المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تعقبات الحافظ الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال على الإمام ابن حبان في جرح الرواة وتعديلهم

محمد عودة الحوري

صفحة ١ من ٤

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1 2018 - 285 - © 2018 عمادة البحث العلمي/ الجامعة الأردنية. جميع الحقوق محفوظة تعقبات الحافظ الذّهبيّ في كتابه ميزان الاعتدال على الإمام ابن حبّان في جرْح الرّواة وتعديلهم محمد عودة أحمد الحوري * ملخـص قمت في هذا البحث، بتتبع تعقبات الحافظ الذّهبيّ، في كتابه ميزان الاعتدال، على الإمام ابن حبّان، في جرح الرّواة وتعديلهم، وقد وقفت له على اثنين وثلاثين راويا، تعقب الذّهبيّ كلام ابن حبّان فيهم، عشرة رواة تعقبه في تعديلهم، واثنين وعشرين تعقبه في تجريحهم، في بعضها، كان الصّواب رأي ابن حبان، وفي أخرى، كان الصّواب التّ عقّب، والأغلب أنّ الكلام محتمل، فلا يُسلّم التّعقب، كما لا يرد، وبرز لي من خلال هذه التّعقبات أنّ الذّهبيّ جعل ابن حبّان محلاًّ لها، مع أنّه غالباً لا يكون أوّل مَن تكلم، كما اتسمت عبارته في التّعقّب بالشّدّة والمبالغة. الكلمات الدالة: السّنّة النّبويّة، ابن حبّان، الذّهبيّ، تعقّبات، الجرح والتّعديل، مناهج المحدّثين. المقدمـــــة الحمدُ لله ربّ العالمين، الّذي (يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِْحْسَانِ ) النحل:90، القائل سبحانه(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْ مِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) الحديد:25، والقائل جلّ شأنه(وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) الأعراف: 85-هود85- الشعراء 183، والصّلاة والسّلام، الأَتمّان، الأَكْملان، الزّاكيان، الطّيّبان، المباركان، على سيّد الأوّلين والآخرين، المناجي ربَّه اللهمّ: "أَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ" (1)، وعلى آله المطهَّرين، وصحبه الطيّبينالمرضيّين، وعلى مَن سار على نهجهم إلى يوم الدّين، ثمّ أمّا بعد، فإنّ إنصاف النّاس، وا نزالهم منازلهم، من أمور الدّين، ومن سنن سيّد المرسلين صلّى الله عليه وسلّم، وكلمة الحقّ في الغضب والرّضا من أنْفَس الأمور، وصدق ابن رجب -رحمه الله - حيث يقول: "وهذا عزيز جد اً، وهو إنّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي (2)، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول (3). ولقد ظهر اليوم(4)، في أيامنا هذه، مَن يتطاول على علماء الأمّة، يستهزئ بهم تارة، وينتقص منهم أخرى، خاصة الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى، حتى إنّه ليتخايل للمرء، عندما يسمع بعضهم يستخف بكلام ابن حبان، ويرمي به عرض الحائط، أنّ المتكلم عنه متزيّ بزيّ العلماء، وليس منهم، وا ذا نُصح ليرجع إلى جادّة الحقّ، ويلزم سلوك المتعلّمين، المتأدّبين بأخلاق النبيّين، أظهر أمراً عجباً، وحاول شيئاً إمراً، فزعم أنّ هذا التّطاول منهج للعلماء، واحتج ببعض فلتات ألسنتهم، في مواضع معدودة، ومناسبات معلومة، ولعلّ من أبرزها، تلك الأوصاف اللاذعة التي يقولها أحياناً الحافظ الذّهبيّ، في الإمام ابن حبّان، رحمهما الله، والمتطاول لم يبلغ مُدّ أحدهما، ولا نَصيفه، ولم يعلم، أنّ كلام الذّهبيّ -ولا يقبل منه - جاء في ضوء تعقبه لأحكام ابن حبّان على الرجال جرحاً وتعديلاً، لم يُرد منه أن يتطاول النّاس على العلماء، ولا أن يبخسوهم مكانتهم في العلم والمعرفة، كيف وهم أئمة الصنعة. سبب اختيار الموضوع: يكمن السبب في اختياري هذا الموضوع، في ال كشف عن حجم التعقبات، التي استدركها الحافظ الذّهبيّ، على الإمام ابن حبّان، في جرح الرواة وتعديلهم، ووزنها، من الجهة العلمية، وهل هي من الكثرة والنكارة بمكان؛ تسوّغ للحافظ الذّهبيّ أن يصف الإمام ابن حبّان، بأوصاف لاذعة؛ تارة: بالخسّاف، وأخرى: بالمتهوّر، وثالثة: بالقصّاب... مشكلة الدّراسة: * قسم أصول الدين، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة اليرموك، الأردن . تاريخ استلام البحث 02/06/2016، وتاريخ قبوله 28/07/2016.

