المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تعقبات الحافظ الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال على الإمام ابن حبان في جرح الرواة وتعديلهم

محمد عودة الحوري

صفحة ٢ من ٤

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 294 - قال ابن حجر: "قال ابن حزم مجهول، وردّ ذلك عليه عبد الحقّ، وقال: بل هو ثقة مشهور. والحديث الذي رواه في القصر صحيح، وتناقض فيه ابن حبّان؛ فقال في الضعفاء: يروي عن الثّقات ما لا يشبه حديث الأثبات؛ فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثّقات، وردّه الذّهبيّ بأن العبرة بتوثيق يحيى"(150). قلت: وحسّن له الدّارقطنيّ(151)، وصحّح له البيهقيّ(152)، وعليه فالصّواب فيه توثيق ابن معين، لا تجريح ابن حبّان كما قال الذّهبيّ، والله أعلم. رابعاً: عمر بن عبد الله الرومي: ذكره ابن حبّان في كتابيه: قال في الثّقات: "... من أهل الْبَصْرَة، يروي عَن الْحسن وَقَتَادَة، روى عَنهُ التَّبُوذَكِي وقتيبة بْن سعيد"(153). وقال فيالمجروحين: "... شيخ يروي عَن شريك، يقلب الأَْخْبَار، وَيَأْتِي عَن الثّقات بِمَا لَيْسَ من أَحَادِيثهم، لاَ يَجُوز الاِحْتِجَ اج بِهِ بِحَال، رَوَى عَنْ شَرِيكِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَ لَّ ى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا فَمَنْ أَرَادَ الْحِكْمَةَ فَلْيَأْتِهَا مِنْ بَابِهَا" (154). رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، وَهَذَا خَبَرٌ لاَ أصل لَهُ عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، وَلا شَرِيكٌ حَدَّثَ بِهِ وَلا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ رَوَاهُ، وَلا الصُّنَابِحِيُّ أَسْنَدَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا الشَّيْخَ بَلَغَهُ حَدِيثَ أَبِي الصَّلْتِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَحَفِظَهُ ثُمَّ أَقْلَبَهُ على شريك، وَحدث بِهَذَا الإِْسْنَاد"(155). وتابعه ابن الجوزي (156) قال الذّهبيّ: "عن شريك، كذا قال ابن حبّان فوهم، وقال: يأتي عن الثّقات بما ليس من حديثهم. قلت: بل الرّاوي عن شريك هو محمد بن عمر الرّوميّ، وهو ولد المذكور، فأمّا الأب فثقة. حدّث عنه قتيبة بن سعيد، والكبار"(157). وذكر هذا التعقّب في المغنيّ وتاريخ الإس لام(158). ولم يستدرك في ديوان الضّعفاء فقال: "عمر بن عبد الله الروميّ: عن شريك، جرّحه ابن حبان"(159). قلت: وهو عينه تعقّب الدّارقطنيّ على ابن حبّان، قال: "قَول أبي حَاتِم هَاهُنَا: عمر بْن عَبْد اللَّهِ الرُّومِي، إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عمر الرُّومِي، الَّذِي روى عَنهُ أَبُو مُسلم، ونظراؤه، وَأَبوهُ عمر بْن عَبْد اللَّهِ ثِقَة، حدث عَنهُ قُتَيْبَة بْن سعيد، والأكابر، يحدث عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة. وَأَبُو عَبْد اللَّهِ الرُّومِي، حدّث عَنهُ حَمَّاد بْن زيد، وَهُوَ ثِقَة" (160) . قلت: وا بنه محمد ذكره ابن حبّان في الثّقات فحسب (161). وسئل أَبُو دَاوُدَ عَن عُمَر بْن عَبْد اللَّهِ الرُّوميِّ فَقَالَ: "جيّد الْحَدِيث(162). وهذا يؤكد قول الدّارقطنيّ والذّهبيّ في توثيق عمر خامساً: يونس بن أبى الفرات الإسكاف : قال ابن حبّان: "... مولى لقريش، يَرْوِ ي عَن سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَقَتَادَة، روى عَنهُ هِشَام الدستوَائيّ ومخرمة بن بكير، مُنكر الحَدِيث عَلَى قلَّة رِوَايَته، لاَ يَجُوز الاِحْتِجَاج بِهِ لغَلَبَة الْمَنَاكِير فِي حَدِيثه " (163). ولم يتابعه إلا ابن الجوزي (164). قال الذّهبيّبصري... وثقه أحمد وغيره. وقال ابن حبّان: لا يجوز أن يحتج به لغلبة المناكير في حديثه. قلت: بل الاحتجاج به واجب؛ لثقته"(165). وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو داود والنَّسائيّ: ثقة(166). قلت: فلا يوافق ابن حبّان إلا على قوله "قليل الرواية"، فليس له في الكتب الستة إلا حديث واحد، وأشار ابن سعد إلى قلّة روايته، فقال: له أحاديث(167)، والله أعلم المطلب الثالث: التّعقبات التي ظهر أنّها موضع للنّقاش: أولاً: سويد بن إبراهيم البصريّ العطّار، أبو حاتم صاحب الطّعام:

عدد الصفحات ١٠

ابن سعد إلى قلّة روايته، فقال: له أحاديث(167)، والله أعلم المطلب الثالث: التّعقبات التي ظهر أنّها موضع للنّقاش: أولاً: سويد بن إبراهيم البصريّ العطّار، أبو حاتم صاحب الطّعام: قال ابن حبّان: "...صاحب الطّعام، من أهل البصرة، يروي عن قتادة، روى عنه صف وان بن عيسى والبصريّون، يروي الموضوعات عن الأثبات، وهو صاحب حديث البرغوث، روى عن قتادة، عن أنس، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمع رجلاً يسبّ برغوثاً، فقال: "لا تسبّه؛ فإنّه نبّه نبيّاً من الأنبياء لصلاة الصّبح" (168)... وقد كان يحيى بن معين يضجع(169) القول فيه، وفيما حدثني أبو يعلى قال: سألت يحيى بن معين عن سويد أبى حاتم، صاحب الطّعام، فقال: ليس به بأس "(170). قال الذّهبيّ "...عن ابن معين: أرجو ألاّ يكون به بأس... وقال النسائيّ: ضعيف. وقال أبو زرعة: ليس بالقويّ، حديثه حديث أهل الصّدق... وساق ابن عدي في ترجمته أربعة عشر حديثاً، ثم قال: بعضها لا يتابعه عليها أحد، وهو إلى الضّعف أقرب. وقال ابن حبّان - فأسرف: يروي الموضوعات عن ا لأثبات، وهو صاحب حديث البرغوث... وقال ابن أبي حاتم - في العلل: سألت أبي عن حديث سويد بن أبي حاتم، عن سليمان التميميّ، عن أبي عثمان أنّ أبا هريرة قال: "مَن قرأ يس مرّة، فكأنّما قرأ

