1 دولة ماليز وزارة التعليم العالي جامعة المدينة العالمية كلية العلوم الإسلامية قسم الحديث دراسة قضية تحت عنوان منهج الامام البخاري في قبول رواية من اتهم بالبدعة في الجامع الصحيح بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير في علوم الحديث اسم الباحث: إسماعيل كامل عياش تحت إشراف: الدكتور. منصور محمد يوسف كلية العلوم الإسلامية – قسم علوم الحديث العام الجامعي: 6341ه-سبتمبر 2162
عدد الصفحات ١2
عدد الصفحات ٢3 بسم الله الرحمن الرحي م الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وخالق الناس من طين، وباعثهم اجمعين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق، وسيد المرسلين، ومعلم الناس الخير، ودليلهم الى جنات النعيم، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين، وبعد: فان من أكرم العطايا والنعم من الله تعالى، ان خلقنا مسلمين، وخصنا ان نكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى ننهل من الخير والميزات الكثيرات التي ميز الله بها هذه الأمة، اختار لها القرآن العظيم، منهجاً ودستوراً للحياة، ومخرجاً لها من الظلمات الى النور، قال تعالى:( الر كِتَابٌ أَن ْزَلْنَاهُ إِ لَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ بِِِذْنِ رَبهِِِمْ إِلىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الحَْمِيدِ )1. وأرسل لهذه الأمة خير رسول وأشرف الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم، يبلغهم رسالة الله، ويهديه م الى الحق، ويبين لهم ما أشكل عليهم فهمه من كتاب الله عز وجل ، ويشرع لهم دينهم الذي ارتض اه لهم، فهدى الله به أمة كانت من أجهل الأمم، حتى ارتقت برسالته، وتقدمت بتعليمه، وفاقت الأمم بسنته ونهجه، صلوات ربي وسلامه عليه، فقال تعالى:( هُوَ الَّذِي ب َعَثَ فِِ الأُْمِِيِِينَ رَسُولًً مِن ْهُمْ ي َت ْلُو عَلَيْهِمْ آَياَتِهِ وَي ُزَكِِيهِمْ وَي ُعَلِِمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِْكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ ق َبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) 2. فآمن الصحابة الكرام، ودخل ا لناس فِ دين الله أفواجاً، وتعلقت قلوبهم بحب الله، وحب رسوله، وكان من نتاج ذلك الحب الطاعة، فلما أمرهم بحمل الرسالة وتبليغ الدعوة وتعليم الناس، هبوا جميعاً يتنافسون فِ ذلك، فأول ما علموا عملوا، وأول ما سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم -:( بلغوا عني ولو آية)3، وقوله :( نضَّرَ الله عبدًا سمَِع مقالتي فوعاها، فب َلَّغها مَن لََ يَسْمعها، فرُبَّ حامل فِقْه إلى مَ ن 1) سورة إبراهيم، آية 1. 2) سورة الجمعة، آية 2. 3) رواه البخاري فِ صحيحه، حديث رقم 3223.
