المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التفسير البلاغي لسورتي الإخلاص والمعوذتين

عبد العزيز بن صالح العمار

صفحة ٤ من ٥

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -361- ويتابعها قيل لو في ذلك: وسوس إشارة إلى ذلك العمل، ودلالة عليو، ونظير ذلك كثير في اللغة العربية، ومنو: زلزؿ، وقلقل، وكبكب الشيء، وغيرىا . (1) و(الخناس) صفة أخرى للشيطاف الرجيم، مقابلة للصفة التي قبلها، ومضادة لها، وىي صيغة مبالغة على وزف فعَّاؿ من خنس يخنس، بمعنى انقبض وتأخر، وتخفَّى واستتر، وأصل ىذه المادة تدور حوؿ ىذا المعنى،، كما أف في المادة دلالة على الظهور بعد الخفاء، والرجوع إلى الوراء، ومن ذلك النجوـ الخُنّس، سُميت بذلك؛ لأنها تخنس عن مجراىا، وتختفي بضياء الشمس(2)، وتلتقي ىذه المعاني، وتجتمع في الشيطاف الرجيم؛ فهو الرجاع على عقبو بعد وسوستو في صدور الناس، كما أنو مستتر متوارٍ عن الأنظار والعيوف. والمراد من ذلك: أف الشيطاف وسواس خناس، فهو جاثم على قلب الإنساف، متربع عليو، ولكن ما إف يذكر الإنساف ربو، ويستعيذ بو من شره إلا وتراه يخنس ويرجع على عقبيو، ويختفي بعد ظهور، ويضعف بعد قوة، ويدبر بعد إقباؿ. وفي مجيء لفظة (الخناس) على وزف فعّاؿ، بدلالتها على المبالغة في ذلك كثير من الدلالات والإشارات، وىذه الدلالات وإف تعددت إلا إنها تلتقي في بياف عمل الشيطاف وشره، وفي الإشارة كذلك إلى خنوسو وتواريو حين يذكر العبد ربو، ويعتصم بحماه. ومن الذين تحدثوا عن دلالات ىذه اللفظة وأحسنوا: ابن القيم رحمو الله حيث قاؿ: «وجيء من ىذا الفعل بوزف(فعَّاؿ) الذي للمبالغة دوف الخانس والمنخس؛ إيذاناً بشدة ىروبو، ورجوعو، وعظم نفوره عند ذكر الله، وأف ذلك دأبو وديدنو، لا أنو يعرض لو ذلك عند ذكر الله أحياناً، بل إذا ذُكر الله ىرب وانخنس (1) انظر: معاني القرآن : 5/381، للزجاج، و : التفسنً القيم: 601 (2 )انظر: معجم مقاييس اللغة، مادة: خنس، و: التفسنً القيم: 606.

عدد الصفحات ٤٩

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 362- وتأخر فإف ذكر الله ىو مقمعتو التي يُقمَع بها، كما يُقمَ‘ المفسد الشرير بالمقامع التي تردعو من سياط وحديد وعصي ونحوىا، فذكر الله يقمع الشيطاف ويؤلمو ويؤذيو كالسياط والمقامع التي تؤذي من يُضرب بها، ولهذا يكوف شيطاف المؤمن ىزيلبً ضئيلبً مُضنى مما يعذبو المؤمن، ويقعمو بو من ذكر الله وطاعتو»(1) ومن الذين أنعموا النظر في دلالات ىذه اللفظة وإيحاءاتها سيد قطب، يقوؿ في " ظلبلو" «وىناؾ لفتة ذات مغزى في وصف الوسواس بأنو(خناس) فهذه الصفة تدؿ من جهة على تخفيو واختبائو حتى يجد الفرصة سانحة فيدب ويوسوس، ولكنها من جهة أخرى توحي بضعفو أماـ من يستيقظ لمكره، ويحمي مداخل صدره، فهو سواء كاف من الجِنة أـ كاف من الناس إذا وُوجو خنس وعاد من حيث أتى، وقبع واختفى، وىذه اللفتة تقوي قلب المؤمن على مواجهة الوسواس فهو خناس ضعيف أماـ عدة المؤمن القوي في المعركة، ولكنها من ناحية أخرى معركة طويلة لا تنتهي أبداً، فهو أبداً قابع خانس مترقب للغفلة، واليقظة مرة لا تغني عن اليقظات، الحرب سجاؿ إلى يوـ القيامة» .(2) كما أف في مجيء ىذه اللفظة - بصيغة المبالغة - إشارة إلى أف ىذه الصفة صارت للشيطاف اسماً يُعرؼ بها، فهي وإف كانت في أصلها فعلبً، بمعنى انخنس، إلاَّ أنو لكثرة خنوسو، وشدة رجوعو صارت اسماً لو وعادة. (3) وللدكتور فاضل السمرائي لفتة رائعة في دلالة ىذه اللفظة، يقوؿ - بعد أف ذكر كثيراً من دلالاتها-: «وقد أعلمنا ربنا أننا لا نستطيع أف نقضي على ىذا العدو قضاء تاماًَُ، وإنما قصارى ما نستطيع ىو أف ندفع عنا شر وسوستو، (1 )التفسنً القيم: 606. (2 )في ظلال القرآن : 6/4012. (3 )انظر: التحرير والتنوير: 30/634.

