16 الخروج على الحكام : معظم فقهاء أهل السنة لا يجيزون الخروج على الحاكم ولو كان جائرا ويجيزون ذلك فقط في حالة الكفر البواح الذي لا يَتمل التأويل كإنكار معلوم من الدين بالضرورة، ويرون أن البديل عن الخروج على الإمام الجائر هو الصبر عليه، وإسداؤه النصيحة، وعدم طاعته إن أمر بمعصية، ويستدلون على رأيهم هذا بعدد من النصوص نذكر منها: قال صلى الله عليه وسلم: " من أتاكم وأمر كم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفر ق جماعتكم فاقتلوه"(1) وقال أيضا: " من رأى من أميره شيئا فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبر ا فمات مات ميتة الجاهلية"(2) وقال " السمع والطاعة على المر ء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"(3) وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ستكون أمراء فتعر فون وتنكرون من عرض برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا"(4) . هذا وقد كانت الفتوى قديما لدى الفقهاء بجواز الخروج على حكام الجور لكنهم تركوا ذلك لما رأو ه من ترتب مفاسد كثيرة على ذلك تغرق المسلمين في الدماء وتفتتت وحدتهم وتضعفهم أمام عدوهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولهذا استقر مذهب أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم و يأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" وقال: " وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا وكان ما تولد على فعله من الشر أعظم ما تولد من الخير كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة فإنهم هزموا وهزم أصحابِّم فلا أقاموا دينا ولا ابقوا دنيا والله تعالى لا يأمر بأمر لا يَصل فيه صلاح الدين ولا صلاح الدنيا"(5) ويقول ابن القيم رحمه الله: " إن الو اجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقى العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، وإذا عم الفسوق وغلب أهل الأرض فلو منعت إمامة الفساق وشهادتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت الأحكام وفسد نظام الخلق وبطلت أكثر الحقوق، فأمام الضرورة والغلبة بالباطل ليس إلا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الأفكار"(6) هذا وقد (1) - رواه مسلم (2) - رواه البخاري (3) - رواه البخاري ومسلم (4) - أخرجه مسلم في كتاب الإمارة . (5) مجموعة من المؤلفين / دراسات تصحيحية / مصدر سابق/ ص183. (6) ابن القيم / إعلام الموقعين / دار الكتاب العرب / بيروت / ص184
عدد الصفحات ١٧17 كان موقف الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة موافقا لهذا الرأي، فهم لم يشاركوا في أي خروج على السلطة في زمانهم ـ على الرغم من كثر ة الأحداث التي مرت بِّم ـ وقد ساهموا بتقديم النصح والمشورة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1). وإ جانــب اســتدلال فقهــاء أهــل الســنة بالنصــوص الســابقة، فــإنهم اعتمــدوا علــى قاعــدة ارتكــاب أخف الضررين وتفويت أدنى المصـلحتين فقـالوا إن مـا يترتـب علـى الخـروج علـى الحكـام مـن المفاسـد أكـبر ممـا يترتـب علـى الصـبر علــى الجـور، يقـول الإمـام النــووي: " وأمـا الخـروج علـيهم و قتــالهم فحـرام بإجمـاع المســلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، و قد تظاهرت