عدد الصفحات ٣4 هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فِقْه لً فِقْهَ له)1،ضحوا بالغالي والنفيس ليبغوا دين الله، فحفظوا القرآن والسنة، وراحوا يطبقونه فِ شؤونهم ويبلغونه لغيرهم، وكذلك فعل السلف الصالح من التابعين و غير هم، الى أن وصلنا الدين ووصلنا شتى العلوم، التي انارت للأمة طريقها نحو الرفعة والسمو. ولذلك اهتم الصحابة الكرام والتابعين بالكتاب والسنة، وأقبلوا عليهما بالحفظ والفهم، فغاصوا فِ اعماق فيضهما، فلم يتركوا آية ولً حديثاً ولو كلمة منهما الً ودرسوها واخرجوا منها الفوائد والًحكام، حتى كثرت علوم الكتاب والسنة وتعددت، فمنها التفسير والحديث والفقه والسيرة والعقيدة واللغة وغيرها الكثير. فكان خير ما ينشغل به المرء دراسة تلك العلوم لتعلقها بخير معين وهو الكتاب والسنة، ومما لً شك فيه ان علوم الحديث من تلك العلوم، لذلك نجد ان جل اهل العلم اهتموا بالحديث الشريف لأنه مصدر من مصادر التشريع التي تبنى عليه الأحكام، واولوه عناية كبيرة من حيث البحث والتصنيف و التأليف، حتى بلغ الًهتمام به لدرجة التصنيف فِ احوال نقلة الحديث ودراسة اخلا قهم وطريقة النق ل والحفظ، مما لَ يتوفر فِ اي من العلوم الًخرى الدنيوية والدينية، او قد يجده البعض مغالًة فِ التدقيق والتمحيص، ولكنه حفظ الله لهذا الدين الذي يتجلى فِ كل هذه الأمور. وإننا نجد اليوم ان علم الحديث أصبح علوماً متعددة، فمن تلك العلوم ما اهتم بمتون الحديث، ومنها ما اهتم بِسناد الحديث، وكذا علم الجرح والتعديل، وعلم معرفة الحديث الصحيح من الضعيف، والمقبول من الأحاديث وما هو مردود، وكذلك علم شرح الأحاديث، او شرح غريب الفا ظ الأحاديث، وغيرها. ونحن فِ هذا البحث المتواضع بصدد دراسة "منهج الًمام البخاري فِ قبول رواية من اتهم بالبدعة فِ الجامع الصحيح"، كقضية مهمة، اهتم أهل العلم بموضوعها وهو رواية أهل الحديث عمن رمي بالبدعة أو أهل البدع وروايتهم لحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ولكن لَ أقف على مبحث او مؤلف 1 ) رواه ابن ماجه فِ سننه، حديث رقم 232.
عدد الصفحات ٤5 خاص بهذه القضية عند اهل العلم الأقدمين، بل ذكروها وتكلموا فيها ضمن حديثهم عن جر ح الرواة وتعديلهم. اما عند المتأخرين فيوجد عدد من الًبحاث التي تجمع شتات ما بعثر فِ كتب الًقدمين، اهتمت هذه الًبحاث فِ الحديث عن البدعة وأثرها فِ رواية الحديث، ومنهج اهل الحديث فِ التعامل مع المبتدعة ورواياتهم، ومن تلك الًبحاث: - البدعة وأثرها فِ الدراية والرواية، للدكتور عا ئض القرني، رسالة ماجستير من جامعة الًمام بن سعود، وقد كانت اول دراسة فِ الموضوع. - البدعة عند علماء الحديث وأثرها فِ الرواية ، لعلي أحمد عبد الباقي، رسالة ماجستير من جامع ة الًزهر، 1121ه - حكم رواية المبتدع، لإبراهيم بن عبدالله الحازمي، 1113ه - الًحتجاج بر واية أهل البدع بين أهل العلم المتقدمين والمتأخرين، لأحمد بن محمد منسي السيد، جمع فيه المؤلف أقوال اهل العلم المتقدمين ومذاهبهم فِ قبول و رد رواية المبتدعة ووضح الخلاف فِ ذلك ولجأ الى ترجيح مناسب للأقوال. - حكم رواية الفاسق والمبتدع ، للدكتور خالد القريوتي ، 1121ه أما فيما يتعلق بعنوان بحثي فقد وجدت دراسة واحدة تناقش هذا الموضوع وهي وحيدة فِ تخصيصها الحديث عن منهج الًمام البخاري فِ صحيحه فِ قبول رواية من اتهم بالبدعة وهي : - منهج البخاري فِ قبول رواية من اتهم بالبدعة، رسالة ماجستير ، لأندونيسيا بنت خالد حسون، سنة 1121ه، ويعد هذا البحث عدد من البحوث، فِ ترجمة البخاري، وفِ الحديث عن صحيحه، وعن البدعة ومنهج اهل الحديث فِ قبول رواية المبتدعة، ويقع البحث فِ 1131 صفحة، وأنكر انني اعتمدت على هذا البحث كثيراً وعزوت اليه.
