المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجملة في اللغة العربية البنية والوظيفة دراسة في سورة القمر أنموذجا

رياض حراد

صفحة ١ من ١٢

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة ســطيف 2 كلية الآداب واللغات قسم اللغة والأدب العربي مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير التخصص: نحو وظيفي إعداد الطالب: ريـاض حـــرّاد عنوان المذكــرة الجملة في اللغة العربية - البنية والوظيفة - ˮ دراسة في سورة القمر أنموذجا‟ أعضاء لجنة المناقشة أ.د. ناصر لوحيشي أستاذ جامعة الأمير عبد القادر رئيسا د. مسعود بودوخة أستاذ محاضر-أ- جامعة سطيف 2 مشرفا ومقررا د. محمد بوادي أستاذ محاضر-أ- جامعة سطيف 2 ممتحنا د. الزبير القلي أستاذ محاضر-أ- جامعة سطيف 2 ممتحنا السنة الجامعية 2102/2102

عدد الصفحات ١

اهداا

عدد الصفحات ٤

أهدي هذا العمل المتواضع إلى روح والدي × . . إلى أميالحبيبة حفظها الله تعالــى إلى جميع أفراد عائلتي؛ إلى ولدي آدم إلى جميع زملائي صافي الدين، الزايدي، سليم، لمـيـن، عادل، نجيب، عبد المالك، عز الدين إلى أرواح نحاة العربية القدامى، وكل من بذل جهدا في سبيل الحفاظ على دينه ولغته ووطنه.

عدد الصفحات ٥

المقدمة

عدد الصفحات ٦

اقدمة احتفى الدرس النحوي عند العرب بدراسة الجملة فكانت من أمهات القضايا النحوية التي حظيت بنصيب وافر من اهتمام النحاة العرب، فقد عنوا بدراسة أنواعها وأنماطها وصورها، حيث عرّف وها ووضعوا لها حدوداً وأحكاما وتفريعات غاية في الدقة، أما في العصر الحديث فقد أخذت الجملة جانباً من جهود المحدثين، محاو لين الإفادة في دراستها مما توصل إليه علم اللغة الحديث، فاختلفت مذاهبهم في تحديد مفهوم مصطلح (الجملة) أيضا، لاختلاف زوايا نظرهم إليها من حيث تكوينُ ها، وبنيتُ ها، وشكلُ ها، ووظيفتُ ها، فعرّفوا ا لجملة بأنها أقل قدر من الكلام يفيد السامع معنىً مستقلاً بنفسه، سواء تركّ ب هذا القدر من كلمة واحدة أو أكثر؛ فالمهمّ في الجملة في نظر المحدثين هو إفادة التركيب معنى مستقلاً، ليعدّ هذا التر كيب جملة لغوية، وذهب بعض المحدثين إلى أن التحولات الموجودة في اللغة العربية بين الذكر والحذف والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير، تمثل في الحقيقة تحولاً شكلياً مصاحباً لتحو عمي في تركيب الجملة، ومن ثَمّ دلالته ا. وقد سعت النظريات الوظيفية منذ تأسيسها إلى ربط اللّسان بوظيفته الأساس ية المتمثلة في التواصل الإنساني كما سلف الذكر _ فكان من البديهي أنتتجاوز حدود الجملة، إذ أشار =المتوكل+ إلى أن =ديك+ يرى أن النّحو الوظيفي ليس نحو جملة _ بالمعنى الذي يأخذه هذا المفهوم في اللّسانيات الصورية _ و مككن أن يكون نظراً للتوجه الوظيفي التّداولي إلا نحو خطاب، نحوً ا يرمي إلى وصف وتفسير الملفوظ / المكتوب اللغوي بما فيه الخطاب الأكمل أي النّص ، ولكن هذا التنوع والتناظر بين مفهومي الصورية والوظيفية لا يقتصر على الدراسات اللغوية ال غربية بل نجد له أصولا مماثلة في الفكر اللّغوي العربي ، وهذا ما يدفع الباحث إلى التساؤ عن مظاهر الوظيفية في الفكر اللغوي العربي. إن التراث العربي الفكري مخزون يحصل التعامل معه وف اتجاهين: أ. إما أن يكون حاضراً في تحصيل المعارف اللسانية الحديثة . ب. أو أن يُرجَ ع إليه على سبيل تأصيل ما اكتسب من هذه المعارف .