الأحاديث بمعـنى مـا ذ كرتـه ، وأجمـع أهـل السـنة أنـه لا ينعـزل السـلطان بالفســق وســبب عــدم انعزالــه وتحــريم الخــروج عليــه مــا يترتــب علــى ذلــك مــن الفــتن وإراقــة الــدماء وفســاد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه"(2) حكم تكفير المسلم إن مــن أكــبر المشــكلات الــتي يعــاني منهــا المســلمون اليــوم قيــام بعــض التنظيمــات الإســلامية بتكفــير طوائــــف مــــن المســــلمين المخــــالفين لهــــم في الــــرأي ، بــــل إن الــــبعض دعــــا إلى تكفــــير المجتمــــع بكاملــــه و هجــــره "التكفير والهجرة " اعتقادا مـنهم بـأنهم يعيشـون في جاهليـة، وهـذا النـوع مـن التكفـير يـؤدى إلى فسـاد كبـير في المجتمع المسلم، فهو لا يقوم على بينة من القرآن والسنة بل هـو مخـالف لنصوصـهما ، بالإضـافة إلى مـا يترتـب عليــه مــن فتنــة و قتــل وتفتيــت وحــدة المســلمين إلى طوائــف متنــاحرة ، والحكــم بتكفــير إنســان مســلم لم يظهــر شركا صريَا أو ينكر معلوما مـن الـدين بال ضـرورة إنَّـا هـو افتئـات علـى الله وت عـد علـى إنسـان مسـلم بإخراجـه من الملة والحكـم عليـه بمـا يترتـب علـى ذلـك مـن آثـار، وهـو عمـل ينكـره الإسـلام ، يقـول رسـول الله صـلى الله عليــه وســلم: "إذا قــال الرجــل لأخيــه يــا كــافر فقــد بــاء بِّــا أحــدهما "(3) وفَ حــديث ثابــت بــن الضــحاك قــال صلى الله عليه و سلم: "من حلـف بملـة غـير الإسـلام كا ذبـا فهـو كمـا قـال ومـن قتـل نفسـه بشـيء عـذب بـه في نار جهنم ولعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنا بالكفر فهو كقتله "(4) ومن حديث أ ذر رضي الله عنـ ه أن رسـول الله صـ لى الله عليـه وسـلم قـال: " لا يرمـي رجـل رجـلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتـدت عليـه إن لم يكـن صـاحبه كـ ذلك"(5)، وإلى جانـب هـذه النصـوص فقـد (1) محمد السعدي/ التكفير والعنف في ميزان الإسلام / بحث في إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر / مركز دراسات العالم الإسلام/1881 (2) شرح صحيح مسلم /12/228 (3) رواه ابن ماجة/ 2325 (4) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (5) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان
عدد الصفحات ١٨18 حـذر العلمــاء مــن مغبــة الحكــم علــى المســلمين بــالكفر وأن ذلـك مــن الأمــور الخارجــة عــن تعــاليم الــدين يقــول الإمام الغزالي : "أما الوصية أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما دامـوا قـائلين: لا إلـه إلا الله محمـد رسول الله غير مناقضـين لهـا ، والمناقضـة تجـويزهم الكـ ذب علـى رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم بعـ ذر أو بغـير عذر، فإن التكفير فيـه خطـر والسـكوت لا خطـر فيـه، ويقـول: "التكفـير حكـم شـرعي ي رجـع إلى إباحـة المـال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار فتارة يدرك بيقين وتارة بظـن غالـب وتـارة يـتردد فيـه ومهمـا حصـل تـردد فالوقف فيه أولى، والمبادرة إلى التكفير إنَّا تغلب على طباع من يغلب عليه الجهل "(1). إن الحكم بكفر شخص لا يخضع لتأويل أو اجتهاد وإنَّا هو أمـرشـرعي يسـتند فيـه للسـماع فقـط ، فهـــذا الحكـــم تـــترب عليـــه