المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التربية بالعادة في القرآن وأثرها في تربية الصحابة رضوان الله عليهم

شفاء محمد أحمد القاضي

صفحة ١ من ٢

1 التربية بالعادة في القرآن وأثرها في تربية الصحابة رضوان الله عليهم د/ شفاء محمد احمد القاضي جامعة أم القرى , مكة المكرمة (محور التربية بالقرآن الآثار والنتائج في ضوء السيرة النبوية ) ملخص: التربية بالعادة احد أساليب التربية الفعالة في القرآن الكريم, والتي تميز بها وسبق علماء الإجتماع المعاصرين الذي توصلوا إلى فاعلية هذا الأسلوب حديثاً تحت ما أطلقوا عليه ديناميات الجماعة, ويهدف هذا البحث إلى إبراز هذا الأسلوب التربوي وتأصليه من خلال تتبع الآي ات القرآنية التي ورد فيها, واستخدام القرآن له في تربية الصحابة رضوان الله عليهم , وأثره في تربية خير القرون , وقد تم استخدام المنهج الوصفي التحليلي, حيث يصف الظاهرة محل الدراسة وتحليل النصوص القرآنية . ويتناول البحث مفهوم العادة , وأنواعها, وطرق استخدام التربي ة بالعادة في استئصال العادات السيئة بأشكالها المختلفة, سواء التي تتصل بالعقيدة, والعادات الاجتماعية والعادات النفسية, كما يتناول طرق القرآن الكريم في استخدام أسلوب التربية بالعادة في خلق العادات الصالحة, وصولاً إلى تكوين العادات, ويبرز البحث أثر التربية بالعادة الذي اتبعه القرآن الكريم في تربية خير القرون , والنقلة النوعية التي أحدثها في حياتهم مابين الجاهلية والإسلام من خلال تتبع تفاعلهم والتغييرات الحاصلة في سيرهم رضوان الله عل يهم اجمعين, وكان من نتائج الب حث: أهمية التربية بالعادة كأسلوب تربوي كان له عظيم الأثر في استئصال العادات السيئة وتكوين العادات المرغوبة , كما أظهر البحث الاستخدام الأمثل لهذا الأسلوب لتلافي حدوث الآلية في العمل وفقدانه لمغزاه , ويوصي البحث بالاهتمام بهذا الأسلوب في التربية في الأسرة والمدرسة لتنشئة الأجيال المسلمة , وتنويع الطرق المستخدمة لتطبيقه, كما يوصي الباحثين بدراسة أسلوب التربية بالعادة في السنة النبوية, ولدى السلف الصالح من علماء الأمة.

عدد الصفحات ١

2 مقدمة: لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم, وزوده بأدوات المعرفة من عقل وسمع وبصر , وكلفه بعمارة الأرض والخلافة فيها, ومن فضل الله على بني البشر أن جعل هذه المهمة فطرة خلقوا عليها , ومن تيسيرات هذه الفطرة التي يعين بها الخالق البشر على أداء مهمتهم أن جعل في كيان الإنسان القدرة على التعود على كل سلوك يمارسه مرات عديدة بانتظام معين , وبمجرد أن يصبح هذا السلوك عادة يتحرك جهده لاكتساب خبرات جديدة, والسلوك الإنساني في جملته هو مجموعة من العادات. والتربية بالعادة احد اهم وسائل التربية الاسلامية التي اهتم القرآن الكريم بها وظهرت بارزة في تربية الجيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهم خير القرون رضي الله عنهم وأرضاهم , "خيركم قرني م الذين يلوهمم م الذين يلوهمم..." (1). فبدأ القرآن الكريم بإزالة العقائد الباطلة ورسخ مكاهما العقيدة الإسلامية الصحيحة , كما حارب العادات المذمومة, وغرس العادات الصالحة, من عبادات وآداب وأخلاق, وجعل كل ذلك طبعاً يتطبع به المسلم ويصبح جزءاً من حياته لا ينفك عنه, فيمارس كل سلوك اسلامي وكل عب ادة وكل أدب وخلق بكل يسر وسهولة, واتبع الرسول الكريم ايضاً هذه الوسيلة في تربية أصحابه, مستخدماً في تحقيق ذلك عدة طرق متمثلة في القدوة والتلقين والتوجيه والمتابعة . وتأتي هذه الدراسة لتلقي الضوء على التربية بالعادة كأحد اهم وسائل التربية الإسلامية , من خلال تتبع طرق القرآن الكريم في التعامل مع العادات على تنوعها واختلافها, وأثر هذه الوسيلة على تربية خير القرون رضي الله عنهم وأرضاهم , ومحاولة الاستفادة من ذلك في تربية الجيل المسلم في هذا العصر . ______________________________ (1 )البخاري , محمد بن اسماعيل, . ( د.ت). صحيح البخاري . تحقيق: صدقي العطار. بيروت: دار الفكر, 8 /111.