عدد الصفحات ٥٠

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -363- فإنو يخنس بذكر الله تعالى وطاعتو، وىو لا يلبث أف يعاود وسوستو وكيده في أقرب فرصة سانحة، وفي كل لحظة غفلة عن ذكر الله، والاستعاذة بو » .(1) (1 )على طريق التفسنً البيا: 1/53.

عدد الصفحات ٥١

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 364- ﴿        ﴾ في ىذه الآية يبين - سبحانو - أثر ىذا الخناس ومحل عملو في جسم الإنساف في قولو: ﴿    ﴾، وقد تمَّ بياف ىذا الأمر وذكره بطريق الموصوؿ؛ لغرض إبراز ما تضمنتو صلة ىذا الموصوؿ، وفيو إشارة إلى أف ىذا الأمر أشهر ما يُعرؼ بو الشيطاف، ويوصف بو؛ وذلك لكثرة قيامو بذلك، واتصافو بو، فمن طبيعة الشيطاف ووصفو أنو يوسوس في صدور الناس، يدؿ على ذلك أيضاً مجيء لفظة (يوسوس) فعلبً مضارعاً فمجيئها بهذه الصيغة دلالة على التجدد والاستمرار، فهذا ىو عملو، وذلك دأبو وديدنو لا يفتأ عن ذلك، لا يكل عن ىذه الوسوسة ولا يمل، ولا يحوؿ عنها ولا يزوؿ، فهي وسوسة متجددة على مرّ الأوقات والأزماف، ومستمرة باستمرار وجود ىذه الخليقة على وجو الأرض، فقد كانت ولا زالت إلى أف يرث الله الأرض ومن عليها، وقد آلى الشيطاف على نفسو وأقسم أماـ خالقو ومولاه أف تستمر العداوة بينو وبين بني آدـ، فقد أخذ العهد على نفسو ألا يتوقف عن ىذه الوسوسة، وعن تلك الغواية، وذلك في قولو تعالى:        *    *     *     *     .(1) ومن ىنا جاءت لفظة(يوسوس) فعلبً مضارعاً دلالة على تجدد ىذه الوسوسة واستمرارىا إلى قياـ الساعة، وفي ذلك توافق مع طبيعة عمل الشيطاف،وتوافق - كذلك - مع القسم الذي قطع بو على نفسو. وقد ذكر - سبحانو - محلَّ الوسوسة ومكانها فبين أنها في صدور الناس، وفي ذكر الصدور ىنا دوف القلوب لفتة مهمة، ومغزى يُراد لفت العقوؿ (1 )سورة :ص: 79 - 83 .