آثـــار و لـــذلك فهـــو خاضـــع لأدلـــة شـــرعية لا مجـــال للاجتهـــاد فيهـــا، يقـــول القاضـــي عيــاض: " اعلــم أن تحقيــق هــذا الفصــل وكشــف اللــبس فيــه مــورده الشــرع ولا مجــال للعقــل فيــه "، وقــال شــيخ الإســـلام ابـــن تيميـــة: "إن الكفـــر والفســـق أحكـــام شـــرعية لـــيس ذلـــك مـــن الأحكـــام الـــتي يســـتقل بِّـــا العقـــل فالكــافر مــن جعلــه الله ورســوله صــلى الله عليــه وســلم كــافرا ، والفاســق مــن جعلــه الله و رســوله صــلى الله عليــه وسلم فاسقا، كما أن المؤمن والمسلم من جعل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مؤمنا ومسلما "(2) هذا و قد فصل العلمـاء بدقـة أنـواع الكفـر ومـن لـه الحكـم في إصـدار هـذا الحكـم وآثـار هـذا الحكـم لم أجد حاجة لذ كره في هذا المقام، وكل مـا أردت قولـه إن الحكـم بتكفـير المسـلمين وتفسـيقهم كـان سـببا في إثارة الفتنة ولجوء المسلمين إلى الاقتتال فيما بينهم. أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى الاقتتال: شهد العالم الإسلامي ولا زال فتنا عصفت بوحدته و سـببت في سـفك دمـاء الآلاف مـن المسـلمين في بقـــاع عديـــدة بســـبب صـــراعات م ذهبيـــة أو طائفيـــة أو عرقيـــة، فالأحـــداث الـــدائرة في باكســـتان وأفغانســـتان، وحــوادث القتــل اليــومي في العــراق ، ومــا شــهدته الجزائــر مــن أحــداث داميــة مؤســفة، ومــا يجــري في دول الربيــع العــربي الآن، كــل ذلــك يــدل علــى أن العــالم الإســلامي قــد دخــل فَ انحــراف خطــير عــن عقيدتــه وتعــاليم دينــه الحنيـــف الـــتي تـــدعو إلى حفـــظ الـــنفس الإنســـانية وتحـــريم قتـــل الـــنفس بغـــير حـــق، و تـــدعو إلى الســـلام والمحبـــة والتآخي، ولذلك يتساءل الناس الآن ما الذي أصاب الأمة وما الذي حول سيوفها مـن مواجهـة عـدوها إلى مواجهـة بعضــها، وفَ المقدمــة تسـاءل العلمــاء والبــاحثون عـن أســباب جنــوح بعـض التنظيمــات الإســلامية إلى تجويز قتـال المسـلمين والـدعوة إلى ذلـك باسـم الجهـاد، وقـد كتبـت في الإجابـة عـن ذلـك أبحـاث كثـيرة اتجهـت بِّذه الأسباب إلى مشارب متعددة بعضها فكر ي وبعضها سياسي أو اقتصادي الخ، ذلك من التحليلات. (1) محمد السعدي/ التكفير والعنف/ مصدر سابق/ نقلا عن القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي (2) مجموعة من الباحث/ دراسات تصحيح ية/ ص685
عدد الصفحات ١٩19 ونظرا لتشعب هذه المسألة ووجاهة الكثير من ه ذه التحليلات، فإني سأحاول تلخيصـها في الأسـباب التالية: 1. محاولة استلهام سيرة السلف الصـالح وتطبيـق النصـوص بصـورة حرفيـة دون أخـ ذ في الاعتبـار آراء العلمـاء في شموليتها ودون اعتبار مآلات الأفعال وكل ذلك يتم باعتبـار ديـنِ وبعاطفـة قويـة تظهـر الحـرص علـى تطبيق شـعائر الإسـلام دون نظـر إلى الواقـع، يقـول الـدكتور عمـر عبـد الـرحمن زعـيم جماعـة الجهـاد : "لمـاذا اخترنـا هــذا الطريـق دون غــيره ، اخترنــاه لهـذه الآيــات الكثــيرة الـتي تعلمنــا أن لا نخــاف، لا نخـاف أبــدا مــن دولــة، ولا حكومــة ظالمــة ، لا نخــاف مــن دول الغــرب أو الشــرق ، لا نخــاف إلا الله، هكــذا يعلمنــا القــرآن ويعتبر ه أساسـا مـن أسـس العقيـدة . . . . فالقضـية