عدد الصفحات ٢

3 أهمية الدراسة: - تكتسب هذه الدراسة اهميتها كوهما تتشرف بالبحث في آي الذكر الحكيم متتبعة منهج القرآن في التربية بالعادة, ومحاولة دراستها والإفادة منها. - تأتي اهمية الدراسة من كوهما الأولى من نوعها التي خصصت لدراسة هذه الوسيلة من وسائل التربية الإسلامية, حيث لم تقف الباحثة على دراسة واحدة خصصت لدراسة التربية بالعادة, وإنما وردت مجملة عند الحديث عن وسائل التربية الإسلامية, وأحياناً لا يتم ضمها لوسائل التربية الإسلامية. - تأمل الباحثة أن تفيد هذه الدراسة القائمين على التربية من آباء ومعلمين من خلال لفت أنظارهم إلى اهمية العادة في التربية, وإلى سبل تكوينها وترسيخها , والحيلولة دون تحولها إلى الآلية والسلبية. اهداف الدراسة: - تهدف الدراسة إلى إبراز التربية بالعادة كوسيلة معتبرة من وسائل التر بية الإسلامية من خلال التعريف بها وبأنواعها, وسبل تكوين العادات المرغوبة , وسبل التخلص من العادات المرذولة . - تهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على منهج القرآن الكريم في التعامل مع العادات الصالحة والسيئة , مع ضرب الأمثلة على ذلك والاستشهاد بالآيات القرآنية الكر يمة. - كما تهدف الدراسة على ابراز أثر التربية بالعادة على الرعيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم . - وتهدف الدراسة كذلك إلى بيان سبل الاستفادة من التربية بالعادة في تربية النشء المسلم . مفهوم العادة: معنى العادة لغة: العادة الديدن, والديدن الدأب والاستمرار على الشيء , قال ابن منظور: " العادة: الديدن يُعاد إليه, معروفة وجمعها: عاد وعادات وعيد, وتعود الشيء وعاده وعاوده معاودة وعواداً واعتاده واستعاده واعاده أي صار له عادة" (1). ________________ (1) ابن منظور, جمال الدين محمد. (1111ه). لسان العرب . بيروت: دار صادر, 9/159.

عدد الصفحات ٣

4 وقال الفيومي في المصباح: " والعادة سميت بذلك لأن صاحبها يعاود أي يرجع إليها مرة بعد أخرى , وعودته كذا فأعتاده وتعوده أي صيرت له عادة , واستعدت الرجل : سألته أن يعود, واستعدته الشيء سألته أن يفعله ثانياً " (1.) معنى العادة في الدلالة الإصطلاحية: اسم لتكرار الفعل والإنفعال , حتى يصير تعاطي ذلك سهلاً كما لو أنه من داخل الطبع (2.) فالعادة إذن: كل ما واظب الفرد على فعله وتكرر في حياته حتى أصبح طبعاً له لا يستطيع تركه أو تغييره بسهولة, فالعادة تقتضي التكرار والاستمرار كما تقتضي القبول لدى الفرد . والتربية بالعادة: استخدام ممارسة السلوك بشكل متكرر لتثبيت ما هو مرغوب والتخلص مما هو مذموم مما يراد للمتربي تعلمه من عبادات ومعاملات واخلاق. أنواع العادات : العادات في سلوك الإنسان إما عادات صالحة محمودة ومرغوبة , أو عادات سيئة مذمومة ومرفوضة, والعادات إما أن تكون عقدية أو نفسية أو اجتماعية. طرق القرآن الكريم في التعامل مع العادات: تعد العادة وسيلة هامة من وسائل التربية, فهي تؤدي مهمة عظيمة في حياة الإنسان حيث توفر عليه الكثير من الوقت والجهد في أداء أعماله اليومية فيؤديها بكل يسر وسهولة دون تكلف ودون الحاجة إلى التدرب عليها مرة بعد مرة , فمتى ما ألفها الإنسان أصبحت جزءاً من طباعه. وقد اهتم القرآن بهذه الوسيلة الهامة للتربية في اعترافه بوجود العادات في حياة البشر, ومن م تعامله مع العادات بأنواعها المختلفة, فأزال العادات المذمومة , وغرس العادات المحمودة, وقد اتبع القرآن في سبيل تحقيق ذلك منهجاً فريداً , تعامل فيه مع العادات بحسب أنواعها وتمكنها من النفس وما يتطلبه تغييرها من تنوع في الطرق أيضاً , كالتالي: _________________ (1 )الفيومي, احمد بن محمد. ( 1981م). المصباح المنير. بيروت: مكتبة لبنان, ص124. (2 )الزين , سميح عاطف . ( 1111ه). معرفة النفس الإنسانية في الكتاب وال سنة. بيروت: دار الكتاب اللبناني , 1/519.

