الصوفي والنص الفلسفي النص بين والكراهية الحب مفهوم 145 - اﻟ ﻌﺪد10 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2010 الانتقاص من القيم والعمل الشر والـكراهية هو الحركة المضادة التي تهدف إلى فما دلالة الـكراهية في حياتنا الروحية؟ وما مجاهدة النفس على الهبوط بها. اتجاهها؟ إن الـكراهية والشر وفي الواقع أو في الإمكان يعبر دوما عن شرط ضروري لوجود الحب والخـير، إذ لولا إمكانية الشر، لكانت إمكانية الخـير ضرب من و الشر لا يوجدان في الأشياء، بل في الطريقة التي تستخدم بها المحال. والخـير أ إرادتنا تلك الأشياء. على اعتبار أن الإرادة خيرة في حد ذاتها أو هي معقولة كما ، وإنما يكمن الشر في سوء استعمال هذه الإرادة. ومن ثم كان هل ينبغي علينا أن نبغض الشر مرتبطا بممارسة الحرية البشرية لنشاطها الخاص. ف ؟الشرغض أو البُ يعتقد الـكثير منا أن الحياة الروحية الصحيحة تستلزم كراهية الشر، وكره في حين الإرادة والسريرة الخـيرة لا تعرف الـكراهية في أي صورة من . الأشرار وتلك هي محبة الخـير وبالتالي فإنها لا تكره الشرير ولا تكره الشر نفسه.. صورها لحياة الروحية الصحيحة في جوهرها إرادة خير لا تقوم إلا على المحبة. المحبة التي فا بل القصد هنا يتجه نحو لا تقتصر على ما هو أهل للحب أو ما يحمل قيمة أعظم. أي موضوع كائنا ما كان. يستثرهاالمحبة التي لا ة الآثمين قد أعلن حكماء الأخلاق قديما أن المحبة الحقيقية إنما هي "محبل بمعنى، أن المحبة الصادقة لا تخشى التنازل عن كرامتها، .والمذنبېن وضحايا الشر" بل هي تنزل إليهم والهبوط إلى مستوى الأشرار، والاختلاط بجماعة المذنبېن. عاطف معهم، وتغمرهم بعطفها. وعليه، فالمحب الحقيقي ليس من واجبه أن ٺتو استئصال الشر وتحطيم بل أن يعمل على يبغض الشر أو أن يكره الـكراهية، الـكراهية. ومن ثم محبة الـكراهية كما أعلن عنها بعض المتصوفة وحكماء الأخلاق لا بل بغيضا،ولا محبة البغيض بوصفه تعني بأي حال محبة الشرير بوصفه شريرا، أوأي أن محبة الشرير . بوصفه إنسانا تعسا أو مخلوقا شقياوالبغيض محبة الشرير
عدد الصفحات ١٤٥موسى ﷲ عبد. د 146 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ . ولذا كانت بعض الديانات ولا بغض البغيض لا تعني محبة شر الشريرالبغيض باعتبارها . ومن بينها الإسلام قد أعلت من شأن فضيلة الصفح أو العفو والغفران ح أو التسامح صورة من فالصف. قيما تضحي بعلاقة القانون في سبيل علاقة المحبة ، ويحب حيث لا يتوقع المساومة.إنه يعطي حيث لا يتوقع الأخذصور السخاء، تسعى جاهدة في سبيل . هكذا تجد المحبة الخالصة نفسها أمام الـكراهية الخالصة إنقاذ ما تحياه تلك النفس البشرية اليائسة التعيسة. عمق ذاتية ٺتفالـكراهية لا تقرأ الباطن ولا تحسن فهم الداخل ولا أن ثال الإنسان الذي يحب إنسانا آخر إما إنها م تسمع. أنإنها صماء لا تريد الآخر، )أي الذي ينتقي من والواقع أن هذا الإنسان المميز لحبه للونه أو عرقه أو دينه. و قد يكون الناس على حق هو إنسان عاجز عن محبة الإنسان بوجه عام. يحب( على اعتبار أن الحب لا في هذا المقام حين يعبرون بقولهم من أن الحب أعمى. ا هو ماثل أمام عينيه. )أي ليس بحاجة إلى رؤية( مما يعني، أنه يمتد يرى م فالحب فالموجود . يعد الحقيقة المثالية الكامنة وراء الإنسان الواقعي بمثابة الإنسان الحقيقي لا يحب هو الأعمى بمعنى الذي يحب هو الذي يرى في حين أن ذلك الذي الكلمة. في الغريزة أو اللذة أو المادة أو الـكره إن الإنسان كثيرا ما يبحث عن الشر نفسه، أو الـكره لـكن سرعان ما يتأكد من أنها ليست بالشر أو الطبيعة البشرية. وقد يكون الشر . من وجود إلا بالنسبة للإرادة التي تريدهأو الـكره إذ ليس للشر الأوحد في العالم هو والـكره فالشر . الكامن في نياتنا ومقاصدنالـكره هو ذلك أو ا رغم كل التبريرات ومختلف التلوينات.، أو إرادة الـكراهية إرادة الشرفقط فإن الخـير،لإقامة ضرب من التطابق بين المحبة وإرادة وعليه في المقابل، بمعنى أدق ليس و الفعلي.ط المحبة تعني أسلوبا من العمل أو السلوك أو النشا فالحب هنا مجرد تأمل سلبي خالص، بل لابد لنا من أن الخـير،يكفي أن نحب نصنعه وان نحاكيه. والمحبة هنا لا تعني تأمل بعض الآثار الدينية المقدسة أو