عدد الصفحات ١

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 286 - يمكن صياغة مشكلة الدّراسة بالأسئلة الآتية 1- ما تعقبات الحافظ الذّهبيّ على الإمام ابنحبّان في ميزان الإعتدال؟ 2- ما حجم هذه التعقبات؟ 3- ما نوعها من حيث نكارة الأخطاء؟ 4- هل الحافظ الذّهبيّ محقّ دائما في تعقّباته؟ 5- ما القيمة العلمية لهذه التعقبات؟ محددات الدّراسة: تُعنى هذه الدّراسة بتعقّبات الحافظ الذّهبيّ، في كتابه ميزان الاعتدال دون سائر كتبه، على الإمام ابن حبّان، في كلامه على الرّواة جرحا وتعديلا، دون أي مسألة أخرى كالمتفق والمفترق، وأسماء الرّواة، وغير ذلك. أهداف الدّراسة تهدف هذه الدّراسة إلى: 1-بيان تعقبات الحافظ الذّهبيّ في كتابه ميزان الاعتدال على الإمام ابن حبّان في جرح الرواة وتعديلهم. 2-دراسة هذه التّعقبات للوقوف على وجاهتها، ودقتها الدّراسات السّابقة: في حدود بحثي، وسؤالي لأصحاب التخصص؛ من أساتذتي، وزملائي، والمهتمين من طلبة العلم بهذه المسائل، لم أقف على من جمع هذه التّعقبات ودرسها. منهج الدّراسة: قامت هذه الدّراسة على المنهج الاستقرائي، وذلك باستقراء كتاب ميزان الاعتدال للحافظ الذّهبيّ؛ وذلك للوقوف على تعقّباته للإمام ابن حبّان، في جرح الرواة وتعديلهم، ثم المنهج التحليلي النّقدي؛ لدراسة هذه التعقبات، وبيان ما يترجّح منها. خطة البحث: جاء هذا البحث في مقدمة، وتمهيد، ومبحثين، وخاتمة، على النحو الآتي: المقدمة تمهيد: الإمام ابن حبّان في ميزان الحافظ الذّهبيّ. المبحث الأول: تعقبات الحافظ الذّهبيّ على الإمام ابن حبّان في تعديله بعض الرواة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع ابن حبان. المطلب الثاني: التّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع الذّهبيّ. المطلب الثالث: التّعقبات التي ظهر أنّهاموضع للنّقاش. المبحث الثاني: تعقبات الحافظ الذّهبيّ على الإمام ابن حبّان في تجريحه بعض الرواة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع ابن حبّان. المطلب الثاني: التّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع الذّهبيّ. المطلب الثالث: التّعقبات التي ظهر أنّهاموضع للنّقاش. الخاتمة. تمهيد: الإمام ابن حبّان في ميزان الحافظ الذّهبيّ إنّ استدراك عالم على آخر، وتعقبه إيّاه، مسألة علميّة، تدلّ على موضوعيّ ة علماء الإسلام، وحبّهم لدينهم، ولا ينبغي أنّ يفهم منها انتقاص الذوات والأقدار، والحطّ من المكانة العلميّة، وا ن كان الاستدراك أحيانا بلغة لاذعة، وعبارات شديدة كما سيأتي، ولمّا كان الأمر كذلك، أحببت أنّ أمهّد لبحثي هذا؛ بمكانة الإمام ابن حبّان عند الحافظ الذّهبيّ. قال الذّهبيّ في ابن حبّان رحمهما الله تعالى: "الإمام، العلاّمة، الحافظ، المجوّد، شيخ خراسان... صاحب الكتب المشهورة... قال ابن حبّان في أثناء كتاب (الأنواع): لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ. قلت: كذا فلتكن الهمم، هذا مع ما كان عليه من

عدد الصفحات ٢

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 287 - الفقه، والعربيّة، والفضائل الباهرة، وكثرة التصانيف... أنكروا على أبي حاتم بن حبّان قوله: النبوة: العلم والعمل، فحكموا عليه بالزندقة، هجر، وكتب فيه إلى الخليفة، فكتب بقتله (5). قلت: هذه حكاية غريبة، وابن حبّان فمن كبار الأئمة، ولسنا ندعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن يعتذر عنه،..."(6). وقال مبيّنا مكانة كتبه:"ويَنْبُوعُ معرفةِ الثّقات: تاريخُ البخاريِّ، وابن أبي حاتم، وابن حِبَّان، (7). وعند حديثه عن النّقاد الذين يعتمدقولهم في الجرح والتّعديل، قال:" فنشرع الآن بتسمية مَن كان إذا تكلم في الرّجال قبل قوله، ورجع إلى نقده، ونسوق مَن يسّر الله تعالى منهم، على الطّبقات والأزمنة، والله الموفق للسّداد بمنّه.." (8). وعدّ ابن حبّان في الطبقة التاسعة (9). وا ذا نظرنا في أقوال ابن حبّان في الرّجال، كمصدر من مصادر الذّهبيّ في كتابه ميزان الاعتدال، ومورد من موارده، وجدناها عمدة عنده لا فضلة، أساساً لا فرعاً، فقد نقل الذّهبيّ قوله في نحو من ألف رجل. المبحث الأول: تعقبات الحافظ الذّهبيّ على الإمام ابن حبّان في تعديله بعض الرواة بتتبع أقوال الذّهبيّ في الميزان، وجدته قد تعقب ابن حبّان في عشرة رواة عدّلهم. المطلب الأول: التّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع ابن حبان: أولاً: أيوب بن سويد الرملي، أبو مسعود : قال ابن حبّان: "...وكان رديء الحفظ، يتقى حديثه من رواية ابنه محمد بن أيوب عنه؛ لأنّ أخباره إذا سبرت من غير رواية ابنه عنه، وجد أكثرها مستقيمة" (10). قال الذّهبيّ: "ضعّفه أحمد وغيره. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن معين: ليس بشئ. وقال ابن المبارك: ارم به. وقال البخاري: يتكلمون فيه. والعجب من ابن حبّان ذكره في الثّقات فلم يصنع جيّداً، وقال: ردئ الحفظ. وقد طوّل ابن عدي في كامله ترجمته" (11). وقد اعتمد الذّهبيّ في سيره إلى حد ما كلام ابن حبّان، فقال: "مُحَدِّثٌ الرَّمْلَةِ، أَبُو مَسْعُوْدٍ الحِمْيَرِيُّ، السَّيْبَ انِيُّ، الرَّمْلِيُّ...وَكَانَ سَيِّئَ الحِفْظِ، لَيِّناً" (12). قال أبو حاتم"هو ليّن الحديث" (13). وقال الخليلي: "صالح الحديث، قديم الموت، روى عنه الكبار، لم يرضوا حفظه، وهو غير متّفق عليه، وهو آخر مَن روى عن الليث بن سعد "(14). وقريباً منه عبارة ابن عدي: "ولأيوب بن سويد حديث صالح، عن شيوخ معروفين، منهم: يونس بن يزيد الأيلي نسخة الز هري، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وابن جريج، والأوزاعيّ، والثوريّ، وغيرهم، ويقع في حديثه ما يوافقه الثّقات عليه، ويقع فيه ما لا يوافقوه عليه، ويكتب حديثه في جملة الضّعفاء"(15). بل نجد النّووي ينقل عنه قوله في الأئمة، قال: "وقال أيوب بن سويد الرملى، وهو أحدشيوخ الشّافعي، ومات قبل الشّافعي بإحدى عشرة سنة: ما ظننت أنى أعيش حتى أرى مثل الشّافعي" (16). وقوله:"وعن أيوب بن سويد الرملى، قال: ما رأيت أحدًا قط أجود حديثًا من مالك بن أنس" (17). ونقل عنه ابن حجر: " وقال أيوب بن سويد الرملي: كان شعبة يقول: إنّ الحكم لم يحدث عن يحيى بن الجزّار إلا ثلاثة أحاديث"(18). وقال الدارقطني:" يعتبر به (19). قلت: لا عجب من ذكره ابن حبّان له في الثّقات، إذ لم ينفرد بذلك، ويؤكد أبو زرعة الرّازي قولَه، ويبين أنّهاعبارته متقنة، تدل على خبرة تامة، حيث بين ما وقع من ابن أيوب، فقال:" أخرج إلين ا كتب أبيه، أبوابا مصنفة بخط أيوب بن سويد، وقد بيّض أبوه كلّ باب، وقد زيد في البياض أحاديث بغير الخط ّالأوّل، فنظرت فيها: فإذا الذي بخطّ الأوّل أحاديث صحاح، وا ذا الزّيادات أحاديث موضوعة، ليست من حديث أيوب بن سويد. قلتُ: هذا الخطّ الأوّل خطّ مَن هو؟ فقال: خطّ أبي.