قضـية إيمـان، فمـن خـاف مـن الغـرب أو الشـرق ففـي إيمانه دخل، في إيمانه غرض أو مرض، علمنا القرآن أننا نخاف الله وحده "(1) 2. عــدم شموليــة الفهــم والنظــر إلى النصــوص الشــرعية ، فكــل تنظــيم تمــترس حــول قضــية و غــرق فيهــا وغــض النظر عن أن يرى غيرها ، والبعض تمسك برأي وغض الطرف عن آراء كثيرة أخـرى تخالفـه ، والـبعض مـن أصــحاب هــذه التنظيمــات بــالغ في الاعتــداد بــالنفس حــتى لم يعــد يــرى في الســاحة إلا هــو، وأنــه الوحيــد الـــــذي يمثـــــل الإســـــلام، فالجماعـــــات الجهاديـــــة مـــــثلا رأت في القتـــــال حـــــلا لجميـــــع المشـــــكلات المعاصـــــرة فاستغرقت فيه حتى صارت لا ترى حلا في غيره، وتوسعت فيه حتى أباحته لقتـال المسـلمين مسـاواة لهـم بالكفــار، و كــل ذلــك م مــن خــلال خلــل في مــنهج التفكــير، وقصــر في الفهــم والاســتنباط حيــث رأت هـــذه الجماعـــات في ممارســــاتها قيـــام للدولـــة الإســــلامية وتحقيـــق للعـــدل والســــلام ، وإذا انتقلنـــا إلى جماعــــة التحريــر فــإنهم انحــازوا إلى قضــية الخلافــة ، واعتقــدوا أن رجــوع الخلافــة كفيــل بحــل مشــكلات الأمــة ، وأن رجوع الخلافة واجب على كل مسلم تحقيقه ، وهكذا بقية التنظيمات فتجزئة النصـوص والتعصـ ب لفهـم معــين وعــدم الاســتماع إلى آراء العلمــاء كــل ذلــك مــن الخلــل المنهجــي المفضــي إلى الانحــراف عــن تعــاليم الإسلام وقيمه. 6. عدم القدرة على الحوار وعدم الرغبة فَ فـتح الحـوار أصـلا لأن فكـر هـ ذه التنظيمـات قـائم علـى الامتثـال التــام لــرأي الأمــير أو القائــد أو الم رشــد ، وهــذا المــنهج يفقــد هــذه التنظيمــات الاســتفادة مــن آراء العلمــاء المختصــين، ويجعــل الســلطة مطلقــة في يــد الأمــير، وإذا أخــذنا في الاعتبــار أن معظــم قيــادات التنظيمــات الإســــلامية المعاصــــرة ليســــوا مــــن أهــــل الاختصــــاص الفقهــــي القــــادرين علــــى إنــــزال الأحكــــام مــــن أدلتهــــا التفصيلية، فهـم مختصـون في العلـوم التطبيقيـة، وأخـذنا في الاعتبـار أيضـا عـدم تواصـل هـذه القيـادات مـع 7 .د. عمر عبد الرحمن / ندوة التيارات الإسلامية المعاص رة/ مالطا /نوفمبر/ 1823.
عدد الصفحات ٢٠20 العلمــاء الربــانيين وعــدم فــتح الحــوار معهــم لعرفنــا أن مشــكلة القيــادة فَ بعــض هــ ذه التنظيمــات هــي الــتى قادتها إلى ممارسة العنف وتجويز قتال المسلمين . 4. عــدم اعتبــار فهــم الواقــع ومــآلات الأفعــالفي مــنهج بعــض هــذه التنظيمــات، ففهــم الواقــع جــزء مهــم في تقريـــر الأحكـــام والنظـــر إلى مـــآلات الأفعـــال مـــرتبط بمصـــلحة الأمـــة أفـــراد وجماعـــات ، فكـــل عمـــل يجلـــب مفسدة ولا يؤدى لمصـلحة شـرعية غـير جـائز، وبـالنظر إلى مـا تقـوم بـه بعـض هـذه الجماعـات مـن اقتتـال بــــين المســــلمين فــــإن المفاســــد المترتبــــة علــــى ذلــــك متعلقــــة بــــالكثير مــــن مقاصــــد الشــــريعة والحفــــا علــــى الضــرورات الخمــس ، وهــي لا تتعلــق بِّــا مــن جانــب الفــرد وإنَّــا يتعلــق النظــر فيهــا إلى مجمــوع الأمــة ، وقــد أورثــت هــ ذه الأعمــال الكثــير مــن المفاســد علــى المســتوى الــداخلي للأمــة وعلــى المســتوى الخــارجي أيضــا ، وأهـــم هـــذه المفاســـد التضـــييق علـــى الـــدعاة، وغيـــاب البيئـــة المناســـبة للـــدعوة، والتفكـــك الـــداخلي للأمـــة، وجرأة الأمم الأخرى على الإسلام والمسلمين .