عدد الصفحات ١٤٦الصوفي والنص الفلسفي النص بين والكراهية الحب مفهوم 147 - اﻟ ﻌﺪد10 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2010 بل تعني أولا وبالذات التعلق ببعض مخلفاتها قصد التبرك بها وما إلى ذلك من أجل العمل على شمولهم بعطفها ورحمتها. ومن ثم إرادة الاتجاه نحو الآخرين بل تعني المحبة العاملة التي . الخـير لا تقتصر على النوايا الطيبة وأنواع الرجاء والتمني أن "الـكراهية" وإن منا، البعضيتوهم قد تمضي إلى أقصى التضحية والإيثار. . وبهذا المعنى مثلا قد "محبة ضمنيةكانت ظاهرة سلبية إلا أنها تنطوي على " يبغض المرء جماعة الملونين، لـكي يحب جماعة البيض. لـكن الواقع أنه إذا كان بوجه عام. ولهذا فإننا الإنسانج، فذلك لأنه عاجز عن محبة والشرير يبغض الزن ومن ثم فإنه لا مجال للتحدث بأي حال عن آثار قد عقيمة،نقول إن الـكراهية من الـكراهية يث لا يمكن بناء أية قيمة صحيحة فوق دعامةتنتجها الـكراهية. بح مهما كانت التبريرات التي من شأنها أن يسوقها الإنسان. :خاتمة والشقاء،إن القيمة الوجدانية المميزة للحب تقع فيما وراء كل من السعادة لـكن هل تكون أو عاطفة ذات رتبة مختلفة. آخر،لأنها تمثل وجدانا من نوع الحب مقصورة فقط على ما هو وجداني باعتباره ميلا أو نزوعا أو اتجاها قيمة المعرفة؟ وإن كان معظم أشكالألا يمكن أن يكون أيضا شكلا من . وجدانيا الناس يجيبون سلبا، فذلك إلا لأن العنصر المعرفي في الحب يتميز بالغموض لية للشخصية، بل المثاوإلا كيف يمكن للحب أن يتحرك صوب القيمة والتعقيد. كيف له أن يوجد حقيقة للإنسان إن لم يكن في استطاعته أن يُفهم ذلك في حين أن أي فهم وجداني أو الوجود أو أن يدرك بوجه ما من الوجوه؟ على اعتبار أن الحب وعي،بحاجة إلى معرفة أو استدلال أو . دراك عاطفيإ نا فهم حقيقي وإدراك ذلك إذا ما أرد معرفة.كخـبرة أو وعي خلقي يتطلب للقيم.وجداني في التعرف الإنسانحياة الحب سوى حياة روحية يقضيها وبالتالي ليست نسان بأسمى لإأي أنها حياة مشاركة يتعلق فيها ا بالمعرفة،جدير حقا على ما هو وبما يكسبه اتجاها ، يتعلق فيه بما يمنحه عمقا ومعنى وقيمة الإنسان.وأرفع ما في
عدد الصفحات ١٤٧موسى ﷲ عبد. د 148 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ غاية.وقصدا و أن العلاقة بالغير لم يحددها كل المفكرين في لنا، يتضح على هذا الأساس قيمة حبفقط، بل تنوعت الأطروحات بين من يعتبر ال الحب والـكراهيةإطار أخلاقية نبيلة، وبين أطروحات تعمد على تأكيد الإقصاء والنبذ والاختلاف. لذا إلا أن ذلك لا يمنع .موجود لا بد من أن نعرف أن هذا النوع من الأطروحات من التفاؤل وبالتالي التأكيد على أن هناك أطروحات تحارب هذا النوع من الفكر إلا ضد - بدورنا -انطلاقا من أرضية علمية صلبة. ونحن لا نستطيع أن نكون جميع أشكال الغرابة، والإقصاء والإبعاد، وجميع أشكال النبذ، مستمدين تصورنا سانية السمحة، ومن روح الفلسفة التي تقصي جميع أشكال العنف من القيم الإن تربويالحياء فالأحرى بنا الإ باعتبارها دعوة إلى التسامح، والإيمان بالاختلاف. لقيم التسامح والانتقال بها من مجرد الحضور القيمي في مدونات الثقافة إلى الفاعل ة والسياسية.حضور فعلي وقيمي عملي في إطار الحياة الاجتماعي الهوامش: 67. 715. نفسه المكية، الباب الثامن والسبعون بعد المائة في معرفة مقام المحبة. ابن عربي: الفتوحات عفيفي، دار إحياء الـكتب ابن عربي: فصوص الحكم، والتعليقات عليه بقلم أبي العلا 1946. ب كتافي الخطاب الصوفي، دراسة من منشورات اتحاد ال الحركية التواصلية :ىبلعل آمنة 2001. ، .وما بعدها أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة محمد فتحي الشنيطي، دار النهضة، انظر، أ. كانط 17.