عدد الصفحات ٣

حاديث بغير الخط ّالأوّل، فنظرت فيها: فإذا الذي بخطّ الأوّل أحاديث صحاح، وا ذا الزّيادات أحاديث موضوعة، ليست من حديث أيوب بن سويد. قلتُ: هذا الخطّ الأوّل خطّ مَن هو؟ فقال: خطّ أبي. فقلت: هذه الزّيادات خط ّمَن هو؟ قال خطّي. قلتُ: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: أخرجتها من كتب أبي. قلتُ: لا ضَيْر أخرج إليّ كتب أبيك الّتي أخرجت هذه الأحاديث منها. قال أبو زرعة: فاصْفَار لونه، وبقي(20). وقال: الكتب ببيت المقدس. فقلت: لا ضَيْر، أنا أكتري فيجاء بها إليّ، فأوجه إلى بيت المقدس، وأكتب إلى مَن كتبك معه حتى يوجّهها، فبقي. ولم يكن له جواب. فقلت له: ويحك أما تتقي الله! ما وجدت لأبيك ما تفقه به سوى هذا! أبوك عند الناس مستور، وتكذب عليه! أما تتقي الله! فلم أزل أكلمه بكلام من نحو هذا ولا يقد ر ليّ عليّ جواب"(21). وعليه فكلام ابن حبّان سديد، موافق لكلام أبي زرعة، نابع من سبر لمروياته ثانياً: زياد بن أبي الجصّاص البصريّ، ثم الواسطيّ :

عدد الصفحات ٣

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 288 - قال ابن حبّان: "زياد بن أبى زياد الجصّاص، أبو محمد، من أهل واسط، يروى عن الحسن وابن سيرين. روى عنه هشيم ويزيد بن هارون. ربما وهم..." (22). قال الذّهبيّ: "قال ابن معين، وابن المدينى: ليس بشئ. وقال أبو زرعة: واهٍ. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وأمّا ابن حبّان، فقال في الثّقات: ربما يهم. قلت: بل هو مجمع على ضعفه. قال ابن الجوزي: في الرواة سبعة زياد بن أبي زياد، ليس فيهم مجروح سوى الجصاص" (23). وقال في المغني، وفي ديوان الضعفاء: "تَرَكُوهُ(24) قال العجلي: "لا بأس به(25). واختلفت كلمة أبي زرعة فمرة قال: "واهى الحديث (26) وأخرى قال: "شيخ (27). وقال ابن عدي: "لم نجد له حديثًا منكراً جداً فأذكره، وأحاديثه يحمل بعضها بعضا، وَهو في جملة من يجمع، ويكتب حديثه"(28). وقال البزار: "ليس به بأس، وليس بالحافظ (29). وقال: "رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ صَالِحُ الْحَدِيثِ (30). قلت: فهو ليس مجمع على ضعفه بالصورة التي ساقها الذّهبيّ رحمه الله، والتي تنزله عن درجة الاعتبار، وقول ابن حبّان فيه قريب من قول البزار وابن عدي، والله أعلم. ثالثاً: سويد بن عبد العزيز الدمشقي، قاضى بعلبك، أصله واسطى : قال ابن حبّان: "كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، حتى يجيء في أخباره من القلوبات أشياء تتخايل إلى من سمعها أنّهاعملت تعمدا... قال: سئل يحيى بن معين عن سويد الدمشقي، قال: ليس حديثه بشئ. قال أبو حاتم: والذي عندي في سويد بن عبد العزيز تنكب ما خالف الثّقات من حديثه، والاعتبار بما روى مما لم يخالف الأثبات، والاحتجاج بما وافق الثّقات، وهو ممن أستخير الله عزوجل فيه؛ لأنّه يقرب من الثّقات"(31). قال الذّهبيّ: "وقال ابن معين: كان قاضياً بدمشق بينالنّصارى. وهو واسطي، انتقل إلى حمص، ليس حديثه بشئ. هذه رواية عباس الدوري عنه. وروى ابن الدّورقي عنه: واسطي: تحول إلى دمشق، ليس بشيء. وقال البخاري: في بعض حديثه نظر. وقال أحمد وغيره: ضعيف. وعن أحمد أيضاً: متروك...، وقد هرّت(32) ابن حبّان سويدا، ثم آخر شئ قال: وهو ممن أستخير الله فيه، لأنه يقرب من الثّقات. قلت: لا، ولا كرامة، بل هو واهٍ جداً. قال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: ليّن. وقال الدّارقطني: يعتبر به" (33). وعباراته في التّاريخ والسّير أخف من هذا بكثير، قال في السّيرقاضي بعلبك، أبو محمد السّلمي مولاهم، الدّمشقيّ، الفقيه المقرئ (34)" ثم ساق أقوال بعض من جرحه، ولم يعرض لقول ابن حبان قال ابن سعد: "وَكَانَ يَرْوِي أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً " (35). وقال ابن عدي: "ولسويد أحاديث صالحة غيرما ذكرت، وعامة حديثه مما يتابعه الثّقات عليه، وهو ضعيف كما وصفوه" (36). وقال أبو بكر البزّار: "رَجُلٌ لَيْسَ بِالْحَافِظِ، وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ بِحَدِيثٍ "(37). ونقل المزي قال: "قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عَبد الله أحمد بن حنبل، وعنده الهيثم بن خارجة، فذكرا سويد بن عبد العزيز، فقال أبو عبد الله للهيثم: كم كانت روايته عن حصين؟ فقال: أربع مئة أو ست مئة. قال أبو عبد الله فيها: أرى يخلّط، فقال: لا، كلها صحاح. فقال أبو عبد الله: أليس فيها "سترة الإمام سترة لمن خلفه" عن الشعبي، عن مسروق؟ وتبسم كأنه ينكره. وَقَال نعيم بن حماد: كان هشيم يحسّن أمره. وقال دحيم: ثقة، وكانت له أحاديث يغلط فيها. وَقَال علي بن حجر: سألت هشيما، قلت: شيخ من أهل واسط بالشام، يقال له: سويد بن عبد العزيز؟ فأثنى عليه خيرا. وقال يعقوب بن سفيان: "مستور فى حديثه لين. وقال فى موضع آخر: ضعيف الحديث"(38). قلت: قول الذّهبيّ (و اهٍ جداً) معارض بقول عدد من الأئمة كالبخاريّ، وأبي حاتم، ويعقوب بن شيبة، والبزّار، والدّارقطني،