عدد الصفحات ٤

5 أ) طرق القرآن في إزالة العادات السيئة : يمكن تقسيم العادات السيئة أو المذمومة إلى أنواع ثلاثة كالتالي : 1- عادات تتصل بأصل التصور والعقيدة, مثل: الشرك بالله بكل عاداته وتصوراته . 2- عادات اجتماعية واقتصادية, مثل: شرب الخمر, الربا . 1- عادات نفسية, مثل: الغيبة والنميمة والهمز واللمز. وقد اتبع القرآن للتخلص من العادات السيئة وإزالتها إحدى طريقتين حسب نوع العادة كالتالي : 1- القطع الحاسم الفاصل: اتبع القرآن الكريم هذه الطريقة في التعامل مع كل عادة تتصل بأصل التصور والعقيدة كالشرك بالله , ومع العادات النفسية كالغيبة والنميمة , فالعادات التي تندرج تحت هذين النوعين لا يمكن مهادنتها أو تأجيلها فقطعها القرآن قطعاً حاسماً دون تردد أو تريث. 2- التدرج البطيء : اتبع القرآن التدرج البطيء على مراحل مع العادات التي ترتبط بأحوال اجتماعية واقتصادية بحيث يصعب على النفس التخلص منها دفعة واحدة, كالزنا وشرب الخمر , والربا (1.) ب) طرق القرآن الكريم في غرس العادات الصالحة : فأما غرس الإيمان بعد الكفر فاستخدم له الهزة الوجدانية المحيية الموحية التي تنقل النفس من تصور إلى تصور , فيحولها إلى عادة مشتبكة بزمان ومكان واشخاص يلتقي معهم على احاديث وأفعال الإيمان, أما غرس العبادات والقيم والأخلاق فيلجأ في ذلك إلى إثارة الوجدان وإنشاء الرغبة في العمل , م يحول الرغبة إلى عمل واقعي ذي صورة محددة واضحة السمات, م يحول الرغبة والعمل من مسألة فردبة إلى رباط اجتماعي (2.) ______________________________ (1 )قطب, محمد. (1111ه). منهج التربية الإسلامية. القاهرة : دار الشروق, ص 201. (2 )المرجع السابق , ص 201.

عدد الصفحات ٥

6 أ) أمثلة لطرق تعامل القرآن الكريم مع العادات السيئة: 1- الشرك با ( القطع الحاسم الفاصل): تعريف الشرك : لغة: الشرك, بالتخفيف أي بإسكان الراء, أغلب في الاستعمال, يكون مصدرا واسما, تقول: شاركته في الأمر وشركته فيه أشركه شركاً, بكسر الأول وسكون الثاني, ويأتي: شركة, بفتح الأول وكسر الثاني فيها . ويقال: أشركته : أي جعلته شريكاً (1.) الشرك اصطلاحاً : أن يعبد المخلوق كما يعبد الله, أو يعظم كما يعظم الله, أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية (2.) عندما بعث الله سبحانه وتعالى نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة كانت العرب تعتنق الوثنية, فقد انتشرت فيهم عبادة الأصنام والنجوم والأفلاك , والجن, والملائكة وزعموا اهما بنات الله , وتقربوا إلى أوثاهمم بالدعاء و الذبح والنذر وطلب الشفاعة من دون الله, وزعموا أهما تقربهم إلى الله . ﭧ ﭨ ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ ( الأنعام: 100.) إن مهمة التربية هي اصلاح النفس الإنسانية وتزكيتها , ومناط هذا الصلاح العقيدة الصحيحة, فإذا كان معتقدها سليماً استقامت النفس وصلحت, واستجابت للتربية في جوانبها الأخرى , أما إذا فسدت عقيدتها فلا طائل من جهود التربية ولا مجال لإصلاح سلوكها واخلاقها (1) . لذا بدأ القرآن تربية النفوس بتخليصها من أدران الشرك وتصوراته الباطلة وتعريفها بالمعبود الحق , الذي يقرون له بتوحيد الربوبية فهم يعلمون أنه الخالق الرازق المدبر . ____________________ (1 )الفيومي, احمد بن محمد. ( 1981م). المصباح المنير. بيروت: مكتبة لبنان, 1/111. (2 )السعدي, عبد الرحمن بن ناصر . (1122 .)تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان . تحقيق: عبد الرحمن اللويحق . الرياض : مكتبة العبيكان, ص199. (1 )بنجر, أماني عبد العزيز . (1129 .)التربية النبوية العقدية في العهد المكي وتطبيقاتها التربوية. ص194.