عدد الصفحات ٥٢

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -365- إليها، والانتباه لها؛ لنكوف في ذلك على يقظة وبصيرة من أمرىا، وبياف ذلك: أف في ذكر الصدور ىنا تصويراً دقيقاً لهذه الوسوسة، وبياناً لمدى عمقها،وشدة أثرىا على الناس، فهذه الوسوسة وإف كاف أصلها في القلوب، إلاَّ أنها لشدة وقعها، وكثرة ورودىا على القلوب، ولتشرب النفوس الشريرة والكافرة لها، لهذا كلو ضاؽ القلب بها، ولم يعد فيو متسع لهذه الوسوسة، ومن ثم صار الصدر كلو محلبً لهذه الوسوسة، ومقراً لها، وفي ذلك إشارة من طرؼ خفي إلى شدة ىذه الوسوسة، وعظم أثرىا، وخطرىا على الناس؛ وذلك أف الإنساف إذا تمادى بدفع الشيطاف وشره، وضعف أمامو، ولم يستعذ منو بربو ومولاه فسيكوف قلبو مرتعاً لهؤلاء الشياطين، ومحلبً يستقروف فيو، بل ولن يكفيهم ىذا القلب، فسيضيق في تلقي ىذه الوساوس، ومن ثم سيتخذوف صدره محلبً وبديلبً . ىذا بخلبؼ قلب المؤمن العامر بذكر الله وحبو، فقلبو يفيض بالذكر، حتى يملؤ عليو جوانحو كلها، فضلبً عن القلب، وقد دؿَّ على ذلك قولو تعالى : ﴿                       ﴾ (1)، ففي ذكر الصدور ىنا دوف القلوب إشارة إلى ىذا الاتساع، وذلك الانشراح أنو ملؤ عليهم جوانحهم حتى فاض وملؤ صدورىم كلها فضلبً عن قلوبهم، وذلك أدؿ على أثر الإسلبـ وعظمتو، وقوتو وعظيم نفعو على من انتسب إليو، ودخل فيو. ولابن القيم كلبـ نفيس في بياف السرِّ في اختيار لفظة (الصدور) دوف القلوب، في معرض حديثو عن وسوسة الشيطاف ومحلها، يقوؿ: « وتأمل السر في قولو       ولم يقل: في قلوبهم، والصدر ىو ساحة القلب وبيتو، فمنو تدخل الواردت إليو، فتجتمع في الصدر، ثم تلج في (1 )الزمر: 22.

عدد الصفحات ٥٣

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 366- القلب، فهو بمنْزلة الدىليز لو، ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرؽ على الجنود، فالشيطاف يدخل إلى ساحة القلب وبيتو، فيلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب، فهو موسوس في الصدر، ووسوستو واصلة إلى القلب، ولهذا قاؿ - تعالى -    ...(1) ولم يقل: (فيو)؛ لأف المعنى أنو ألقى إليو ذلك، وأوصلو إليو، فدخل في قلبو» .(2) وفي قولو﴿    ﴾ بياف للمراد من الناس في الآية التي قبلها، الذين يوسوس الشيطاف في صدورىم، ومنو يُعلم أف الجن يُسموف أناساً، وأف ذلك ليس مقصوراً على الناس من بنى آدـ، كما يُسمَّوْف رجالاً - أيضاً -؛ لورود ذلك في القرآف الكريم في قولو تعالى ﴿         ...﴾. (3) وفي ذكر الجن والإنس في ىذه الآية إشارة إلى عظم وسوسة الشيطاف، وعظم خطرىا، وأنها تطوؿ الجميع من الإنس والجن على حد سواء، ومن ىنا جاء الأمر بالاستعاذة من الشيطاف وشره، ولأمر ما أُفردت الاستعاذة منو في سورة خاصة بها، في بياف الأمر بها، وفي بياف شدة ىذه الوسوسة، وعظيم خطرىا على الإنس والجن معاً، وفي ذلك إشارة إلى عظم غواية الشيطاف لابن آدـ، ووسوستو لو، التي لا تنقطع عنو متى ما غفل عن ذكر ربو، والاعتصاـ بحماه، وقد أشار الرازي في تفسيره إلى ىذا الأمر مشيراً إلى السرِّ الكامن في إفراد ىذه الاستعاذة في سورة خاصة بها، مبيناً الفرؽ في الوقت نفسو بين الاستعاذة الواردة في ىذه السورة والاستعاذة الواردة في سورة الفلق، يقوؿ: (1 )طو: 120 . (2 )التفسنً القيم: 612. (3 )الجن: 6.

