33 الهزيمة والخزي والخذلان في الدنيا وخلاف عذاب النار في الآخرة، لقد توعدهم الله بالخذلان في الدنيا أيضاً . قال تعالى: (وَممَِّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَْعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِ نْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِِّفَاقِ لاَ ت َعْلَمُهُمْ نحَْنُ ن َعْلَمُهُمْ سَن ُعَذِِّبهُُمْ مَرَّتَينِْ ثمَُّ ي ُرَ دُّونَ إِلىَ عَذَابٍ عَظِيمٍ )120. ذهابالنو ر يوم القيامة: يذهب النور من المنافقين يوم القيامة. قال تعالى: (ي َوْمَ ي َقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُوناَ ن َقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ ب َي ْن َهُمْ بِسُورٍ لَهُ باَبٌ باَطِنُهُ فِ يهِ الرَّحمَْةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * ي ُنَادُونهَُمْ أَلمَْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا ب َلَى وَلَكِنَّكُمْ ف َت َن ْتُمْ أَن ْفُسَكُمْ وَت َرَبَّصْتُمْ وَارْت َب ْتُمْ وَغَرَّ تْكُمُ الأَْمَانيُِّ حَتىَّ جَاءَ أَمْرُ اللََِّّ وَغَرَّكُمْ باِللََِّّ الْغَ رُورُ * فَالْي َوْمَ لاَ ي ُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَ صِيرُ) 121. تحكم الكفار في المنافقين والإستهتار بهم: كثيرا ما تَد المنافقين محل سخرية الكفار. وقد حدث هذا بالفعل في أكثر من واقعة. و نتجنب ذكر الأسماء والأماكن، ولكن الأحداث صورت وعرضت في قنوات التواصل الاجتماعي من ذلك ما يمكن البحث عنه. افتضاحهم أمام الله و أمام الناس: والله تعالى يفضح المنافق أمامه وأمام الناس. وكثيرا ما تَد من يتملق الناس ويحاول إرضاءهم بكل الطرق حتى وإن تراخى في الفتوى وغيره، ولكن مع ذلك لا يجد قبول من الناس ... بل يقابل بالنفور والصد والإعراض. وكأن الله تعالى يلقنه درساً في قدرته. و ذلك بفضحه وفضح نواياه بين الخلائق. قال تعالى: (أَوَلَيْسَ اللََُّّ بأَِعْلَمَ بمَِا فيِ صُدُورِ 119 أخرجه البخاري 5796 .) 120 التوبة101 . 121 الحديد13-15.
عدد الصفحات ٣٤34 الْعَالَمِينَوَلَي َعْلَمَنَّ اللََُّّ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَي َعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) 122 .قال تعالى: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللََِّّ وَاللََُّّ ي َعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللََُّّ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) 123. عدم قبول الأعمال الصالحة والصدقات سيجد المنافقين أعمالهم الصالحة كسراب يوم القيامة لا أجر له ولا فائدة. قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالهُُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يحَْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتىَّٰ إِذَا جَاءَهُ لمَْ يجَِدْهُ شَي ْئًا وَوَجَدَ اللَََّّ عِندَهُ ف َوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللََُّّ سَرِيعُ الحِْسَابِ). و قال: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ ي ُت َقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُن ْتُمْ ق َوْمًا فَاسِقِينَ ) 124. بغض المسلمين لهم: من عواقب النفاق مقت المسلمين للمنافقين وعزلهم وابعادهم . فيفقدون الصحبة الصالحة ويشعر ون بجفاء من حولهم من المؤمنين وبغضهم لهم. وذلك لما يكشفه الله للمؤمن الخالص أحيانا من أحوال الناس بفراسة المؤمن. قال صلى الله عليه وسلم: (اتَّقوا فِراسةَ المؤمنِ فإنَّه ينظرُ بنورِ اللهِ) 125 .وقال تعاأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فيِ ق ُلُوبهِِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُُْرِجَ اللََُّّ أَضْغَانهَُمْ * وَلَ وْ نَشَاء لأََرَي ْنَاكَهُمْ ف َلَعَرَف ْت َهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَت َعْرِف َن َّهُمْ فيِ لحَْنِ الْقَوْلِ وَاللََُّّ ي َعْلَمُ أَعْمَالَ كُمْ) 126. أي "بل أظنَّ المنافقون أن الله لن يُُْرِج ما في قلوبهم من الحسد والحقد للْسلام وأهله؟ بلى فإن الله يميز الصادق من الكاذب. ولو نشاء -أيها النبي - لأريناك أشخاصهم، فلعرفتهم بعلامات ظاهرة فيهم، ولتعرفنَّهم فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم. والله تعالى لا تَّفى عليه أعمال مَن أطاعه ولا أعمال من عصاه، وسيجازي كلا بما يستحق"127. 122 العنكبوت10-11 . 123 المنافقون1 . 124 التوبة45 . 125 أخرجه الترمذي 3127)، والبخاري في التاريخ الكب 7/354)، والعقيلي في الضعفاء الكب4/129 .) 126 سورة محمد 29-30 . 127 التفسير الميسر، محمد29-30 .