عدد الصفحات ٤

ن: "مستور فى حديثه لين. وقال فى موضع آخر: ضعيف الحديث"(38). قلت: قول الذّهبيّ (و اهٍ جداً) معارض بقول عدد من الأئمة كالبخاريّ، وأبي حاتم، ويعقوب بن شيبة، والبزّار، والدّارقطني، والأقرب فيه أنّ ه من أهل الاعتبار، كما ختم ابن حبّان رأيه فيه، ويؤيده قول البزّار وابن عديّ والدّارقطنيّ، وهم من أهل الاستقراء، وسبر المرويات، كما هو معلوم، والله أعلم. رابعاً: عثمان بن أبى سودة المقدسي: قال ابن حبّان: "عثمان بن أبى سودة، أخو زياد بن أبي سودة، سمع عبادة بن الصامت..عداده في أهل بيت المقدس، روى عنه زيد بن واقد وأهل الشام" (39). قال الذّهبيّ: "عن أبي هريرة وجماعة. وعنه أخوه زياد... وثّقه مروان الطاطرى(40)، وابن حبّان. قال الأوزاعيّ: أدرك عبادة بن الصامت، وكان مولاه. قلت: في النفس شيء من الاحتجاج به" (41). وهو من التابعين "من أهل بدر المقدّمين، أمه مولاة عبادة بن الصامت، وأبوه مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، اجتاز بدمشق أو عمالها في غزوه" (42). وقال ابنحجر: "ووثقه أيضاً يعقوب بن سفيان". (43) وقال ابن حجر: "ثقة من الثالثة(44). وعلى هذا؛ فهو حجّة، ورأيُّ ابنِ حبّان فيه مقدّم على قول الذّهبيّ، والله أعلم

عدد الصفحات ٤

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 289 - خامساًنصر بن عاصم الأنطاكيّ : قال ابن حبان: "شيخ، يروى عن الوليد بن مسلم، روى عنه عثمان بن خرزاذ" (45). قال الذّهبيّ: "قال العقيلي: لا يتابع على حديثه...، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "كان بين آدم ونوح عشرة قرون، وبين نوح وا براهيم عشرة قرون"(46) قلت: نصر بن عاصم محدث دجّال، ذكره ابن حبّان في الثّقات(47). وقال في المغني: "له حديث، وهو منكر ، ذكره العقيلي، وهو "كان بين آدم وا براهيم عشرون قرناً " (48). قلت: كذا في المطبوع (دجّال) ولا أظنها ثابتة عنه، ويترجّح عندي أنّها تصحيف من كلمة "رحال" يؤيد هذا وصف الذّهبيّ له بذلك في الكاشف والتّاريخ. قال في الكاشف: "نصر بن عاصم الأنطاكي، عن الوليد ومسكين بن بكير، وله رحلة، ومعرفة، وعنه أبو داود والفريابي" (49) . وقال في التّاريخ: "... رحل إلى النواحي في طلب العلم... ذكره ابن حبّان في الثّقات(50). ولم يتهمه أحد، إنّما أنكر عليه حديث واحد، قال العقيلي: "ولا يُتَابَعُ عليه، ولاَ يُعْرَف إلاَّ به،.."(51). وقال ابن حجر: "لين الحديث" (52). وصحح له الضياء في المختارة، فروى له وقال: "إِسْنَاده صَحِيح(53). وهو شيخ أبي داود، روى من طريقه عدّة أحاديث"(54). قلت: وعليه فيكون ذكره في البحث لئلا يستدرك عليّ، والله أعلم سادساً: نصر بن الفتح السمرقندى العائذى : قال الذّ هبيّ: "وضع هذا الحديث. قال ابن حبّان في الأنواع في أوائل المجلد الثالث: أخبرنا نصر بن الفتح، أخبرنا رجاء بن مرجى، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قاضى سمرقند، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: "كان خاتم النبوّة، مثل البندقة، من لحم عليه، مكتوب محمد رسول ا لله صلى الله عليه وسلم"(55). راج هذا على ابن حبّان، واعتقد صحته، وهو كذب وقاضي سمرقد، ذكره ابن أبي حاتم، وما ليّنه أحد قطّ"(56). وذكره في التّاريخ، وقال: "وله رحلة إلى العراق(57)، ولم يتّهمه بشيء وتعقب ابن حجر الذّهبيّ في اتهامه، فقال: "ونصر بن الفتح، ما ض عفه أحد قط أيضا، وهو شيخ ابن حبّان، فمن أين للمصنّف أنّ هذا الحديث موضوع! نعم، هو شاذ؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة في صفة خاتم النّبوة، وموضع المخالفة منه ذكر الكتابة، فلعلّه دخل عليه حديث في حديث، انتقل ذهنه من خاتم الكتب إلى خاتم النبّوة، فالله أعلم" (58). وهذا القول، من ابن حجر، يدلّ على أنّ الحقّ مع ابن حبان، ويَرُدُّ على الذّهبيّ قوله، فإن أخطأ نصر في سياقة حديث، فليس من الصّواب اتهامه بالوضع، وجلّ من لا يخطئ. المطلب الثاني: التّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع الذّهبيّ : أولاً: عبد الواحد بن سليم البصريّ : قال ابن حبّان: "عبد الواحد بن سليم، يروي عن عطاء، روى عنه أبو داود الحفريّ وعليّ بن الجعد" (59). قال الذّهبيّ: "بصريّ. عن عطاء– هالك، قال أحمد: أحاديثه موضوعة. وضعّفه يحيى. وقال النسائيّ: ليس بثقة. قلت: حدث عنه أبو داود، وعليّ بن الجعد، وسعدويه، له حديث منكر في القدر، وخلق القلم. والعجب أنّ ابن حبّان ذكره في الثّقات" (60). قلت نعم، عبد الواحد ضعيف، كما قال الذّهبيّ، لكنّ ابن حبّان لم ينفرد بتحسين حاله نوعا ما، بمجرد ذكره في الثقات، فقد قال أبو حاتم: شيخ(61)، وهي لفظة إن لم تدل على التّعديل، فليست لفظ تجريح، وكان على الذّهبيّ إنّ يتعجّب -إنْ وجب التعجب- من صنيع التّرمذّي؛ حين صحّح له حديث القدر(62) كما ذكر الذّهبيّ نفسه في الكاشف (63)، ومن الضّياء المقدسيّ؛ حين حسّن له حديث القلم(64). وعليه، فإنه وا ن كان الحقّ مع الذّهبيّ في الحكم على الراوي؛ فإنّه يؤخذ عليه حصر تعقبه في ابن حبّان وحسب، وصنيع ابن حبّان أخف من صنيع التّرمذّي والضياء المقدسيّ، والله أعلم. ثانياً: معروف بن عبد الله، أبو الخطّاب الدّمشقيّ الخيّاط:

عدد الصفحات ٥

راوي؛ فإنّه يؤخذ عليه حصر تعقبه في ابن حبّان وحسب، وصنيع ابن حبّان أخف من صنيع التّرمذّي والضياء المقدسيّ، والله أعلم. ثانياً: معروف بن عبد الله، أبو الخطّاب الدّمشقيّ الخيّاط: قال ابن حبّان: "معروف الخيّاط، أبو الخطّاب، مولى بنى أمية، يروي عن واثلة بن الأسقع، عداده في أهل الشام، روى عنه الوليد بن مسلم وعليّ بن حجر"(65). ويفسر ابن حبّان ذكره في الثّقات قائلاً: "وأدخلنا علي بن حجر في أتباع التابعين؛ لأنه سمع من معروف الخيّاط، ومعروف حفظ من واثلة بن الأسقع أشياء، ومعروف صدوق "(66) .

عدد الصفحات ٥

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 290 - قال الذّهبيّ: "قال أبو حاتم الرّازي: ليسبالقوي (67). وقال ابن عدّي: له أحاديث منكرة جداً. وشذّ ابن حبّان فأخرجه في كتاب الثّقات" (68). وقال في التّاريخ: "أَحَدُ َالضُّعفَاءِ (69). وساق له ابن عدى أحاديث عن واثلة، ثم قال: "وهذه الأحاديث، لمعروف عن واثلة، منكرة جداً ومعروف هو مولى واثلة ومعروف الخياط هذا، عامة ما يرويه، وما ذكرته أحاديث، لاَ يُتَابَعُ عَليه"(70) .وذكره ابن الجوزي تبعا لقول أبي حاتم وابن عدي(71). وعلّق الذّهبيّ على هذه الأحاديث التي ساقها ابن عدي بقوله: "قلت: هذه موضوعات بيقين، والبليّة من عمر بن حفص؛ لأنّ معروفاً قلّ ما روى، وأكثر ما عنده أمور من أفعال واثلة، وكان مولاه" (72). وقال ابن حجر "أورد له ابن عدي في ترجمته عدة أحاديث منكرة من رواية عمر بن حفص المعمر والبلية فيه لا من معروف" (73). وقال: "ضعيف من الخامسة(74). وعلى هذا، يكون معروف ضعيفاً، ويتجه تعقّب الذّهبيّ لابن حبّان، إلا أنّ ضعفه لا يصل به درجة من يضع الحديث، فعامة حديثه لا يتابع عليه كما قال ابن عديّ، وفي بعضها البليّة فيها ممن روى عنه، والله أعلم. المطلب الثالث: التّعقبات التي ظهر أنّها موضع للنّقاش: أولاً: عمر بن شاكر البصريّ : قال ابن حبّان: "عمر بن شاكر، قال: سمعت أنسا، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "مَن صلّى بالنّاس فليتجوز؛ فإن فيهم: الضّعيف، والكبير، والصغير، وذا الحاجة"(75)، روى عنه عثمان بن عبد الرحمن الطرائفيّ(76). قال الذّهبيّ: "بصريّ. واهٍ. له عن أنس نحو عشرين حديثاً مناكير. روى عنه نصر بن الليث، وعثمان الطرائفيّ، وا سماعيل ابن بنت السدى. أدخله ابن حبّان في كتاب الثّقات فنقم عليه ذلك. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال ابن عدي: له نسخة نحو من عشرين حديثاً غير محفوظة، منها حديث: "يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه له أجر خمسين منكم"(77)"... (78). قال في تاريخ الإسلام "وقد أَدْخَلَهُ ابن حبّان فِي كِتَابِ " الثّقات " فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا" (79). وقال "له أحاديث عن أنس، وفيه لين، وقد أدخله ابن حبّان في كتاب الثّقات له. توفي بعد السبعين ومئة، وقد قارب المئة" (80). وذكره ابن الجوزيّ تبعاً لأبي حاتم وابن عديّ (81). وقال التّرمذّي: "حدثنا إسماعيل بن موسى، حدثنا عمر بن شاكر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على النّاس زمان، الصّابر فيهم على دينه، كالقابض على الجمر" سأل محمّدا عن عمر بن شاكر فقال: هو مقارب الحديث، روى عنه عثمان الكاتب وغير واحد" (82). وقال التّرمذّي "وَعُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ، شَيْخٌ بَصْرِيٌّ، قَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ" (83). قلت: فإذا علمنا أنّ قول البخاريّ (مقارب الحديث) من الألفاظ التي يستفاد منها التّعديل، كما صرح التّرمذّي بقوله عن الأفريقيّ، وَرَأَيْتُ مُحَ مَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يُقَوِّي أَمْرَهُ، وَيَقُولُ: هُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ" (84). وقال "وَا ِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ، قَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: هُوَ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الحَدِيثِ "(85). فيكون عندها ابن حبّان لم ينفرد بتحسين حاله، فقد شاركه البخاريّ، خاصّة أنّ ه تابعيّ (86)، مع النّظر في قول الذّهبيّ في أول عبارته: واه، وقوله في تاريخ الإسلام: فيه لين، فيكون صنيع ابن حبّان أقرب إلى الصّواب من موقف الذّهبيّ، والله أعلم. ثانياً: الفضل بن عميرة القيسيّ : قال ابن حبان: "الفضل بن عميرة الطفاوي، يروى عن ميمون الكردي، روى عنه حرمى بن عمارة" (87). قال الذّهبيّ "عن ميمون بن سياه، عن أبي عثمان النهدي، سمعت عمر، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"(88).

عدد الصفحات ٦

ه حرمى بن عمارة" (87). قال الذّهبيّ "عن ميمون بن سياه، عن أبي عثمان النهدي، سمعت عمر، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"(88). قال العقيلي: الفضل هذايتابع على حديثه. قال شيخنا أبو الحجاج: هو أبو قتيبة، بصري. روى عن ثابت البنانيّ، وميمون الكرديّ. وعنه جعفر بن سليمان، وحرمى بن عمار، وغيرهما. ذكره ابن حبّان في الثّقات. قلت: بل هو منكر الحديث،..." (89). وذكره البخاريّ(90) وابن أبي حاتم(91) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً . وقال ابن حجر: "ذكره السّاجيّ في الضّعفاء، وقال في حديثه ضعف، وعنده مناكير"(92). ولم يتابع ابنُ حجر الذّهبيّ، فقال عنه: فيه لين(93). قلت: لم يقل أحد منكر الحديث إلا الذّهبيّ، وقال الساجي: عنده مناكير، ولم يقل: منكر الحديث، ويستدرك على الذّهبيّهنا أنّ !ه تابع الحاكم على تصحيح حديث من طريقه، تفرّد به، قال فيه الحاكم: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِْسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ". ق ال الذّهبيّ في التّلخيص: صحيح(94).