عدد الصفحات ١٠

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 295 - القرآن عشر مرار (171)- فقال: هذا حديث منكر(172). وتابعه ابن حجر فقالصدوق، سيّء الحفظ، له أغلاط، وقد أفحش ابن حبّان فيه القول" (173). قال ابن عدي "وهذه الأحاديث، عن مُحَمد بن عَمْرو، ليست بمحفوظة، ولسويد غير ما ذكرت من الحديث عن قتادة وعن غيره، بعضها مستقيمة، وبعضها لا يتابعه أحد عليها، وا نّ ما يخلّط على قتادة، ويأتي بأحاديث عنه لا يأتي به أحد عنه غيره، وَهو إلى الضّعف أقرب"(174). "قال السّاجي: فيه ضعف، حدّث عن قتادة بحديث منكر، وقال العقيليّ: قال أبو سلمة لم يكن بالصافيّ، وقال محمد بن المثنى: ما سمعت ابن مهديّ يحدث عنه، وقال ابن المدينيّ: ذاكرت يحيى بحديثه، فقال: هات غير ذا" (175). قال العقيليّ: "ولا يصح في البراغيث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيء"(176). وذكره ابن الجوزيّ لكلام ابن حبّان فيه(177) . قلت: إذا حملنا قول ابن حبّان "يروي الموضوعات" على أنّه يتعمد فعل ذلك فالتعقّب عليه وارد، وا ذا حملنا قوله على وصف له؛ بأنّ هناك أحاديث موضوعة وض عها غيره، وهو رواها فهذا متجه، وهو الظاهر من عبارته، ويؤيده كلام غيره من العلماء لكن عباراتهم أخف وأوضح، كعبارة ابن عدي، والله أعلم. ثانياً: سويد بن عمرو الكلبي، أبو الوليد، كوفي: قال ابن حبّان: "... يَرْوِي عَن حَمَّاد بْن سَلمَة وَأهل الْعرَاق، روى عَنْ هُ أَبُو كريب، مَات سنة ثَلاث وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ يقلب الأَْسَانِيد، وَيَضَع عَلَى الأَْسَانِيد الصِّحَاح الْمُتُون الْوَاهِيَة، لاَ يَجُوز الاِحْتِجَاج بِهِ بِحَال، رَوَى عَنْ حَمَّ ادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَ بِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، قَالَ: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا؛ عَسَى أن يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا. وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا؛ عَسَى أن يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا" (178). حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلاَ من حَدِيث ابن سِيرِينَ، وَلا مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، وَلا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ؛ وَا ِنَّمَا هُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْ هُ فَقَطْ؛ وَقَدْ رَفَعَهُ عَنْ عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ خَطَأٌ فَاحش" (179). ووافقه في الحكم على هذا الحديث الدارقطني، فقال: " وَلاَ يَصِحُّ رَفْعُهُ. وَالصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا" (180). وابن يونس، فقال "هذا خطأ، والصحيح عن علي من قوله"(181) . قال الذّهبيّ: "وثقه ابن معين، وغيره. وأمّا ابن حبّان فأسرف واجترأ فقال: كان يُ قلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية. أبو كري ب، عنه، عن حماد، عن أيوب وهشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة بحديث: أحبب حبيبك هونا ما. وا نما هذا من قول عليّ. قال العجليّ: كوفيّ ثبت، وكان صالحاً متعبداً" (182). وقال:" صويلح، اتهمه ابن حبّان بالوضع فبالغ"(183). ووافقه ابن حجر فقال: "أفحش ابن حبّان القول فيه، ولم يأت بدليل"(184) وقال الحاكم: "قد ذكره مسلم في الشواهد، وقد غمز بأحاديث أشنعها حديثه عن حماد بن سلمة، عن أيوب وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة مسنداً "أحبب حبيبك هوناً ما"، واستشهاد مسلم به في حديث يوافق الثّقات فيه"(185). وذكره ابن الجوزي تبعاً لابن حبّان(186). قلت: نعم، عبارة ابن حبّان فيها مبالغة؛ من حيث الاطلاق وعدم التقييد، ولكن لا يسلّم لابن حجر قوله "ولم يأت بدليل"، فإن

عدد الصفحات ١١

الثّقات فيه"(185). وذكره ابن الجوزي تبعاً لابن حبّان(186). قلت: نعم، عبارة ابن حبّان فيها مبالغة؛ من حيث الاطلاق وعدم التقييد، ولكن لا يسلّم لابن حجر قوله "ولم يأت بدليل"، فإن الحديث الذي ساقه ابن حبّان يعدّ دليلاً على رفعه الموقوف، وهو صورة من قلبه الأسانيد، لذا عبر الدّارقطني بقوله: ولا يصحّ رفعه. وأما قول ابن حبّ ان: " َيَضَع عَلَى الأَْسَانِيد الصِّحَاح الْمُتُون الْوَاهِيَة "، فلم يرد به أنّه يتعمد ذلك، وا لا لوصفه بالكذب، لكنّه من الخطأ الفاحش كما قال، والله أعلم. ثالثاً: شهَاب بْن خرَاش بْن حَوْشَب الحوشبيّ الشَّيْبَانِيّ : قال ابن حبّان: "... كنيته أَبُو الصَّلْت، يَرْوِي عَن مُحَمَّد بْن زِيَاد وَالثَّوْري، روى عَنْهُ يَزِيد بْن وهب وقتيبة بْن سَعِيد، كَانَ رجلاً صَالحاً، وَكَانَ مِمَّن يخطىء كثيراً؛ حَتَّى خرج عَن حدّ الاِحْتِجَاج بِهِ إِلاَّ عِنْدَ الاِعْتِبَار، رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْ نِ زِيَادٍ، عَنْ أَ بِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا ابْتَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلا كَانَ فِي أُمَّتِهِ مُرْجِئَةٌ وَقَدَرِيَّةٌ، يُشَوِّشُونَ عَلَيْهِ أَمْرَ أمته بعد ، أَلا وَا ِنَّ الْقَدَرِيَّةَ وَالْمُرْجِئَةَ مَلْ عُونُونَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا، أَنَا آخِرُهُمْ" (187) حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ ثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا سهاب بن خرَاش"(188). قال الذّهبيّ: "صدوق مشهور، له ما يستنكر، وهو أبو الصلت، ابن أخي العوام بن حوشب. قال ابن حبّان في الضعفاء:

عدد الصفحات ١١

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 296 - يخطئ كثيراً. وقال ابن المبارك: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق بأس به... عن ابن معين: ثقة...عبد الرحمن بن مهديّ يقول: لم أر أحدا أعلم بالسنّة من حماد بن زيد، ولم أر أحداً أحسن وصفاً لها من شهاب بن خراش، ولم أر أحداً أجمع من ابن المبارك... وقال أبو زرعة: ثقة صاحب سنّة، نزل الرملة. وذكره ابن عديّ، فقال: ... ولشهاب بعض ما ينكر، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما. وقال ابن حبان: يخطئ كثيرا حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به... قلت: قد وثقوه" (189). قال ابنُ عَدِي : "ولشهاب أحاديث ليست بكثيرة، وفي بعض رواياته ما ينكر عليه، ولاَ أعرف للمتقدمين فيه كلاماً فأذكره (190) . قال الذّهبيّ: "يعني بالتليين، وَا ِلا فَقَدْ وَثَّقَهُ عِدَّةٌ" (191). وذكره ابن الجوزيّ تبعاً لابن حبّان(192). قلت: وعبارة ابن حبّان مفسرة ليست بمناقضة لعبارة من وثّقه، وا نّ ما يؤخذ عليه استخدامه "يخطئ كثيرا" الموهمة لكثرة الرواية، وا ن كانت عبارته صحيحة في ضوء قول ابن عديّ، فمن ليس بكثير الرواية، ومع ذلك يخطئ في بعضها؛ فلا يحتج به وا نّ ما يعتبر كما قال ابن حبان، والله أعلم. رابعاً: عبدالرحمن (193) بن زياد بن أنعم الافريقى : قال ابن حبان: "مات سنة ست وخمسين ومائة، وقد جاوز المائة، كان يروى الموضوعات عن الثّقات، ويأتي عن الأثبات ما ليس من أحاديثهم، وكان يدلّس على محمد بن سعيد بن أبى قيس المصلوب، أخبرنَا الهندانيّ، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ، قَالَ : كَانَ يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ لاَ يحدثان عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، سَمِعت مُحَمَّد بن مُحَمَّد وَيَقُول: سَمِ عت الدَّارِمِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ معِين عَن الإفْرِيقِي، فَقَالَ: ضَعِيف. قَالَ أَبُو حَاتِم وَرَوَى الإِفْرِيقِيُّ .." (194). ثم ساق له بعض المناكير، ولم يتعقّبه الدّارقطني إلا في حديث واحد حمّل العهدة فيه للرّاوي عن الأفريقيّ (195). وقد بيّن ابن حبّان أنّ أخبار بعض الرواة تحتمل من غير روا ية الأفريقيّ عنهم، فقال: "عَبْد الرَّحْمَن بْن رَافع التنوخي، يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّ هِ بْنِ عَمْرٍو، رَوَى عَنْهُ المصريون، لاَ يحْتَج بِخَبَرِهِ إِذا كَانَ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم الإفْرِ يقِي؛ وَا ِنَّمَا وَقع الْمَنَاكِير فِي حَدِيثه من أَجله"(196) . قال الذّهبيّالعبد الصالح... قدم على المنصور فوعظه وصدعه بأنّهم ظلمة. وكان البخاريّ يقوي أمره، ولم يذكره في كتاب الضّعفاء. وروى عبّاس، عن يحيى: ليس به بأس وقد ضعف. هو أحبّ إليّ من أبي بكر ابن أبي مريم. وروى معاوية عن يحيى: ضعيف ولا يسقط حديثه. وقال أحمد: ليس بشئ، نحن لا نروى عنه شيئا. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدّارقطني: ليس بالقويّ. وقال ابن حبّان فأسرف: يروي الموضوعات عن الثّقات، ويدلّس عن محمد بن سعيد المصلوب. وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد يقول: عبد الرحمن بن زياد ثقة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما ينبغي أن يروى عن الافريقى حديث. وقال ابن عدي: عامّ ة حديثه لا يتابع عليه..."(197). وقال في المغني: "مَشْهُور جليل، ضعفه ابْن معِين، وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، ووهاه أَحْمد"(198). وقال في السير: "الإِمَامُ، القُدْوَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو أَيُّوْبَ الشَّعْبَانِيُّ، الإِفْرِيْقِيُّ، قَاضِي إِفْرِيْقِيَةَ، وَعَالِمُهَا، وَمُحَدِّثُهَا، عَلَى سُوءٍ فِي حِفْظِه"(199). وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "أمّا الإفريقي؛ فإنّ أحاديثه التي تنكر عن شيوخ لا نعرفهم، وعن أهل بلده، فيحتمل أن يكون منهم ويحتمل أن لا يكون"(200).

عدد الصفحات ١٢

َا، عَلَى سُوءٍ فِي حِفْظِه"(199). وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "أمّا الإفريقي؛ فإنّ أحاديثه التي تنكر عن شيوخ لا نعرفهم، وعن أهل بلده، فيحتمل أن يكون منهم ويحتمل أن لا يكون"(200). قال ابن الجوزي: "ونقلت من خط أبي ب كر البرقاني، قال أبو بكر بن أبي داود: إنّما تكلّم النّاس في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وضعفوه؛ لأنّه روى عن مسلم بن يسار. فقيل له: أين رأيت مسلم بن يسار؟ فقال: بإفريقية. فكذّبه النّاس فضعّفوه، وقالوا ما دخل مسلم بن يسار إفريقيّة قطّ، يعنون البصريّ. ولم يعلموا أنّ مسلم بن يسار آخر، يقال له: أبو عثمان الطنبديّ، وطنبد بطن من اليمن وعنه روى، وكان الإفريقي رجلاً صالحاً" (201). قلت: فكلام ابن الجوزي مفسر لجرح بعض من جرحه، لكنّ الظاهر أنّ كلام ابن حبّان قاله بعد سبر مروياته، وكلامه موافق لكلام ابن عديّ "وعامة حديثه وما يرويه، لاَ يُتَابَعُ عَليه"(202)، وهو نحو كلام أبي حاتم وأبي زرعة إلا أنّهما لم يجزما أنّ سبب النكارة من الأفريقيّ، وا ن كان فيه إسراف كما قال الذّهبيّ، فلا يخرج عن مدلول كلمة (ليس بشيء) للإمام أحمد، والله أعلم. خامساً: عبد الكريم بن مالك الجزري أَبُو سعيد مولى بني أُميَّة: قال ابن حبّان: "... أَصله من اصطخر، سكن حرّان، يَرْوِي عَن سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجاهد، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَمَالك وَأهل بَلَده، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، كَانَ صَدُوقًا؛ وَلكنه كَانَ ينْفَرد عَن الثّقات بالأشياء الْمَنَاكِير، فَلاَ يُعجبنِي الاِحْتِجَاج بِمَا انْفَرد من الأَْخْبَار، وَا ِن اعْتبر مُعْتَبر بِمَا وَافق الثّقات من حَدِيثه فَلاَ ضير، وَهُوَ مِمَّن استخير الله فِيهِ" (203).

