىبٮا من القرل كالدساكر كالبساطى السندسيَّ الذم ما انفكٌ يصاحبنا بُ سفرنا فيبعث البهجة كالسعادة، ككثبّان ما كانت الأشجار على اب١انببْ تلتقي فتظللي الطريق كأنو نػىفىق كتسمح لأشعة الشمس أف تصافح كجوىنا كأيادينا فتذكرنا بقوؿ اب٤تنبي بُ شًعب بواف : كألقى الشرؽ منها بُ ثيابي دنانبّان تفرُّ من البناف قالت زكجبٍ : - إف بٓ تكن ىذه اب١نةى بعينها فهي جزء منها، مناظري خلببة كنهره جار، كأشجار رائعة، ككديافه خضراء كجباؿ سامقة، كىواءه نقي... رحم الله الشاعر الأندلسي الذم نطق لسانيو ما قالتو أفكارنا : يػا أىػل أندلػس لله درٌكػػم ماءه كظله كأشجار كأنهاري ماجنٌة اب٣لد إلا فػي دياركػػمي كلو بٚييبٌّت ىذا كنت أختار لا بٙسبوا بعد ذا أف تدخلوا سقران فليس تيدخل بعد اب١نٌة الناري فكانت اب١زائر كالأندلس بٝالان كركعةن كصلنا إبٔ اب٤دينة عصران فإذا ّٔا درٌة اب٤نطقة، كقلبي اب٤دف كالقرل حوب٥ا، بنيت على تلة كببّة، فطرقيها صاعدة نازلة، كأبنيتها ببْ الصغبّة كالوسط، جوٌىا لطيف، كمنظرىا ظر يف، كدرّٔا نظيف، بٰوطها البحر من أطرافها الثلبثة، كيتوغل بُ جنؤّا الشرقي فيؤلف خليجها

عدد الصفحات ١٠

- 11 - اب٤سمى باب٠ها "خليج بٔاية" فبَل فيو اب٤يناء الصغبّ، كب٧طة القطار، كبعض الأبنية اب٢كومية، كغبّىىا. ذىلت قلبىينا قبل أف ندخل ساحتها، كسكنت فؤادىينا قبل أف نسكنها . توجهنا إبٔ الإدارة التعليمية ىناؾ فكاف استقباب٥م لنا يدؿ على ذكؽ كأدب، كسرعاف ما استلمنا مفتاح شقة غربيٌ اب٤دينة ضمن ب٦موعة من الأبنية البٍ أنشأتها البلدية كب٠ٌتها منطقة "الشقق الألف" ككانوا ينطقونها بالإفرنسية "ميل لوبٝا" يصل إليها باص كاحد كل ساعة فيحمل من اب٤و ظفبْ كالعاملبْ اب٢كوميبْ إبٔ أعماب٥م بُ دكائرىم من لا بٲلك سيارة، كقد كانت زكجبٍ بُ الأشهر الأربعة الأكبٔ من حياتنا ىناؾ تركب الباص الوحيد بعد أداء صلبة الفجر مباشرة لتصل إبٔ مدرستها بُ كسط اب٤دينة بُ ثانوية ابن سينا دكف تأخر، ككنت أرافقها إبٔ موقف الباص لأطمئن عليها فالظلمةي اب٢الكة كتطرٌؼي البيت كالغربةي كاب٣وؼي النىسًسومٌ يستدعي ذلك لأعود بعدىا إبٔ البيت فأرتبو، بٍ أنطلق إبٔ ثانوية اب٢مٌادية مشيان على الأقداـ فهي لا تبعد أكثر من عشرين دقيقة . أىل اب٤دينة كما حوب٥ا من القبائل البّبرية الصغرل، بٲتازكف بالتد يٌن الفطرم – على الرغم من أنهم بُ حياتهم الاجتماعية بٱضعوف بُ الغالب لعاداتهم كأعرافهم - كبٲتازكف كذلك بالأخلبؽ اب٢ميدة من رجولة كاعتزاز كب٬وة. أما الأمانة فحدٌث كلا حرج، فقد ينسى أحدىم زجاج سيارتو مفتوحان ساعات طويلة بٍ يعود إليها مطمئن الباؿ فيجدىا كما تر كها، لكنك لا ب٘د ىذا حبْ تكوف بُ غبّىا من اب٤دف الداخلية الواقعة جنؤّا، فهناؾ لا تأمن على سيارتك كلا على جيبك بلٍوى نفسك .. بٰبوف الغريب عربيان كاف أـ غربيان، لكنٌ عقدة اب٣واجة كاضحةه كثبّان بُ تصرفاتهم، كىذا دأب غالب القوـ لوجود اب٤ستعمر الفرنسي مدة طويل ة بُ بلبدىم، كترل ىذا ينطبق على دكؿ

