1 الأحاديث الواردة في الصحيحين في الجن والشياطين جمع وا عداد فيصل بن سعيد بن محمد الصاعدي المدينة النبوية
عدد الصفحات ١2 بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي خلق الجن والإنس ليعبدوه مخلصين له الدين وأرسل الرسل إليهم وأنزل الكتب عليهم لهدايتهم بنور العلم واليقين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار القهار الواهب الرزاق ذو القوة المتين . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الناصح الأمين. صلى الله عليه وعلى آله الأتقياء المخلصين وسلم تسليماً كثيرا إلى يوم الدين . أما بعد فهذا كتاب جمعت فيه الأحاديث النبوية الواردة في ذكر الجن والشياطين على ضوء ما أخبرنا به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وقد اقتصرت على مارواه البخاري ومسلم في صحي حيهما حتى يكون الكتاب موجزا مختصرا وقمت بنقل شرح العلماء ل لأحاديث النبوية فما كان منها في صحيح البخاري اكتفيت بشرح الحافظ بن حجر ، و ماكان منها في صحيح الإمام مسلم اكتفيت بشرح الامام النووي . والله اسأل أن ينفع به و أن يجعله خالصا لوجهه الكريم إنه سميع مجيب . الفقير إلي عفو ربه فيصل بن سعيد بن محمد الصاعدي كلية الشريعة وأصول الدين الجامعة الاسلامية المدينة النبوية
عدد الصفحات ٢3 بسم الله الرحمن الرحيم 1- عَنْأَبِيهُرَيْرَةَ رَضِيَاللَّهُعَنْهُ أنههُكَانَيَحْمِلُمَعَالنهبِيِّ صَلهىاللَّهُعَلَيْهِوَسَلهمَ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِوَحَاجَتِ هِفَبَيْنَمَاهُوَيَتْبَعُهُبِهَافَقَالَمَنْهَذَافَقَالَأَنَا أَبُوهُرَيْرَةَ فَقَالَابْغِنِيأَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْبِهَاوَلََتَأْتِنِيبِعَظْمٍوَلََبِرَوْثَةٍفَأَتَيْتُهُبِأَحْجَارٍأَحْمِلُهَافِيطَرَفِثَوْبِيحَتهىوَ ضَعْتُ هَاإِلَى جَنْبِهِثُمهانْصَرَفْتُحَتهىإِذَافَرَغَمَشَيْتُفَقُلْتُمَابَالُالْعَظْمِوَالرهوْثَةِقَالَهُمَامِنْطَعَامِا لْجِنِّوَإِنههُ أَتَانِيوَفْدُجِنِّنَصِيبِينَوَنِعْمَالْجِنُّفَسَأَلُونِيالزهادَفَدَعَوْتُاللَّهَلَهُمْأَنْ لََيَمُرُّوابِعَظْمٍوَلََبِرَوْثَةٍ إِلَهوَجَدُواعَلَيْهَاطَعَامًا صحيح البخاري قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح : قَوْله : ( اِبْغِنِي ) قَالَ اِبْن التِّين : هُوَ مَوْصُول مِنْ الثُّلََثِيّ تَقُول : بَغَيْت الشَّيْء طَلَبْته وَ أَبْغَيْتُك الشَّيْء أَعَنْتُك عَلَى طَلَبه . قَوْله : ( وَا ِنَّهُ أَتَانِي وَفْد جِنّ نَصِيبِينَ ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَرًا عَمَّا وَقَعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَرًا عَمَّا مَضَى قَبْل ذَلِكَ , وَنَصِيبِينَ بَلْدَة مَشْهُورَة بِالْجَزِيرَةِ , وَوَقَعَ فِي كَلََم اِبْن التِّين أَنَّهَا بِالشَّامِ وَفِيهِ تَجَوُّز , فَإِنَّ الْجَزِيرَة بَيْن الشَّام وَالْعِرَاق , وَيَجُوز صَرْف نَصِيبِينَ وَتَرْكه . قَوْله : ( فَسَأَلُونِي الزَّاد ) أَيْ مِمَّا يَفْضُل عَنْ الِْ نْ, , وَقَدْ يَتَعَلَّق بِهِ مَنْ يَقُول نِنَّ اأََْشْيَاء قَبْل الشَّرْع عَلَى الْحَرْر حَتَّى تَرِد الِْبَاحَة , وَيُجَاب عَنْهُ بِمَنْعِ الدَّلََلَة عَلَى ذَلِكَ , بَلْ لََ حُكْم قَبْل الشَّرْع عَلَى الصَّحِيح . قَوْله : ( فَدَعَوْت اللَّه لَهُمْ أَنْ لاَ يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلاَ رَوْثَة إِلاَّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا ) فِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ " نِلََّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا " قَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَجْعَل اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُذِيقهُمْ مِنْهَا طَ عَامًا . وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد مُسْلِم " نِنَّ الْبَعْر زَادُ دَوَابّهمْ " وَلََ يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيث الْبَاب لِِمْكَانِ حَمْل الطَّعَام فِيهِ عَلَى طَعَام الدَّوَابّ .