عدد الصفحات ٥٤

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -367- «واعلم أف في ىذه السورة لطيفة أخرى، وىي أف المستعاذ بو في السورة الأولى مذكور بصيغة واحدة، وىي أنو رب الفلق، والمستعاذ منو ثلبثة أنواع من الآفات، وىي الغاسق، والنفاثات، والحاسد، وأما في ىذه السورة فالمستعاذ بو مذكور بثلبث صفات، وىي : الرب، والملك، والإلو، والمستعاذ منو آفة واحدة، وىي الوسوسة، والفرؽ بين الموضعين: أف الثناء يجب أف يقدر بقدر المطلوب، فالمطلوب في السورة الأولى سلبمة النفس والبدف، والمطلوب في السورة الثانية سلبمة الدين، وىذا تنبيو على أف مضرة الدين وإف قلت أعظم من مضار الدنيا وإف عظمت، والله سبحانو وتعالى أعلم » .(1) ومن اللطائف القرآنية مجيء حرؼ"السين" في ىذه السورة، وتكراره عشر مرات، ولهذا الحرؼ -بدلالتو على الصفير- وتكراره دلالة يحسن الإشارة إليها؛ لارتباطها بوسوسة الشيطاف المأمور الاستعاذة منها في ىذه السورة، ففي ورود ىذا الحرؼ وتكراره إشارة إلى الوسوسة وصوتها، نحس بذلك ونشعر بو من خلبؿ قراءة السورة كاملة، فقد أشعرنا الحرؼ - بجرسو - بالوسوسة، وقد أدرؾ ىذا الملحظ، وأشار إليو سيد قطب في معرض حديثو عن بلبغة القرآف في دقة تعبيره، وتنوعو في الدلالة على المعنى، يقوؿ: « ونوع آخر من تصوير الألفاظ بجرسها يبدو في سورة "الناس"، اقرأىا متوالية تجد صوتك يُحدث وسوسة كاملة تناسب جو السورة، وجو وسوسة (الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس)» .(2) (1 )التفسنً الكب: 32 / 199 . (2 )التصوير الفني في القرآن الكر : 94 .

عدد الصفحات ٥٥

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 368- المبحث الرابع: الحكم والأسرار في ختم القرآف الكريم بسورة الإخلبص والمعوذتين يحسن قبل ذكر ىذه الأسرار، وتلك الحكم الإشارة إلى أمرين مهمين لهما ارتباط بهذا الحكم والأسرار، الأمر الأوؿ: أف ترتيب السور في القرآف الكريم توقيفي، موقوؼ على كتاب الله، وسنة رسولو، فليس للبجتهاد فيو محل ولا نصيب، فهو ترتيب صادر من رب حكيم، يضع الأمور في نصابها، وقد أشار إلى ىذه الحقيقة وقررىا الزركشي في سياؽ حديثو عن وضع السور في المصحف، يقوؿ: ((لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تُطلِع على أنو توقيفي صادر عن حكيم)) (1)، ولأف ىذا الأمر توقيفي فقد تضمن كثيراً من الحكم والأسرار، ومن ىنا جاء النظر في مناسبة ىذه السور فيما بينها، وىو مبحث شريف لا يقل عن بلبغة (النظم، ووجو ارتباط الآيات بعضها ببعض في السورة الواحدة، وقد درج عن بياف تلك المناسبات بعض المفسرين، وكانوا يطلبونها بين آخر السورة، وأوؿ السورة التي تليها، أو بين أوؿ ىذه السورة، وجملة السورة السابقة في بعض الأحياف)( 2) . ولذا فقد كاف ىذا الأمر حاضراً في عقوؿ العلماء والمفسرين والمشتغلين بعلوـ القرآف، وقد ذكروا في ذلك فرائد وروائع تشهد للقرآف الكريم بالروعة والإعجاز، كما تشهد في الوقت نفسو بالجهد الذي بذلو العلماء في القرآف الكريم، فقد أفرغوا فيو الطاقة، وبذلوا فيو وسعهم وجهدىم خدمة لهذا الكتاب العزيز، وتقرباً لمن أنزؿ ىذا القرآف وتكلم بو، واستجابة لقولو  (1 )البرىان في علوم القرآن :1/260. (2 )مدخل إلى تفسنً القرآن وعلومو : 138، د. عدنان زرزور.