عدد الصفحات ٧

اقدمة ب فصلة التّراث اللّغوي العربي بالنسبة للوظي فيين العرب هي صلة مباشرة سواء كانت أصلا أم نتيجة تأصيل، كما أنّ السعي إلى تسليط الضوء على الموروث اللّغوي و اللساني الحديث في شقه الوظيفي ينبغي أن تؤطره جملة من القناعات أو المبادئ. وتتجلّى أهمية أيّة دراسة في رغبة الباحث في إثارة موضوع بحث معين، من خلا أهمية القضايا التي يثيرها وكذلك وجود غايات موضو عية وأخرى شخصية لدى الباحث ن فسه، ولاشك أن لهذا الموضوع الموسوم =الجملة في اللغة العربية ­ البنية والوظيفة­ دراسة سورة القمر أنموذجا+ أهميةً بالغةً تستدعي الدراسة المعمق ة، ومككن إبراز هذه الأهممية فيما يأتي : - الفائدة العلمية للبحث وما له من ارتباطات وثيقة بالدراسات السابقة للوصو إلى نتائجَ علمية اعتمادًا على الوصف والتحليل والإحص اء . - أهمية النحو والارتباط المتين بين مستويات اللغة جميعها . - محاولة إحياء التّراث اللّغوي العربي بغية تطوير الدرس اللّغوي المعاصر بمقاييسَ تنبع من عم اللّغة العربية ذاتها . - ما للتراث اللغوي العربي من سمات وخصائصَ تُحَتّمُ على الباحث أن يتفادى الإسقاط الذي قد يغيِّ ب حقيقته . - الاعتقاد بأن الفكر اللغوي التراثي في عمقه فكر وظيفي من حيث مفاهيمُ ه ومنهجُه وقضاياه. وهكذا، فإن هذا البحث يهتم في مكنونه بإيضاح مكانة الدرس اللغوي العربي القديم من منظور العلوم اللغوية الحديثة من خلا التركيز على تلك العلاقة الكامنة بين البنية والوظيفة في القرآن الكريم، ويبيّن أن أهمّ ما مكيّ ز الدرس اللغوي العربي القديم قيامه _منذ بداياته _على دراسة اللغة في أثناء الاستعما ، فكانت أهدافه تداولية، وربما كان موضوع تصنيف الجمل إلى خبرية وإنشائية من أهم المواضيع التي توحي بأن ما درسه البلاغيون كان مُنصبًّا على جوانبَ وظيفيةٍ في الصميم، وظّ فها النحاة في درس اللغة وتراكيبها، لذلك فإن هذا البحث يروم تحقي عدّة أهمداف منها : - الوقوف على حقيقة ذلك التزاوج بين الموروث اللّغوي العربي من جهة والدراسات اللغوية الحديثة في شقها الوظيفي من جهة أخرى، بغية فتح أف البحث في هذا المجا .

عدد الصفحات ٨

اقدمة - تفعيل النحو الوظيفي الحديث في مراحله الأولى بما يقتضي اتخاذ التراث اللغوي العربي مرجعً ا عند البرهنة والتحليل ومصدرً ا ينهَ ل منه كلّ ما دعت الضرو رة إلى ذلك، فـزخم التراث يحتاج إلى قـراءة واعـية تعيد بعـثه مـن جديد وإعادة تصنيـفه وف ما تقتضيه المعايير العلمية. - كشف الستار عن بعض محاولات التأصيل للموضوعات التي أفرزتها الاتجاهات السياقية عامة ونظرية النحو الوظيفي على وجه الخصوص، بغرض إجراء مقاربات جادّة بين النحو العربي والمناهج اللسانية الحديثة، وإزالة الغموض الذي يكتنف بعض التساؤلات التي طالما ظلت مطروحة أمام الباحثين المتخصصين والمهتمين. - فك التداخل القائم حو تبعية البنية للوظيفة في ظل نظرية النحو الوظيفي، وفهم العلاقة بين الدرس الوظيفي الحديث والفكر اللغوي العربي التراثي إن كانت علاقة امتداد لأصل أم قطيعة معه . ولبيان كل المشكلات في هذا البحث، يحتاج الباحث إلى منهجين : المنهج الوصفي وهو طريقة التفكير في جمع البيانات وتعيين الحقائ وتحديد درجة الوصف والطرق والعوامل وتأثيرها وما يوجد فيها. والمنهج التحليلي وهو عملية عقلية في جوهرها، وهو ينحصر في عز صفات شيء أو عناصره، بعضها عن بعض حتى مككن إدراكه بعد ذلك إدراكا واضحا، فهو عملية فحص واختيار يلغي ما ليس مناسبا ويثبت الصالح المناسب. وما يجب التنبيه إليه أن هذا البحث ينطل من وجهة نظر تستند إلى أن الجملة في اللغة العربية قد حظيت باهتمام المتقدمين والمتأخرين، ذلك أنها تمثل واحداً من أهم مستوي ات اللغة ونقصد به التركيب، إلا أن إشكالـية المنهج في الدراسات اللسانـية عامة والعربية على وجه الخصوص قد حداَ بالباحث إلى طرح الإشكالات الآتية : - ما هو مرتكز نظرية النحو الوظيفي في تقسيماتها للجملة ؟ - ما هو جديد نظرية النحو الوظيفي في تقسيمها للجملة ؟