عدد الصفحات ٦

7 ﭧ ﭨ ﭽ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ (الأعراف : 51. ( وﭧ ﭨ ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ ( الزمر : 41). وللقضاء على تلك العادات والتصورات العقدية الفاسدة , لجأ القرآن الكريم إلى طريقة القطع الحاسم والإزالة الكاملة واجتثات بذور الكفر والشرك من جذورها , وتخلية النفوس منها, ليتمكن بعد ذلك من غرس بذرة الإيمان في أرض صالحة طاهرة ونقية لا تشوبها شوائب الشرك , ﭧ ﭨ ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ( إبراهيم : 24 ) ,الكلمة الخبيثة تع: الشرك بالله, اجتثت أي: استؤصلت فلا أصل لها في الأرض تثبت عليه وتقوم, ضرب الله هذا مثلاً في الشرك بالله أنه لا يقوم له اصل يأخذ به الكافر ولا برهان , ولا يرتفع معه عمل إلى الله تعالى , فليس لكفر الكافر وعمله الذي هو معصية الله ثبات في الأرض, ولا له في السماء مصعد , فلا يصعد إلى الله منه شيء (1.) فعادات الشرك عقيدة لا تقبل المداهنة ولا التهاون معها أو التريث في أمرها , ﭧ ﭨ ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭼ(الكافرون: 1 – 4). فانكر سبحانه عليهم تعدد الآلهة التي يعبدوهما من دون ا, واثبت تفرده بالألوهية واستحقاقه لها , مستدلاً بفساد السماوات والأرض في وجود آلهة متعددة, أما صلاحها واستقامة أمور الناس فيها فدليل قاطع بوجود إله واحد , ﭧ ﭨ ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭼ (الأنبياء: 21 – 22.) _________________ (1 )الطبري, محمد بن جرير . (1115 .)جامع البيان عن تأويل آي القرآن . بيروت: مؤسسة الرسالة , 1/151.

عدد الصفحات ٧

8 يقول الإمام الطبري:" لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء, وله العبادة والألوهة التي لا تصلح الا له, لفسد اهل السماوات والأرض, فسبحان الله: تنزيه لله وتبرئةً له مما يفتري به عليه هؤلاء المشركون من الكذب " (1) . وبعد أن نفى الألوهية عن غير الله ونفى تعدد الآلهة, بدأ القرآن الكريم في تصحيح عقيدتهم , وبنى التصور الصحيح الذي تقوم عليه فيما بعد التكاليف الشرعية والعبادات , وذلك من جوانب عدة منها مايلي(2) : - أن الله هو الواحد الأحد خالق السماوات والأرض , لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً , ﭧ ﭨ ﭽ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭼ (الأنعام:101). - أن علمه محيط بكل شيء, ﭧ ﭨ ﭽ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﭼ (الطلاق: 12) ,وأنه لا تخفى عليه خافية الأرض ولا في السماء يعلم السر والعلانية , ﭧ ﭨ ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭼ (الأنعام: 1). - أنه المستحق وحده للعبادة دون سواه فحقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, ﭧ ﭨ ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ (الزمر : 11) .وﭧ ﭨ ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﭼ(الإسراء : 21.) - وصحح عقيدتهم في الجن والملائكة, ﭧ ﭨ ﭽ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ (الصافات: 158 – 159 .) ____________________ (1 )الطبري, محمد بن جرير . (1115 .)جامع البيان عنتأويل آي القرآن . بيروت: مؤسسة الرسالة , 5/214 . (2) بنجر, أماني عبد العزيز . (1129 .)التربية النبوية العقدية في العهد المكي وتطبيقاتها التربوية, ص202-201.