عدد الصفحات ١٢

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 297 - قال الذّهبيّ: "من العلماء الثّقات في زمن التابعين. توقف في الاحتجاج به ابن حبّان، وذكره صاحبالكامل فنقل في ترجمته أنّ سفيان بن عيينة، قال لأبي الأصبغ عبد العزيز: يا بكّاي، ما كان عندكم أثبت من عبد الكريم! ما كان علمه إلا سألت وسمعت. معمر، عن عبد الكريم الجزري، قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأيت أنس بن مالك، وعليه مطرف خزّ. وروى عثمان بن سعيد، عن يحيى: ثقة، ثبت. وقال ابن عديّ: إذا روى عنه ثقة فحديثه مستقيم. وقال ابن معين: أحاديثه عن عطاء رديّة. وقال ابن حبّان: صدوق، لكنه ينفرد عن الثّقات بالأشياء المناكير، فلا يعجبني الاحتجاج بما انفرد به، وهو ممن أستخير الله فيه. قلت: قد قفز القنطرة، واحتج به ال شيخان، وثبته أبو زكريا. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم" (204). ووصفه مرّة بــ "ثِقَة مَشْهُور، توقّف فِيهِ ابْن حبّان"(205). ومرّة بـ " ثقة متقن، توقّف فيه ابن حبّان(206). وقال ثالثة: "ثقة له ما قد ينكر، ولهذا توقّف في أمره ابن حبّان"(207). قال ابن عديّ"ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة، يرويها عن قوم ثقات، وَا ذا روى عنه الثّقات فحديثه مستقيم... وهذا عن عطاء، هُوَ فِي جملة ما قَالَ ابْن مَعِين، إنّ أحاديثه عن عطاء رديئة، ومع هذا فإن الثَّوْريّ وغيره من الثّقات قد حدّثوا عنه"(208). ونقل ا بن حجر أنّ يعقوب بن شيبة قال: " هو إلى الضعف ما هو وهو صدوق وقد روى عنه مالك وكان ممن ينقي الرجال (209). قلت: هو عند ابن حبّان صدوق، ورأيه مقارب لرأي يعقوب بن شيبة، وعبارة ابن حبّان مفسّرة، مقاربة لعبارة ابن عديّ، تفسّرها عبارة ابن عديّ؛ فإن الثّقات الذين ينفرد عنهم هو عطاء، ولا يخفى أنّ احتجاج الشيخين به بما وافق الثّقات، ولم يخرجا له من روايته عن عطاء شيئا، فلا يَرد على ابن حبّان تعقّب الذّهبيّ، والله أعلم. سادساً: عبد الله بن عمر بن غانم الأفريقيّ : قال ابن حبّان: "يروي عن مالك ما لم يحدث به مالك قطّ. لا يحل ذكر حديثه، ولا الرّ واية عنه في الكتب إلا على سبيل الاعتبار. روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.. في نسخة كتبناها عنه بهذا الإسناد، أنا أصون البياض عن ذكرها، فكيف الاشتغال بوصفها!" (210). قال الذّهبيّ: "... مجهول، وقال ابن حبّان: هو قاضي إفريقية، يحدث عن مالك ما لم يحدث به قطّ، تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار، روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعاً: "الشيخ في بيته كالنّبيّ في قومه" (211). وبه: "ما من شجرة أحبّ إلى الله من الحنّاء" (212)، حدثنا بالحديث علي بن حاتم القومسى، حدثنا محمد بن خشيش القيروانيّ، حدثنا عبد الله بن عمر بن غانم، قال أبو داود: أحاديثه مستقيمة. قلت: لعل الآفة في الخبرين من عثمان صاحبه" (213). وقال في الكاشف "مستقيم الحديث(214). بينما جهله في المغني فقال "مَجْهُول الْحَال، واتهمه ابْن حبَان" (215). وقال أبو حاتم الرازي: "مجهول (216). وذكره ابن الجوزيّ لقول أبي حاتم وابن حبان(217). "وَقَال أبو سَعِيد بن يونس: دخل الشام والعراق في طلب العلم، أحد الثّقات الأثبات. وَقَال أبو عُبَيد الآجري، عَن أبي داود أحاديثه مستقيمة ما أعلم حدث عنه غير القعنبي، لقيه بالأندلس. وَقَال أبو العرب القيروانيّ: كان ثقة نبيلا فقيها. وَقَال أسد بن الفرات: كان فقيها له عقل وصيانة. وذكره ابن خلفون في "الثّقات"... ثم قال ابن حجر: "ولعلّ ابن حبّان ما عرف هذا الرجل؛ لأنه جليل القدر، ثقة، لا ريب فيه، ولعل البلاء في الأحاديث التي أنكرها ابن حبّان ممن هو دونه"(218). قلت: قول أبي داود: أحاديثه مستقيمة،ما أعلم حدّث عنه غير القعنبيّ، لقيه بالأندلس، مشعرة بتوثيقه فيما رواه عنه القعنبيّ،

عدد الصفحات ١٣

لبلاء في الأحاديث التي أنكرها ابن حبّان ممن هو دونه"(218). قلت: قول أبي داود: أحاديثه مستقيمة،ما أعلم حدّث عنه غير القعنبيّ، لقيه بالأندلس، مشعرة بتوثيقه فيما رواه عنه القعنبيّ، والاعتذار بأنّ ابن حبّان ما عرفه، وأن العلّة في الأحاديث الموضوعة التي ذكرها له ممن روى عنه لا منه؛ لا يستقيم مع قول ابن حبان: في نسخة كتبناها عنه بهذا الإسناد، أنا أصون البياض عن ذكرها، فكيف الاشتغال بوصفها! وكأنه لما رحل من بلاده تغير حاله، والله أعلم. سابعاً: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفيّ المؤدب: قال ابن حبّان: "كَانَ معلماً ، يروي عَن أَقوام ضِعَاف، أَشْيَاء يدلسها عَن الثّقات؛ حَتَّى إِذا سَمعهَا المستمع لم يشك فِي وَضعهَ ا، فَلَمَّا كثر ذَلِك فِي أخباره؛ ألزقت بِهِ تِلْكَ الموضوعات، وَحمل عَلَيْهِ النَّاس فِي الْجرْح؛ فَلاَ يجوز عِنْدِي الاِحْتِجَ اج بروايته كلهَا، على حَالَة من الأَْحْوَال؛ لما غلب عَلَيْهَا من الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير، والموضوعات عَن الثّقات، مَاتَ سنة ثَلاَث وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ أَبيض الرَّأْس واللحية "(219). قال الذّهبيّأحد علماء الحديث بحرّان... قال ابن معين: صدوق. وقال أبو عروبة: متعبّد، لا بأس به، يأتي عن قوم