عدد الصفحات ٣٥35 تحر الصلاة عليهم: لقد نهى الله تعالى نبيه الكريم من الصلاة على ابن أبي سلول المنافق. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال (لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ولا تصل على أحد منهم مات أبدا إلى قوله وهم فاسقون قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ والله ورسوله أعلم ). قال بن باز – رحمه الله- عندما سئل عن الصلاة على المنافق: "لا يصلى عليه؛ لقوله تعالى: وَلا تُصَلِِّ عَلَى أَحَدٍ مِن ْهُمْ مَاتَ أَبَدًا)128 إذا كان نفاقه ظاهرًا، أما إذا كان ذلك مجرد تِمة فإنه يصلى عليه؛ لأن الأصل وجوب الصلاة على الميت المسلم فلا يترك الواجب بالشك"129. الطردوالنبذ من المسلمين: كثيرا ما يقع النبذ والطرد من المسلمين للمنافقين . و قال تعالى: (لَئِنْ لمَْ ي َن ْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فيِ ق ُلُوبهِِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فيِ الْمَدِينَةِ لَن ُغْرِي َنَّكَ بهِِمْ ثمَُّ لاَ يجَُاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً) 130 . أي "لئن لم يكفَّ الذين يضمرون الكفر ويظهرون الإيمان والذين في قلوبهم شك وريبة، والذين ينشرون الأخبار الكاذبة في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبائحهم وشرورهم، لنسلِِّطنَّك عليهم، ثم لا يسكنون معك فيها إلا زمنًا قليلا. مطرودين من رحمة الله، في أي مكان وُجِدوا فيه أُسِروا وق ُتِِّلوا تقتيلا ما داموا مقيمين على النفاق ونشر الأخبار الكاذبة بين المسلمين بغرض الفتنة والفساد"131. وكثيرا ما يفضح الله تعالى المنافقين ويكشفهم أمام الناس. وذلك لأنهم كثيرا ما يحاولون إرضاء الناس 128 التوبة84 . 129 مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 13/ 160). 130 الأحزاب 60 . 131131 التفسير الميسر، الأحزاب 60 .
عدد الصفحات ٣٦36 بسخط الله. فيفضحهم الله وينشر مقتهم بين المسلمين. قال صلى الله عليه وسلم: ( من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤنة الناس )132. النفاق من منظور القرآن الكر - النفاق العقدي كفر وصاحبه مخلد في النار وهو ينافي مقصد إصلاح المعتقد. - النفاق يجعل الإنسان يظهر غير ما يبطن وهذا نوع من الكذب والمداهنة ويتنافى مع مقصد تِذيب الأخلاق. - النفاق يتعارض مع أخذ العبرة من قصص القرآن وعواقب المنافقين. - المنافقين يوالون الكفار ويداهنون الناس على حساب رضى الله وأمن الدولة المسلمة ويتنافى مع مقصد سياسة الأمة. هل للمنافق توبة نعم للمنافق توبة. فمن فضل الله ورحم ته أن ترك باب التوبة مفتوح للجميع قبل الموت. الكافر والمنافق والمشرك والعاصي ومرتكب الكبائر وغ يرهم. كلهم يمكن أن يتوبوا ويقبل الله توبتهم. فالحمد لله على هذه النعمة. قال تعالى: ( إِلاَّ الَّذِينَ تاَبُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا باِللََِّّ وَأَخْلَصُوا دِين َهُمْ للََِِّّ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ ي ُؤْتِ اللََُّّ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) 133. وقالغَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ الت َّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) 134. فمن أصابه نفاق فليهرع إلى الله ويستعين به. ويستغفر ويتوب ويعمل على قلبه ليذهب عنه النفاق. فالله يقبل توبته إن أخلص فيها بإذنه تعالى. قال تعالى: (قُلْ ياَ عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَن ْفُسِهِمْ لاَ ت َقْنَطُوا مِنْ رَحمَْةِ اللََِّّ إِنَّ اللَََّّ ي َغْفِرُ الذُّنُوبَ جمَِيعًا إِنَّهُ هُوَ ا لْغَفُورُ الرَّحِيمُ )135. 132 أخرجه الألباني في صحيح الجامع 6010)، وحكم عليه بأنه صحيح. وأخرجه الترمذي 2414) بنحوه، وعبد بن حميد ((المسند)) (1522)، وابن حبان277) باختلاف يس. 133 النساء148 , 134 غافر3 . 135 الزمر 53 .