عدد الصفحات ٨

9 ﭧ ﭨ ﭽﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭼ (الصافات: 119 – 155.) فكيف صنعت العقيدة الصحيحة في قلوب المؤمنين من الصحابة لما آمنوا بوحدانية الله وتفرده بالعبادة بعد أن تخلصت قلوبهم من أدران الشرك بعاداته وتصوراته الفاسدة؟ وكيف أثرت في سلوكهم العملي؟ هذا ما يصوره الشيخ محمد قطب بأسلوبه المميز فيقول: لقد كان الواحد منهم قبل ايمانه فرداً من افراد المجتمع الجاهلي يفكر بتفكيره, ويتصرف بمفاهيمه وعاداته وسلوكه , يؤمن بعدة أرباب تتنازع نفسه وحسه وسلوكه , ربوبية الأصنام والقبيلة والعرف وموروث الآباء والأجداد ور بوبية الشهوات, فلما آمن ازاح عن قلبه ربوبية كل الأرباب حينما عرف الإله الحق , صاحب الوجود الحقيقي بين كل هذه الأرباب , فانزاحت عن نفسه كل تلك الآلهة , وامتلأت روحه بعبادة واحدة مشرقة هي عبادة الله وحده , كما تتغير محاور الثقل داخل النفس, فيصبح الثقل الأكبر للعقيدة الصحيحة للإيمان بالله وحده, فلم تعد للعقائد الباطلة أي سيطرة على وجدانه , وتتغير نظرته للكون فبعد أن كان في حسه قريب من الفوضى لا ضابط له يستطيع الإنسان أن ينفلت كما يشاء , اصبح الكون بعد الإيمان بالله محكم التدبير لا يتم فيه شيء إلا بقدر الله وتدبيره و مشيئته, كل شيء محسوب بدقة معجزة , الليل والنهار , والشمس والقمر , والموت والحياة, ولا شيء يمضي بلا رجعة , بل كل شيء احصاه الله في كتابه م يحاسب كلُ بعمله يوم القيامة, وحينما تتغير الصورة حين تتغير العقيدة يتغير السلوك تبعاً لها, لقد كان في حسه آلهة يؤمن بوجود ها ويتوجه إليها بألوان العبادة , واليوم انجابت عن نفسه كل تلك الآلهة , ولم يعد في قلبه إلا الله , فقد خلا حسه تماماً من أي شريك لله, وبالتالي فلا توجه إلا توجه واحد لله وحده الذي يحبه ويخشاه , ويرتبط في قلبه حب الله بحب رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم , الذي جاء بالدين الحق, والذي يأتيه الوحي من السماء, فيمتزج في نفسه حب الله وحب رسوله ويصبحان في مشاعره هما نقطة ارتكاز المشاعر كلها , ومحور الحركة الشعورية والسلوكية , بل مفتاح التربية الإسلامية ومنطلقها, وكل شيء بعدها في التربية سهل (1). ________________ (1 )قطب, محمد. (1111 .)منهج التربية الإسلامية. القاهرة : دار الشروق, ص 241-211 ,باختصار.

عدد الصفحات ٩

11 لقد كانت العقيدة الصحيحة نقطة تحول حقيقية في حياة الصحابة رضي الله عنهم , فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قوياً غليظاً شجاعاً ذو قوة فائقة و كان قبل إسلامه أشد عداوة لدين الله و كان من أشد الناس عداوة لرسول الله عليه السلام و لم يرق قلبه للإسلام أبداً , و فى يوم من الأيام قرر عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل نبينا محمد عليه السلام فسن سيفه وذهب لقتل محمد عليه السلام و فى الطريق وجد رجلاً من صحابة رسول الله عليه السلام و كان خافياً لإسلامه فقال له الصحابي: إلى أين يا عمر ؟ قال عمر رضي الله عنه ذاهب لأقتل محمداً , فقال له الصحابي: وهل تتركك بنى عبد المطلب ؟ قال عمر رضي الله عنه للصحابي الجليل: أراك اتبعت محمداً ؟ قال الصحابي: لا و لكن أعلم يا عمر قبل أن تذهب إلى محمد لتقتله فأبدأ بآل بيتك أولاً , فقال عمر : رضي الله عنه من ؟ قال له الصحابي: أختك فاطمة و زوجها اتبعتوا محمداً , فقال عمر رضي الله عنه : أو قد فعلت ؟ فقال الصحابى : نعم , فأنطلق سيدنا عمر رضي الله عنه مسرعاً غاضباً إلى دار سعيد بن زيد رضي الله عنه زوج أخته فاطمة, فطرق الباب و كان خباب بن الأرت رضي الله عنه يعلم اخته فاطمة و سعيد بن زيد القر آن, فعندما طرق عمر رضي الله عنه الباب فتح سعيد بن زيد الباب فأمسك ه عمر رضي الله عنه و قال له :أراك صبأت ؟ فقال سعيد : رضي الله عنه يا عمر أرأيت إن كان الحق فى غير دينك ؟ فضربه عمر رضي الله عنه و أمسك أخته فقال لها: أراك صبأتى ؟ فقالت يا عمر : أرأيت إن كان الحق فى غير دينك ؟ فضربها ضربة شقت وجهها , فسقطت من يدها صحيفة القرآن , فقال لها رضي الله عنه ناولينى هذه الصحيفة فقالت له فاطمة رضى الله عنها : أنت مشرك نجس اذهب فتوضأ م اقرأها , فتوضأ عمر رضي الله عنه م قرأ الصحيفة وكان فيها, ﭧ ﭨ ﭽ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ (طه: 1 –1.) فأهتز عمر رضي الله عنه و قال ما هذا بكلام بشر م قال رضي الله عنه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله و قال رضي الله عنه دلونى على محمد, فقام له خباب بن الأرت و قال أنا ادلك عليه فذهب به إلى دار الأرقم بن أبى الأرقم فطرق الباب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الصحابة : من ؟ قال : عمر, فخاف الصحابة واختبؤا فقام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وقال: يا رسول الله دعه لي , فقال الرسول عليه السلام أتركه يا حمزة , فدخل عمر رضي الله عنه فأمسك به رسول الله عليه السلام و قال له :أما آن الأوان يا ابن الخطاب ؟ فقال عمر: رضي الله عنه إنى أشهد أن لا إله إلا الله و أنك