عدد الصفحات ١٣

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 298 - مجهولين بالمناكير. وقال ابن عدي: يكنى أبا عبد الرحمن، عنده عجائب عن المجاهيل، فهو في الجزرييّن كبقية في الشامييّن. وقال ابن أبي حاتم: أنكر أبي على البخاريّ إدخاله عثمان في كتاب الضّعفاء، وقال: هو صدوق. قلت: ما قاله البخاريّ فيه أكثر من هذا، كان يحدث عن قوم ضعاف، وهذا حديثه عن علي بن عروة، عن المقبري، عن أبي هريرة - مرفوعاً: "أربع من خصال آل قارون: لباس الخفاف المقلوبة - يعنى البيض، ولباس الارجوان، وجر نعال السيوف، وكان أحدهم لا ينظر إلى وجه خادمه تكبرا" (220). قلت: شيخه متروك هالك، فعليه عهدة هذا الحديث. وذكره العقيلي، وابن عدي، وهو لا بأس به في نفسه. وأما ابن حبّان فإنه يقعقع(221) كعادته، فقالفيه: يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلسها عن الثّقات، حتى إذا سمعها المستمع لم يشك في وضعها، فلما كثر ذلك في أخباره ألزقت به تلك الموضوعات، وحمل الناس عليه في الجرح، فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلها بحال... قلت: لم يرو ابن حبّان في ترجمته شيئا، ولو كان عنده له شئ موضوع لاسرع بإحضاره، وما علمت أنّ أحداً قال في عثمان بن عبد الرحمن هذا: إنّ ه يدلس عن الهلكى، إنّ ما قالوا: يأتي عنهم بمناكير، والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتّ ام المعرفة تّ ام الورع، وكذا أسرف فيه محمد بن عبد الله بن نمير، فقال: كذاب" (222). وذكره في المغني وديوان الضعفاء ولم يذكر قول ابن حبّان فيه وا نّ ما اكتفى بذكر تكذيب ابن نمير له(223). وذكره العقيلي وساق له حديثا، وقال: "فَأَمَّا الْمَتْنُ، فَثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ" (224) قال ابن عدي: "سمعت أبا عَرُوبة ينسبه إِلَى الصدق، وَقَالَ: لا بأس به، متعبّد، ويحدث عَن قوم مجهولين بالمناكير... وَصُورَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَبد الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَ أَبُو عَرُوبة، إلاَّ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ قَوْ مٍ مَجْهُولِينَ بِعَجَائِبَ، وَتِلْكَ الْعَجَ ائِبُ مِنْ جِهَةِ الْمَجْهُولِينَ، وَهو فِي أَهْلِ الْجِزِيرَةِ كَبَقِيَّةٍ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَبَقِيَّةُ أَيضًا يُحَدِّثُ عَنْ مَجْهُ ولِينَ بِعَجَائِبَ، وَهو فِي نَفْسِهِ ثِقَةٌ لا بأس به، صدوق، ما يَقَعُ فِيهِ حَدِيثُهُ مِنَ الإِنْكَارِ؛ فَإِنَّمَا يَ قَعُ مِنْ جِهَةِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ" (225). وذكره ابن الجوزي لقول ابن نمير، وأبي عروبة، وابن حبّان(226). وَقَال الحاكم "وا نّ ما لقب بِذَلِكَ لأنه كَانَ يتتبع طرائف الحَدِيث، يَرْوِي عَنْ قوم ضعاف، حَدِيثه لَيْسَ بالقائم" (227). قلت: وعبارة ابن حبّان ليس فيها قعقعة كما قال الذّهبيّ، ومحورها أنّ سبب تجريحه يكمن في روايته عن الضعفاء عجائب ومناكير، وهي موافقة لكلمة كل من أبي عروبة والبخاريّ وابن عدي، مفسرة لسبب قول ابن نمير: كذاب، وا ن فسرنا التدليس بمصطلح المتأخرين فيكون ابن حبّان قد انفرد بهذا الوصف، وقد ساق العقيلي وابن عدي له بعض ما يؤخذ عليه، والله أعلم. ثامناً: القاسم بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن الدمشقي، مولى آل معاوية وصاحب أبي أمامة : قال ابن حبان: "... كَانَ يزْعم أَنه لَقِي أَرْبَعِينَ بَدْرِيًّا، روى عَنهُ أهل الشَّام، كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المعضلات، وَيَأْتِي عَن الثّقات بالأشياء المقلوبات، حَتى يسْبق إِلَى الْقلب أَنه كَانَ الْمُتَعَمد لَهَا، أخبرنَا مَكْحُولٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ أبان، قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل وَذكر الْقَاسِم م ولى يزِيد بن مُعَاوِيَة فَقَالَ مُنكر الحَدِيث مَا أرى الْبلاَء إِلاَّ من قبل الْقَاسِم"(228). قال الذّهبيّقال الإمام أحمد: روى عنه علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من قبل القاسم.

عدد الصفحات ١٤

ى يزِيد بن مُعَاوِيَة فَقَالَ مُنكر الحَدِيث مَا أرى الْبلاَء إِلاَّ من قبل الْقَاسِم"(228). قال الذّهبيّقال الإمام أحمد: روى عنه علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من قبل القاسم. وقال ابن حبّان: كان يروي عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المعضلات. وقال الأثرم: ذكر لأبي عبد الله حديث عن القاسم الشامي، عن أبي أمامة – "إنّ الدّباغ طهور" (229)، فأنكره وحمل على القاسم. هشام بن عمار، حدثنا عمرو بن واقد، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوعظنا موعظة بليغة، فبكى سعد فقال: يا ليتنى لم أخلق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كنت خلقت للجنّة، لأنْ يطول عمرك، ويحسن عملك خير لك. وا ن كنت خلقت للنّار، وخلقت لك، ما النّار بالتي يستعجل إليه"(230). وقال ابن حبّان: كان القاسم أبو عبد الرحمن يزعم أنّه لقي أربعين بد رياً، كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المعضلات، ويأتي عن الثّقات بالمقلوبات، حتى يسبق إلى القلب أنّ ه كان المتعمد لها. قلت، قد وثّقه ابن معين من وجوه عنه. وقال الجوزجاني: كان خياراً فاضلاً ، أدرك أربعين من المهاجرين والأنصار. وقال التّرمذّي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: منهم من يضعفه. وقال صدقة بن خالد: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، عن جابر بن يزيد، عن جابر قال: ما رأيت أحداً أفضل من القاسم أبي عبد الرحمن، كنّا بالقسطنطينية، وكان الناس يرزقون رغيفين رغيفين، فكان يتصدق برغيف ويصوم ويفطر على رغيف. قال ابن سعد وغيره: مات سنة اثنتي عشرة ومائة (231). وذكره في ديوان الضعفاء تبعاً للإمام أحمد ولم يعقّب أو يستدرك، فقال: "قال أحمد: حدث عنه علي بن يزيد بأعاجيب، ما أراها إلا من قبل القاسم (232)." قال البخاريّ "... روى عَنهُ الْعَلاَء بن الْحَارِث، وَكثير بن الْحَ ارِث، وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن، وَيحيى بن الْحَارِث أَحَادِيث مُتَقَارِبَة، وَأما من يتَكَلَّم فِيهِ مثل جَعْفَر بن الزبير، وَعلي بن يزِيد، وَبشر بن نمير، وَنَحْوهم، فِي حَدِيثهمْ مَنَاكِ ير واضطراب" (233) .