عدد الصفحات ٥6 ملخص منهج البحث الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبع منهجه الى يوم الدين، اما بعد: فهذا بحث لقضية غاية فِ الأهمية، وهي بيان احوال الرواة الذين اتهموا بالبدعة فِ صحيح الًمام البخاري، الذي لَ يدخر اعداء السنة أي جهد للطعن فِ سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الطعن فِ كتب السنة ومنها صحيح البخاري ، ومن خلال الدراسات المتكررة التي تبين احوال الرواة نستطيع الرد على هؤلًء. عنوان هذا البحث (منهج الًمام البخاري فِ قبول رواية من اتهم بالبد عة فِ الجامع صحيح) مقدم كبحث تكميلي للحصول على درجة الماجستير، وخطتي فِ هذا البحث على النحو التالي: 1-المقدمة وملخص البحث. 2-الباب الأول: التعريف بالإمام البخاري ونبذه عن كتابه الجامع الصحيح : وفيه فصلان: - الفصل الاول: ترجمة للإمام البخاري. - الفصل الثاني: التعريف بالجامع الصحيح. 4-الباب الثا البدعة والرواية عن أهلها، وفيه فصلان: -الفصل الأول: تعريف البدعة وأقسامها وحكمه. - الفصل الثاني: بيان حكم البدعة ومنهج العلماء في قبول روايتهم. 3-الباب الثالث منهج البخاري في قبول رواية من اتهم بالبدعة. -الفصل الأول: منهج الامام البخاري في قبول رواية المبتدعة في الجامع الصحيح. -الفصل الثاني: بيان أحوال الرواة المتهمين بالبدعة في الصحيح.
عدد الصفحات ٦7 شكر وامتنان أولًً أحمد الله عزوجل حمد الشاكرين، فله الحمد كله وله الشكر كله، واليه يرج ع الًمر كله علانيته وسره، أشكره سبحانه أن يسر لي أمورا كثيرة أعانتني على إتمام هذا البحث. ثانياً: قال صلى الله عليه وسلم: (لً يشكر الله من لً يشكر الناس)، رواه ابوداود، والترمذي، وقال حديث حسن صحيح. ومن هذا المنطلق فإنني أشكر وأقدم باقات الشكر لكل من أعانني وكان له فضل علي لإتمام هذا البحث، ابتداءً من فضيلة الدكتور منصور محمد يوسف المشرف على هذا البحث المتواضع، او لجنة المناقشة الكرام من الأساتذة الًفاضل الذي ضحوا بأوقاتهم لأجل مناقشة هذا البحث وابداء النصح والتو جيه، والى الجامعة هذا الصرح العلمي الكبير الذي وفر سبل المسا عدة الكثيرة التي أعانتني على إتمام هذا البحث. كما اشكر زوجتي واهل بيتي الذين وقفوا معي وساندوني حتى اتممت هذا البحث. ولً أحب ان أغفل أي أحد من الشكر ولكن اسأل الله ان يعينني على شكرهم جميعاً، وابلغ الشكر الدعاء بان يجزيهم الله عني خير الجزاء. وصلى الله وبارك على سيدنا محمد و على آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٧8 البابالأول: التعريف بالإمام البخاري ونبذه عن كتابه الجامع الصحيح. الفصل الأول: التعريف بالإمام البخاري. نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن ب َرْدِزْبَه الجعفي. فجده ب َرْدِزبَه ضبط اسمه بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الزاي وفتح الباء الموحدة بعدها هاء، قال الحافظ ابن حجر: "هذا هو المشهور فِ ضبطه، وبردزبه فِ الفارسية الزارع كذا يقول أهل بخارى، وك ان بر دزبه فارسيا على دين قومه ". وجده المغيرة بن بردزبه أسلم على يدَي يمان البخاري والي بخارى ويمان جعفي فنسب إليه لأنه مولًه من فوق، عملاً بمذهب من يرى أن من أسلم على يدي شخص كان ولًؤه له. وجدُّه إبراهيم، قال الحافظ ابن حجر: إنَّه لَ يقف على شيء من أخباره. وأبوه إسماعيل ترجم له ابن حبان فِ الثقات، وقال: إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري يروي عن حماد بن زيد ومالك، وروى عنه العراقيون .1) وترجم له الحافظ فِ (تهذيب التهذيب ) وفِ (هدي الساري مقدمة فتح الباري) حيث استقيت هذه الترجمة منه. متى وأين ولد؟: ولد يوم الجمعة بعد الصلاة، لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخارَى.2) نشأته وبدؤه طلب العلم: توفِ والده وهو صغير، فنشأ فِ حجر أمه، وأقبل على طلب العلم منذ الصغر، وقد تحدث عن نفسه 1) ) العسقلاني، الحافظ ابن حجر، هدي الساري مقدمة صحيح البخاري، طبعة دار السلام بالرياض، تحقيق الأستاذ محمد 1( عبد الباقي، ص336. (2) العسقلاني، مرجع سابق، ص 336.