(1) 0. النظـــرة الثنائيـــة إلى الكـــون و المجتمـــع الـــتي تعتمـــدها بعـــض التنظيمـــات، فـــالمجتمع يقســـم إلى محـــورين محـــور الشـــر ومحـــور الخـــير، وهـــو إمـــا مـــؤمن وإمـــا كـــافر ، وأفـــراده إمـــا شـــ ياطين أو ملائكـــة، وهـــذه النظـــرة الثنائيـــة خلفــت آثــار ا ســيئة في تصــنيف الأفــراد والمجتمعــات ، فــالآخر في نظــر هــؤلاء شــيطان وعــدو يجــب محاربتــه ســــواء كــــان فــــردا أو مجتمعــــا أو حاكمــــا . وهــــذا أدى إلى احتكــــار الحــــق والصــــواب والانغــــلاق الفكــــري والانعـــزال عـــن المجتمـــع . و هـــذا المـــنهج اســـتوجب البحـــ ث عـــن تصـــحيح لموقـــف الطـــرف الآخـــر باعتبـــاره الباطــل والكفــر، ومــن ثم اســتوجب محاربتــه ، وإعــلان الجهــاد ضــده،(2) دفاعــا عــن الــدين كمــا يــراه هــو ، و إقامة الدولة الإسلامية كما يتصورها . 3. انتشــار مــا يمكــن أن نســميه ب"مظــاهر الاســتفزاز " في المجتمــع المســلم، فــبعض المجتمعــات المســلمة تنتشــر فيهــا المحرمــات بصــورة مثــير ة حيــث الخمــور والمخــدرات تبــاع عل نــا، والعــري والتــبرج يمــلأ الشــوارع ، والأفــلام الخليعة لا تغادر شاشات التلفيزيـون ، ولا يوجـد الـرادع لكـل هـ ذه المخالفـات، فكـل ذلـك يـدفع الشـباب المسلم المتحمس لدينه للرفض ، وقد يندفع إلى التطـرف ويقـع في ممارسـة العنـف د فاعـا عـن حرمـة الـدين ، ويضاف إلى ذلك انتشـار الثقافـة العلمانيـة في بعـض المجتمعـات والـتي تفـتح المجـال لنقـد المقدسـات بحجـة الحرية ، مما يدفع المثقفين المسـلمين إلى مواجهـة هـذه الثقافـة الفاسـدة بعضـهم بالكلمـة وبعضـهم بالفعـل، كمـا أن انتهــاك بعــض الـدول الأوروبيــة لحرمــة المقدســات مـن اعتــداء علــى الرسـول صــلى الله عليــه وســلم أو شــتم للقــرآن الكــريم بحجــة حريــة التعبــير ، كــان عــاملا قويــا في دفــع الشــباب المســلم إلى مواجهــة هــذه (1) مجموعة من الباحث/ دراسات تصحيحية / ص 645 مصدر سابق (2) د. عبد الغنِ حماد/ مؤتمر الحركات الإسلامية والنقد الذاتي /بيروت/14/0/2515م
عدد الصفحات ٢١21 الثقافة الاستفزازية ، وقد رأينـا مـا نـتج عـن هـذه المظـاهر الاسـتفزازية مـن أعمـال عنـف مـا كانـت لتحـدث لولا ه ذه الممارسات الخارجة عن ال دين والقانون والأخلاق. 7. ضــــنك الحيــــاةفي بعــــض المجتمعــــات المســــلمة وانتشــــار الفســــاد السياســــي والاقتصــــادي وانعــــدام العدالــــة الاجتماعية، وانتشـار البطالـة، وانعـدام الاسـتقرار السياسـي والاقتصـادي ، كـل هـذه مـن الأمـور الـتي تـوفر مناخا مناسبا لتفريخ الجماعات اليائسة التي تبحث عن مكان تمارس فيه رفضـها لهـ ذه المظـاهر السياسـية والاقتصادية الفاسدة، وقد يكون الجهاد أسهل الوسائل التي يراها هـؤلاء لعـلاج الفسـاد بإزالـة الدولـة أو بخلخلة المجتمع وتفريقه بما يعلنون من أحكام لا تتناسب وطبيعة ومقاصد الجهاد كما رسمها الإسلام . 