عدد الصفحات ١٤

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 299 - وذكره ابن الجوزي تبعاً للإمام أحمد وابن حبّان، ثم قال: "و(الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن) سِتَّة أنفس لَيْسَ فيهم من طعن فِيهِ سواهُمَا"(234). قلت: وهنا يظهر اعتماد ابن حبّان على قول الإمام أحمد، وكلام البخاريّ يفسّر كلام من جرّحه وكلام من وثّقه؛ فمن حمّل القاسم مسؤولية الأحاديث المنكرة والمضطربة التي تروى عنه ، ضعّفه، ومن حملها للرواة عنه، وثّقه، والله أعلم. تاسعاً: محمد بن الفضل السّدوسيّ، أبو النّعمان، عارم، شيخ البخاريّ : قال ابن حبّان: "... من أهل الْبَصْرَة، يروي عَن ابن الْمُبَارك والحمادين، اخْتَلَط فِي آخر عمره، وَتغَير حَتَّى كَانَ لاَ يدْ رِي مَا يحدث بِهِ، فَوَقع الْمَنَاكِير الْكَثْرَة فِي رِوَايَته، فَمَا روى عَنهُ القدماء قبل اخْتِلاَطه إِذا علم أنّ سماعهم عَنهُ كَ انَ قبل تغيره فَإِن احْتج بِهِ مُحْتَج بعد الْعلم بِمَا ذكرت أَرْجُو أن لاَ يجرح فِي فعله ذَلِك، وَأما رِوَايَة الْمُتَأَخِّرين عَنهُ فَيجب التنكب عَنْ هَا على الأَْحْوَال، وَا ِذا لم يعلم التَّمْيِيز بَين سَماع الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين مِنْهُ؛ يتْرك الْكل، وَلاَ يحْتَج بِشَيْء مِنْهُ، هَذَا حكم كل من تغير آخر عمره وَاخْتَلَطَ؛ إِذا كَانَ قبل الاِخْتِلاَط صَدُوقًا، وَهُوَ مِمَّا يعرف بِالْكِتَابَةِ، وَالْجمع، والإتقان، وَمَات عَام أَرْبَعَة عشرَة وَمِائَتَ يْنِ" (235). قال الذّهبيّحافظ، صدوق، مكثر... قال ابن وارة: حدثنا عارم الصدوق الأمين. وقال أبو حاتم: إذا حدثك عارم فاختم عليه. عارم لا يتأخر عن عفّان، وكان سليمان بن حرب يقدّمه على نفسه. وقال أبو حاتم أيضاً: اختلط عارم في آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع منه قبل العشرين ومائتين فسماعه جيّد. ولقيه أبو زرعة سنة اثنتين وعشرين. وقال البخاريّ: تغيّر عارم في آخر عمره، وقال أبو داود: بلغني أنّ عارماً أنكر سنة ثلاث عشرة ومائتين، ثم راجعه عقله، ثم استحكم به الاختلاط سنة ست عشرة ومائتين. وقال الدّارقطني: تغيّر بأخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر. وهو ثقة. قلت: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النّسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبّان الخسّاف المتهوّر في عارم، فقال: اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكّب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يعلم هذا من هذا ترك الكل، ولا يحتج بشئ منها. قلت: ولم يقدر ابن حبّان أن يسوق له حديثاً منكراً ، فأين ما زعم؟ بل، مفرداته: عن حماد، عن حميد، عن أنس - مرفوعاً: "اتقوا النار، ولو بشق تمرة" (236) . وقد كان حدث به قبل عن حماد، عن حميد، عن الحسن - مرسلا. وهو أصح، لأنّ عفان وغير ه هكذا رووه عن حماد. قال أبو بكر الشافعي: سمعت إبراهيم الحربي يقول: جئت عارم بن الفضل فطرح لي حصيراً على الباب وخرج، وقال: مرحباً، أي شئ كان خبرك؟ ما رأيتك منذ مدة، وما كنت جئته قبلها"(237). وقال في تاريخ الإسلام "فهذا قول الدَّارَقُطْنيّ الذي لم يأتِ بعد ا لنَّسائيّ مثله، فأين هو من قول ابن حبّان الخسّاف في عارِم... ثمّ لم يقدر ابن حبّان أن يسوق لعارِم حديثًا مُنْكَرًا" (238). وقال في سير أعلام النبلاء "فَانْظُرْ قَوْلَ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ فِي الحَدِيْثِ أَبِي الحَسَنِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِ ذَاكَ الخَ سَّافِ المتفَاصحِ أَبِي حَاتِمٍ بنِ حبّان فِي عَارِمٍ...قُلْتُ: فَأَيْنَ مَا زعمتَ مِنَ المَنَاكِيْرِ الكَثِيْرَةِ؟..."(239). قال العقيليّ "من سمع من عارم قبل الاختلاط فهو أحد ثقات المسلمين، وا نّ ما الكلام فيه بعد الاختلاط... "(240). قلت: ولا عذر للذهبي بكلامه الشديد في ابن حبّان في هذه المواضع؛ فإنّ ه لم يخص عارماً بهذا الكلام عن الاختلاط، فقد

عدد الصفحات ١٥

و أحد ثقات المسلمين، وا نّ ما الكلام فيه بعد الاختلاط... "(240). قلت: ولا عذر للذهبي بكلامه الشديد في ابن حبّان في هذه المواضع؛ فإنّ ه لم يخص عارماً بهذا الكلام عن الاختلاط، فقد صرح بأنّ هذا الحكم عام فيمن اختلط، كما هو تمام عبارته "هَذَا حكم كل من تغيّر آخر عمره وَاخْتَلَطَ؛ إِذا كَانَ قبل الاِخْتِلاَط صَدُوقًا، وَهُوَ مِمَّا يعرف بِالْكِتَابَةِ وَالْجمع والإتقان"، وهو التحقيق عند المحدثين في هذه المسألة، وهو ما قرّره ابن الصلاح، وتابعه عليه أهل الاصطلاح(241)، والله أعلم عاشرا: يحيى بن ميمون، أبو معلّى العطّار: قال ابن حبّان: "... من أهل الْبَصْرَة، يروي عَن سعيد بن جُبَير، وَعبد الله بن الْمثنى، روى عَنهُ البصريّون، مُنكر الحَدِيث جداً، يروي عَن الثّقات مَا لَيْسَ من أَحَادِيثهم، كَانَ عَمْرو بن عَليّ الفلاّس يَقُول: هُوَ كَذَّاب، وَمَات أَبُو الْمُعَلَّ ى الْعَطَّار سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِينَ وَمِائَة" (242). قال الذّهبيّ: "بصريّ، واهٍ. عن سعيد بن جبير. كذّبه الفلاّس. وقال ابن حبّان: يروي عن الثّقات ما ليس من أحاديثهم. قلت: بل صدوق. حدّث عنه مثل شعبة، وابن عليّة، واحتج به النّسائيّ. ومات سنة اثنتين وثلاثين ومائة" (243). وقال في المغني "يحيى بن مَيْمُون الْعَطَّار أَبُو الْمُعَلَّى بَصرِي عَن سعيد بن جُبَير كذبه الفلاس"(244). لكنه استدرك في تاريخ الإسلام، فقال "بصري ثقة مُقِل. روى عن أَبِي عثمان النهدي، وسعيد بن جُبَيْر. وَعَنْهُ: شُعْبَة، وحماد بن زيد، وابن علية، وعلي بن عاصم. "(245).