عدد الصفحات ٩

اقدمة د والجدير معرفته أن الدراسات السابقة ثرية في ما يخص الجمل والتراكيب النحو ية في اللغة العربية، ولكنها ليست كذلك إذا تعل الأمر بإجراء مقاربات للمناهج الوظيفية مع متون عربية تراثية، وربما يعود ذلك إلى خصوصية هذه اللغ ة رغم اشتراكها مع كافة اللغا ت الأخرى في مستويات التحليل، ولكنه لا يسع أحداً _ أيّا كان _ن أسهم في تثمين هذه الدراسات من المحدثين خاصة؛ مثل =الفاسي الفهري+ و=تمام حسان+ و=رمضان عبد التواب+ و=عبد الرحمن حاج صالح+ و=محمد مفتاح+ و=طه عبد الرحمن+ و=أحمد المتوكل+ و=عبد القادر المهيري+ وغيرهم . ومن أهم الكتب التي ناقشت قضية الجملة نظريا أو تطبيقيا، وحاولت أن تبيّن القوانين العامة التي تحكم بناءها، وأن ترصد اتجاهات البحث النحوي في هذه القضية : 1. =بناء الجملة العربية+ للدكتور محمد حماسة عبداللطيف. 2. =الجملة العربية، دراسة لغوية نحوية+ للدكتور محمد إبراهيم عبادة. 3. =الجملة النحوية نشأة وتطورا وإعرابا+ للدكتور فتحي عبدالفتاح الدجني . 4. =مدخل إلى دراسة الجملة العربية+ للدكتورمد أحمد نحلة . 5. =الجملة العربية والمعنى+ للدكتور فاضل صالح السامرائي . 6. =الجملة العربية تأليفها وأقسامها+ للدكتور فاضل صالح السامرائي 7. =الجملة الاسمية+، و=الجملةالفعلية+ و=التراكيب الاسنادية+ للدكتور علي أبو المكارم 8. =دراسات في اللسانيات العربيةˮبنية الجملة العربية‟+ للدكـتور مصطفى عبد الحميد السيد 9. =الجملة العربية: دراسة في مفهومها وتقسيماتها النحوية+ للشيخ حسين منصور 11. =نظرات في الجملة العربية+ للدكتور كريم حسين ناصح الخالدي 11. =الجملة الاسمية عند ابن هشام الأنصاري+ للدكتورة أميرة علي توفي كما أن هناك كثيراً من البحوث التي حاو أصحابها أن يقدموا تصورات عن بناء الجملة في نصوص معينة، وهي أكثر عددًا، وجُلُّ هذه الب حوث رسائلُ علمية مطبوعة أو غ ير مطبوعة، وقد تسنى للباحثثير من الكتب المتعلقة بهذا الباب، وفي كثير من