عدد الصفحات ٨9 فيما ذكره الفربري عن محمد بن أبي حاتم ورَّاق البخاري قال: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا فِ الكتَّاب، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل...، إلى أن قال: فلما طعنت فِ ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلًء يعني أصحاب الرأي ، قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج، فلما طعنت فِ ثمان عشرة سنة صنفت كتاب (قضايا الصحابة والتابعين)، ثم صنفت (التاريخ بالمدينة) عند قبر النبي ، وكنت أكتبه فِ ال ليالي المقمرة، قال: وقلَّ اسم فِ التاريخ إلًَّ وله عندي قصة، إلً أني كرهت أن يطول الكتاب. 1) رحلته في طلب العلم وسماعه الحديث : وَحُبِِبَ إليه العلم، فبدأ بطلب الحديث وحفظه وهو صبي فحفظ حديث بلدته، ثم قرأ كتب ابن المبارك وقد طعن فِ السادسة عشرة، فرحل فِ هذه السن إلى الحجاز، ومكث ست سنوات يطلب الحديث فِ الحجاز؛ ثم ت َن َقَّلَ فِ البلدان، فدخل الشام ومصر والجزيرة وبلاد العراق 2). شُيُوخُ البُخَارِي: للإمام البخاري كثير من الشيوخ، لأنه رحل لطلب العلم وسافر ونزل الًمصار، لذلك فان شيوخه الذين روى عنهم كثر وقد كَ تب عن شيوخ تلك البلاد حتى كثر عددهم 3) وكان فيهم جملة وافرة ممن تقدم سماعه وعلا إسناده. ذ كر منهم الحاكم ما يقارب التسعين وسمع أئمة عصره . وَعَ ن محَُمَّد بن أبي حَاتمِ حدث عن البخاري قَائلاً كتبت عَن ألف وَثمََانِينَ نفسا لَيْسَ فيهم إِلًَّ صَاحب حَدِيث وَقَالَ أَيْضا لَ أكتب إِلًَّ عَمَّن قَالَ الإِْيمَان قَول وَعمل قلت –هنا الكلام للحافظ ابن حجر-وينحصرون فِِ خمس طَب َقَات: الطَّب َقَة الأولى: من حَدثهُ عَن التَّابِعين مثل محَُمَّد بن عبد الله الأْنْصَارِيِ حَدثهُ عَن حميد وَمثل مكي بن إِب ْرَاهِيم حَدثهُ عَن يزِيد بن أبي عبيد وَمثل أبي عَاصِم النَّبِيل حَدثهُ عَن يزِيد بن أبي عبيد أَيْضا وَمثل عبيد الله بن مُوسَى حَدثهُ عَن إِسمَْاعِيل بن أبي خَالِد وَمثل أبي نعيم حَدثهُ عَن الأَْعْمَش وَمثل خَلاد بن يحيى حَدثهُ عَن عِيسَى بن طهْمَان وَمثل على بن عَيَّاش و عصام بن خَالِد حَدَّثاَهُ عَن حريز بن عُثْمَان .371-336العسقلاني، مرجع سابق، ص 1) (2) البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب،تاريخ بغداد، ط 1، دار الكتب العلمية بيروت1117ه ، ج2 ص3،7. (3) البغدادي، مرجع سابق، ج 2، ص3،7.