عدد الصفحات ٣٧37 كيفية معالجة النفاق قراءة القرآن الكريم: تدبر آيات التخويف لا سيما قصار السور والمفصل وما جاء عن ذكر الجنة والنار والدار الآخرة. وما توعد الله به المنافقين. كل ذلك يوقظ القلب ويجعل المنافق يتوب ويرجع بإذن الله. قال تعالى: (لِيَجْزِيَ اللََُّّ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَي ُعَذِِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ ي َتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَََّّ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) 136. تعلم الدين: تعلم العلم الشرعي والدين يحمي صاحبه من الوقوع في النفاق؛ وكلما استزاد المرء علما كلما إزداد إيمانه ومعرفته بالله وبصفاته وتصديقه بوعده ووعيده وجنته وناره . وهذا يجعل المرء يتخذ أمر الآخرة بجد ويسعى لمرضاة الله وتَنب سخطه. فيطهر ذلك قلبه من الأمراض القلبية ومن النفاق ويصلح إيمانه وعمله وإعلانه وسريرته فيذهب عنه النفاق ويُلص لله وينضم لصفوف المؤمنين طوعاً. ولذا كان طلب العلم الشرعي امر من الله ورسوله . و هو مجلبة لحفظ المؤمن و حمايته من النفاق والزيغ وفساد العقيدة والقلب. قال رسول الله صلِّى الله عليه وسلِّم: (مَن يُرِدِ اللََُّّ به خَيرًْا ي ُفَقِِّهْهُ في الدِِّينِ)137. وكذا العلم فيه رفعة للمسلم في الدنيا والآخرة. فالعلماء يبجلهم الناس ويحترمونهم ويعتدون بكلمتهم. وعلماء الإسلام خاصة لهم مكانتهم التي ليس فوقها مكانة بعد الأنبياء والرسل. قال تعالى: (ي َرْفَعِ اللَّ هُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) 138 .وقال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ ي َعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ ي َعْلَمُونَ إِنَََّّا ي َتَذَكَّرُ أُولُو الأَْلْبَابِ) 139. فهم ليسوا سواء بجهالالناس، بل شتان ما بين هؤلاء وهؤلاء. ولذا سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بورثة الأنبياء وذكر أجورهم الكبيرة في الآخرة وأن العالم أفضل من العابد بكثير. قال صلى الله 136 الأحزاب 24 . 137 أخرجه البخاري 3116)،ومسلم (1037 .) 138 المجادلة11 . 139 الزمر 9 .
عدد الصفحات ٣٨38 عليه وسلم (من سلَكَ طريقًا يطلبُ فيهِ علمًا سلَك اللََُّّ بِه طريقًا من طرقِ الجنَّةِ وإنَّ الملائِكةَ لتض عُ أجنحتَها رِضًى لطالبِ العلمِ وإنَّ العالمَِ ليستغفرُ لَه مَن في السَّماواتِ ومن في الأرضِ والحيتانُ في جوفِ الماءِ وإنَّ فضلَ العالمِِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ وإنَّ الأنبياءَ لم يورِِّثوا دينارًا ولا درهمًا) 140. الدعاء والإستعانة بالله عز وجل: الدعاء مخ العبادة، وهو تقوية للصلة بين العبد وربه. وفيه تطهير للقلب من النفاق. و كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائِه: (اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من العجزِ والكسلِ والجُبَِْ والبخلِ والهِرَمِ والقسوةِ والغفلةِ والعِيَلةِ والذِِّلَّةِ والمسكنةِ وأعوذُ بكَ من الفقرِ والكفرِ والفسوقِ والشِِّقاقِ والنِِّفاقِ والسُّمعةِ والرياءِ أعوذُ بكَ من الصَّم مِ والبُكمِ والجُنونِ والجُذامِ والبرََصِ وسيءِ الأسقامِ) 141 .وكذلك الإستعانة بالله تعالى وسؤاله الإخلاص والتوحيد. ومن استعان إعانه وكفاه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو نبي الله وأفضل الأمة - يسأل الله الهداية. فقد روى عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فقال: (الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ص الله ورسوله فقد غوى حتى يفيء إلى أمر الله ) 142 . تقويةالتوحيد و تعلم أسماء الله وصفاته الحسنى: 140 أخرجه أبو داود 3641) واللفظ له، والترمذي2682)، وابن ماجه223)، وأحمد21715) باختلاف يس. 141 أخرجه الألباني في إرواء الغليل 3/357، وأخرجه الطبراني في المعجم الصغ 316)، والحاكم1944)، والبيهقيالدعوات الكبير (348 .) 142 أخرجه ابن الأثير في شرح مسند الشافعي 2/200)، وقال متنه صحيح.
عدد الصفحات ٣٩39 تعلم أسماء الله وصفاته وتعلم معانيها وتدبرها مما يقوي إيمان المرء ويصلح قلبه. قال تعالى: (وَللََِِّّ الأَْسمَْاءُ الحُْسْنىَ فَادْعُوهُ بهَِا )143.وكذلك بتعلم توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. ثم الإكثار من الأعمال الصالحة وأعمال القلوب وتطهيرها. المداومة على الصلاة والخشوع فيها : الصلاة مناجاة بين العبد وربه، وهي وسيلة لتقوية الإيمان وإصلاح القلب. قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ ت َن ْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللََِّّ أَكْبرَُ وَاللََُّّ ي َعْلَمُ مَا تَصْن َعُونَ)144. ويكفي أنها أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة. وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وهي وقت مناجاة العبد لربه. فإن صلحت صلح عمل العبد وإن فسدت فسد. قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا باِلصَّبرِْ وَالصَّلاَةِ وَإِنهََّا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَْاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنهَُّمْ مُلاَقُو رَبهِِِّمْ وَأَنهَُّمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) 145. وقالوَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ ت َن ْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )146. جهاد النفس وكثرة الطاعات : جهاد النفس بالطاعات وإجتناب النواهي طريق لإصلاح القلب. قال تعالى: (وَمَنْ ي َعْمَلْ مِنَ الصَّالحَِاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُن ْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَْنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) 147. وجاء في الحديث القدسي إن الله تعالى قال: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تق رب إلي عبدي بشيء أحب إليِِّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن 143 الأعراف 180 . 144 العنكبوت45 . 145 البقرة 45-46 . 146 العنكبوت45 . 147 النساء124 .
عدد الصفحات ٤٠40 استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترد دي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مساءته)148 . التأمل في آيات الله: من سبل تقوية الإيمان و معالجة النفاق التأمل في خلق الله وفي آياته الكونية. وتحسس قدرته ومشيئته النافذة في الخلق. فذلك يوقظ قلب الم رء ويقوي صلته بالله عز وجل. قال تعالى: (أَوَلمَْ ي َنْظُرُوا فيِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا خَلَقَ اللََُّّ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَ سَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْترََبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِِّ حَدِيثٍ ب َعْدَهُ ي ُؤْمِنُونَ ) 149 .وقال: ( أَف َلَمْ ي َنْظُرُوا إِلىَ السَّمَاءِ ف َوْق َهُمْ كَيْفَ ب َن َي ْنَاهَا وَزَي َّنَّاهَا وَمَا لهََا مِنْ ف ُرُوجٍ * وَالأَْرْضَ مَدَدْناَهَا وَأَلْقَي ْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَن ْب َت ْنَا فِيهَا مِنْ كُلِِّ زَوْجٍ بهَِيجٍ * ت َبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) 150. وقد دعانا الله تعالى إلى هذا التأمل، حتى يزداد إيمان نا بالله وبقدرته، و زيادة تقوى الله ومعرفة قدرت ه. الاطلاع على كتب الرقاق وأحاديث الآخرة : الإطلاع على أحاديث الموت والدار الآخرة والجنة والنار يرقق القلوب ويُ رجها من النفاق. فإن أشد ما يزيل النفاق ويوقظ القلب من غفلته أحاديث الدار الآخرة وما جاء فيها من تَّويف وترغيب. وقد جاءت آيات كثيرة في هذه الشأن تتحدث عن الآخرة والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار. منها قوله تعالى: (كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَْرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ ي َوْمَئِذٍ بجَِهَنَّمَ ي َوْمَئِذٍ ي َتَ ذَكَّرُ الإِْنْسَانُ وَأَنََّّ لَهُ الذِِّكْرَى * ي َقُولُ ياَ لَي ْتَنيِ قَدَّمْتُ لحَِيَاتيِ ) 151 .وقوله: (ياَ أَي ُّهَا الإِْنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلىَ رَبِِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتيَِ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يحَُاسَبُ حِسَاباً يَسِيرًا * وَي َن ْقَلِبُ إِلىَ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتيَِ كِتَابَهُ 148 أخرجه البخاري 6502 .) 149 الأعراف 185 . 150 ق6-8 . 151 الإنشقاق21-24 .