عدد الصفحات ١٤٨الصوفي والنص الفلسفي النص بين والكراهية الحب مفهوم 149 - اﻟ ﻌﺪد10 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2010 References: 1 - Al-Bukhārī: Ṣaḥīḥ al-Bukhārī. 2 - Al-Suyūṭī: Al-Jāmi‘ al-kabīr. 3 - Belaâla, Amina: Al-ḥarakiyya at-tawāṣuliyya fī al-khitāb as -ṣūfī, Arab Writers Union, Damascus 2001. 4 - Ibn ‘Arabī: Al-futūḥāt al-makkiyya, Dār Ṣādir, Beirut (n.d.). 5 - Ibn ‘Arabī: Fuṣūṣ al-ḥikam, Dār Ihyā’ al-Kutub al-‘Arabiyya, Egypt 1946. 6 - Kant, Immanuel: ’Usus mitafīzīqa al-akhlāq, (Groundwork of the metaphysics of morals), translated by Muḥammad Fatḥī al-Shannīṭī, Dār al-Nahḍa, Beirut. 7 - Zahra, Aḥmad ‘Alī: Kitāb as-ṣūfiyya wa sabīluha ilā al-ḥaqī qa, Dār Ninawa, Damascus 2004. o
عدد الصفحات ١٤٩مجلة حوليات التراث
عدد الصفحات ١٥٠التراث حوليات ،مجلة العدد10،2010 ص ،151 - 166 ISSN 1112-5020 اﻟﻨﺸﺮﺗﺎرﻳﺦ15/9/2010 imseer@yahoo.com © الجزائر مستغانم، جامعة2010 عند الصوفية تحويلات الوجود والمعرفة إسماعيل نوري الربيعي د. البحرين ،الجامعة الأهلية الملخص: بقدر ما كان الإسلام ديناً يؤكد على التوجه نحو الحياة والحصول على طيباتها، فإن الرسول )ص( وصحابته، كانوا يحثون المسلمين على الابتعاد عن الترف، والتأكيد على حياة شونة، كمرادف للزهد والصبر والتحمل، لاسيما خلال الفترة المبكرة من ظهور الإسلام، الخ حيث الأخطار والتهديدات المحدقة بهم، وهكذا ارتبط التصوف بالزهد، خلال القرن الأول والثاني الهجري. وهناك العديد من الإشارات حول أصل هذه التسمية يحددها عبد الرحمن وهم فقراء المهاجرين الذين آواهم النبي )ص( في مكان قريب من بدوي في أهل الصفة المسجد النبوي في المدينة المنورة. وهناك رأي يقول بأن الاسم من صفاء السريرة والنقاء من الشر، ورأي يشير إلى المصلين الذين كانوا يقفون في الصف الأول خلال الصلاة، ومن نسبهم جاهلية، وربما إلى الصفوانة وهي نوع من البقول أو إلى صوفة إلى بني صوفة خدام البيت في ال القفا وهو الشعر المنسدل على الـكتفين. الكلمات الدالة: .التصوف، الزهد، الصحابة، المهاجرون، العرفان الصوفي o Transformations of existence and knowledge of Sufis Dr Ismail Noori Mseer Ahliya University, Bahrain Abstract: Insofar as Islam was a religion that emphasizes orientation tow ards life and obtaining its goodness, the Messenger (PBUH) and his Compan ions used to urge Muslims to move away from luxury and emphasize a life of r oughness, as a synonym for asceticism, patience and endurance, especially duri n g t h e e a r l y period of the emergence of Islam, where the dangers and threats Star i ng wi th t h e m , a n d t h u s S u f i s m w a s a s s o c i a t e d w i t h a s c e t i c i s m , d u r i n g t he first and second century AH. There are many references about the origin o f this name, identified by Abd al-Rahman Badawi in the people of adjective, who are the poor