عدد الصفحات ١٥

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 300 - قال أبو حاتم: "صالح الحديث(246). وقال ابن سعد: "وكان ثقة كثير الحديث (247). وقال ابن الجوزي "قَالَ الفلاس: هُوَ كَذَّاب، وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن الثّقات مَا لَيْسَ من أَحَادِيثهم" (248). قال ابن حجر: "...عَن ابن معِين ثِقَة، وَزعم ابن الْجَوْزِيّ أنّ ابن حبّان ضعّفه، وَوهم فِي ذَلِك إِنَّمَا ضعّف يحيى بن مَيْمُون أَبَا أَ يُّوب الْبَصْرِيّ"(249). ووافقه ابن عراق الكناني (250). قلت: ذكر ابن حبّان الاثنين، فقال في أبي أيوب "يحيى بن مَيْمُون، التمّار، كنيته: أَبُو أَيُّوب. من أهل الْبَصْرَة، يروي عَن عَليّ بن زيد بن جدعَان، روى عَنهُ عبد الله بن الْمثنى، قدم بَغْدَاد سنة تسعين وَمِائَة، وَحَدَّثَهُمْ بهَا. فَعِنْدَ أهل الْعرَاق مِنْهُ الْعَجَائِب الَّتِي يَرْوِيهَا مِمَّا لم يُتَابع عَلَيْهَا؛ حَتَّى إِذا سَمعهَا مَن الحَدِيث صناعته؛ لم يشك أنّها معمولة، لاَ تحل الرِّوَايَة عَنْهُ، وَلاَ الاِحْتِجَ اج بِهِ بِحَال" (251). وا نّما الذي يروي عنه عبد الله بن المثنى، وكذبه الفلاس هو التمار؛ كما قال البخاريّ(252) وتابعه ابن عديّ(253)، وهذامُؤْذن بأنّه اختلط على ابن حبّان كلام الفلاّس، فظنّه في العطّار، وتابعه على تضعيفه، وأما التمّار فهو يعرفه، والفرق الزمني بينهما واضح. واشتبه هذا الراوي على الذّهبيّ كذلك لذا اختلفت كلمته فيه في كتبه، بله حتى في الميزان، فصدر الترجمة ببصريّ واهٍ، ثم نقل كلام الفلاّس وابن حبّان، ثم استدرك بقوله: بل صدوق، فالله أعلم. الحادي عشر: أبو الأصفر: قال ابن حبّان: "أَبُو الأَْصْفَر، شيخ يروي عَن صعصعة بن مُعَاوِيَة، روى عَنهُ الْمُبَارك بن فضَالة، لاَ يجوز الاِحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِ يِّ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ، حَدَّثَنِ ي أَبُو الأَصْفَر،ِ عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: كَانَ أُوَيْسُ بن عَامر..." (254). وساق حديثاً طويلاً وتابعه ابن الجوز يّ (255). قال الذّهبيّ: "عن صعصعة بن معاوية. تكلّم فيه ابن حبّان بلا حجة. فقال: لا يحتج به. مبارك بن فضالة، حدثني أبو الأصفر، عن صعصعة، قال: كان أويس بن عامر رجلاً من قرن، وكان من أهل الكوفة... الحديث بطوله"(256). قلت عبارة ابن حبّان متجهة، فقد قال"لاَ يجوز الاِ حْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد"، وله حجّة في هذا، وهو سياقة أبي الأصفر لهذا الحديث الطويل في قصّة أويس القرنيّ، متضمنا أموراً جعلت الذّهبيّ نفسه يقول بعدما ساق القصّة بطولها: "هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ، تفرَّد بِهِ مُبَارَكُ بنُ فَضَالَةَ، عَنْ أَبِي الأَصْفَرِ ، وَأَبُو الأَصْفَرِ لَيْسَ بِمَعْرُوْفٍ" (257). وقبله قال ابن مندة "هذا حديث غريب من حديث مروان الأصفر"(258). ومن بعده ابن كثير، قال عن إسنادها "وهذا إسناد حسن، إلا أنّ أبا الأصفر هذا لا أعرفه، ولم يذكره أبو حاتم الرازيّ"(259) . الثاني عشرأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي العطّاف النهشليّ الكوفيّ : قال ابن حبّان: "من أهل الْكُوفَة، يَرْوِي عَن أَبِي بردة بن أبي مُوسَى، روى عَنهُ وَكِيع وَأهل الْعرَاق، وَكَانَ شَيخاً صَالح اً فَاضلاً، غلب عَلَيْهِ التقشّف؛ حَتَّى صَار يهم وَلاَ يعلم، ويخطىء وَلاَ يفهم؛ فَ بَطل الاِحْتِجَاج بِهِ، وَا ِن كَانَ ظَاهره الصّلاح؛ لأَِن قبُول الأَْخْبَار توَافق الشَّهَادَات فِي معَان، وتخالفها فِي معَان؛ فَكَمَا لاَ يجوز قبُول شَهَادَة الشَّاهِد إِذا كَانَ فَاضلاً ديناً وَهُوَ لاَ يعقل كَيْفيَّة الشَّهَادَة،

عدد الصفحات ١٦

َن قبُول الأَْخْبَار توَافق الشَّهَادَات فِي معَان، وتخالفها فِي معَان؛ فَكَمَا لاَ يجوز قبُول شَهَادَة الشَّاهِد إِذا كَانَ فَاضلاً ديناً وَهُوَ لاَ يعقل كَيْفيَّة الشَّهَادَة، وَلاَ يدْرِي كَيفَ يُؤَ دِّيهَا، كَذَلِك لاَ يجوز قبُول الأَْخْبَار، من الدَّين الْفَاضِل إِذا كَانَ لاَ يعلم مَا يُؤَدِّي، وَلاَ يعقل مَا يجمل الْمَ عْنى إِذا حدث من حفظه، فَأَمّا إِذا حدّث من كِتَابَته، وَحفظ فِي الْكِتَابَة فيجوز قبُول رِوَايَته إِذا كَانَ عدلاً عَاقِلاً؛ وَأَبُ و بكر النَّهْشَلِيّ، وَا ِن كَانَ فَاضلاً؛ فَهُوَ مِمَّن كثر خَطؤُهُ، فَبَطل الاِحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد، وَا ِن اعْتبر مُعْتَبر بِمَا وَافق الثّقات؛ لم يجرح فِي فعله ذَلِك، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْمُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بن سعيد، يَقُول: سَمِعت أَحْمد بْنَ يُونُسَ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ شَيْخًا صَالِحًا، وَكَانَ فِي مَرَضِهِ حِينَ مَاتَ يَثِبُ لِلصَّلاةِ وَهُوَ لاَ يَقْدِرُ، فَيُقَالُ: إِنَّكَ فِي عُذْرٍ. فَيَقُولُ: أُبَادِرُ طَ يَّ الصَّحِيفَةِ"(260). قال الذّهبيّ: " فياسمه أقوال. ولا يكاد يعرف إلا بكنيته... وثّقه أحمد، ويحيى، والعجليّ، وتكلّم فيه ابن حبّان وغيره... وقال ابن حبّان: شيخ صالحّ غلب عليه التقشّف؛ حتى صار يهم ولا يعلم، ويخطئ ولا يفهم، فبطل الاحتجاج به. وأتى ابن حبّان بعبارة طويلة ثقيلة إلى أن قال: وا ن اعتبر معتبر بما وافق الثّقات لم يحرج في فعله. قال عون بن سلاّم - عن أبي بكر النهشلي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه. قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث باطل. قلت: مات يوم الفطر سنة ست وستين. وهو حسن الحديث صدوق" (261). وقال في تاريخ الإسلام متعقباً على ابن حبان: "قُلْتُ: دَعْ عَنْكَ الْخَطَابَةَ، فَالرَّجُلُ حُجَّةٌ قَدْ وَثَّقَهُ إِمَامَا الْفَنِّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ"(262). وفي ديوان الضعفاء "كوفي، رجل صالح، تكلم فيه ابن حبّان بلا وجه"(263). وقال في السير: "قلت: بل هو صدوق، احتج به: مسلم، وغيره" (264). قال ابن سعد "وَكَانَ مُرْجِيًا، وَكَانَ عَابِدًا نَاسِكًا، وَكَانَتْ لَهُ أَحَادِيثُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَضْعِفُهُ" (265). قال أَحْمد بن يُونُس:" كَانَ أَبُو