عدد الصفحات ١٠

11 رسول ا , فكبر الصحابة تكبيراً عظيماً سمعتة مكة كلها, فكان إسلام ع مر نصر للمسلمين وعزة للإسلام و قد كان رسول الله عليه السلام يدعوا له دائما و يقول "اللهم أعز الإسلام بأحد العُمرين" و هما ( عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام ) , و من هنا بادر سيدنا عمر بن الخطاب بشجاعته وقام و قال لرسول الله عليه السلام يا رسول ا لله : ألسنا على الحق ؟ قال الرسول عليه السلام نعم . قال عمر رضي الله عنه أليسوا على الباطل ؟ قال رسول الله عليه السلام : نعم .فقال عمر بن الخطاب: ففيما الإختفاء ؟ قال رسول الله عليه السلام :فما ترى يا عمر ؟ قال عمر رضي الله عنه :نخرج فنطوف بالكعبة , فقال له رسول الله عليه السلام: نعم يا عمر, فخرج المسلمون لأ ول مرة يكبروا و يهللوا فى صفين , صف على رأس ه عمر بن الخطاب رضي الله عنه و صف على رأس ه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه و بينهما رسول الله عليه السلام يقولون: الله أكبر و لله الحمد حتى طافوا بالكعبة فخافت قريش و دخلت بيوتها خوفاً من إسلام عمر رضي الله عنه و من الرسول عليه السلام وصحابته رضى الله ع نهم, و من هنا بدأ نشر الإسلام علناً م هاجر جميع المسلمون خفيةً إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجر جهراً امام قريش و قال: من يريد أن ييُتم ولده فليأتي خلف هذا الوادي, فجلست قريش خوفاً من عمر رضي الله عنه (1.) قالعبد الله بن مسعود رضي الله عنه : كَانَ إِسْلامُ عُمَرَ ف َتْحًا, وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا, وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحمَْةً, وَلَقَدْ رَأَي ْت ُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُصَلِّيَ فيِ الْب َيْتِ حَتىى أَسْلَمَ عُمَرُ, ف َلَمىا أَ سْلَمَ عُمَرُ قَات َلَهُ مْ حَتىى تركونا فصلينا (2.) لقد تحول عمر ابن الخطاب بعد ايمانه من الغلظة والشدة في الباطل, إلى البأس والشجاعة والقوة في نصرة الحق , ونصرة الدين وأهله , حقاً لقد تغيرت محاور الثقل في نفسه فأصبح الثقل الأكبر للعقيدة الصحيحة, ولما تغيرت العقيدة تغير السلوك تبعاً لها مباشرة دون تردد . ____________________ (1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد(9/44 ) ,فيه اسامة بن زيد بن أسلم وهو ضغيف , ورواه البزار في مسنده (1/100 ) وقال: لا نعلم يروى في قصة إسلام عمر إسناداً احسن من هذا الإسناد فيه اسحاق الحنيني كف واضطرب حديثه. (2 )رواه الهيثمي مجمع الزوائد (9/45 )عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود , وقال: رجاله رجال الصحيح, إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعو د.

عدد الصفحات ١١

12 وأما خالد بن الوليد رضي الله عنه فقد كان في الجاهلية قائداً شجاعاً لجيوش قريش عادى المسلمين وقاد جيوش المشركين لقتالهم , وكان لحذاقته الفضل في نصر قريش في احد وهزيمة المسلمين , لقد كرس نفسه وشحذ خبرته الحربية لقتال المسلمين في عدة مواطن , فلما أراد الله به خيراً ودخل الإيمان إلى قلبه أصبح سيفاً مسلولاً لقتال أعداء هذا الدين , لقد حولته العقيدة الصحيحة وتربية القرآن الكريم من عد و لله ورسوله والمسلمين , إلى احد أهم القادة في التاريخ الإسلامي . وهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه كان من أشد الناس بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, أسلم فأصبح من كبار الصحابة وأكثرهم حباً وإجلالاً له, يروى أنه لما حضرته الوفاة بكى طويلا وحوله وجهه إلى الجدار, فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ؟ قال فأقبل بوجهه فقال : إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إني قد كنت على أطباق ثلاث , لقد رأيتني وما أحد أشد ب غضاً لرس ول الله صلى الله عليه وسلم مني , ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته, فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار . فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك, فبسط يمينه . قال فقبضت يدي, قال " مالك يا عمرو ؟ " قال قلت: أردت أن أشترط . قال :" تشترط بماذا ؟ " قلت: أن يُ غفر لي . قال: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه. وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له . ولو سئلت أن أصفه ما أطقت . لأني لم أكن أملأ عيني منه . ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة . م ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها . فإذا أنا مت , فلا تصبحني نائحة ولا نار . فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا . م أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور . ويقسم لحمها . حتى أستأنس بكم . وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي (1.) _________________________ (1 )رواه مسلم في صحيحه, ص 121.