عدد الصفحات ١٥١الربيعي نوري إسماعيل. د 152 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ immigrants whom the Prophet (PBUH) sheltered in a place close t o the Prophet’s Mosque in Medina. There is an opinion saying that the name is from t h e p u r i t y o f t h e s e c r e t a n d p u r i t y f r o m e v i l , a n d a n o p i n i o n referring to the worshipers who used to stand in the first row during the prayer , and from their lineage to the sons of Sufah, the servants of the house in the pre-Islamic era, and p e r h a p s t o t h e s a f w a n a , w h i c h i s a t y p e o f l e g u m e s o r t o t h e S ufa al-Qafah, which is the poetry falling on Shoulders. Keywords: Sufism, asceticism, companions, immigrants, Mysticism. o كانت تسمية التصوف مدار اهتمام الباحثين والمتخصصين، حيث السؤال كانت هذه التسمية؟ من الصوف، أم من الصفاء الروحي اولماذعن أصلها، أبا أنوالذهني؟ وهكذا شغل المتصوفة أنفسهم في البحث عن دلالة الكلمة، حتى سعة علم المتصوفة واقترابهم الشديد من إلىهـ(، أشار يبحثون الحقيقة الإلهية، وعلى هذا لا يمكن تحديد معارفهم بعلم محدد، بل إنهم عن الحقيقة بشكل مطلق راغبين بالزيادة، وعليه فإن تسميتهم جاءت من ، فعرفوا بالمتصوفة، ولم إلىفكرية متأخرة، إنما تعود أوظاهرة اجتماعية إلىيكن المتصوفة بالطارئين نسبة الخـبر الذي إلىا قبل ظهور الإسلام، استناداً م إلىمرحلة تاريخية سابقة، تعود يورده السراج عن محمد بن اسحق بن يسار، حول الرجل الصوفي الذي كان استدلاله بمقولات الحسن إلىيطوف بالـكعبة من مكان بعيد ويعود. بالإضافة إلى الإشارةهـ(، حيث الزهاد القانعين. بقدر ما كان الإسلام ديناً يؤكد على التوجه نحو الحياة والحصول على و وصحابته، كانوا يحثون المسلمين على الابتعاد عن )ص(طيباتها، فإن الرسول سيما كمرادف للزهد والصبر والتحمل، لاالترف، والتأكيد على حياة الخشونة، لتهديدات المحدقة بهم، خلال الفترة المبكرة من ظهور الإسلام، حيث الأخطار وا
عدد الصفحات ١٥٢الصوفية عند والمعرفة الوجود تحويلات 153 - اﻟ ﻌﺪد10 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2010 والثاني الهجري. وهناك الأولوهكذا ارتبط التصوف بالزهد، خلال القرن العديد من الإشارات حول أصل هذه التسمية يحددها عبد الرحمن بدوي في في مكان قريب من )ص(الصفة وهم فقراء المهاجرين الذين آواهم النبي أهل هناك رأي يقول بأن الاسم من صفاء السريرة المسجد النبوي في المدينة المنورة. و الأولالمصلين الذين كانوا يقفون في الصف إلىوالنقاء من الشر، ورأي يشير إلىبني صوفة خدام البيت في الجاهلية، وربما إلىخلال الصلاة، ومن نسبهم صوفة القفا وهو الشعر المنسدل على إلىأو ين.الـكتف فيما يؤكد هـ(، هـ(، روف الـكرخيهـ(، ومع . وقد بقيت صورة الزهد والتنسك هي السائدة حول المتصوفة هـ ، ويؤكد تجاوز رغبات إلىاتجاه المتصوفة هذا الاتجاه العلامة ابن خلدون، حين يوضح لبس الصوف فكان تأكيداً أماعبادة الله، إلىالجسد والتوجه بكل شغف وجب وحياة بدعه. إلاالرفاهية ما هي فف، التي كانت تطلع الصوفية هنا يرتكز حول تطبيق مبادئ التقشف والتع المبكر، حيث التضامن والتكافل الإسلامسائدة خلال حياة الصحابة في مرحلة واضحة )والفكرة الأساسية لا تقوم على الرهبنة وترك الحياة والمؤازرةعلى أشده ومتاعها، فهذا أمر يرفضه الإسلام بشكل قاطع( وبشكل عام لا ينطبق هذا رة لها خصائصها وسماتها المميزة خلال الوصف على التصوف، الذي برز كظاه القرن الثالث الهجري. لـكن حياة الصحابة بتقشفهم وزهدهم كانوا يمثلون طلائع