عدد الصفحات ٣4 2- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلََتِي فَأَمْكَنَنِي اللَُّّ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَة مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ (هَبْ لِي مُلْكًا لََ يَنْبَ غِي لَِِحَد مِنْ بَعْدِي) فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا عِفْرِيتٌ مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْس أَوْ جَانٍّ مِثْلُ زِبْنِيَة جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَةُ صحيح البخاري قال الحافظ ابن حجر: حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي تَفَلُّت الْعِفْرِيت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْله : ( تَفَلَّتَ عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ اللََّم أَيْ تَعَرَّضَ لِي فَلْتَة أَيْ بَغْتَة . قَوْلُهُ : ( الْبَارِحَة ) أَيْ اللَّيْلَة الْخَالِيَة الزَّائِلَة , وَالْبَارِح الزَّائِل وَيُقَال مِنْ بَعْد الزَّوَال نِلَى آخَر النَّهَار الْبَارِحَة . قَوْله : ( فَذَكَرْت دَعْوَة أَخِي سُلَيْمَان ) أَيْ قَوْله : ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) وَفِي هَذِهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ رِعَايَة لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلاَم , وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون خُصُوصِيَّة سُلَيْمَان اِسْتِخْدَام الْجِنّ فِي جَمِيع مَا يُرِيدهُ لاَ فِي هَذَا الْقَدْر فَقَطْ , وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَ ى أَنَّ أَصْحَاب سُلَيْمَان كَانُوا يَرَوْنَ الْجِنّ فِي أَشْكَالهمْ وَهَيْئَتهمْ حَال تَصَرُّفهمْ , قَالَ : وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) فَالْمُرَاد الأَْكْثَر الأَْغْلَب مِنْ أَحْوَال بَنِ ي آدَم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نَفْي رُؤْيَة الإِْنْس لِلْجِنِّ عَلَى هَيْئَتهمْ لَيْسَ بِقَاطِع مِنْ الْْيَة بَلْ ظَاهِرهَا أَنَّهُ مُمْكِن , فَإِنَّ نَفْي رُؤْيَتنَا إِ يَّاهُمْ مُقَيَّد بِحَالِ رُؤْيَتهمْ لَنَا وَلاَ يَنْفِي إِمْكَان رُؤْيَتنَا لَهُمْ فِي غَيْر تِلْكَ الْحَالَة , وَيُحْتَمَل الْعُمُوم . وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ أَكْثَر الْعُلَمَاء حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيّ : مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنّ أَبْطَلْنَا شَهَادَته , وَ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْْيَة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْله : ( عِفْرِيت مُتَمَرِّد مِنْ إِنْس أَوْ جَانّ مِثْل زِبْنِيَة جَمَاعَته زَبَانِيَة ) الزَّبَانِيَة فِي الأَْصْل اِسْم أَصْحَاب الشُّرْطَة , مُشْتَقّ مِنْ الزَّبْن وَهُوَ الدَّفْع , وَأُطْلِقَ عَلَى الْمَلاَئِكَ ة , ذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْكُفَّار فِي النَّ ار , وَوَاحِد الزَّبَانِيَة زِبْنِيَة وَقِيلَ : زَبْنِي وَقِيلَ : زَابِن وَقِيلَ :
عدد الصفحات ٤5 زَبَانِي وَقَالَ قَوْم لاَ وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه وَقِيلَ وَاحِده زِبْنِيت وَزْن عِفْرِيت , وَيُقَال عِفْرِيَة لُغَة مُسْتَقِلَّة لَيْسَتْ مَأْخُوذَة مِنْ عِفْرِيت , وَمُرَ اد الْمُصَنِّف بِقَوْلِهِ : " مِثْل زِبْنِيَة " أَيْ أَنَّهُ قِيلَ فِي عِفْرِيت عِفْرِيَة , وَهِيَ قِرَاءَة رُوِيَتْ فِي الشَّوَاذّ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَعَنْ أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيّ وَأَبِي السِّمَال بِالْمُهْمَلَةِ وَاللاَّم , وَقَالَ ذُو ا لرُّمَّة : كَأَنَّهُ كَوْكَب فِي إِثْر عِفْرِيَة مُصَوِّب فِي ظَلاَم اللَّيْل مُنْتَصِب وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ بَيَان أَحْوَال الْجِنّ فِي " بَاب صِفَة إِبْلِيس وَجُنُوده " مِنْ بَدْء الْخَلْق . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْجِنّ عَلَى مَرَ اتِب , فَالأَْصْل جِنِّيّ , فَإِنْ خَالَطَ الإِْنْس قِيلَ : عَامِر , وَمَنْ تَعَرَّضَ مِنْهُمْ لِلصِّبْيَانِ قِيلَ : أَرْوَاح , وَمِنْ زَادَ فِي الْخُبْث قِيلَ شَيْطَان , فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ : مَارِد , فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ : عِفْرِيت . وَقَالَ الرَّاغِب : الْعِفْرِيت مِنْ الْجِنّ هُوَ الْعَارِم الْخَبِيث , وَا ِذَا بُولِغَ فِيهِ قِيلَ عِفْرِيت نِفْرِيت . وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : الْعِفْرِيت الْمُوثَق الْخَلْ ق , وَأَصْله مِنْ الْعَفَر وَهُوَ التُّرَاب , وَرَجُل عِفِرّ بِكَسْرِ أَوَّله وَثَانِيه وَتَثْقِيل ثَالِثه إِذَا بُولِغَ فِيهِ أَيْضًا .