عدد الصفحات ١٢

13 2- عادة شرب الخمر( التدرج البطيء ): تعريف الخمر:" كل شراب خمر العقل فستره و غطى عليه. وهو من قول القائل : خمرت الإناء إذا غطيته , وخمر الرجل : إذا دخل في الخمر. ويقال : هو في خمار الناس وغمارهم, يراد به دخل في عرض الناس . ويقال للضبع : "خامري أم ع امر" : أي استتري. وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغمره فهو " خمر (1.) كانت الخمر عادة اجتماعية متجذرة في نفوس الناس , يجتمعون حولها في نواديهم , يتسامرون وينظمون فيها أشعارهم , بل كانت عنصراً أساسياً من عناصر الحياة قبل الإسلام , وعادةٌ هذه حالها يصعب خلع الناس عنها إلا بتأنٍ وتدرج , لذا تأخر علاج القرآن لهذه العادة ولم ينزل حكم حولها إلا في العهد المدني, بعد أن تأصلت العقيدة في نفوس المسلمين, وتم تنقية القلوب من أدران الشرك , مما يمهد أرضاً صالحة لتقبل الأحكام الشرعية ومنها محاربة عادة شرب الخمر, تقول ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها في ذلك: " انما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام , ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر , لقالوا: لا ندع الخمر ابداً , ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنى ابداً " (2.) قال ابن حجر رحمه ا : " أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل وأن أول ما نزل من ا لقرآن الدعاء إلى التوحيد , والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة, وللكافر والعاصي بالنار, فلما اطمأنت النفوس على ذلك نزلت الأحكام , وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف "(1.) وقد تدرج القرآن تدرجاًحكيماً في تحر يم شرب الخمر وذلك على مراحل أربع كالتالي(1): __________________ (1 )الطبري, محمد بن جرير . (1115 .)جامع البيان عن تأويل آي القرآن , بيروت: مؤسسة الرسالة , 1/581 . (2 )البخاري , محمد بن اسماعيل. ( د.ت). صحيح البخاري . تحقيق: صدقي العطار. بيروت: دار الفكر, 1/1910. (1) ابن حجر, احمد بن علي. (1101 .)فتحالباري بشرح صحيح البخاري .القاهرة : دار الريان .9/10. (1 )المنصوري , عبد الله والقاضي, عبد الحق.(2012 .)التدرج في التشريع . مجلة كليات التربية , جامعة عدن ص 298- 299 .

عدد الصفحات ١٣

14 الأو: مرحلة الذم : حيث تعرض إليه بإشارة عابرة خفيفة تفيد أن الخمر ليست بالرزق الحسن عند حديثه عن جوانب الرزق الحلال , ﭧ ﭨ ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭼ( النحل: 41 (. الثانية: مرحلة التنفير : فقد كثر سؤال المسلمين عن الخمر والميسر لما كانوا يرون من شرورهما ومفاسدهما , فأنزل تبارك وتعالى : ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ (البقرة :219) ,فرجح في هذه الآية إم الخمر على نفعها, منفراً منها دون ايراد حكم قاطع بتحريمها. الثالثة: مرحلة التحريم الجزئي : حيث نزل تحريم شرب الخمر عند الصلاة ,حيث انزل تعالى :ﭽﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ (النساء: 11) ,وقد كان لهذه المرحلة أثر هام ساعد على التمهيد للتحريم النهائي بشكل كبير , ففي تحريم الصلاة حال السكر فيه تخفيف من عادة الشرب إلى اقصى حد ممكن , فلا يسع المرء تناولها إلا مابين الفجر والظهر أو ما بعد صلاة العشاء, فلا يشربها إلا مرة أو مرتين صباحاً أو ليلاً فقط, وقد يتركها طيلة اليوم خوفاً من إفساد صلاته, مما خفف من حدة التعود عليها شيئاً فشيئاً , وامكن تالياً التغلب عليها همائياً . الرابعة : مرحلة التحريم الكلي : في هذه المرحلة تم تحريم شرب الخمر تحريماً قاطعاً , ومساواتها بحرمة عبادة الأصنام والأمر الصريح باجتنابها والانتهاء عن معاقرتها , حيث أنزل الله تعالى:ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ (المائدة: 90 – 91( . قال القفال رحمه ا : " والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر , وكان انتفاعهم بذلك كثيراً , فعلم أنه لو منعهم دفعةً واحدة لشق ذلك عليهم, فلا جرم استعمل من التحريم هذا التدريج وهذا الرفق " (1.) _________________ (1 )الرازي , محمد فخر الدين. (1101 .)تفسير الفخر الرازي . بيروت: دار الفكر, 4/15.