عدد الصفحات ٥٦

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -369-   … (1)، ولقولو           . (2) الأمر الثاني: أف ترتب السور بعضها على بعض، ومجيء كل سورة إثر الأخرى وجو من وجوه إعجاز القرآف الكريم، وقد أشار إلى ىذه الحقيقة وقررىا السيوطي، وأشاد بها بل وعدّه وجهاً من وجوه إعجاز القرآف، فقد ذكر وجوه إعجاز القرآف الكريم، وبيّن أف الرابع منها ىو: مناسبة آياتو وسوره وارتباط بعضها ببعض حتى تكوف كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني، وقد ذكر منْزلة ىذا العلم، والعلماء الذي كتبوا فيو ومؤلفاتهم. (3) ومن ىؤلاء العلماء: أحمد بن الزبير الثقفي، وكتابو "البرىاف في تناسب سور القرآف"، وفي العنواف دلالة على مضموف ىذا الكتاب، وإشارة واضحة إلى العلبقة بين سور القرآف الكريم، وارتباط كل سورة بسابقتها ولاحقتها . فإذا تبين ىذا وتقرر فيقيناً أف ثمة حكماً وأسراراً في ختم القرآف الكريم بهذه السور تتجلى ىذه الحكم بإنعاـ النظر في السور، وفي إمعاف النظر في تأمل مقاصد القرآف الكريم وحِكمو، وقد اقتضت حكمتو - سبحانو - أف تكوف سورة الإخلبص والمعوذتين بهذا الموضع، وأف يُختم بهن القرآف الكريم، وفي ذلك حكم بالغة، وأسرار بليغة، فكأف في ختم القرآف بسورة الإخلبص عطف آخر القرآف على أولو، وربط آخره بأولو، وبياف ذلك أف في الفاتحة - وقد افُتتح القرآف بها - بياناً لكثير من أوصاؼ الله تعالى، وذكراً لها، فهو الرحمن الرحيم، مالك يوـ الدين، المنفرد بالعبادة والاستعانة دوف سواه، ومن ثم (1 )لزمد: 24 . (2 )سورة :ص: 29. (3 )انظر: معترك الأقران في إعجاز القرآن : 1/43.

عدد الصفحات ٥٧

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 370- جاءت سورة الإخلبص متممة لهذه الأوصاؼ، بذكر صفات اختص بها دوف سواه، وانفرد بها عن العالمين، وفي ذلك إشارة إلى ارتباط سور القرآف بعضها ببعض، وإف تباعدت ىذه السور في مكانها في القرآف الكريم، وإشارة - كذلك - إلى ترتب ىذه السور بعضها على بعض، وفي ذلك إشارة إلى وحدة القرآف الكريم، وإلى وحدة أىدافو وموضوعاتو، ووحدة غاياتو، ووحدة مصدره كذلك. ومن حكم مجيء سورة "الإخلبص" في ىذا الموضع أف فيها إشارة إلى الختاـ، وعودة الناس لربهم، وأنهم مفتقروف إليو، محتاجوف لو، فهو الصمد الفرد الأحد، وقد أشار إلى ىذه الحكمة صاحب كتاب "البرىاف في تناسب سور القرآف"، يقوؿ: «ولما انقضى مقصود الكتاب العزيز بجملتو عاد الأمر إلى ما كاف، وأشعر العالم بحالهم من يردىم على حين ...، فوجودىم منو، وبقاؤىم بو، لا يفتقر إلى أحد، ولا يحتاج إلى معين» .(1) كما أف ثمة ارتباطاً وثيقاً بين الفاتحة والمعوذتين، وذلك من خلبؿ فضل ىذه السور، ومنْزلة كل واحدة منها، فسورة الفاتحة مما يرقي بو الإنساف نفسو، فهي الشافية والكافية، وبها يعتصم الإنساف من الشرور كلها، ومن الأمراض والآفات بأنواعها، وكذلك المعوذتاف فيهما الحصن والالتجاء من الشرور كلها، ومن ىنا يظهر الارتباط الوثيق بين ىذه السور، وقد أشار - عليو الصلبة والسلبـ - إلى ىذا المعنى، وألمح إليو في قولو في الفاتحة (ما أُنزؿ في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآف مثلها)(2)، وقاؿ في المعوذتين: (ألم تر آيات أُنزلت ىذه الليلة لم يُر مثلهن قط ﴿   ، و   (1 )وقد نقل ذلك عنو السيوطي في كتابو معترك الأقران : 1/246. (2 )الدوطأ: 1/134، كتاب الصلاة، باب : ما جاء في أم القرآن .

عدد الصفحات ٥٨

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -371- ﴾.(1) وىكذا اجتمع حسن الافتتاح وحسن الختاـ من خلبؿ ىذه السور، وقد كاف منبع ىذا الحسن فضائل ىذه السور، وعظيم أثرىا ونفعها على من قرأىا وتدبرىا، ومن ىنا جاء الأمر بقراءتها والمواظبة عليها. وأما ما يتعلق بالمعوذتين فختم القرآف بهما لحِكم بالغة كذلك، وفي مجيئها في آخر المصحف إشارة إلى أف القرآف الكريم من أكبر النعم التي أنعم الله بها على أمة الإسلبـ، فهي نعمة عظمى، ومنحة كبرى، فقد امتن سبحانو على ىذه الأمة بالقرآف الكريم، كما قاؿ سبحانو ﴿               ﴾(2)، وىو- سبحانو - لا يمتن إلا بأمر عظيم، وكذلك القرآف في المكانة والمنزلة، ولذا فهو من أجل النعم وأكبرىا لهذه الأمة، وحدوث النعم وتجددىا مظنة الحسد،ومن ىنا خُتم القرآف الكريم بما يطفئ ىذا الحسد، بل وبما يجتث أصولو من القلوب، وذلك بالاستعاذة بالله عز وجل، والاستعانة بو، واللجوء إليو، والاعتصاـ بحماه(3) . وثمة حكمة أخرى في ختم القرآف بالمعوذتين، وىو أف القارئ للقرآف الكريم مأمور بالاستعاذة بالله من الشيطاف الرجيم عند إرادة القراءة، وذلك في قولو تعالى ﴿        ﴾(4)،فلما (1 )صحيح مسلم، كتاب : صلاة الدسافرين وقصرىا، باب : فضل قراءة الدعوذتنٌ، رقم الحديث : 1348. (2 )العنكبوت: 51. (3 )انظر: معترك الأقران في إعجاز القرآن : 1/60. (4 )النحل: 98 .

عدد الصفحات ٥٩

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 372- كاف الأمر كذلك خُتم القرآف بالأمر بالاستعاذة، والحث عليها، وىكذا تكوف الاستعاذة موجودة في طرفي الابتداء والانتهاء من القرآف الكريم. وقد لاحظ ابن القيم ىذا المعنى، وأشار إليو في بيانو لحكمة ختم القرآف بسورة الناس، يقوؿ: «القرآف مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أف الماء مادة النبات، والشيطاف نار يحرؽ النبات أولا فأولا، فكلما أحس بنبات الخير من القلب سعى في إفساده وإحراقو فأُمر أف يستعيذ بالله - عز وجل - منو؛ لئلؤ يفسد عليو ما يحصل لو بالقرآف... وكأف من قاؿ أف الاستعاذة بعد القراءة لاحظ ىذا المعنى، وىو لعمر الله مَلْحَظ حيد» .(1) وفي ذلك دلالة على أىمية ىذه الاستعاذة، وجليل نفعها على قارئ القرآف الكريم، وليكوف بهذه الاستعاذة محفوظاً بحفظ الله لو، كيف لا وىو لم ينقطع عن ىذه الاستعاذة في مفتتح قراءتو للقرآف الكريم وفي نهاية قراءتو وختمو للقرآف الكريم. والله أعلم بأسرار كتابو . (2 )  (1 )إغاثة اللهفان: 1/110. (2 )انظر: معترك الأقران في إعجاز القرآن : 1/60.