عدد الصفحات ٥6 3- عَنْابْنِعَبهاسٍ رضياللَّعنهماقَالَ: انْطَلَقَرَسُولُاللَّهِ صَلهىاللَّهُعَلَيْهِوَسَلهمَ فِيطَائِفَةٍمِنْأَصْحَابِهِعَامِدِينَإِلَى سُوقِ عُكَاظٍوَقَدْحِيلَبَيْنَالشهيَاطِينِوَبَيْنَخَبَرِالسهمَاءِوَأُرْسِلَتْعَلَيْهِمْالشُّهُبُفَرَجَعَتْ الشهيَاطِينُفَقَالُوامَالَكُمْفَقَالُواحِيلَبَيْنَنَاوَبَيْنَخَبَرِالسهمَاءِوَأُرْسِلَتْعَلَيْنَاالشُّهُبُ قَالَمَاحَالَبَيْنَكُمْوَبَ يْنَخَبَرِالسهمَاءِإِلَهمَاحَدَثَفَاضْرِبُوامَشَارِقَالَْْرْضِوَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوامَاهَذَاالَْْمْرُالهذِيحَدَثَفَانْطَلَقُوافَضَرَبُوامَشَارِقَالَْْرْضِوَمَغَارِبَهَا يَنْظُرُونَمَاهَذَاالَْْمْرُالهذِيحَالَبَيْنَهُمْوَبَ يْنَخَبَرِالسهمَاءِقَالَفَانْطَلَقَالهذِينَتَوَجههُوا نَحْوَ تِهَامَةَإِلَىرَسُولِاللَّهِ صَلهىاللَّهُعَلَيْهِوَسَلهمَ بِنَخْلَةَ وَهُوَعَامِدٌإِلَى سُوقِ عُكَاظٍوَهُوَ يُصَلِّيبِأَصْحَابِهِصَلََةَالْفَجْرِ فَلَمهاسَمِعُواالْقُرْآنَتَسَمهعُوالَهُفَقَالُواهَذَا الهذِيحَالَبَيْنَكُمْوَبَيْنَخَبَرِالسهمَاءِفَهُنَالِكَرَجَعُواإِلَىقَوْمِهِمْفَقَالُوايَاقَوْمَنَا إِنهاسَمِعْنَاقُرْآنًاعَجَبًايَهْدِيإِلَىالرُّشْدِفَآمَنهابِهِوَ لَنْنُشْرِكَبِرَبِّنَاأَحَدًا وَأَنْزَلَاللَّهُعَزهوَجَلهعَلَىنَبِيِّهِ صَلهىاللَّهُعَلَيْهِوَسَلهمَ قُلْأُوحِيَإِلَيهأَنههُاسْتَمَعَنَفَرٌمِنْالْجِنِّ . وَإِنهمَاأُوحِيَإِلَيْهِقَوْلُالْجِنِّ صحيح البخاري قَوْله : ( اِنْطَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا اِخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا وَفِي صِفَة الصَّلاَة , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " عَنْ الطَّبَرَ انِيِّ عَنْ مُعَاذ بْن الْمُثَنَّى عَنْ مُسَدَّد شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَزَادَ فِي أَوَّله " مَا قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنّ وَلاَ رَآهُمْ اِنْطَلَقَ " إِلَخْ , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ شَيْبَانَ بْن فَرُّوخ عَنْ أَبِي عَوَانَة بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَ جَهُ بِهِ الْبُخَارِيّ , فَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَ هَذِهِ اللَّفْظَة عَمْدًا لأَِنَّ اِبْن مَسْعُود أَثْبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَى الْجِنّ , فَكَانَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلَى نَفْ ي اِبْن عَبَّاس . وَقَدْ أَشَارَ إِ لَى ذَلِكَ مُسْلِم فَأَخْرَجَ عَقِب حَدِيث اِبْن عَبَّاس هَذَا حَدِيثَ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَقَرَأْت عَلَيْهِ الْقُرْآن " وَيُمْكِن الْجَمْع بِالتَّعَدُّدِ. قَوْله : ( فِي طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْمَبْعَث فِي " بَاب ذِكْر الْجِنّ " أَنَّ اِبْن إِسْحَاق وَابْن سَعْد ذَكَرَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ذِي الْقِعْدَة سَنَة عَشْر مِنْ الْمَبْعَث لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِف ثُمَّ رَجَعَ مِنْهَا , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث " إِنَّ الْجِنّ رَأَوْهُ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَة الْفَجْر " وَالصَّلاَة الْمَفْ رُوضَة إِنَّمَا شُرِعَتْ لَيْلَة الإِْسْرَاء وَالإِْسْرَاء كَانَ عَلَى الرَّاجِح قَبْل الْهِجْرَة بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَث فَتَكُون الْقِصَّة