عدد الصفحات ٦

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 291 - المبحث الثاني: تعقبات الحافظ الذّهبيّ على الإمام ابن حبّان في تجريحه بعض الرّواة بتتبع أقوال الذّهبيّ في الميزان وقفت على اثنين وعشرين راويا تعقب الذّهبيّ على ابن حبّان تجريحهم. المطلب الأول: التّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع ابن حبّان: أولاً: بشر بن شعيب بن أبي حمزة الحمصيّ : قال ابن حبّان: "مولى بنى أمية، كنيته أبو القاسم، من أهل حمص، ير وى عن أبيه، روى عنه أهل الشّام، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكان متقناً، وبعض سماعه عن أبيه مناولة، سمع نسخة شعيب سماعاً"(95). وقال الذّهبيّ: "صدوق، أخطأ ابن حبّان بذكره في الضّعفاء، وعمدته أنّ البخاريّ قال: تركناه، كذا نقل فوهم على البخاريّ، إنما قال البخار يّ: تركناه حيّاً سنة اثنتي عشرة ومائتين.."(96). وتابع ابنُ حجر الذّهبيّ في قوله، وبيّن منشأ الخطأ الذي وقع لهما؛ وهو أنهما تابعا ابن الرومية (97)، قال: "وقد تعقّب ذلك أبو العبّاس النباتيّ على ابن حبّان في الحافل فأسهب" (98). ولم يذكر ابن حبّان بشيرا فيالمجروحين، إنما ذكره في الثّقات، ووصفه بالإتقان، كما نرى. والله أعلم. ثانياً: حميد بن وهب القرشيّ : قال ابن حبّان: "... ممن يخطئ؛ حتى خرج عن حدّ التّعديل، ولم يغلب خطؤه صوابه حتى استحقّ الجرح، وهو لا يحتجّ به إذا انفرد" (99). وقال الذّهبيّ "قال البخاريّ: منكر الحديث. وقال ابن حبّان: لا يحتج به. قلت: مقل صويّلح"(100). وذكره ابن عديّ ونقل قول البخاريّ فيه (101). وقال العقيليّ: "ولاَ يُتَابَعُ على حدِيثهِ، وحميد بن وهب مجهول في النّقل(102) . وذكره ابن الجوزيّ ونقل فيه قول ابن حبّان (103). قال ابن حجر: "وقال ابن المدينيّ: حميد القرشيّ، يروي عن ابن طاووس، مجهول"(104). قلت: فلا يوافق الذّهبيّ على قوله صويّلح، وهي من ألفاظ التّعديل (105). وتترك هذه النّقول في تجهيله وتجريحه، حتى أنّ البخاريّ لا يُحِلّ الرواية عنه. ثالثاً: خالد بن صبيح الفقيه: قال ابن حبّان: "خَالِد بن صبيح، من أهل مرو، يروي عَن أبي حَمْزَة وَابْن الْمُبَارك، روى عَنهُ عبد الْوَارِث بن عبيد الله الْعَتكِيّ وَأهل بَلَده، مُسْتَقِيم الحَدِيث"(106) . وقال الذّهبيّ: "عن إسماعيل بن رافع. قال أبو حاتم: صدوق. وقد ذكره ابن حبّان في تذييله على الضعفاء، هكذا قال أبو العباس النباتيّ، والقول قول أبي حاتم"(107). قال ابن أبي حاتم "خالد بن صبيح، الخراسانيّ، أبو معاذ البلخيّ، روى عن عكرمة وا سماعيل بن رافع، روى عنه هشام بن عبيد الله الرازيّ، سمعت أبي يقول بعض ذلك، وبعض من قبلي، وسألته عنه فقال: كان صاحب رأيّ، وكان صدوقاً"(108). قلت: لم يختلف قولاهما فيه، وقد اعتمد الذّهبيّ كلام ابن الروميّة؛ كما سبق في بشر بن شعيب، والله أعلم. رابعاً: عطاء بن عبد الله الخراساني : قال ابن حبّان: "أَصله من بَلخ، مولى الْمُهلب بن أبي صفرَة، وعداده فِي الْبَصرِييّن، وَا ِنَّمَا قيل الْخُرَاسَانِيّ؛ لأَِنَّهُ دخل خُرَاسَان، وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْعرَاق، فنسب إِلَى خُرَاسَان؛ لطول مكثه بهَا، وَكَانَ مولده سنة خمسين، وَمَ ات سنة خمس وَثَلاَثِينَ وَمِائَة بأريحا؛ فَحمل وَدفن بِبَيْت الْمُقَدّس، وَكَانَ من خِيَار عباد الله، غير أَنه رَدِي ء الْحِفْظ، كثير الْوَهم، يخطىء وَلاَ يعلم؛ فَحمل عَنهُ؛ فَلَمَّا كثر ذَلِك فِي رِوَايَته؛ بَطل الاِحْتِجَاج بِهِ" (109). وقال: "عُثْمَان بن عَطاء بن أبي مُسلم الْخُرَاسَانِيّ، يروي عَن أَبِيه، روى عَنهُ مُحَمَّد بن شُعَيْب بن شَابُور وَالنَّاس، أَكثر رِوَايَ ته عَن أَبِيه، وَأَبوهُ لاَ يجوز الاِحْتِجَاج بروايته؛ لما فِيهَا من المقلوبات الَّتِي وهم فِيهَا، فلست أَدْرِي البليّة فِي تِلْ كَ الأَْخْبَار مِنْهُ، أَو من

عدد الصفحات ٧

َاس، أَكثر رِوَايَ ته عَن أَبِيه، وَأَبوهُ لاَ يجوز الاِحْتِجَاج بروايته؛ لما فِيهَا من المقلوبات الَّتِي وهم فِيهَا، فلست أَدْرِي البليّة فِي تِلْ كَ الأَْخْبَار مِنْهُ، أَو من نَاحيَة أَبِيه، وَهَذَا شَيْء يشْتَبه إِذا روى رجل لَيْسَ بِمَشْهُور بِالْعَدَالَةِ، عَن شيخ ضَعِ يف أَشْيَاء لاَ يَرْوِيهَا عَن غَيره، لاَ يتهيأ إلزاق الْقدح بِهَذَا الْمَجْهُول دونه؛ بل يجب التنكب عَمَّا رويا جَمِيعًا؛ حَتَّى يحْتَاط الْمَرْء فِيهِ؛ لأَِن الدَّين لم يُكَلّف الله عباده أَخْذَه عَن كلّ من لَيْسَ بعدل مرضِيّ" (110). قال الذّهبيّ: "من كبارالعلماء... وقال النسائيّ: أبو أيوب عطاء بن عبد الله بلخيّ، سكن الشام، ليس به بأس... وقال أحمد، ويحيى، والعجليّ، وغيرهم: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، معروف بالفتوى والجهاد. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره العقيليّ