عدد الصفحات ٦٠

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -373- الخاتمة وبعد: فهاىي نهاية المطاؼ، وخاتمة المشوار لهذه المعايشة المباركة لهذه السور الفاضلة التي سعدت بصحبتها، والعيش في رحابها؛ للنظر في أسرارىا البلبغية، ونكتها البيانية، وفيما يلي أبرز النتائج التي أمكن الاىتداء إليها، والخروج بها : أولاً : أف ثمة ارتباطاً وثيقاً بين ىذه السور الثلبث في كثير من خصائصها الموضوعية والأسلوبية كذلك، ولشديد ىذا الارتباط بينها جاء الأمر بقراءتها، والمواظبة عليها، كما أف ارتباطاً وثيقاً بين الخصائص الأسلوبية لهذه السور وبين موضوعاتها، فقد جاءت الأساليب البلبغية خادمة لإظهار تلك المعاني والمقاصد، ومن ىنا يتبين أىمية مثل ىذه الدراسات، والإلماـ بها. ثانياً : ظهر في سورة الإخلبص كثير من الخصائص الموضوعية والأسلوبية للآيات المكية التي تنفرد بها عن الآيات المدنية، فكانت ىذه السورة النموذج لماتتميز بو السور المكية، سواء في موضوعاتها، فقد جاءت مقررة للقضايا العقدية، أو في أساليبها البلبغية، وخصائصها الأسلوبية. ثالثاً : تجلى في سورة الإخلبص أسلوب التقديم كثيراً، سواء في تقديم الكلمات بعضها على بعض، أو في تقدـ الآيات فيما بينها، ولهذا التقديم والتأخير أسرار بلبغية جمة، ولطائف بيانية متعددة، ومع ىذا فإف بلبغة القرآف الكريم أسمى وأكبر من أف تُقدـ لفظة أو تُؤخر أخرى لغرض لفظي، فلب يكوف التقديم في القرآف لهذا الغرض، خلبفاً لمن يتساىل في ذلك فيذكر أف الغرض من التقديم مراعاة الفواصل، فالتقديم في القرآف لا يكوف إلا لغرض معنوي اقتضاه المقاـ، وتطلبو السياؽ. رابعاً : كشفت ىذه الدراسة السرَّ في افتتاح ىذه السور الثلبث جميعاً

عدد الصفحات ٦١

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 374- بفعل الأمر(قل)، والإشارة - كذلك - إلى دلالة وجود ىذا الفعل في القرآف حين يكوف الرسوؿ ىو المأمور بذلك الأمر. خامساً : بينتْ ىذه الدراسة الحِكم البالغة في ختم القرآف الكريم بهذه السور الثلبث، والسرَّ - كذلك - في ترتيب ىذه السور فيما بينها، وقد كاف في ذلك حِكم بالغة، وأسرار بلبغية رائعة أظهرتها ىذه الدراسة . وبعد: فهذه أبرز النتائج التي أمكن الاىتداء إليها، والخروج بها في ىذه الدراسة، وغيرىا كثير ذُكرت في طيات ىذه الدراسة. ولا يفوتني في ختاـ ىذه الدراسة التوصية بأف تتجو الدراسات البلبغية إلى دراسة النص كاملبً في ضوء السياؽ الذي جاء فيو، وما يحيط بو من مناسبات النزوؿ، سواء كانت الدراسة في البلبغة القرآنية، أـ في بلبغة البشر شعراً كانت أو نثراً؛ فإف في ذلك نفعاً عظيماً، وعلماً غزيراً . وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آلو وصحبو وسلَّم 