عدد الصفحات ٦7 بَعْد الإِْسْرَاء , لَكِنَّهُ مُشْكِل مِنْ جِهَة أُخْرَى , لأَِنَّ مُحَصَّل مَا فِي الصَّحِيح كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق وَمَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّ مَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الطَّائِف لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابه إِلاَّ زَيْد بْن حَارِثَة , وَهُنَا قَالَ إِنَّهُ اِنْطَلَقَ فِي طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه , فَلَعَلَّهَا كَانَتْ وُجْ هَة أُخْرَى . وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ لاَقَاهُ بَعْض أَصْحَابه فِي أَثْنَاء الطَّرِيق فَرَافَقُوهُ . قَوْله : ( عَامِدِينَ ) أَيْ قَاصِدِينَ . قَوْله : ( إِلَى سُوق عُكَاظ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَآخِره ظَاء مُعْجَمَة بِالصَّرْفِ وَعَدَمه , قَالَ اللِّحْيَانِيّ الصَّرْف لأَِ هْلِ الْحِجَاز وَعَدَمه لُغَة تَمِيم , وَهُوَ مَوْسِم مَعْرُوف لِلْعَرَبِ . بَلْ كَانَ مِنْ أَعْظَم مَوَاسِمهمْ , وَهُوَ نَخْل فِي وَادٍ بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف وَهُوَ إِلَى الطَّائِف أَقْرَب بَيْنهمَا عَشَرَة أَمْيَال , وَهُوَ وَرَاء قَرْن الْمَنَازِ ل بِ مَرْحَلَةٍ مِنْ طَرِيق صَنْعَاء الْيَمَن . وَقَالَ الْبَكْرِيّ : أَوَّل مَا أُحْدِثَتْ قَبْل الْفِيل بِخَمْسَ عَشْرَة سَنَة , وَلَمْ تَزَلْ سُوقًا إِلَى سَنَة تِسْع وَعِشْرِينَ وَمِائَة , فَخَرَجَ الْخَوَارِج الْحَرُورِيَّة فَنَهَبُوهَا فَتُرِكَتْ إِ لَى الْْ ن , كَانُوا يُقِيمُونَ بِهِ جَمِيع شَوَّال يَتَبَايَعُونَ وَيَتَفَاخَرُونَ وَتُنْشِد الشُّعَرَاء مَا تَجَدَّدَ لَهُمْ , وَقَ دْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي أَشْعَارهمْ كَقَوْلِ حَسَّان : سَأَنْشُرُ إِنْ حَيِيت لَكُمْ كَلاَمًا يُنْشَر فِي الْمَجَامِع مِنْ عُكَ اظ وَكَانَ الْمَكَان الَّذِي يَجْتَمِعُونَ بِهِ مِنْهُ يُقَال لَهُ الاِبْتِدَاء , وَكَانَتْ هُنَاكَ صُخُور يَطُوفُونَ حَوْلهَا . ثُمَّ يَأْتُونَ مَجَنَّة فَيُقِيمُونَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَة مِنْ ذِي الْقِعْدَة . ثُمَّ يَأْتُونَ ذَا الْمَجَاز , وَهُوَ خَ لْف عَرَفَة فَيُقِيمُونَ بِهِ إِلَى وَقْت الْحَجّ , وَقَالَ اِبْن التِّين : سُوق عُكَاظ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه , كَذَا قَالَ , وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ السُّوق كَانَتْ تُقَام بِمَكَانٍ مِنْ عُكَاظ يُقَال لَهُ الاِبْتِدَاء لاَ يَكُون كَ ذَلِكَ . قَوْله : ( وَقَدْ حِيلَ ) بِكَسْرِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا لاَم أَيْ حُجِزَ وَمُنِعَ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ . قَوْله : ( بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن خَبَرِ السَّمَاء وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُ ب ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْع شِهَاب , وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْحَيْلُولَة وَا ِرْسَال الشُّهُب وَقَعَ فِي هَذَا الزَّمَان الْمُقَدَّم ذِكْره وَاَلَّذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الأَْخْبَار أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْبَعْثَة النَّبَوِيَّة , وَهَذَا مِمَّ ا يُؤَيِّد تَغَايُر زَمَن الْقِصَّتَيْنِ , وَأَنَّ مَجِيء الْجِنّ لاِسْتِمَاعِ الْقُرْآن كَانَ قَبْل خُرُوجه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَ ى الطَّائِف بِسَنَتَيْنِ , وَلاَ يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر إِنَّهُمَا رَأَوْهُ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَة
عدد الصفحات ٧8 الْفَجْر , لأَِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل فَرْض الصَّلَوَات لَيْلَة الإِْسْرَاء فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْ هِ وَسَلَّمَ كَانَ قَبْل الإِْسْرَاء يُصَلِّي قَطْعًا , وَكَذَلِكَ أَصْحَابه لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ اُ فْتُرِضَ قَبْل الْخَمْس شَيْء مِنْ الصَّلاَة أَمْ لاَ ؟ فَيَصِحّ عَلَى هَذَا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفَرْض أَوَّلاً كَانَ صَلاَة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَصَلاَة قَبْل غُرُوبهَا , وَالْحُجَّة فِيهِ قَوْله تَعَالَى وعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا لِكَوْنِهَا إِحْدَى الْخَمْس الْمُفْتَرَضَة لَيْلَة الإِْسْرَاء , فَتَكُونُ قِصَّة الْجِنّ مُتَقَدِّمَة مِنْ أَوَّ لِ الْمَبْعَث . وَهَذَا الْمَوْضِع مِمَّا لَمْ يُنَبِّه عَلَيْهِ أَحَد مِمَّنْ وَقَفْت عَلَى كَلاَمِهِمْ فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث . وَقَدْ أَ خْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرِيُّ حَدِيث الْبَاب بِسِيَاقِ سَالِم مِنْ الإِْشْكَال الَّذِي ذَكَرْته مِنْ طَرِي ق أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيِّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْنِ عَبَّاس قَالَ " كَانَتْ الْجِنّ تَصْعَد إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا يَسْتَمِعُونَ الْوَحْي , فَإِذَا سَمِعُوا الْكَلِمَة زَادُوا فِيهَا أَضْعَافًا , فَالْكَلِمَة تَكُونُ حَقًّا وَأَمَّا مَا زَادُوا فَيَكُونُ بَاطِلاً , فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعُوا مَقَاعِدهمْ , وَلَمْ تَكُنْ النُّجُو م يُرْمَى بِهَا قَبْل ذَلِكَ " وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَغَيْرهَا مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن ال سَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مُطَوَّلاً وَأَوَّله " كَانَ لِلْجِنِّ مَقَاعِد فِي السَّمَاء يَسْتَمِعُونَ الْوَحْي " الْحَدِيث " فَبَيْنَ مَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَدُحِرَتْ الشَّيَاطِين مِنْ السَّمَاء , وَ رُمُوا بِالْكَوَاكِبِ , فَجَعَلَ لاَ يَصْعَد أَحَد مِنْهُمْ إِلاَّ اِحْتَرَقَ , وَفَزِعَ أَهْل الأَْرْض لِمَا رَأَوْا مِنْ الْكَوَاكِب وَلَمْ تَكُنْ قَبْل ذَلِكَ فَقَالُوا : هَلَكَ أَهْل السَّمَاء كَانَ أَهْل الطَّائِف أَوَّل مَنْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ فَعَمَ دُوا إِلَى أَمْوَالهمْ فَسَيَّبُوهَا وَا ِلَى عَبِيدهمْ فَعَتَقُوهَا , فَقَالَ لَهُمْ رَجُل : وَيْلكُمْ لاَ تُهْلِكُوا أَمْوَالكُمْ , فَإِنَّ مَعَالِ مكُمْ مِنْ الْكَوَاكِب الَّتِي تَهْتَدُونَ بِهَا لَمْ يَسْقُط مِنْهَا شَيْء , فَأَقْلَعُوا . وَقَالَ إِبْلِ يس : حَدَثَ فِي الأَْرْض حَدَث , فَأَتَى مِنْ كُلّ أَرْضٍ بِتُرْبَةٍ فَشَمَّهَا , فَقَالَ لِتُرْبَةِ تِهَامَة : هَاهُنَا حَدَثَ الْحَدَث , فَصَرَفَ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنْ الْجِنّ , فَهُمْ الَّذِينَ اِسْتَمَعُوا الْقُرْآن " وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي " كِتَاب الْمَبْعَث " مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ أَنَّ الَّذِي قَالَ لأَِهْلِ الطَّائِف مَا قَالَ هُوَ عَبْد يَا لَيْل اِبْن عَمْرو , وَكَانَ قَدْ عَمِيَ , فَقَالَ لَهُمْ : لاَ تَعْجَلُوا وَانْظُرُوا , فَإِنْ كَانَتْ النُّجُوم الَّتِي يُرْمَى بِهَا هِيَ الَّتِي تُعْرَ ف فَهُوَ عِنْد فَنَاء النَّاس , وَا ِنْ كَانَتْ لاَ تُعْرَف فَهُوَ مِنْ حَدَث فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ نُجُوم لاَ تُعْرَف , فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ سَمِعُوا بِمَبْعَثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق ال سُّدِّيِّ مُطَوَّلاً , وَذَكَرَ اِبْنُ إِسْحَاق نَحْوَهُ مُطَوَّلاً بِغَيْرِ إِسْنَاد فِي " مُخْتَصَر اِبْنِ هِشَام " , زَادَ فِي رِوَايَة يُونُس بْ ن
عدد الصفحات ٨لطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق ال سُّدِّيِّ مُطَوَّلاً , وَذَكَرَ اِبْنُ إِسْحَاق نَحْوَهُ مُطَوَّلاً بِغَيْرِ إِسْنَاد فِي " مُخْتَصَر اِبْنِ هِشَام " , زَادَ فِي رِوَايَة يُونُس بْ ن بُكَيْر فَسَاقَ سَنَده بِذَلِكَ عَنْ يَعْقُوب بْن عُتْبَة بْن الْمُغِيرَة بْنِ اأََْخْنَ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًَ مِنْ ثَقِيف يُقَال لَهُ عَمْرو بْن أُمَيَّة كَانَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَب , وَكَانَ أَوَّل مَنْ فَزِعَ لَمَّا رُمِيَ بِالنُّجُومِ مِنْ النَّا, , فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْ د مِنْ وَجْه آخَر عَنْ يَعْقُوب بْنِ عُتْبَة قَالَ : أَوَّل الْعَرَب فَزِعَ مِنْ رَمْي النُّجُوم ثَقِيف , فَأَتَوْا عَمْرو بْن أُمَيَّة . وَذَكَرَ الزُّبَيْر بْن
عدد الصفحات ٨9 بَكَّار فِي النَّسَب نَحْوَهُ بِغَيْرِ سِيَاقه , وَنُسِبَ الْقَوْل الْمَنْسُوب لِعَبْدِ يَا لَ يْل لِعُتْبَةَ بْن رَبِيعه , فَلَعَلَّهُمَا تَوَارَدَا عَلَى ذَلِكَ . فَهَذِهِ اأََْخْبَار تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّة وَقَعَتْ أَوَّلَ الْبَعْثَة وَهُوَ الْمُعْتَمَد , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ عِيَاض وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِ يث الْبَاب مَوْضِعًا آخَر وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمَا ذَكَرْته , فَقَالَ عِيَاض : رَاهِرُ الْحَدِيث أَنَّ الرَّمْي بِالشُّهُبِ لَمْ يَكُنْ قَبْل مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِِنْكَارِ الشَّيَاطِين لَهُ وَطَلَبِهِمْ سَبَبه , وَلِهَذَ ا كَانَتْ الْكَهَانَة فَاشِيَة فِي الْعَرَب وَمَرْجُوعًا نِلَيْهَا فِي حُكْمهمْ , حَتَّى قُطِعَ سَبَبهَا بِأَنْ حِيلَ بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن اِسْتِرَاق السَّمْع , كَمَا قَالَ تَعَ الَى فِي هَذِهِ السُّورَةلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا , وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ , فَمَنْ يَسْتَمِع الْْن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } جَاءَتْ أَشْعَار الْعَرَب بِاسْتِغْرَابِ رَمْ يهَا وَا ِنْكَاره نِذْ لَمْ يَعْهَدُوهُ قَبْل الْمَبْعَث , وَكَانَ ذَلِكَ أَحَد دَلََئِل نُبُوَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يُؤَيِّدهُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث مِنْ نِنْكَار الشَّيَاطِين . قَالَ وَقَالَ بَ عْضهمْ : لَمْ تَزَلْ الشُّهُب يُرْمَى بِهَ ا مُذْ كَانَتْ الدُّنْيَا , وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ فِي أَشْعَار الْعَرَب مِنْ ذَلِكَ قَالَ : وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ اِبْنِ عَبَّا, وَالزُّهْرِيّ , وَرَفَعَ فِيهِ اِبْنُ عَبَّا, حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَ يْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ لِمَنْ اِعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَشُدِّدَ اِنْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ نِلَيْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّ ه عَنْ اِبْ نِ عَبَّا, عَنْ رِجَال مِنْ اأََْنْصَار قَالُوا " كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِذْ رُمِيَ بِنَجْم فَاسْتَنَارَ , فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا نِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة " ؟ الْحَدِيث . وَأَخْرَجَهُ عَ بْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر قَالَ : سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ النُّجُوم أَكَانَ يُرْمَى بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَلَكِنَّ هُ نِذْ جَاءَ الِْسْلََم غُلِّرَ وَشُدِّدَ . وَهَذَا جَمْع حَسَن . وَمُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّ ى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نِذَا رُمِيَ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة " أَيْ جَاهِلِيَّة الْمُخَاطَبِينَ , وَلََ يَلْزَم أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْ ل الْمَبْعَث فَإِنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ اأََْنْصَار , وَكَانُوا قَبْل نِسْلََمهمْ فِي جَاهِلِيَّة , فَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا نِلََّ بَعْد الْمَبْعَث ثَلََث عَشْرَة سَنَة . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : لَمْ يَزَلْ الْقَذْف بِالنُّجُومِ قَدِيمًا , وَهُوَ مَوْجُود فِي أَشْعَار قُدَ مَاء الْجَاهِلِيَّة كَأَوْ,ِ بْن حَجَر وَبِشْر بْن أَبِي حَازِم وَغَيْرهمَا . وَقَالَ الْ قُرْطُبِيّ : يُجْمَع بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ يُرْمَى بِهَا قَبْل الْمَبْعَث رَمْيًا يَقْطَع الشَّيَاطِين عَنْ اِسْتِرَاق السَّمْع , وَلَكِنْ كَانَتْ تُرْمَى تَارَة وَلََ تُرْمَى أُخْرَى , وَتُرْمَى مِنْ جَانِب وَلََ تُرْمَى مِنْ جَمِيع الْجَوَانِب , وَلَعَ لَّ الِْشَارَة نِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جَانِب دُحُورًا ع
عدد الصفحات ٩تُرْمَى أُخْرَى , وَتُرْمَى مِنْ جَانِب وَلََ تُرْمَى مِنْ جَمِيع الْجَوَانِب , وَلَعَ لَّ الِْشَارَة نِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جَانِب دُحُورًا ع بَيْن مُخْتَلَف اأََْخْبَار قَالَ : كَانَ نِبْلِي, يَصْعَد نِلَى السَّمَاوَات كُلّهنَّ يَتَقَلَّب فِيهِنَّ كَيْف شَاءَ لََ يُمْنَع مُنْذُ أُخْرِجَ آدَمُ نِلَى أَنْ رُفِعَ عِيسَى , فَحُجِبَ حِينَئِذ مِنْ أَرْبَعِ سَمَاوَات , فَلَمَّا بُعِثَ نَبِيّنَا حُجِبَ مِنْ الثَّلََث فَصَارَ يَسْتَرِق السَّمْع هُوَ وَجُنُوده وَيُقْذَفُونَ بِالْ كَوَاكِبِ . وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْنِ عَبَّا, قَالَ : لَمْ تَكُنْ السَّمَاء تُحْرَ, فِي الْفَتْرَة بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد حُرِسَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَرُجِمَتْ الشَّيَاطِين , فَأَنْكَ رُوا ذَلِكَ . وَمِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ قَالَ : نِنَّ