عدد الصفحات ١٥٣الربيعي نوري إسماعيل. د 154 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ وكان التوجه نحو تقليد السنة في عمل الصوفية المتأخر، إلا أن المبالغة وسوء )ص(والاقتداء بشخص النبي نموذج الأساسي، كانت قد تبدت قسماتها في أكثر من حالة.الفهم لل ممارسات الصفيين المتأخرين، خروجاً على التقاليد والتعاليم أفرزت إذا الأولى، ذلك حين انغمسوا في شعائر ومراتب وطقوس ومقولات، الإسلامية جعلت منهم فئة منعزلة، خارجة عن الفعالية الاجتماعية الإسلامية. ولـكن تبقى بدى ٺتلمسة الخوف هي الأبرز في تطلعات الصوفية، حيث الخشية من غضب الله بشكل واضح لديهم، ومن هنا بالذات برز مفهوم الولاية لدى الصوفية، حيث نوع من العقاب الذاتي من أجل التطهير. إلىتتحول المقولات المؤكدة على الزهد بو نصر أصوفي، حين يرفض فيما بقيت دلالة الزهد تأخذ بعدها في الخطاب ال ما أنا إلا رجل من أهل الصفة، فادفعوها "هبة هارون الرشيد التي قدمها له قائلاً: ، وباعتبار استناد المعرفة الصوفية على علمي الظاهر والباطن، حيث العبادات في الأول، والمقامات في الثاني القلوب من خلال علاقة النفس بالله، فإن الـكشف الصوفي يبدو أعمالوارتباط في المعرفة فوق العقلية، حيث أن البحث عن علم الصديقين، والتي يدعوها أو ، وطالما أن الصوفي يبحث عن طهارة أصحاب الصفة، نصر يربط نفسه ب أبا، فإن الصوفي "العارف"القلب لبلوغ درجة ، وبهذا فانه يبحث عن شرعية )ص(وهم فقراء المدينة الذين آواهم الرسول بالطلب أن يكون واحداً إشارته إلىزمن النبي، أما بالنسبة إلىدينية، يعود فهيا من المجموعة التي توزع عليهم الهبة، فهي تصدر عن مقامات العارفين التي يحددها ، من بينها؛ التفويض، والتقوى مقاماً كي أربعينسعيد بن أبي الخـير يحدد أبا أنوالمحبة والقناعة والرضا، في حين إذاوالتصوف. يضمنها في نية الاحتفاظ في الشقاء، إذاوبون عن الحلال، ما خيّر بين الدنيا والآخرة فإنه يتطلع نحو الشقاء، وأنهم يت يبحثون عن إنما، لأنفسهموب عن الحرام، وهم لا يطلبون شيئاً ٺتكانت الناس
عدد الصفحات ١٥٤الصوفية عند والمعرفة الوجود تحويلات 155 - اﻟ ﻌﺪد10 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2010 الحب الصافي النقي للاتحاد بالذات الإلهية، حيث يلخص منصور الحلاج 14(: ا منية المتمني عجبت منك ومني ي تنينأدي حتىمنكن ت أنك أنيظن لصوفيون يتوجهون نحو مبدأ وحدة الوجود الذي يميز طريقهم، حيث أن وا وجه نحو ٺت الإلهيةالهدف نحو الاتحاد بالواحد، الذي هو الله، في حين أن الفلسفة نظريته في الـكون وتحديد مراتبه ومكوناته. فالصوفي يتطلع للانغماس في صلب ستقبالها بكل جوارحه، حية معاشة ويعمل على ا هذه الوحدة لا يتم إلاّ من خلال التمسك بالطابع الزهدي الصارم، إلىوالطريق شر. ولعل الحوار الذي حيث البحث عن اللذائذ الوجدانية وتجاوز المادي والمبا علي السيرافي وعليان الصوفي، يوضح بعض معالم هذه العلاقة، حيث دار بين أبي منذ اشتهيتمنزلي به، وقلت: ما تشتهي؟ فقال: ما إلىئت فج" :يقول السيرافي : ألا أتخذ لك عصيدة جيدة؟ قال: هذا إليك. أربعين سنة إلاّ المولى، قلت فاتخذت له عصيدة بالسكر ووضعتها بين يديه. فقال: لا أريد مثل هذا، ولـكني واخرج لك. فقلت صفها لي. فقال: خذ تمر الطاعة، أصفهاأريد على الصفة التي منه نوى العجب، وخذ دقيق العبودية، وزعفران الرضا، وسمن النية، واجعل ذلك في طنجير التواضع، وصب عليه ماء الصفاء، وأوقد تحتها نار الشوق بحطب التوفيق، وحركة بأسطام الحمد واجعله على طبق الشكر وصفه على يدي، فمن أكل 16(. أما البهلول معاصر هارون الرشيد، فإنه يحدد معالم الطريق الصوفي، عن طريق استبشاع متاع الدنيا، حيث يطلق عليه ذل الطمع، ويضع مقابلاً أمامه ميادين الصفا وترك الجفا ولزوم الوفاء وسكون "يتمثل في عز الورع، من خلال 17(. ن لإعراض المتصوفة عن الدنيا قد تجلى، في إعلان عدائهم لعلم الفقه، كا
عدد الصفحات ١٥٥الربيعي نوري إسماعيل. د 156 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ الدنيا، ومثلوهم بالعقبة، التي تقطع إلىالذي اعتبروه جزءاً من التوجه المفضي أنهم كالبناء المشيد ظاهره إلى أشارواالطريق نحو الله. وعلى طريقتهم في التفسير فاقد للمعنى، ودليلهم رفضهم أعلنواالاختلاف الواضح في المذاهب. ولم يتوقفوا عند هذا الحد، بل الاشتغال في هذه العلوم، باعتبارها دنيوية حسب تعبيرهم، وتعطل صاحبها عن عدم إمكانية معرفة الأشياء، لمحدودية إلىبلوغ علم الحقائق، في هذا يشير الحلاج الإنسان، لـكن هذا الأمر لم يشمل الصوفية بأجمعهم، بل برزت بعض إمكانات توجه إلى بالإضافةهـ(، أفرزتهامبادئ ةالتصوف، ويحدد آدم متز ثلاث إلىالـكثير من فقهاء الشافعية ملة بالله، كرامات الثقة الكا :ممثلة في الإسلاميةحركة التصوف في الحياة 19(. أن الصوفية، يطلق عليهم الفقراء، خصوصاً في بلاد إلىيشير السراج "للفقراء الذي احصروا في سبيل الله" :الشام، انطلاقاً من الآيتين الـكريمتين اعتبار الفقر من إلى. ويعمد عبد الرحمن بدوي صفة الفقر كانت تحتل مكانة مميزة لارتباطها أنوالواقع وحياة الصحابة، حتى كانت نوعاً من الرد على توجهات )ص(بسنة الرسول الدولة الأموية في البذخ وحياة الترف وتقريب النخبة لها، وهكذا برز تيار النفس البشرية، والتطلع عن الدنيا، من خلال محاربة الشر الكامن في الإعراض الله الذي يمثل الغاية الوحيدة بالنسبة للصوفي. إلى المحدثة في التأثير على الأفلاطونية أحدثتهلا يمكن التغاضي عن الأثر الذي الإغريقية الآثارسيما بعد التوسع فبترجمة العديد من التيارات الفكرية، لا بروز انت الفلسفة قد التقت بالتصوف، في هـ(، وك الأثرما أخذنا إذاالـكثير من المواقف الفكرية، بل إن النشأة كانت فلسفية، لأفكار في التصوف الفلسفي. أفلوطين
عدد الصفحات ١٥٦الصوفية عند والمعرفة الوجود تحويلات 157 - اﻟ ﻌﺪد10 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2010 وز تيار التصوف داخل ثر الديانتين المانوية والمزدكية في برأوليري أويعزو سيما من قبل وجهات زهدية واضحة، لا، لما يحملانه من تالإسلاميالمجتمع تأثيرات إلى، هذا بالإضافة الإسلاميالدين إلىالمتحولين من الموالي الفرس الديانة الصابئية المندائية التي كان لها أتباع في جنوب العراق، بحيث نجد أن البوذي يتجلى الأثر أنوين على ديانة الصابئة. كما معروف الـكرخي، كان من أب من خلال انتشارها في خراسان وبلخ، ولـكن ثمة اختلاف بين البوذية أثره الزقانا البوذية تقوم على فقدان الذات في السكينة أنوالتصوف، حيث يبرز في ل التصوف يقوم على فقدان الذات في التأمل الزهدي للجما أنالمطلقة، في حين 22(. ، حتى