عدد الصفحات ٤١41 وَرَاءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ يَدْعُو ث ُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فيِ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يحَُورَ * ب َلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا)152. والحديث عن الآخرة يزيد إيمان المرء و يذهب عنه النفاق ويجعله يجد في أمر الآخرة . مصاحبة الصالحين والأخيار: الصحبة الصالحة وتَّير أصدقاء طيبين جادين في أمر دينهم يساعد على صلاح قلب المرء ويعينه على الأعمال الصالحة. قال صلى الله عليه وسلم: ( مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ؛ لا ي َعْدَمُكَ مِن صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْترَِيهِ أوْ تََِدُ رِيحَهُ، وكِيرُ الحَدَّادِ يحُْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ث َوْبَكَ، أوْ تََِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً) 153 . الإطلاع والتأمل في قصص الأمم السابقة : الإطلاع على قصص الأمم السابقة وما حل بهم فيه عظة وعبرة للناس. قال تعالى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلىَ أُمَمٍ مِنْ ق َبْلِكَ فَأَخَذْناَهُمْ باِلْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ ي َتَضَرَّعُونَ ) 154 .ولقد توعد الله من كذب بالرسل منهم بالعذاب. قال: (كَذَّبَتْ ق َب ْلَهُمْ ق َوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِِّ وَثمَُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَْيْكَةِ وَق َوْمُ ت ُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ) 155. فتأمل هذه القصص يزيد من إيمان المرء. تغيير المكان والانتقال إلى بيئة تساعد وتشجع على التوبة : تغير البيئة والإنتقال إلى مكان يساعده على التوبة. ودليل ذلك ما قال صلى الله عليه وسلم: (كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له ر جل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره 152 الإنشقاق 6 – 15 . 153 أخرجه البخاري 2101)، ومسلم2628 .) 154 الأنعام14 . 155 ق12-14.
عدد الصفحات ٤٢42 نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إ هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له) 156 . الخلوةومناجاته لطالما كانت الخلوة بالله أنس الصالحين والعُ بَّ اد وفسحة المشتاقين والعارفين بالله. ولطالما كان أواخر الليل موعد المحبين لمناجاة حبيبهم والتمتع بالحديث إليه ودعائه واستحضار وجوده. وطريق لمعرفة الله وخشيته ومحبته. ولا شك أن تقوية الصلة بالله هي أقوى علاج لكل أنواع النفاق. وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر)157 .ولكم يرى الإنسان من بركات هذه الخلوات في إيمانه وفي علاقته بربه ما يرى. وفيها يرى المناجين انفساح الطرق وسهولة الإنطلاق في سبل السالكين إلى طريق المعرفة بالله و جنة محبته. و قيل عن الخلوة بالله: " بها تأنس الأرواح وتزول الهموم وتنزاح، ومعها تطمئن القلوب وترتاح، وفيها تُضَمَّدُ الجرا ح" 158. ترك الإنجراف وراء الإعلام وحب الشهرة والظهور: حب الشهرة من أكثر ما يجر المرء إلى براثن الرياء والنفاق. ولذا كان تركه أفضل للْنسان. قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِياَرِهِمْ بَطَرًا وَرِئََءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللََِّّ وَاللََُّّ بمَِ ا ي َعْمَلُونَ محُِيطٌ ) 159 . قال صلى الله عليه وسلممن سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به ) 160 . 156 أخرجه البخاري 3470). 157 أخرجه الألباني في صحيح الجامع 8167) وصححه. 158 الخلوة مع الله حقيقتها وآدابها، لعبد الله البرح . 159 الأنفال47 . 160 أخرجه البخاري 6499).