عدد الصفحات ١١

- 12 - اب٣ليج فقد لبثتي بُ دكلة الإمارات ستة عشر عامان كب٤ست ىذا بشكل كاضح . أما حديثهم فهو باللغة الأمازيغيٌة أكلان، كاللغة الفرنسية ثانيان، كاب٤غلوب دائمان يقلٌد غالبو، كيستعملوف العربية مع العربي، كأقصد بذلك اللهجة اب١زائرية العامية، كقليلبن ما كنٌا نفهمها، أما الطلبب بُ اب٤درسة فلغتهم العربية رائعة كمستواىم فيها ب٩تاز، كخطؤىم فيها قليل كىذا يدؿ على مستول الذكاء اب٤رتفع كالفهم الواسع.. فأف ترل أمازيغيان يتحدث العربية الصحيحة بطلبقة، كىي الثالثة من حيث البَتيبي بُ الأبٮية.. شيء رائع .. كالشيء اللبفت للنظر مدرٌس اللغة العربية ىو مدرٌس اب٤ادة الدينية من فقو كتفسبّ كتلبكة كأحكاـ، كتصوٌر أف على مدرس اللغة العربية النصراب٘ أف يدرٌس الدين الإسلبمي، كىذا ينطبق على القومي كالشيوعي كاب٤لحد.. كىذا ليس عن تهاكف كإبٮاؿ للدين إب٭ا القوـي لا يتصوركف أف يكوف العربي غبّى مسلم.. كأف يكوف مدرٌسي اللغة العربية غبّ ملتزـ بدينو .. أما الاشبَاكية البٍ يشربونها مع اب٢ليب كل يوـ كيأكلونها مع اب٣بز كل صباح كمساء، كىذا ببْ عامي ُٖٕٗ – َُٖٗ حبْ كنت مدرسان ىناؾ، فسرعاف ما تتهاكل أماـ العقيدة السليمة كالفطر ة الإبٲانية الأصيلة على أف يكوف اب٤درس الداعية أىلبن لذلك، كلا أدٌعي ىذا فالتزكية من الله تعابٔ "فلب تزكٌوا أنفسكم ىو أعلم بٗن اتقى" ففي السنة الثانية من تدريسي يأتيبِ أحد تلبمذبٌ بُ السنة السابقة يطلب إبٌٕ أف أسأؿ مدير اب٤درسة أف بٱصص للتلبميذ غرفة يصلٌوف فيها، فأسألو : - أما زلتم تصلٌوف يا كلدم؟ فيقوؿ معاتبان بأدب كلطف : - ثلبثة كعشركف طالبان من أربعة كعشرين ب٧افظوف على الصلبة يا أستاذ.. منذ أف