والإرشادكانت بدايات التصوف، قد تميزت في التوجه نحو الوعظ لأنهم كانوا يحثون الناس على التوبة وطاعة "القصاص"على جماعة منهم أطلق "البكائين"الله، والتذكير الدائم بقرب يوم الحساب، فيما برزت فئة منهم تدعى أعمالفي ذات العمل وقد تركزت وهم من مقرئي للقرآن، كان يصب نشاطهم والثاني الهجري، ومن الأسماء الأول، خلال القرنين هـ(، الذي يعد المؤسس الأول لحركة عبادة إلىالتصوف، حيث كان عمله ينصب على رفض ملذات الدنيا، والتوجه الله العزيز لحياة مآله الزوال، ولن يبقى إلاشيء في هذه االله على اعتبار أن كل الجبار. وقد ظهر تأثير حركة التصوف البصري في مناطق الجوار، حيث ظهرت هـ(، والتي كانت في الأصل وجهة في حب الله، مت الانغماس إلىجارية تعمل في الموسيقى، لـكنها تحولت إليه بكل جوارحها. سيما صوفيي جماعة واسعة من المتصوفة، لا استقطبت بغداد بحكم مركزيتها، من المناطق المتصوفة، وهكذا ظهر المحاسبي الأتباع إلى بالإضافةالـكوفة س، ومن هنا هـ(، الذي يقوم منهجه على التشدد في محاسبة النف إلى الانقطاعللمؤمن العابد تقوم على قد وضع شروطاً بالذات نال هذا اللقب،
عدد الصفحات ١٥٧الربيعي نوري إسماعيل. د 158 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ الله، وان الحقيقة الأهم بالنسبة للإنسان تتمثل في الموت، وما يترتب عنها في أن يكون تحت يد الله للحساب الأكبر. وطالما أن الأحوال بهذا النوع من العلاقات، الشر فإن المهم أن يتخلص الإنسان من نزعاته الفردية، وينزع عن نفسه كل أدران 24(. هـ(، لـكن سيما الأشاعرة، الذين الترحاب من بعض فرق المتكلمين لاأفكاره لقيت بعض حتى أن ما قدمه من أفكار كانت في طروحاته مقدمة لنظرية إصلاحية،وجدوا لـكبير من أدباه عصره، بل إن التأثر به كان قد ولد اتجاهاً في مفتاحاً للتعاطف ا تحرير الـكثير من النصوص التي تشيد بحركة التصوف. وبقدر ما كان الاحتفاء بأفكار الجنيد، فإن الحلاّج الذي تطرف في آرائه، كانت من الأسباب التي أدت مرحلة إلىصل النفس البشرية لا يمكن لها أن ت أنعزلته، حيث ركز على إلى وإحاطتهالـكمال ما لم تتحد بالله، وكان لتوجهه نحو تركيز مجال الـكرامات، إلىعليه معالم التقديس والتكريم، وأسبغوامكانته إبرازبالمريدين الذين غالوا في الحد الذي نال فيه رفض المتصوفة الآخرين له، والفقهاء ورجال السلطة، حتى 25(. رفع الشبهات عن التصوف، حيث جهد العديد إلىمن هنا كان التطلع من المتصوفة في وضع المصنفات الشارحة لأفكارهم وآرائهم، مشددين على الطابع الإسلامي لحركتهم واحترامهم الشديد وتوفيرهم للسنة والجماعة. حيث برز هـ(، والملقب بطاووس الكلاباذي إبراهيم، ومحمد بن "اللمع في التصوف"ب كتاالفقراء، ليضع اشتغاله بعلم إلى إضافةهـ(، الذي حرص للتعريف بالتصوف، ، وعلي "قوت القلوب"ب كتاهـ( صاحب باً كتاهـ( الذي وضع ، وعبد الـكريم بن هوزان بن "كشف المحبوب لأرباب القلوب"بالفارسية عنوانه ب كتاهـ(، الذي وضع