عدد الصفحات ٩10 وشيوخ هَؤُلًَءِ كلهم من التَّابِعين. الطَّب َقَة الثَّانِيَة من كَانَ فِِ عصر هَؤُلًَءِ لَكِن لَ يسمع من ثِقَات التَّابِعين كآدم بن أبي إِياَس وَأبي مسْهر عبد الأَْعْلَى بن مسْهر وَسَعِيد بن أبي مَرْيََ وَأَيوب بن سُلَيْمَان بن بِلاَل وأمثالهم الطَّب َقَة الثَّالِثَة هِيَ الْوُسْطَى من مشايخه وهم من لَ يلق التَّابِعين بل أَخذ عَن كبار تبع الأتباع كسليمان بن حَرْب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حمََّاد وَعلي بن الْمَدِينيِِ وَيحيى بن معِين وَأَحمَْدَ بْنِ حَن ْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْةِ وَأَبيِ بكر وَعُثْمَان ابْني أبي شيبَة وأمثال هَؤُلًَءِ وَهَذِه الطَّب َقَة قد شَاركهُ مُسلم فِِ الأَْخْذ عَن ْهُم الطَّب َقَة الرَّابِعَة رفقاؤه فِِ الطِلب وَمن سمع قبله قَلِيلا كمحمد بن يحيى الذهلي وَأبي حَاتمِ الرَّازِيِ وَمحَُ مِد بن عبد الرَّحِيم صَاعِقَة وَعبد بن حميد وَأحمد بن النَّضر وَجمََاعَة من نظرائهم وَإِنَََّّا يخرج عَن هَؤُلًَءِ مَا فَاتَهُ عَن مشايخه أَو مَا لَ يجده عِنْد غَيرهم الطَّب َقَة الخَْامِسَة قوم فِِ عداد طلبته فِِ السن والإسناد سمع مِن ْهُم للفائدة كَعبد الله بن حمََّاد اململي وَعبد الله بن أبي الْعَاصِ الخَْوَارِزْمِيِ وحسين بن محَُمَّد القباني وَغَيرهم وَقد روى عَن ْهُم أَشْيَاء يسيرَة وَعمل فِِ الرِِوَايَة عَن ْهُم بمَِا روى عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع قَالَ لًَ يكون الرجل عَالما حَتىَّ يحدث عَمَّن هُوَ ف َوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه وَعَن البُخَارِيِ أَنه قَالَ لًَ يكون الْمُحدث كَامِلا حَتىَّ يكْتب عَمَّن هُوَ ف َوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه.1) ذكاؤه وقوة حفظه: لقد ضرب المثل فِ قوة ذكاء وحفظ الًمام البخاري لذلك تعددت الروايات فِ ذلك، وقد ذكر عنه المطلعون على حاله ما يتعجب منه الأذكياء ذوو الحفظ والإتقان فضلا عمن سواهم، فقد قال عنه أبو بكر الكلوذاني: ((ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، كان يأخذ الكتاب من العلم فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الحديث من مرة واحدة)).2) (1) العسقلاني، مرجع سابق، ص 371،371. (2) الذهبي، شمس الدينمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، تذكرة الحفاظ، طبعة دائرة المعارف العثمانية، 1371ه ، ج2، ص113.