عدد الصفحات ١٤

15 تلقي الصحابة لآيات تحريم الخمر: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر, وما ينزل بالناس من أجلها, ودعا الله في تحريمها, فقال: اللهم بينن لنا في الخمر بياناً شافياً , فأنزل الله تعالى : "ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ " , فدعي عمر فقرئت عليه, فقال: اللهم بينن لنا في الخمر بياناً شافياً , فنزلت : "ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ " فكان منادي رسول الله إذا قال : حي على الصلاة نادى: لا يقربن الصلاة سكران , فدعي عمر فقرئت عليه , فقال: اللهم بينن لنا في الخمر بياناً شافياً , فأنزل الله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ دعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ قوله تعالى: ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭼ قال عمر: انتهينا انتهينا (1.) لقد كان تلقي الصحابة لأوامر الله بالطاعة الفورية دون تلبث أو تردد أو تفك , فهاهو الفاروق رضي الله عنه بمجرد سماع الأمر بتحريم الخمر يقول انتهينا انتهينا فيقلع هو وغيره من الصحابة من فورهم اقلاع همائي عن هذه العادة الذميمة. وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر , في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا الفضيح البسر والتمر, فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت , قال: فقال لي أبو طلحة اخرج فأهرقها فأهرقتها فجرت في سكك المدينة , فقال بعضُ القومِ : قد قُتِلَ قومٌ وهيَ في بطوهمم , فأنزل اللهُ ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ (المائدة: 91 ((2.) وفي رواية: ومعي أبو طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء , فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى ا هرقنا الشراب وكسرنا القلال وتوضأ بعضنا واغتس ل بعضنا (1.) ___________________________ (1 )رواه ابو داود في سننه1/125 وسكت عنه" وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ماسكت عنه فهو صالح " ورواه الترمذي في سننه مرسلاً 5/251 ,وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1 /210. (2 )رواه البخاري في صحيحه ص 2141. (1 )رواه أحمد بن حنبل في مسنده1/122.

عدد الصفحات ١٥

16 فهؤلاء جمع من كبار الصحابة رضي الله عنهم ما ترددوا لحظة في تلقي أمر ا , بل استجابوا وسكبوا الخمر وكسروا أوعيتها بل تحرزوا منها بالوضوء والاغتسال مبالغة في التطهر من كل أثر لها , ولقد كان موقف الصحابة رضي الله عنهم , واستجابتهم الفورية للتحريم نتيجة طب يعية للمنهج الفريد الذي اتبعه القرآن الكريم في معالجته لهذه العادة الذميمة التي سيطرت عليهم زمناً طويلاً , بالتدرج بهم مرة بعد مرة حيث ربى في نفوسهم نفوراً منها , م قناعة بضررها وإفسادها لصلواتهم , فتلقوا أمر التحريم بالقبول والترحيب, كما أنه كذلك نتيجة طبيع ية لمعالجة القرآن الكريم للعادات العقدية باقتلاعها من جذورها وتنقية القلوب لتصبح صالحة لاستقبال الأوامر الربانية والاستجابة لها دون تردد . ب) أمثلة لطرق القرآن الكريم في غرس العادات الصالحة: لقد لجأ القرآن الكريم في غرس العادات الصالحة من تكاليف شرعية واخلاق , عبادات ومعاملات إلى عدة خطوات, ذلك أن الطبائع لا تقبل التكاليف جملة واحدة, كما لا تتخلى عن مألوفها دفعة واحدة, وإنما يروض الناس على قبول التكاليف ترويضاً , ويفطموا عن عاداتهم شيئاً فشيئاً , حتى يتخلوا عنها ويقلعوا (1.) يقول ابن قيمالجوزية رحمه الله : مبدأ كل علم نظري , وعمل اختياري , هو الخواطر والأفكار, فإهما توجب التصورات , والتصورات تدعو إلى الإرادات , والإرادات تقتضي وقوع الفعل , وكثرة تكراره تعطي العادة, فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار (2.) يشير ابن القيم إلى التدرج تكوين العادة, وأنه يبدأ بالفكرة فالتصور فالإرادة فالعمل وتكرار العمل يؤدي إلى حدوث العادة, وقد اتبع القرآن منهج التدرج في تكوين العادات الصالحة من عبادات واخلاق ومعاملات, فلم تنزل التكاليف الشرعية جملة واحدة بل تدرج القرآن الكريم فيها حتى تتقبلها النفوس و تعتاد القيام بها في يسر وسهولة. ____________________ (1 )عبد الرحمن , عبد الله الزبير . (1111 .)من مرتكزات الخطاب الدعوي في التبليغ والتطبيق . قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية, ص 119. (2 )ابن القيم, محمد بن أبي بكر. (1108 .)الفوائد. بيروت: دار الكتب العلمية, ص 191.

عدد الصفحات ١٦