عدد الصفحات ١٥٨الصوفية عند والمعرفة الوجود تحويلات 159 - اﻟ ﻌﺪد10 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2010 26(. . الأول: يقوم اعتبارينرمسية على في فهمه لله الإسلامييستند التصوف على مبدأ الانتشار، إذ أن الله منتشر بالزمان والمكان باعتباره كلي الوجود، وبهذا والحلول، الانطواءيمكنه الإتحاد بالله. أما الثاني: فيقوم على مبدأ الإنسانفإن الإسلاميبمعنى حلول الله في الإنسان إن مبدأ الانتشار الذي يقابله في المعنى ، يقوم على أهمية تجاوز القياس والحدود التي يفرضها الجسم أو "الاتحاد والفناء" ما تم للمريد رفض المستحيل والانغماس في فكرة الخلود، فإن هذا إذاالمكان، و معرفة الله، ولا بد من الارتفاع فوق كل علوّ والغوص في إلىالأمر سيفضي يكون المرء البحر أنيفرضها المكان، حيث يمكن أعمق عمق، وتجاوز الحدود التي يكون المرء أنفوق الجبل، سابحاً في الفضاء، فيما يكون تجاوز الزمان في إمكانية ما ارتفع إذا الإنسانشيخاً. وبحسب ذلك فإن - حياً، لم يولد بعد، شاباً -ميتاً وكمياتها، تمكن من وأنواعها الأشياءبالزمان والمكان وجوهر الإحاطةبفكره وبلغ معرفة الله، والرغبة في معرفة الله تمثل الطريق القويم في حين أن إلىالوصول 27(. الذي يعني الحلول، فإنه يقوم على أن النفس قبس من للانطواءأما بالنسبة ها ستكون فكرة وجود الله في هذه النفس، فإن الإنسانلم يستوعب إذاالله، و عرضه لحلول الشيطان فيها. ولبلوغ الحالة الأسمى لا بد من التوجه نحو الطريق غير المباشر، الذي يقوم طلب وقتاً طويلاً، وطريقاً مباشراً ٺتعن العالم في خلوة تامة، وهي الانقطاععلى ة يعتمد على مبدأ الجمع لبلوغ مرحلة وحدة الذات التي تكون بمثابة التمهيد للوحد عن طريق رياضة روحية وبدنية، أساسها الصمت إلامع الله، وهذا لا يتم 28(. هـ( الذي نادى هـ( وذو النون المصري هـ
عدد الصفحات ١٥٩الربيعي نوري إسماعيل. د 160 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ الهرمسية بشكل مباشر، حيث يقول عن حقيقة الحقائق. بالذي أعلن عن تأثره فإن قلت: إنها العالم صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو أنها الحق أو ليست 29(. مرضاة الله بطرق ومسالك مختلفة، وكان فناء إلىحاول المتصوفة الوصول ما كانت التأثيرات الهندية تبرز في فناء إذاالنفس خطوة لبلوغ وحدة الوجود. و مسألة الفناء في الأعمال والطباع إلىالبراهمي، فإن القرآن كان قد أشار يق فكرة الفناء على الذات والصفات المذمومة، وقد حاول الصوفيون تطب . وقد اجتهد المتصوفة في علاقتهم مع الحق عبر "البقاء"والآخرين، ليبرز مفهوم تمثل في الفناء في العشق والثاني الفناء في التوحيد، والواقع أن الأولطريقين، الطريقين لم تتميز قسماتها، إلاّ في بداية القرن الرابع الهجري. باته حول السكر كتاالرمز في استخدام إلى، تطلع كان ذو النون المصري بعض الله، والتأكيد على وحدانية الله من خلال ملاحظته لمجتمع الظواهر القائمة إلىلخص في التوجه نحو الله، ويعمد ٺتفي الحياة، وان غاية ما يقصده الصوفي إنما لى بأخلاق الله. اعتبار أن العارف يتحتجاوز الصفات الطبيعية لدى الصوفي، على ، ولا يرتبط بأي جهد يمكن أن يبذله المرء. هـ(، أول من عمل على تحديد قسمات ، حيث يقترن مفهوم العارف بالفاني، حيث التأكيد على يد، بالصفة وانعدام الشعور بالذات، هذا الفناء هو الذي ترك النفس وعدم التقي يقود الصوفي للاتحاد به، دون البحث عن ثواب، حتى ولو كانت الجنة ذاتها. 32(. فإن تصوفه كان يقوم على إلغاء ،المغيث الحسين بن منصور الحلاج أبوأما لوجود الإلهي هو الحقيقة المطلقة. وكان السبب الرئيسي في محنة الذات ليكون ا الحلاج. إعلانه عن خلجاته وشطحاته الصوفية على الملأ، مما أوقعه تحت طائلة حلاج، فإن الجنيد وبقدر الرفض الذي تلقاه ال "أنا الحق"غضب العامة، حين قال
عدد الصفحات ١٦٠