عدد الصفحات ١٢

- 13 - علمتنا الصلبة كفقهتنا الدين، كىل يبَؾ الإنساف دينو يا أستاذم بعد أف عرؼ أف الصلبة عماد الدين؟ ..! سجد قلبي لله فرحان بذلك كبٞدان لله تعابٔ . كإذ كانت الثقة تزداد رسوخان مع آّتمع من حوبٕ طيلب إبٌٕ أف أيدرٌس التفسبّ بُ اب٤سجد اب١امع بُ بٔابة، ككانت ب٘ربةن ناجحة، إذ نظرت حوبٕ فوجدت اب٢جاب يكاد بُ ذلك الزمن يكوف معدكمان فليس بُ اب١زائر يومذاؾ امرأة تتحجب اب٢جاب الشرعي، كلعل أحدىم يستنكر ىذا القوؿ، لكنبِ أذكٌر من استنكر من أىل تلك البلبد أف البّقع كاف يغطي الفم كالأنف فكاف نصفو أك أكثر مكشوفان ككأف اب٢جاب فرض على الفم كالأنف فقط، ككانت اب٤لبيةي البيضاء أك السوداء تشًفٌ عما بٙتها بشكل سافر، كحبْ تسقط اب٤لبية كما أكثر سقوطها ب٘د الزنود الفارعة كالصدكر العارية كالثيابى القصبّة تيظهر أكثر ب٩ا بٚيفي . قررت أف أبدأ بسورة النور، كىكذا كاف.. ففي الدرس الأكؿ بٓ يتعدٌ اب٢اضركف العشرين، كارتفع العدد بُ الدرس الثاب٘ إبٔ اب٤ئة، ككاف اب٤سجد غاصان ّٔم بُ الدرس الثالث كما تلبه.. لقد كا ف الناس متعطشبْ ب٤عرفة دينهم، كأحكاـ شريعتهم، مفتقدين اب٤علم الناصح، كالقائد الفذٌ كالإدارة اب٤خلصة كالنّْطاسيٌ البارع ليضع يده على مكمن الداء، كبٰددى ب٥م الدكاء . بٍ بٛضي عجلة الأياـ فينعقدي عاـ اثنبْ كتسعبْ كتسع مئة كألف، أم بعد اثبِ عشر عامان مؤبٛره للم رأة اب١زائرية اب٤سلمة بٰضره أكثر من نصف مليوفً امرأة متحجبة، فيزقزؽ قلبي فرحان، كبٚتلج أضلعي رضان، كتنتشي نفسي سعادة، لكنٌ أعداء الأمة يدقوف ناقوس اب٣طر فيتداعى جلبكزتهم لوأد اب٢ركة الإسلبمية فيغيٌبوف الشباب بُ غياىب السجوف، كظلبـً اب٤عتقلبت، كالقبورً اب١م اعية، كلكنٍ إبٔ حبْ فلب يستطيع الوزغي إطفاء نور الله تعابٔ، كلا

عدد الصفحات ١٣

- 14 - الظلبـي تبديدى النور الساطع كالإبٲافً العميق اب٤تأصل بُ اب٢نايا كالقلوب . "يريدكف ليطفئوا نور الله بأفواىهم كالله متم نوره كلو كره الكافركف، ىو الذم أرسل رسولو باب٥دل كدين اب٢ق ليظهره على الدي ن كلو كلو كره اب٤شركوف ."   

عدد الصفحات ١٤

- 15 - رحلة إلى الجزائر 2 ) إلى سكيكدة بٙتل بٔاية شاطئان بٝيلبن جنوبى البحر الأبيض اب٤توسط يكاد يكوف أبٝل الشواطئ بُ شرؽ اب١زائر، كيعتبّ الطريق اب٤ؤدم منها إبٔ مدينة "جيجل" على بعد تسعبْ كيلو مبَ رائعان ففيو ميزات عديدة من أبٮها : أف ىناؾ أربعةى أنهر قصبّةو جبلية غزيرةو تقطعو فتصبُّ بُ البحر، ماؤىا شديد العذكبة، تشكل بُ مصبها بركان طبيعية للسباحة كثبّان ما انغمسنا فيها.. كالطريق نفسو يرتفع طوران ليدخلى نفقان أك يعلوى جسران ، كينزؿي طوران ليلبمس البحر أك يبتعدى عنو قليلبن، فبَل أعاجيب من الرمل الناعم يفصل بينهما، يتلوٌف من أبيضى إبٔ أصفر إبٔ رمادمٍّ إبٔ ببِ، فتكتىمل الصورةي الطبيعية اب٣لبٌقة المحصورة ببْ زرقة البحر كاخضرار اب١بل، كترل بُ منتصف الطريق مغارةى للصواعد كالنوازؿ فتذكرؾ بٗغارة " جعيتا " اللبنانية إلا أنها صغبّة اب٢جم .. كلأننا كنا زكجبْ شاببْ بُ بداية الثلبثبْ يعجبنا أف نتغدٌل بعد الانصراؼ من العمل على ىذا الشاطئ اب١ميل أك على اب٣ليج نفسو قرب مدينة "كقٌاصو" اب١ميلةً بغاباتها اب٤متدة على الشاطئ النظيف، أك نبعيدى قليلبن إبٔ "سوؽ الاثنبْ" حيث النهر الغزير كالغابات الطبيعية بٓ بٛتد إليها يد الإنساف أك فوؽ اب٤دينة على البحر من الشماؿ بُ "زقواط" اب٤شرفة من علي على ما حوب٥ا فنرل اب٤ياه اللبزكرديٌةى بٛتد أكثر من عشرين ميلبن بُ عرض البحر، كترل السفنى ب٘وبو جيئة كذىابان كبٙسٌ اب٥واءى العليل يلمس بلطف كشفافية جسدؾ الدافئ بٙت الأشعة اب٥ادئة فتحسبي أنك بُ جناف اب٣لد.. ككنا كثبّان ما نرًد "زقواط" ففيها نبعه لذيذ طعمو ب٭لؤ منو