عدد الصفحات ١٠

اقدمة الرسائل الجامعية التي كُتِبت في بنا ء الجملة في بلدان متعددة من العالم العربي، وفي ثبـت المصادر بيان بأسماء هذه الكتب والأبحاث. وقد اعتمد الباحث في تصنيفه للجملة المعيارَ ذاتَه الذي اعتمدَتهه نظرية النحو الوظيفي، إذ صنّف =المتوكل+ ا لجملة في العربية بالنظر إلى محمولها، فإذا كان فعلا فالجملة فعلية، وإن كان غير فعل فالجملة اسمية، وهي نفسها تكون رابطية، إن أدمج فيها ناسخ (كان وأخواتها، كاد وأخواتها)، وهو تصنيف لا يب تعد كثير ا عن تصنيف القدماء للجملة، إذ بَ نَوه على فكرة الإسناد، فالجملة فعلية إذا كان المسند (المحمو ) فعلا مقدما على فاعله، واسمية إن كان الخبر (المحمو ) اسما أو صفة أو جملة أو جاراً ومجروراً أو ظرفا . ومن ثمّ النظر في الجملة من حيث الزمنُ والإ ثبات والنفي، ومن حيث البساطةُ والتركيبُ، بالاعتماد على البنية الموقعية لكل جملة، من خلا الاعتماد على الجهاز الواصف لنظرية النحو الوظيفي بدءا بتصنيف الجمل من حيث بنيتها على أساس الفعلية والاسمية، ثم التعرّض إلى الوظائف المختلفة لتلك البنيات (التركيبية، التداولية، الدلالية)، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفصل بين الجمل في القرآن الكريم عا مة وفي هذه السورة خاصة قبيل التعسف الإجرائي إذا وُ ضِعَ في الحسبان أن التراكيب تأخذ شكل بنًى مشتركة بسبب ا لعطف الرابط بين الجمل في كامل السورة، الذي يؤدي وظيفة لا مككن تجاهلها، ذلك أنّ النحو ا لوظيفي يَعُدُّ البنى المعطوفة من قبيل الجمل المركبة من حيث بنيتها الصرفية التركيبية، في شكل تنميط لهذه الجملة المركبة، لكنها بسيطة (جملة واحدة) بالنظر إلى بنيتها التحتية العلاقية، وهذا ما يسهّل تحقي الأهداف الإجرائية من الدراسة . كما تجب الإشارة إلى أنّ الأصل في دراسات م ن هذا القبيل أن تكون شاملة بالحد الذي يدفع الباحث إلى أن يتعامل معها بطريقة انتقائية، أي أن الاهتمام سوف ينصبّ على رصد البنيات الأكثر شيوعا وما يقابلها من وظائفَ تعكسها الظواهر التركيبية في النص القرآني، من أجل الوقوف على فهم أفضل للتصوّر الوظيفي في النصوص القرآنية عامة. لهذه الأسباب تمّ ت قسيم البحث إلى مقدمة وثلاثة فصو :

عدد الصفحات ١١

اقدمة و الفـصــــل الأول : وهو فصل نظري عنوانه مدخل مفاهيمي ويضم مفاهيم أولية تتعل بالجملة =بنيةً ووظيفةً+، مع إجراء م سح نظري للنحو عبر مسيرته التاريخية . الفصـل الثــاني : وهو فصل تطبيقي عنوانه الجملة الفعلية في سورة القمر _ بنيتها ووظيفتها ؛ إذ تم تقسيم الجمل الفعلية إلى بسيطة ومركبة ثم النظر فيها من حيث زمنُها إلى ماضية ومضارعة ، ومن ثم ا لخوض في وظائفها التركيبية و التداولية والدلالية . الفصل الثالث : وهو فصل تطبيقي كسابقه، عنوانه الجملة الاسمية في سورة القمر _ بنيتها ووظيفتها تعرض فيه الباحث إلى أه م البنيات التي وردت ع ليها الجمل الاسمية، من حيث كونُها بسيطة أو مر كبة، مع العلم أنها قد تكون رابطية =منسوخة+، إن أدمج فيها ناسخ (كان وأخواتها)، وقد فصّل فيه الباحث جوانبَ وظيفيةً مع إيراد كثير من الشواهد على ذلك. وصولاً إلى خاتمة ضمّنها الباحث مجموعةً من النتائج، مذيّلةً بقائمة الم صادر والمراجع . وأخيرا . . إن مِن كمال الفضل شكر ذويه ، وأناَ أرى أنّه من الو اجب عليّ أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى كل أساتذتي الكرام الذين أسهموا في تأطيري خلال مسيرتي العلمية، وأخص بالذكر أستاذيَّ ؛ الدكتور =مسعود بودوخة+ والدكتور =خليفة بوجادي+ على ما قدّماه ل ي من نصح وتوجيه وعلى ما أفاداني به من تجربتهما طيلة مدة الإشراف، والشكر موصول لكل من أسهم في إنجاز هذا البحث، وعساني أكون قد وُفقت في تقديم صو رة متكاملة عن الموضوع، فذلك قصدي ومبتغاي، والله من وراء القصد . رياض حرّاد العلمة في ۰۴/۰۴/۰۰۴۴