عدد الصفحات ١٠11 وقال محمد بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: تحفظ جميع ما أدخلته المصنف؟ قال: ((لً يخفى عليَّ جميع ما فيه)).1) وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول ((أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح)).2) وَقَالَ محَُم دُ بنُ أَبيِ حَاتمٍِ الوَرَّاقُ: سمَِعْتُ حَاشِدَ بنَ إِسمَْاعِيْلَ وَآخَرَ ي َقُوْلًَنِ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ يخَْتلِفُ مَعَنَا إِلىَ مَشَايِخِ البَصْرَةِ وَهُوَ غُلاَمٌ، فَلاَ يَكْتُبُ، حَتىَّ أَتَى عَلَى ذَلِكَ أَياَّمٍ، فكنَّا ن َقُوْل لَ هُ: إِنَّك تختلفُ معنَا ولًَ تَكْتُبُ، فَمَا تصنَعُ؟ ف َقَالَ لَنَا ي َوْماً ب َعْد ستَّةَ عشرَ ي َوْماً: إِنَّكمَا قَدْ أَكْث َرْتمَُا عَلَيَّ وَأَلحْحتُمَا، فَاعْرِضَا عَلَيَّ مَا كَت َب ْتُمَا. فَأَخْرجْنَا إِلَيْهِ مَا كَانَ عِنْدناَ، ف َزَادَ عَلَى خمَْسَةَ عَشَرَ أَلفِ حَدِيْثٍ، فَقرأَهَا كُلَّهَا عَنْ ظَهرِ القَلْبِ ، حَتىَّ جَعَلنَا نحُْكِمُ كُت ُب َنَا مِنْ حِفْظِهِ 3). ولعل من أعجب ما نقل عنه فِ ذلك ما قاله الحافظ أبو أحمد بن عدي كما فِ (تاريخ بغداد و(وفيات الأعيان) وغيرهما : سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمداً أن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجل س أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين، فلما اطمأنَّ المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لً أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لً أعرفه، فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لً أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة وسأله كما سأله الأول والبخاري فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأوِل منهم فقال: أما حديثك الأول فقلت: كذا، وصوابه كذا، 1) الذهبي، شمس الدينمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، سير اعلام النبلاء، طبعة الرسالة، ج 12، ص121. (2) الذهبي، مرجع سابق، ج 12، ص111. (3) الذهبي، مرجع سابق، ج 12، ص114.
عدد الصفحات ١١12 وحديثك الثاني قلت: كذا، وصوابه كذا، والثالث والرابع على الو لًء حتى أتى على تمام العشرة، ف رد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل باملخرين مثل ذلك وردَّ متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقرَّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.1) فلا غرابة حقاً عندما ينقل ذلك عن الًمام البخاري ان يتعجب السامع منه، ولأجل هذا الًصطفاء م ن الله سبحانه وضع له القبول فِ الأرض واجمعت الًمة بقبول كتبه. نماذج من ثناء الناس عليه: لقد أنصف الناسُ الًمامَ البخاري، سواءً شيوخ البخاري او أقرانه او تلاميذه، وتحدثوا عنه بما هو أهل له، وحتى من جاء بعدهم ممن وصله علم البخاري وعرف فضله. ولعل من تتبع ترجمة الًمام البخاري فِ كتب التراجم وغيرها يجد أن كثير من أهل العلم قد أثنوا على البخاري واهتموا بترجمة سيرته ونقلها فِ كتبهم وسنذكر هنا ان شاء الله بعضاً من أقوالهم فيه: قال أبو عيسى الترمذي: ((كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فقال له لما قام: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة، فاستجاب الله تعالى له فيه))2). ويقول الإمام البخاري ((كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: بين لنا غلط شعبة))3). وقال محمد بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: سمعت يحيى بن جعفر البيكندي يقول((لو قدرت أن أزيد من عمري فِ عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم))4). وقال إمام الأئمة ابن خزيمة ((ما رأيت تحت أديَ السماء أعلم بحديث رسول الله ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري) )5). وقال أحمد بن حنبل((ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل))، ولما بلغ عليِ بن المديني قولُ 1) الذهبي، مرجع سابق، ج 12، ص116. (2) الذهبي، مرجع سابق، ج 12، ص133.وذكرها ابن كثير فِ البداية والنهاية، طبعة احياء دار التراث، ج 11، ص32. (3) العسقلاني، مرجع سابق، ص 371. (4) العسقلاني، مرجع سابق، ص 377. (5) ابن كثير، ابي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، طبعة احياء دار التراث، ج11، ص32.