عدد الصفحات ١٦

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 301 - بكر النَّهْشَلِي شَيخاً، صَالحاً، مغفلاً(266). وقال أبو حاتم: "شيخ صالح يكتب حديثه"(267). قال الدّارميّليس أبو بكر النّهشلي ممن يحتجّ بروايته، أو تثبت به سنّة لم يأت بها غيره "(268). وتابع ابنُ الجوزيّ ابنَ حبان(269) . قلت: لم أعلم ما الذي جعل الذّهبيّ يحصر تعقبه في ابن حبان، مع أنّه لم ينفرد بتضعيفه، بل هو مسبوق لذلك كما قال ابن سعد، وقد توفي ابن سعد قبل أن يولد ابن حبان؛ كما لم ينفرد بعدم الاحتجاج بما انفرد به، بل هو موافق في هذا للدارميّ، ولم يظهر لي وجه ثقل عبارة ابن حبان، أو الخطابة فيها كما وصفها الذّهبيّ، وا نما هي عبارة مفسرة موضحة، ولم يخرج له مسلم إلا في موضعين متابعة، فإنّ أراد الذّهبيّ من قوله الاحتجاج بمروياته التي ينفرد فيها، فلا يوافق على ذلك، والله أعلم. الخاتمة وبعد هذا التّطواف في رحاب ميزان الاعتدال، واستخراج تعقبات الحافظ الذّهبيّ، على الإمام ابن حبّان في جرح الرواة وتعديلهم، أسجل أبرز ما توصلت إليه من نتائج، وهي: - تعقب الذّهبيّ ابن حبّان في كلامه على اثنين وثلاثين راويا، تعقّبه في تعديل عشرة رواة، وتجريج اثنين وعشرين راوياً . -تنوعت كتب ابن حبّان التي تعقّبه الذّهبيّ فيها، وهي: الثّقات في تسعة مواضع، والمجروحين في عشرين موضع، والصّحيح في موضع واحد، والذّيل على الضّعفاء في موضعين. -في تعقبه على ابن حبّان في تعديل الرواة ظهر لي أنّ الصّواب مع ابن حبّان في ستة رواة، وأنّ الصّواب مع الذّهبيّ في راويين، وأمّا الأخيرين فهما موضع للنّقاش. ومن المؤاخذات البارزة قول الذّهبيّ في راو: مجمع على ضعفه، وليس كذلك، وقال في آخر: واهٍ جداً، وليس كذلك، وحكم على حديث بالوضع، وليس كذلك أيضاً. - في تعقّبه على ابن حبّان في تجريح الرّواة ظهر لي أنّ الصّواب مع ابن حبّان في خمسة رواة، وأنّ الصّواب مع الذّهبيّ في خمسة آخرين، وأمّا باقي الرّواة فتعقباته موضع للنّقاش. ومن المؤاخذات البارزة على الذّهبيّ متابعته لأبي العبّاس النباتيّ في راويين، قال إنّ ابن حبّان جرّحهما، والواقع أنه وثقهما. وصحّح الذّهبيّ حديثاً أعلّه متقدمو النّقاد. وقال في رابع: صويلح، وهو مجمع على ضعفه عند مَن ذكره، حتى قال البخاري: فيه نظر. -غلب على عبارات ابن حبّان في الجرح التّفسير والتّعليل. - يلحظ أنّ الذّهبيّ يخصّ ابن حبّان بالتّعقّب مع أنّه غالبا ما يكون مسبوقا لما يقوله، وأحياناً يكون لفظه أو تصرّفه أقل من غيره، فمثلاً تعقب ابن حبّان لذكره راوياً في الثّقات، ولم يتعقّب التّرمذّي الذي نقل عنه الذّهبيّ تصحيحه لحديث من طريق ذلك الرّاوي. -امتازت عبارات تعقّبه لمن عدّلهم ابن حبّان بالخفة والانضباط، مقارنة بعبارات تعقّبه لمن جرّحهم. -لم تنصف عباراتُ الذّهبيّ في التّعقّب؛ الذّهبيَّ أنْ تصدر منه، فضلاً عن ابن حبّان أنْ تصدر فيه؛ فكثيراً ما تتّسم بالشّ دّة والهجومية، من مثل قوله: خسّاف، متهوّر، قصّاب، يقعقع، متفاصح، أسرف واجترأ...الخ. هذا جهدي، وأرجو من الله التوفيق والسّداد، فإن كان صواباً فمن الله، وله دائما الفضل والمنّة، وما كان من خطإٍ فمن نفسي، ومن الشّيطان، فأستغفر الله، وأتوب إليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. الهـــوامش 1. أحمد، المسند30 /264) ح18325. والحديث صحّحه الشيخ الألبانيّ كما في تحقيقه لمشكاة المصابيح2 /769)؟ 2. (سواء غضب أو رضي) كذا في الأصل، والأصوب (سواء أغضب أم رضي)، والله أعلم 3. ابن رجب، جامع العلوم والحكم 1 /416.) 4. وهم مقصدي من استحضار الأدلة الشرعية في مقدمة الكلام، والدّالة على وجوب القسط والإنصاف، وا نزال النّاس منازلهم 5.

عدد الصفحات ١٧

ب أم رضي)، والله أعلم 3. ابن رجب، جامع العلوم والحكم 1 /416.) 4. وهم مقصدي من استحضار الأدلة الشرعية في مقدمة الكلام، والدّالة على وجوب القسط والإنصاف، وا نزال النّاس منازلهم 5. ولأجل هذه المقالة ذكره الذّهبيّ في المغني في الضعفاء2 /564) وقال:"الحافظ، صاحب التصانيف، ثقة في نقله، بدت منه هفوة: زعم أنّ النبوة هي العلم..، وفي ميزان الاعتدال ( 3 /506-508) وقال:" الحافظ، صاحب الأنواع، ومؤلف كتابي الجرح والتّعديل، وغير ذلك. كان من أئمة زمانه،... وقد بدت من ابن حبّان هفوة؛ فطعنوا فيه لها...". 6. الذّهبيّ، سير أعلام النّبلاء16 /104) ونحوه في تاريخ الإسلام 8 /73)

عدد الصفحات ١٧