عدد الصفحات ١٢

الفصل الأول مدخل مفاهيمي

عدد الصفحات ١٣

الفصل اول ةمخل ةفاهيمي 9 لقدفتحت الاتجاهات الوظيفية للغة آفاقاً جديدة في الدرس اللغوي، م تجهةً بقوة إلى المعنى، وكانت نظرية النحو الوظيفي ثورةً في مجا الدراسات اللغوية، ولئن كان منشأُ المباحث الأولى فلسفياً، فهي تهتم بعناصر الموقف الخطابي جميعها، وكل ما يؤثّر فيه، من سياق الحا أوالمقام وحا المتكلم والمخاطَ ب وصلتهما بالخ طاب، وثقافة كل منهما1، فظهرت مفاهيمُ كالقصد والإفادة، والتبليغ، والافتراض المسب ، وظهرت كذلك نظرياتٌ منها: نظرية أفعا الكلام، والملاءمة، والحجاج، والاقتضاء، والاستلزام التخاطبي، وغيرها . كما تنبغي الإشارة _ قبل الخوض في المجا المفهومي للدرس الوظيفي في اتجاهاته المختلفة _ إلى أن المتتبع لدراسة اللغة عموما، يجد أن ما مكيز الدرس اللغوي هو كونه وليد الحقل الفلسفي، على اختلاف توجهاته ومشاربه، حيث كانت النشأة الأولى ل لبحوث ا للغوية ضمن القضايا الفلسفية أوالدينية، إلا أن هيستيريا الثورة العلمية وما أفْضَت إليه من استقلا في العلوم الكمية قد ألقت بظلالها على الدرس اللغوي، فصارت الضرورة أكثر من ملحة لإيجاد حقل معرفي ومادة علمية للغة مستقلة عن الفلسفة، فنتج عن ذلك أن تأسست اللسانيات كعلم مستقل يُعن ى بدراسة اللغة، ببنائه ومصطلحاته ومناهجه الخاصة به 2. والهدف الذي يرومه الباح ث من هذا ال بحث هو التعرف على أهم خص ائص التراكيب النحوية في القرآن الكريم، ليس من ناحية البنية النحوية فحسب، بل من حيث ارتباطُ ها بمبدإ التداو عامة، فهو يبحث في الخصائص التي تجعل تراكيب القرآن الكريم موجهةً لغرض ما أو مقصد بذاته، لذلك فهو لا يعتمد الوصف الشكلي للتراكيب النحوية، وحصر عناصرها، فيما يسميه الباحث اللساني المغربي =أحمد المتوكل+ بالبنية المكونية للجملة، التي تشمل المستوى الصرفي والتركيبي، ويهتم في المقابل بالجانب التداولي الوظيفي للتراكيب الذي يشـكـل إلى جانب المستوى الدلالي =البنية التحتية للجملة+. 1 ينظر : عبد الفتاح الحموز : نحو اللغة العربية الوظيفي، دار جرير للنشر والتوزيع، عمان، ط1،2112،ص119. 2 ينظرمسعود صحراوي : التداولية عند العلماء العرب، دار الطليعة، بيروت، ط11،2115، ص17.

عدد الصفحات ١٥

الفصل اول ةمخل ةفاهيمي 01 كماتتجاذب موضوعَ التواصل اللغوي حقو ٌ معرفية بالغة التنوع تكاد تشمل كل المنتوج الإنساني، وأهمها حقل اللسانيات بمختلف اتجاهاتها، ولتبسيط فهم بعض الزوايا المظلمة في هذه الدراسة رأى الباحث أن يسلِّط ا لضوء على بعض المفاهيم المتعلقة بصميم بحثه، من خلا طرح موضوع الجملة في الدرس اللساني عامة، بالاعتماد على أنظار النحاة القدماء في وصف الجمل في اللغة العربية أولا، ثم الدراسات اللسانية الحديثة، من بنيوية وتحويلية ووظيفية، على اختلاف منطلقاتها ومناهجها في وصف التراكيب اللغوية . المبحث الأول : الجملة في الدرس اللساني