عدد الصفحات ٤٣43 مراقبة الله عز وجل واستحضار معيته: مراقبة الله عز وجل كفيلة بأن ترفع الإنسان إلى أعلى مراتب الإ يمان والإحسان. قال صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) 161. وقال تعالى: (وَت َوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي ي َرَاكَ حِينَ ت َقُومُ * وَت َقَلُّبَكَ فيِ السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )162 . فتذكر المرء أن الله يراه ويسمعه تَعله يُجل من معصيته ويرتاح لمعيته ويتهيأ لطاعته عدم طاعة الكافرين والمنافقين والبعد عنهم: عدم طاعة الكفار والبعد عن مداهنتهم وتملقهم وكذا البعد عن بيئتهم. و لقد نهانا الله تعالى من موالاة الكفار واتَّاذهم أولياء في قوله تعالى: (ياَ أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ ت َتَّخِذُوا الْي َهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ ب َعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ ب َعْضٍ ۚ وَمَ ن ي َت َوَلهَُّم مِِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِن ْهُمْ ۗ إِنَّ اللَََّّ لاَ ي َهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) 163. بل وحتى نهى عن موالاة الأقارب بالدم إذا اختاروا الكفر على الإيمان. فقال: (ياَ أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ ت َتَّخِذُوا آباَءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْ لِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ)164 .وقال: (لاَ تََِدُ ق َوْمًا ي ُؤْمِنُونَ باِللََِّّ وَالْي َوْمِ الآْخِرِ ي ُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَََّّ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آباَءَهُ مْ أَوْ أَب ْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانهَُمْ أَوْ عَشِيرَتَُِمْ أُولَئِكَ كَتَ بَ فيِ ق ُلُوبهِِمُ الإِْيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تََْرِي مِنْ تحَْتِهَا الأَْنهَْارُ خَالِ دِينَ فِيهَا رَضِيَ اللََُّّ عَن ْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللََِّّ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللََِّّ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) 165 .فبعد كل هذا التحذير والوعيد، ما بال المسلمون اليوم يتجاهلون هذه التعاليم الربانية ويقدمون إرضاء الكفرة على رضاء الله في مشارق الأرض ومغاربها . التوبة والإستغفار: 161 أخرجه البخاري 50) واللفظ له، ومسلم9 .) 162 الشعراء 217-220. 163 المائدة51 . 164 التوبة23 . 165 المجادلة22 .
عدد الصفحات ٤٤44 والإكثار من التوبة والإستغفار . فكثيراً م ا يشوب قل ب المؤمن غبار من النفاق وحب الدنيا. لذا عليه بالتوبة والإستغفار. فالمداومة عليهما كفيلان بتطهير القلب وتصفيته لله حتى وإن أسرف المرء وفعل ما فعل من الذنوب. قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ ب َعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَات َّب َعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ ي َلْقَوْنَ غَيًّا * إِلاَّ مَنْ تاَبَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالحًِا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَْنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَي ْئًا) 166. وصيةأخيرة أوصي نفسي وإياكم بإ خلاص النية لله، و تعهد الإيمان وإستقراره في القلب. و كذلك التوبة والإستغفار والإكثار من الأعمال الصالحة. والدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء. فهو حبل النجاة. ومن استعان بالله أعانه، ومن طلب منه الهداية هداه، ومن توكل عليه فهو حسبه، إن الله بالغ أمره . و ما الدنيا إلا أيام وتعدي بسرعة البرق. والفائز م ن أخلص فيها، وعمل وسعى، وجد واجتهد، وصدَّ ق بوعد الله ووعيده، و تاب قبل الموت توبة نصوحة ، ومات على ملة الإسلام غير مشرك بالله . نسأل الله الإخلاص والقبول وحسن الخاتمة لنا جميعاً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 166 مر59-60 .
عدد الصفحات ٤٥45 المصادر والمراجع - القرآ ن الكريم . - صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ، الطبعة الأولى، طبعة دار ابن كثير، دمشق -بيروت، ٣٢٤١ه /٢٠٠٢م. - صحيح مسلم، أبو الحسين، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ( ٦٠٢ - ١٦٢ ه )، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، ٤٧٣١ ه - ٥٥٩١ م. - موقع الدرر السنية لتخريج الأحاديث. - التفسير الميسر، نخبة من العلماء، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، المملكة العربية السعودية ، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد . - مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز.
عدد الصفحات ٤٦46
عدد الصفحات ٤٧