عدد الصفحات ١٢13 البخاري ((ما استصغرت نفسي عند أحد إلًَّ عند عليِ ابن المديني))، قال لمن أخبره: ((دع قوله، ما رأى مثل نفسه))1). وقال الحافظ ابن كثير فِ كتابه (البداية والنهاية ((هو إمام أهل الحديث فِ زمانه، والمقتدى به فِ أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه) )، وقال: ((وقد كان البخاري والورع والزهد فِ الدنيا دار الفناء، والرغبة فِ املخرة دار البقاء))2). وعن الفربري قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فِ النوم، فقال: أين تريد؟ قلت: محمد بن إسماعيل البخاري. قال: اقرئه مني السلام ))3) وهذا بعض مما قيل فِ الًمام البخاري رضي الله عنه، فقد قيل عنه الكثير رحمة الله. مصنفاته: للإمام البخاري كثير من المؤلفات التي أثرى بها علم الحديث وفنونه المتعددة، وأشهر وأعظم تلك المؤلفات كتابه (الجامع الصحيح) الذي هو أصح الكتب المصنفة فِ الحديث النبوي. ومنها: (الأدب المفرد)، و(رفع اليدين فِ الصلاة)، و(القراءة خلف الإمام)، و(بر الوالدين)، و(التأريخ الكبير) و(الأوسط) و(الصغير)، و(خلق أفعال العباد)، و(الضعفاء)، و(الجامع الكبير)، و(المسند الكبير)، و(التفسير الكبير)، و(كتاب الأشربة)، و(كتاب الهبة)، و(أسامي ال صحابة)، إلى غير ذلك من مؤلفاته الكثيرة التي أو رد كثيراً منها الحافظ ابن حجر فِ الهدي الساري مقدمة فتح الباري. عناية العلماء بترجمته ونقل أخباره : لقد عني العلماء والمؤرخون بنقل ترجمة للإمام البخاري فِ كتبهم، فلا يكاد يخلوا كتاب مختص ب ذلك الً وتزين ترجمة الًمام البخاري أوراقه، وذلك يبدو جلياً وواضحاً أنه ليس من فراغ، بل انه بسبب ما قدمه الًمام البخاري للمكتبة الحديثية والفقهية من تراث عظيم حرص كل الحرص على حماية السنة ان تصل سليمة للأجيال، وقد اختار الله سبحانه الًمام البخاري لكي يكون الفارس القدوة لكل فرسان الحديث، 1) العسقلاني،مرجع سابق، ص 371. (2) ابن كثير، مرجع سابق، ج 11، ص32. (3) البغدادي، مرجع سابق، ج 2، ص11. وفِ تهذيب الكمال، للمزي ، يوسف بن عبد الرحمن ت 712ه، طبعة الرسالة، 1111ه،ج21، ص111.
عدد الصفحات ١٣14 الذين قدموا للدين خدمة كبيرة . فهذا الحافظ الذهبي يترجم له فِ (تذكرة الحفاظ) ويقول بعد نقل شيء من مناقبه قلت: ((قد أفردت مناقب هذا الإمام فِ جزء ضخم فيه العجب))1) وهذا الحافظ ابن ح جر يترجم له فِ (تهذيب التهذيب)، و يترجم له أيضاً فِ آخر كتابه هدي الساري مقدمة فتح الباري، ونقل شيئاً من ثناء مشايخه وأقرانه عليه. ثم قال: ((ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخِر عن عصره لفني القرطاس ونفدت الأنفاس، فذاك بحر لً ساحل له))2). وذكره الحافظ ابن كثير فِ تاريخه (البداية والنهاية) فِ أعيان سنة ست وخمسين ومائتين وقال ((وقد ذكرنا له ترجمة حافلة فِ أوِل شرحنا لصحيحه، ولنذكر ههنا نبذة يسيرة من ذلك:))3) فذكرها فِ ثلاث صفحات. وقد أعجبت بفضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن حمد العباد البدر، عندما ترجم للإمام البخاري فِ كتابه (عشرون حديثا من أحاديث البخاري) وضع جدولًً يوضح بعض الكتب المطبوعة التي اشتملت على ترجم ة للإمام البخاري ، وتسمية مؤلفيها، مع ذكر تاريخ وفياتهم، وعدد صفحات الترجمة وتعيينها من كل كتاب، ليكون لكل من يرغب الوقوف على أخبار البخاري على علم بمظانها، كما يدرك من ذلك أيضاً المطول منها والمختصر وذلك فيما يلي: 1) الذهبي، شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان قايزمار، تذكرة الحفاظ، طبعة دار الكتب العلمية، 1116ه ، ج2، ص111 (2) العسقلاني، مرجع سابق، ص 377. (3) ابن كثير، مرجع سابق، ج 11، ص32.