2. المعالجــة الأمنيــةالــتي تقــوم بِّــا بعــض الحكومــات الإســلامية لمواجهــة بعــض التنظيمــات الإســلامية، فهــذه الحكومــــات تتطــــرف أيضــــا في مواجهــــة هــــذه التنظيمــــات و ذلــــك بالاعتمــــاد علــــى الســــجون والتعــــذيب والتنكيل بِّم مما يولد أفعالا مضادة تدفعهم وتدفع المتعاطفين معهـم إلى مزيـد مـن التكفـير والمواجهـة مـع هذه الحكومات، وقد رأينا في التجربتين المصرية والليبية أنـ ه عنـدما م التوجـه إلى فـتح آفـاق الحـوار معهـم وتمكيـــنهم مـــن مراجعـــة أفكـــارهم وتـــوفير الجـــو المناســـب لهـــم بمقابلـــة العلمـــاء المختصـــين والإطـــلاع علـــى الكتب والمراجع المعتمدة في الفقه الإسلامي، تغيرت نظرتهم إلى كثـير مـن القضـايا وصـارت لهـم مواقـف مناقضــة تمامــا لمــا اعتــبروه في بــدايات حيــاتهم، وقــد صــدر عــن الجماعــة الإســلامية المقاتلــة في ليبيــا كتــاب مهــم جــدا سمــي "دراســات تصــحيحية في مفــاهيم الجهــاد والحســبة والحكــم علــى النــاس" قــال عنــه الشــيخ ســلمان العــودة: "النتــائج الــتي دونــت في هــذه الدراســة حــول القضــايا المط روحــة ، متفقــة مــع مــا قــرره أهــل العلــم والســنة وقــد اعتمــدت علــى الأدلــة الصــحيحة، واستأنســت بــأقوال الأئمــة والعلمــاء مــن المتقــدمين والمتــأخرين ، واتســمت بالاعتــدال في لغتهـــا ونتائجهــا، والهــدوء في معالجتهــا، وظهـــر فيهــا الإشــفاق علـــى الأمة عامة، وخاصة على الشباب المسلم ، والذي يَدث من بعض أفراده وفئاته شيء مـن الانـدفاع غـير المدروس والحماس غير المنضبط ولئن كانت ه ذه النتائج عادية عند أقوام نشئوا عليها، وتربـوا منـ ذ نعومـة أظفــارهم علـــى مفاهيمهــا ، فإنهـــا تعـــد شــجاعة محمـــودة، وتقــوى لله تعـــالى، وتعاليـــا علــى الهـــوى والذاتيـــة، حــين تصــدر مــن إخــوة ســلكو ا طريقــا آخــر ثم بــدالهم أنــه لا يو صــل إلى المقصــود"(1)، وقــال عنــه الشــيخ أحمــد الريســوني : "لقــد غــاص المؤلفــون في كنــوز القــرآن والســنة ومقاصــد الشــريعة ، واتبعــوا منــاهج العلمــاء الراســخين ، واقتطفــوا ثمــار الأئمــة المتبعــين، والتزمــوا مــا عليــه مضــى ســبيل المــؤمنين ، وهــا هــم اليــوم يقــدمون للشــباب المفتــونين، أو المعرضــين للإفت تــان، حصــيلة علمهــم وتجــربتهم ، وحصــيلة مناقشــاتهم ومشــاوراتهم ، (1) مجموعة من الباحث/ دراسات تصحيحية / مصدر سابق
عدد الصفحات ٢٢22 وهــــا هــــم ينــــادون اليــــوم: هلمــــوا إلى الســــنة والجماعــــة هلمــــوا إلى الاعتــــدال و الاتــــزا ن والحكمــــة والموعظــــة الحسنة(1). هذا وقد أسست هـذه الأعمـال وغيرهـا ممـا قـام بـه بعـض الجماعـات الإسـلامية مـا بـات يعـرف ب "فقـه المراجعات " والذي من خلاله عدل كثير من شباب ه ذه التنظيمات عن أسـلوب العنـف واتجهـوا إلى الـدعوة بالحكمـة والموعظــة الحسـنة كمــا أمــر الله سـبحانه وتعــالى ، و قـد م كــل ذلــك بفضـل الابتعــاد عـن مــنهج العنــف في مواجهة هذه التنظيمات وفتح أبواب الحـوار معهـم، يقـول أصـحاب هـذه الدراسـات : "إننـا اليـوم – ومـن واقـــع تجربتنـــا في ليبيـــا – نشـــعر بالأســـى العميـــق عنـــدما