عدد الصفحات ١٦

الفصل اول ةمخل ةفاهيمي 00 يُعدّ موضوع الجملة من المباحث الهامة في الدرس اللغوي، وقد احتل منزلة كبيرة في اهتمام العلماء المتقدمين والمتأخرين، ذلك أن الجملة تمثل واحدًا من أهم مستو يات اللغة ونقصد به التركيب، إذ إ ن الأهمية التي يكتسيها التركيب في مجا الدراسات اللغو ية هي التي جعلت الدارسين يتخذون الجملة نقطة البداية في التحليل، بعدّها الصورة اللف ظية الصغرى للكلام الموضوع للفهم والإفهام . وقد نالت قضية الجملة في النحو العربي _ قدمكا وحديثا _اهتمام الدارسين لأنها أساس اللغة العربية ومحورها، فهي البناء الأساسي الذي يستقيم به الكلام، وقد تطور مفهومها منذ عهد نحاتنا الأوائل إلى العصر الحديث بفضل التراكم المعرفي وتطور العلوم اللغوية، وظهور نظريات لسانية جديدة، أسهمت في تغيير وإضافة كثير من المفاهيم والعناصر، فكل من النحو الوصفي والبنيوي، والنحو التوليدي التحويلي، والنحو الوظيفي أسهم في وضع نظرية نحوية للغة العربية عن طري التطبيقات والممارسات التركيبية على الجملة النحوية العربية وإذا كانت الدراسة اللغوية الحديثة تنطل م ن الجملة، فإن دراسة النحاة ال عرب اعتمدت الكلمة وحدة لتحليل الجملة لكونها تمثل العنصر الذي يظهر عليه الإعراب، إلا أن هذا لاينبغي أن يُ فهم منه أن النحو العربي نحو مفردات فقط، لذا فإن الناظر في كتب النحو القدمكة نظرة غير متأنية لابد أن يصدر أحكاما بعيدة عن الصواب كالحكم على الأقدمين بأنهم لم يهتموا بمفهوم الجملة، وإنما اهتموا بالأجزاء المكونة لها، وقد يساعد على هذا الاعتقاد ما يوجد من آراء في بعض الكتب؛ وهذا ما تناوله الباحث في هذا المبحث من خلا التركيز على مفهوم الجملة في الدرس اللساني التراثي والحديث، مع رصد بنيتها في الدرس النحوي واللسانيات المعاصرة . ولكن قبل هذا، لابد في البداية من الإحاطة بمفهوم ʼʼالجملةʽʽ، لغةً وا صطلاحًا ثم التفصيل فيه بالتعريج على ما أخرجه الأولون والمتأخرون أولا : تعريف الجملة لغة واصطلاحا :