عدد الصفحات ٧

تعقبات الحافظ الذهبي محمد عودة الحوري - 292 - في الضعفاء متشبثا بهذه الحكاية التي رواهاحماد بن زيد، عن أيوب: حدثني القاسم بن عاصم، قلت لسعيد بن المسيب: إنّ عطاء الخراسانيّ، حدثني عنك، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمر الذي واقع أهله في رمضان بكفارة الظهّار، فقال: كذب، ما حدثته، إنما بلغني أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال له: تصدق، تصد ق. وقد ذكر البخاريّ عطاء الخراسانيّ في الضّعفاء، فروى له هذا عن سليمان بن حرب، عن حماد. أحمد بن حنبل، حدثنا عفّان، حدثنا همّام، أخبرنا قتادة - أنّ محمّداً وعوناً حدّثاه أنهما قالا لسعيد: إنّ عطاء الخراسانيّ حدثنا عنك في الذي وقع بأهله في رمضان، فأمره النّب يّ صلّى الله عليه وسلّم أن يعتق رقبة، فقال: كذب عطاء، إنما قال له: تصدق، تصدق. وقال ابن حبّان في الضعفاء: أصله من بلخ... فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به، فهذا القول من ابن حبّان فيه نظر، ولا سيما قوله: وا نما قيل له الخراسانيّ. فيا هذا أيّ حاجة بك إل ى هذه الدّورة؟ أليست بلخ من أمهات مدن خراسان بلا خلاف؟ قال أبو حاتم: ثقة محتج به. وقال أبو داود: لم يدرك ابن عبّاس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه، إلا أنه لم يلق ابن عباس. وقال حجاج بن محمد: حدثنا شعبة. حدثنا عطاء الخراسانيّ - وكان نسيّا. وقال التّرمذّي في كتاب العلل: قال محمّد- يعني البخاريّ. ما أعرف لمالك رجلاّ يروي عنه يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراسانيّ. قلت: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة. ثم قال التّرمذّي: عطاء ثقة. روى عنه مثل مالك، ومعمر، ولم أسمع أنّ أحداً من المتقدّمين تكلّم فيه"(111). وأطلق القول بتوثيقه في ديوان الضّعفاء والسّير"(112) وقال في من تكلّم فيه وهو موثّق: "صدوق ضعيف، وأكثرهم وثّقه، وقال أبو حاتم: لا بأس به"(113). ونقل عن سعيد بن المسيّب أنه قال:" كذب عليّ عطاء ما حدثته هكذا (114). وضعّفه أبو زرعة الرازيّ (115). وقال البيهقيّ: "ليس بالقويّ(116). وذكره ابن الجوزيّ تبعا لابن حبّان(117). قلت: النّظر في عبارتي ابن حبّان، يبيّن موضوعيّته، ودقّة وصفه، ويؤكد قول البخاريّ، ويفسّر جرح من جرحه، والله أعلم وأما شدّة إنكار الذّهبيّ لتفسير نسبته إلى خراسان، فلا مبرر له؛ لأن العلماء ينسبون إلى بلخ وا لى خراسا ن، ولم يهمل أحد النسبة إلى بلخ، ويكتفي بالنسبة إلى خراسان بدلا عنها. فها هو الذّهبيّ نفسه يقول: "مقاتل بن حيّان، أبو بسطام النبطيّ البلخيّ الخراسانيّ الخرّاز"(118)، جامعا بين النسبتين، فهل يقال له كما قال هو لابن حبّان؟ خامساً : كلثوم بن جوشن الْقشيرِيّ : ذكره ابن حبّان في كتابيه: قال في الثّقات: "... يروي عَن الْحسن، روى عَنهُ عبد الْملك بْن بهز بْن حَكِيم، وَعبيد اللَّه بْن عَمْرو الرقيّ"(119). وقال في المجروحين "... شيخ يروي عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَغَيره، روى عَنهُ كثير بن هِشَام، مِمَّن يَرْوِي عَن ا لثّقات المقلوبات، وَعَن الأَْثْبَات الموضوعات، لاَ يحل الاِحْتِجَاج بِهِ بِحَال، رَوَى عَنْ أَيُّوبَ السّخْتِيَانِيّ، عَن نَافِع، عَ ن بن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلّم، قَالَ: "التَّاجِرُ، الصَّدُوقُ، الأَمِينُ، الْمُسْلِمُ؛ مَعَ ال نَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَة" (120). وتابعه ابن الجوزيّ (121). قال الذّهبيّ: "وثّقه البخاريّ. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحلّ الاحتجاج به ... عن ابن عمر - مرفوعاً: التّاجر الصّدوق الأمين، المسلم، مع النبييّن، والصّدّيقين، والشّهداء يوم القيامة. لم يذكر ابن حبّان له سواه، وهو حديث جيّد الإسناد، صحيح المعنى، ولا يلزم من المعيّة أن يكون في درجتهم.

عدد الصفحات ٨

اجر الصّدوق الأمين، المسلم، مع النبييّن، والصّدّيقين، والشّهداء يوم القيامة. لم يذكر ابن حبّان له سواه، وهو حديث جيّد الإسناد، صحيح المعنى، ولا يلزم من المعيّة أن يكون في درجتهم. ومنه قوله تعالى: "ومن يطع الله والرّسول..." الآية..." (122). وذكره في الكاشف، ولم يذكر فيه إلا قول أبي داود: منكر الحديث (123). وفي ديوان الضّعفاء، ولم يذكر إلا أنّ أبا حاتم ضعّفه (124). قلت: وحكم الذّهبيّ على الحديث مردود؛ أولا: باستدراك الذّهبيّ نفسه على الحاكم لما قال عقب هذا الحديث:" كُلْثُومٌ هَذَا بَصَرِيٌّ، قَلِيلُ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ ". قال الذّهبيّ:" كلثوم بن جوشن: ضعّفه أبو حاتم"(125)، ثم- وهو الأهم - بحكم أبي حاتم، وقد سئل عنه، فقال: " هَذَا حديثٌ لا أصلَ لَهُ، وكُلْثومٌ ضعيفُ الْحَدِيثِ" (126). وذكره الجوزجاني وقال:"هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ"(127). المطلب الثانيالتّعقبات التي ظهر أنّ الصّواب فيها مع الذّهبيّ : أولاً: أفلح بن سعيد المدنيّ القبائيّ : ذكره ابن حبّان في كتابيه: قال في الثّقات: "من أهل قبا، يروي عن عبد الله بن رافع، روى عنه زيد بن الحباب" (128).