نتـــذ كر المواجهـــات الـــتي حصـــلت في بلادنـــا، و ذهـــب ضــحيتها أبنــاء هــذا البلــد، ويــزداد الأمــر ســوءا حــين تســتحكم الغفلــة مــن نــور العلــم في ظــل غيــاب العلمــاء الربانيين ، فتجتمع قلة العلم وضحالة التجربة وجموح العاطفة ، والاحتكام إلى السلاح، فهـل يـأتي اليـوم الـذي نرى فيه بوادر الوفاق بين الجميع على كلمـة سـواء هـي كلمـة لا إلـه إلا الله محمـد رسـول الله ، لتنصـرف الهمـم لخدمــة ديــن الإســلام، وتشــمر الســواعد المخلصــة لبنــاء بــلاد المســلمين المحتاجــة لجهــد كافــة أبنائهــا ، وتصــطف الصفوف للدفاع عن المقدسات ضد أي غاصب أو طامع "(2) (1) مجموعة من الباحث/ دراسات تصحيحية / مصدر سابق (2) مجموعة من الباحث/ دراسات تصحيحية / ص 187 مصدر سابق
عدد الصفحات ٢٣23 خاتمة: ونخــــتم هــــذه الورقــــات بــــالقول بــــ أن قتــــل المســــلم لا يجــــوز إلا بحــــق و أن إباحــــة قتــــال المســــلمين لبعضــــهم وممارســته هــو خـــروج عــن الــدين ، ومهمـــا اســتند ذلــك إلى تأويـــل لــبعض النصــوص فإنـــه يعتــبر مخالفــة لإجمـــاع العلمـــاء، وأن مـــا يترتـــب علـــى ذلـــك مـــن إزهـــاق لأرواح المســـلمين أو الـــذميين أو المعاهـــدين إنَّـــا هـــو إشـــاعة للفساد في الأرض وبغي على المجتمع وإثارة للفتنـة ، ينبغـي علـى الحـاكم المسـلم أن يواجهـه بالحكمـة والموعظـة الحسنة أولا، ثم بالقتال ثانيا كما نصت الكثير من النصوص، وعلى المسلمين طاعته في ذلك . كما أن هذا النوع من القتال لا يمكن أن يطلق عليه جهـاد مهمـا قيـل فيـه مـن تـأويلات؛ لأن تعريـف الجهـــاد وأحكامـــه وغاياتـــه لا تنطبـــق عليـــه، وإطـــلاق لفـــظ الجهـــاد عليـــه إنَّـــا هـــو مـــن المغالطـــات الـــتي أضـــرت بمصطلح الجهاد ذاته، وأضرت بصورة الإسلام والمسلمين . جعلنــا الله مــن {المــذِينَ يَسْــتَمِعُونَ الْقَــوْلَ فـَيَتمبِعُــونَ أَحْسَــنَهُ أُولَئِــكَ المــذِينَ هَــدَاهُمُ اللمــهُ وَأُولَئِــكَ هُــمْ أُولُــو الأَْلْبَابِ }[الزمر : 12] والله الهادي إلى سواء السبيل
عدد الصفحات ٢٤24 مقترح القرار: إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته ا لحادية والعشرين المنعقدة في الرياض، بالمملكة العربية السعودية في 10/1/1460هـ الموافق 12/11/2516م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع (التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد) وبعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله؛ قرر الآتي: أولا: الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وهو أصل من أصول الشريعة الإسلامية . ثانيا: الإمام أو ولي الأمر هو المختص بإعلان الجهاد ووضع ترتيباته، ولا يجوز للأفراد تولي ذلك إلا بتفويض من الإمام أو ولي الأمر. ثالثا: لا يجوز قتل امرئ مسلم إلا بحق، ومن رفع سلاحه لقتال المسلمين صار من أهل البغي والفتنة، يجب ردعه بالقول أولا، ثم بالقتال إذا لزم الأمر . رابعا: على الحاكم المسلم أن يردع الذين يرفعون سلاحهم في وجه المسلمين، وأن يردهم إلى الحق ، وإن استلزم الأمر قتالهم، وعلى المسلمين ط اعته في ذلك حفاظا على المجتمع الإسلامي ومن ينضوون تحت عهده، وحفاظا ع لى وحدة الأمة الإسلامية .
عدد الصفحات ٢٥