عدد الصفحات ١٥

- 16 - الأكاب٘ فنشربيو أك نستعملو بُ صنع الشام فيبدك عقيقان . كالعجيب أف اب١زائريبْ ما كانوا ليهتموا بالساحل فلب ترل مقهىن أك مطعمان أك اسبَاحات منظمة كما ب٘د بُ الشاطئ السورم كاب٤صرم مثلبن، إلا أف ىذا كاف يربٰنا فلب ب٘د عيريان منظمان، كلا فسادان مهيأ، إب٭ا ىو ساحل بٝيل بعيده عن يد الإنساف البٍ إف اىتمت بو جعلتو آية من آيات اب١ماؿ – من ناحية- كمفسدةن من مفاسد اب٣نا كالفجور، من ناحية أخرل . كأىل اب١زائر م ضيافوف بٰبوف الغرباء كيتقربوف إليهم، خرجنا إبٔ "سكيكدة" كىي مدينة ببْ "جيجل" ك"عنابة" شرؽ اب١زائر بُ عطلة متوسطة، كلعلها كانت تبعد عن بٔاية أكثر من مئبٍ كيلو مبَ فوصلناىا بعد العشاء فإذا ىي بلدة حديثة صغبّة نسبيان أبنيتها متوسطة الارتفاع، سكانها قليلوف، كا ب٢ركة فيها ىادئة، ب٘ولنا فيها ساعة فلم ب٪د فيها ما يشد الانتباه سول معرضً سوؽ زراعي بدائي يعرض فيو الناسي منتوجاتهم الزراعيةى كاب٢يوانية يذكرب٘ بٗعرض سوؽ الإنتاج الزراعي كالصناعي بُ حلب ربيعى كل سنة إلا أف معرض حلب كاف فخمان ككببّان، كىذا بديهي، فحلب قدبٲة ضخمة .. ككالعادة كانت الشوارع ىادئة فالمحلبت بُ التاسعة مساء مقفلة، كاب٤طاعم مغلقة، ككنا نعرؼ ىذا الأمر فحسبنا حسابو حيث بٞلنا معنا أنواع الطعاـ اب٤ناسب للسفر، كبٓ نرغب بُ العودة إبٔ بٔاية لأننا نريد الاستمرار إبٔ الشرؽ إبٔ عنابة، فطرقنا كل الفنادؽ بُ الب لدة ككاف اب١واب: ب٫ن آسفوف لا مكاف لدينا، فلما أعيانا السؤاؿ كبٓ ب٪د بدان من النوـ بُ السيارة أك العودة إبٔ بٔاية رآنا أحد الشباب متحبّين فدنا منٌا بأدب كقاؿ : - لعلكم بٓ ب٘دكا مأكل بُ فندؽ؟ قلنا: صدقت ..

عدد الصفحات ١٦