عدد الصفحات ٦٢

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -375- ثبت المصادر والمراجع 1 - إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآف الكريم، لأبي السعود محمد بن محمد العماري، دار إحياء التراث العربي، بيروت. 2-أضواء البياف في إيضاح القرآف بالقرآف،لمحمد أمين الشنقيطي،مكتبة ابن تيمية، القاىرة، 1413ى 3 -إغاثة اللهفاف من مصايد الشيطاف، لابن قيم الجوزية، تحقيق:محمد كيلبني، مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده، 1381ى. 4 -البحر المحيط، لأبي حياف الأندلسي، دراسة وتحقيق وتعليق: الشيخ عادؿ أحمد عبدالموجود، والشيخ علي محمد معوض، ود. زكريا عبدالمجيد النوني، ود .أحمد النجولي الجمل، دار الكتب العملية، بيروت، ط1،1413ى. 5 -البلبغة الاصطلبحية، د. عبده عبد العزيز قلقيلة، دار الفكر العربي، القاىرة، 1407ى. 6 -التبياف في إعراب القرآف، لأبي البقاء عبد الله لعكبري، تحقيق: على البجاوي، دار إحياء الكتب العربية. 7 -التصوير الفني في القرآف، سيد قطب، دار الشروؽ، ط10،1408ى. 8 -تفسير التحرير والتنوير، للطاىر بن عاشور(د - ت). 9 -تفسير جزء عم، لفضيلة الشيخ محمد بن الصالح العثيمين، دار الثريا للنشر. 10 -تفسير القرآف العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، قدّـ لو: عبد القادر الأرناووط، دار الفيحاء، دمشق، ط1،1413ى. 11 -تفسير القرآف العظيم: جزء عم، لمحمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية الكبرى، القاىرة. 12 -التفسير القيم، لابن قيم الجوزية، تحقيق محمد الفقي، مكتبة السنة المحمدية. 13 -التفسير الكبير، للفخر الرازي، دار الكتب العلمية، طهراف، ط2 . 14 -تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلبـ المناف، للشيخ عبد الرحمن السعدي، دار المدني جدة، 1408 15 -جامع البياف عن تأويل آي القرآف، لابن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت،ط: 1، 1412ى 16 -حاشية زادة على تفسير البيضاوي،لمحيي الدين شيخ زادة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

عدد الصفحات ٦٣

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 376- 18 -سنن النسائي، بشرح الحافظ جلبؿ الدين السيوطي، اعتنى بو ورقمو: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلبمية، حلب، ط4،1414ى 19 -شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الدمشقي، تحقيق: د. عبد الله التركي، وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1،1408ى. 20 -شرح العقيدة الواسطية، للشيخ محمد بن العثيمين، دار الأصالة، الإسكندرية،ط: 1، 1419ى 21 -صحيح البخاري، للئماـ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المكتبة الإسلبمية للطباعة والنشر والتوزيع، استانبوؿ، تركيا، ط 1،1374ى. 22 -صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن حجاج النيسابوري، حقق نصوصو: محمد فؤاد عبد الباقي المكتبة الإسلبمية، استانبوؿ(د - ت). 23 - على طريق التفسير البياني،د. فاضل صالح السمرائي، جامعة الشارقة، النشر العملي،1423ى 24 -علم المعاني: دراسة بلبغية نقدية لمسائل علم المعاني، د. بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة الرسالة للنشر والتوزيع، القاىرة، ط1،1419 ى 25 -علوـ القرآف الكريم، د.عبد المنعم نمر، دار الكتب الإسلبمية، ط2،1403ى 26 -فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، لبناف، 1403ى. 27 -الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلبلين للدقائق الخفية، لسليماف العجيلي الشهير بالجمل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1،1406ى. 28 -فضائل سورة الإخلبص وما لقارئها، لأبي محمد الخلبؿ، تحقيق: د. أبو بكر علي الصديق، دار البشائر الإسلبمية، لبناف، ط1،1419ى. 29 -في ظلبؿ القرآف، سيد قطب، دار العلم للطباعة والنشر، جدة، ط12،1407 ى 30 -القاموس المحيط، لمجد الدين محمد الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: 2، 1407 ى. 31 -كتاب الصناعتين، لأبي ىلبؿ العسكري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراىيم، وعلي محمد البجاوي، دار الفكر العربي، ط: 2 . 32 -الكشاؼ عن حقائق التنزيل وعيوف الأقاويل في وجوه التأويل، لجار الله محمود الزمخشري، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، 1392ى. 33 -لباب النقوؿ في أسباب النّزوؿ، لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، شركة ومطبعة

عدد الصفحات ٦٤