عدد الصفحات ١٤15 المؤلف وتاريخ وفاته اسم الكتاب عدد صفحات الترجمة الصفحة الأولى الجزء تاريخ الطبع ومكانه (1) الخطيب البغدادي133ه (2) القاضي محمد بن أبي يعلى123ه (3) ابن خلكان341ه (1 )الحافظ الذه714ه (1) ابن السبكي771ه (3) ابن كث 771ه (7) ابن حجر العسق412ه (4) ابن حجر العسق412ه (6) العليمي الحنبلي624ه (11) ابن العماد الحنبلي1146ه (11) صديق حسن خان1317ه تاريخ بغداد طبقات الحنابلة وفيات الأعيان تذكرة الحفاظ طبقات الشافعية الكبرى البداية والنهاية هدي الساري تهذيب التهذيب المنهج الأحمد شذرات الذهب التاج المكلل 31 6 3 2 14 3 17 6 1 2 3 1 271 326 131 2 21 211 17 133 131 113 2 1 3 2 2 11 2 6 1 2 1 مصر1316ه مطبعة السنة المحمدية بمصر 1337ه مصر فِ حيدر أباد بالهند 1321ه مصر مطبعة السعادة بمصر 1343ه مصر 1323 حيدر أباد 1343ه مصر 1311ه مصر 1342ه الهند
عدد الصفحات ١٥16 وفاته ومدة عمره: قَالَ ابْنُ عَدِيٍِ: سمَِعْتُ عَبْدَ القدُّوسِ بنَ عَبْدِ الجبَّارِ السَّمَرْقنديَّ ي َقُوْلُ: جَاءَ محَُمَّدُ بنُ إِسمَْاعِيْلَ إِلىَ خَرْت َنْك -ق َرْيَةٌ عَلَى ف َرْسَخينِْ مِنْ سمََرْق َنْد -وَكَانَ لَهُ بهَِا أَقرباَء، ف َن َزَلَ عِنْدَهُم، فسَمِعْتُهُ لَي ْلَةً يدعُو وَقَدْ فرغَ مِنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عليَّ الأَرْضُ بمَِا رَحُبَتْ، فَاقبضنيِ إِلَيْكَ، فَمَا تمَّ الشَّ هْرُ حَتىَّ مَاتَ، وَقبرُهُ بخَِرْت َنْك1). توليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين 2). ومدة عمره اثنتان وست ون سنة إلًَّ ثلاثة عشر يوماً، رحمة الله تعالى. قال الحافظ ابن كثير فِ كتابه (البداية والنهاية): وقد تر ك بعده علماً نافعاً لجميع المسلمين، فعلمه لَ ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات فِ الحياة، وقد قال رسول الله: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به......))3) الحديث رواه مسلم 1) الذهبي، مرجع سابق سير اعلام النبلاء، ج 12، ص133. (2) البغدادي، تاريخ بغداد، مرجع سابق، ج 2، ص33. (3) ابن كثير، مرجع سابق، ج 11، ص32.
عدد الصفحات ١٦