عدد الصفحات ١٧

الفصل اول ةمخل ةفاهيمي 02 اهتم الباحثون منذ القدم حتى عصرنا الحاضر على اختلاف منازعهم ومناهجهم بدراسة الجملة، إذ لم تكن هي نقطة البدء في ا لدراسات اللغوية القدمكة، إذ إنهم لم يحددوا الصور الشكلية للجملة العربية تحديدا دقيقا حيث تكون دراستهم بعد ذلك تحليلا نحوياً لها، غير أنه من الواجب على الدارس للجملة العربية، أن يعتمد على ما قدمه القدماء من دراسات لغوية . أ. الجملة لغة : يقو =ابن فارس+ (تـ395ه):ʼʼالجيم والميمواللام أصلان؛ أحدهما: تجمُّع وعظم الخَلْ ، والآخر: حُسهن ʽʽ1، والجملة لغة كما ورد في لسان العرب =لابن منظور+ (تـ711هـفي مادة (ج م ): ʼʼوالجملة واحدة الجمل، والجملة جماع ة الشيء وأجمل الشيء جمعه عن ت فرقه، أجمل الحساب كذلك، والجملة جماعة كل شيء بكامله من الحساب وغيرهʽʽ2، وجاء معناها في القاموس المحيط =للفيروزأبادي+ (تـ817هـ): ʼʼوالشيء جمعه عن تفرق ة والحساب رده إلى الجملةʽʽ3، وفي تاج العروس =للزبيدي+ (تـ1215هـ): ʼʼوَجَمَلَ يَجهمَلُ جَمهلا إذا جمع . . والجُملة بالضَّمِّ جماعة الشَّيء كأنَّها اشُتّقت من جملة الحَبهل لأنَّها قوًى كثيرةٌ جُمِعَت فأَُجهمِ لت جملةʽʽ4، وقد ورد لفظ الجملة في القرآن ا لكريم في قوله تعالى : وَقَالَََٱلَّذِينََ َ كَفَرُواَْلَوۡلَََنُز ِلََعَلَيۡهَِ ٱلۡقُرۡءَانََُجُُۡلَةَٗوََٰحِدَةَٗٗۚكَذََٰلِكََلُِِثَب ِتََبِهَِ ۦَفُؤَادَكَََۖوَرَتذلۡنََٰهَُتَرۡتِيلَٗ ٣٢5 للدلالة على الجمع، لذا فإن معنى الجملة لغة في كل ما ورد لا يخرج عن كونها تد على جمع الأشياء بعد تفرقها وأنها جماعة كل شيء. ب. الجملة اصطلاحا : 1 ابن فارس : معجم مقاييس اللغة،تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ط1،1991، مادة (ج م ل) 2 ابن منظور : لسان العرب، دار صادر، بيروت، ج1، ط3، 1994،مادة (ج م ل) 3 الفيروزابادي : القاموس المحيط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981، مادة (ج م ل 4 الزبيدي : تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق علي سيري، دار الفكر، بيروت، 2005، مادة (ج م ل). 5 الفرقان : الآية32

عدد الصفحات ١٨

الفصل اول ةمخل ةفاهيمي 02 املة في الاصطلاح هي ˮوحدة تركيبية تؤدي معنى دلاليا واحدا واستقلالها فكرة نسبية تحكمها علاقات الارتباط والربط والانفصا في السياق‟1، والجملة في اصطح =ابن هشام الانصاري+ (تـ761هـ) هي ʼʼعبارة عن فعل وفاعل (قام زيد)،والمبتدإ وخبره (زيد قائم) وما كان بمنزلة أحدهما نحو : ضرب اللص، ظننته قائما‟2 . إذن فهي الوحدة اللغوية المؤلفة منكلمة في سياق أو من كلمتين أو مجموعة كلمات مرتبطة بعلاقات نحوية تجري وف النظام العام لتأليف الجملة مع مراعاة القواعد الخاصة بكل لغة وذلك للتعبير عن فكرة ذات معنى تام . ثانيا : الجملة في الدرس اللساني التراثي : لمه يكن مفهوم الجملة ميدان بحث النَّحويّين فقط، وإنَّما كان مجا بحث علوم عدّة، كلٌّ حسب موضوعه وغايته، ولكنه في المحصِّلة يُشار إلى وظيفتها، وهي إيصا المعنى إلى المتلقِّي بشكل يحّق الغاية . . هذه الوظيفة التي لا تختلف عند البلاغيّين عنها عند الأصوليّين أو المشتغلين بالمنط ، وما يجدر ذكره في هذا الصدد هو الإشارة إلى مفهومها عند النحاة، إذ كانت الجملة مصطلحا ذا جد واسع عندهم، فهناك عدد غير قليل من النحاة واللغويين الأوائل الذين لم مكيّ زوا بين مصطلحي (الجملة والكلام)، فبالعودة إلى شيوخ العربية =كالخليل+ (تـ175هـ و=سيبويه+ (تـ181هـ)؛ فإن مصطلح الجملة لم يظهرعلى شُهرته _مع الدّرا سات الّنحويّة التي عاصرت كتاب =سيبويه+، إذا أخذنا في الاعتبار أنَّ كتابه يُعَدُّ مرآة عاكسة لمدى نضج الجهود الّنحويَّة في هذه الفترة، =فسيبويه+ نفسُه لم يستخدم مصطلح الجملة إلا كمرادف للفظ 1 مصطفى حميدة : نظام الارتباط والربط وتركيب الجملة العربية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط1،1997 ، ص 204 2 ابن هشام الأنصاري : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق مازن المبارك ومحمد على حمد الله، مؤسسة الصادق، ط5، 1378 ه، ج 2، ص49

عدد الصفحات ١٩