عدد الصفحات ٨

دراسات ، علوم الشريعة والقانون، المجلّد 45، العدد4، الملحق1،2018 - 293 - وقال في المجروحين: "شيخ من أهل قباء، كان يسكن المدينة، يروي عن الثّقات الموضوعات، وعنالأثبات الملزوقات، لا يحل الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال، روى عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إن طالت بك مدّة، فسترى قوما يغدون في سخط الله عزوجل، ويرحون في لعنته..." (129) .(130). قال الذّهبيّ "صدوق...وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حبان: يروى عن الثّقات الموضوعات.لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه بحال. قلت: ابن حبّان ربما قصب(131) الثقة حتى كأنه لا يدرى ما يخرج من رأسه، ثم إنه بيّن مستنده فساق حديث عيسى بن يونس، حدثنا أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبى هريرة - مرفوعا: إن طالت بك مدة فسترى قوما يغدون في سخط الله،.. قلت: بل حديث أفلح صحيح غريب، وهذا شاهد لمعناه. وقد قال النسائي: ليس به بأس" (132). وقال: "صدوق، احتج به مسلم، ورأيت ابن حبّان قد بالغ في الحطّ عليه بلا مستند(133). قال ابن سعد: "وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ. وَهُوَ مَوْلًى لمُزينة...وَكَانَ ثِقَةً، قليل الحديث" (134). والحديث أخرجه البزّار، وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ، لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ عَبد الله بن رافع إلاَّ أفلح بن سَعِيد، وهُو رجل م شهور، من أهل قباء" (135). وتابع ابنُ الجوزيّ ابن حبّان (136). وتعقبه ابنُ حجر، فقال "وذَهَل ابنُ الجوزي فأورد الحديث من الوجهين في الموضوعات، وهو من أقبح ما وقع له فيها؛ فإنه قلّد فيه ابن حبّان من غير تأمّل"(137). قلت: ليت الذّهبيّ اقتصر في تعقّبه على عبارته في الثّقات المتكلّم فيهم بما لا يوجب ردّهم، فهي أرفق وألطف. ثانياً: سعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ القاضي المدنيّ : قال ابن حبّان: ".. كنيته أَبُو عَبْد اللَّهِ، أَصله من الْمَدِينَة، ولي الْقَضَاء بِبَغْدَاد، يروي عَن عبيد اللَّه بْن عَمْرو وَغَيره من الثّقات أَشْيَاء مَوْضُوعَة؛ يتخايل إِلَى من سَمعهَا أَنَّهُ كَانَ الْمُعْتَمد لَهَا، روى عَنْهُ مُحَمَّد بْن الصَّباح الدولابيّ والبغداديون، وَهُوَ الَّذِي رَوَى.. "مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلا مَعَ الإِمَام فليتمّ صلاَته، ثمَّ يقْضِي مَا فَاتَهُ، ثمَّ يُعِيد الَّتِي صَلاهَا مَعَ الإِمَامِ".. وَقَدْ رَوَى.. "وَعَلَيْكَ بِالْعَلانِيَةِ، وَا ِيَّاكَ وَالسِّرَّ" ، وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ إِنَّمَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هَذَا الْكَلامُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَ نِ، عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ.." (138) قال الذّهبيّ: "وثقه ابن معين وغيره. وقال ابن عدي: له غرائب حسان، وأرجو أنّها مستقيمة، وا نما يهم فيرفع موقوفاً، ويوصل مرسلاً؛ لا عن تعمد. وأمّا ابن حبّان فإنّه خسّاف(139) قصّاب(140)، فقال: روى عن الثّقات أشياء موضوعة. ومن مناكيره:...عليك بالعلانية، وا يّاك والسّر... ثمّ يعيد التي صلاّها مع الإمام"، وقد ليّنه الفسويّ. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. قلت: ولى قضاء بغداد. وممن حدث عنه الليث بن سعد، وهو أكبر منه. وابن وهب، وعليّ بن حجر. وقال أبو حاتم أيضا: صالح. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال الساجيّ: يروي أحاديث لا يتابع عليه" (141). ونقل عن ابن معين أنّه قال: "قَاضٍ مَدَنِيٌّ، لَيْسَ بِشَيْءٍ" (142) قلت: نعم، لا يوافق ابنحبّان على هذا الإطلاق في سعيد، وعبارة ابن عديّ أرفق في الوصف، لكن كذلك لا يوافق الذّهبيّ على قوله في ابن حبان، فقد وصف ابن حبّان رواية من هذه الموضوعات بالخطأ الفاحش، لأنّ الخطأ لم يكن عن عمد، ولم يحكم على سعيد بأنّ ه وضعها تعمداً ، لكنه قال يتخايل إلى من سمعها أنّ ه المعتمد لها.

عدد الصفحات ٩

ن حبان، فقد وصف ابن حبّان رواية من هذه الموضوعات بالخطأ الفاحش، لأنّ الخطأ لم يكن عن عمد، ولم يحكم على سعيد بأنّ ه وضعها تعمداً ، لكنه قال يتخايل إلى من سمعها أنّ ه المعتمد لها. وهذا الحكم موافق لحكم أبي زرعة: "قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا خطأٌ؛ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفٌ ؛ وهو الصَّحيحُ"(143). وقد تابع ابن حبّان على ذلك ابنُ الجوزيّ (144)، وابنُ القيسرانيّ (145). ولم ينكر الذّهبيّ رحم ه الله إلاّ على ابن حبّان، مع أنّه وافقه على ذكر المناكير التي ذكرها لسعيد في المجروحين. وقول ابن عديّ: "لا عن تعمد" موافق لقول ابن حبّان يتخايل من سمعها... والله أعلم. ثالثا: العلاء بن زهير الأزدي : ذكره ابن حبّان في كتابيه: قال في الثّقات: "... يروي عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن الأْسود، عَنْ أَبِيه، روى عَنهُ أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن" (146). وقال في المجروحين: "كَانَ مِمَّن يروي عَن الثّقات، مَا لاَ يشبه حَدِيث الأَْثْبَات؛ فَبَطل الاِحْتِجَاج بِهِ فِيمَا لم يُوَاف ق الثّقات"(147) . وتابعه ابن الجوزي في ذكره (148). قال الذّهبيّ: "وثّقه يحيى بن معين... وقال ابن حبّان: كان ممن يروي عن الثّقات مالا يشبه حديث الأثبات، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثّقات. قلت: العبرة بتوثيق يحيى"(149).

عدد الصفحات ٩