عدد الصفحات ٩11 السَّمَاء لَمْ تَكُنْ تُحْرَ, نِلََّ أَنْ يَكُونَ فِي اأََْرْض نَبِيّ أَوْ دِين رَاهِرٌ , وَكَانَتْ الشَّيَاطِين قَدْ اِتَّخَ ذَتْ مَقَاعِد يَسْمَعُونَ فِيهَا مَا يَحْدُث , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد رُجِ مُوا . وَقَالَ الزَّيْن ابْن الْمُنِير : رَاهِرُ الْخَبَر أَنَّ الشُّهُب لَمْ تَكُنْ يُرْمَى بِهَا , وَلَيْ,َ كَذَلِكَ ; لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث مُسْلِم . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { يَسْتَمِع الْْن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا الشُّهُب كَانَتْ تُرْمَى فَتُصِيب تَارَة وَلََ تُصِيب أُخْرَى , وَبَعْد الْبَعْثَة أَصَابَتْهُمْ نِصَابَة مُسْتَمِرَّة فَوَصَفُوهَا لِذَلِكَ بِالرَّصَدِ , أََِنَّ الَّذِي يَرْصُد الشَّيْء لََ يُخْطِئهُ , فَيَكُونُ الْمُتَجَدِّد دَوَام الِْصَابَة لََ أَصْ لهَا . وَأَمَّا قَوْل السُّهَيْلِيّ : لَوْلََ أَنَّ الشِّهَاب قَدْ يُخْطِئ الشَّيْطَان لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ مَرَّة أُخْرَى , فَجَوَابه أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَقَع التَّعَرُّض مَعَ تَحَقُّق الِْصَابَة لِ رَجَاءِ اِخْتِطَاف الْكَلِمَة وَا ِلْقَائِهَا قَبْل نِصَ ابَة الشِّهَاب , ثُمَّ لََ يُبَالِي الْمُخْتَطِف بِالِْصَابَةِ لِمَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرّ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرهمَا وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَر بِغَيْرِ سَنَد مِنْ طَرِيق لَهَب - بِفَتْحَتَيْنِ وَيُقَال بِ التَّصْغِيرِ - بْنِ مَالِك اللَّيْثِيِّ قَالَ : ذَكَرْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَهَانَة فَقُلْت : نَحْنُ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ حِرَاسَة السَّمَاء وَرَجْم الشَّيَاطِين وَمَنْعهمْ مِنْ اِسْتِرَاق السَّمْع عِنْد قَذْف النُّجُوم , وَ ذَلِكَ أَنَّا اِجْتَمَعْنَا عِنْد كَاهِن لَنَا يُقَال لَهُ خُطْر بْن مَالِك - وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَتَانِ وَسِتَّة وَثَمَانُونَ سَنَة - فَقُلْنَا : يَا خُطْر , هَلْ عِنْدك عِلْم مِنْ هَذِهِ النُّجُوم الَّتِي يُرْمَى بِهَا , فَ إِنَّا فَزِعْنَا مِنْهَا وَخِفْنَا سُوء عَاقِبَتهَا ؟ الْحَدِيث , وَفِيهِ : فَانْقَضَّ نَجْم عَرِيم مِنْ السَّمَاء , فَصَرَخَ الْكَاهِن رَافِعًا صَوْته : أَصَابَهُ أَصَابَهُ خَامَرَهُ عَذَابه أَحْرَقَهُ شِهَابه اأََْبْيَات , وَفِي الْخَبَر أَنَّ هُ قَالَ أَيْضًا : قَدْ مُنِعَ السَّمْع عُتَاة الْجَان بِثَاقِب يُتْلِف ذِي سُلْطَان مِنْ أَجْل مَبْعُوث عَرِيم الشَّان وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي أَنْ يَتَبَعُوا خَيْر نَبِيّ الِْنْ, الْحَدِيث بِطُ ولِهِ , قَالَ أَبُو عُمَر : سَنَده ضَعِيف جِدًّا , وَلَوْلََ فِيهِ حُكْم لَمَا ذَكَرْته لِكَوْنِهِ عَلَمًا مِنْ أَعْلََم النُّبُوَّة وَاأَُْصُول . فَإِنْ قِيلَ نِذَا كَانَ الرَّمْي بِهَا غُلِّرَ وَشُدِّدَ بِسَبَبِ نُزُول الْوَحْي فَهَلََّ اِنْقَطَعَ بِانْقِ طَاعِ الْوَحْي بِمَوْتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُشَاهِدهَا الْْن يُرْمَى بِهَا ؟ فَالْجَوَاب يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيِّ الْمُ تَقَدِّم , فَفِيهِ عِنْد مُسْلِم قَالُوا : كُنَّا نَقُول وُلِدَ اللَّيْلَة رَجُل عَرِيم وَمَاتَ رَجُل عَرِيم , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّهَا لََ تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَد وَلََ لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنْ رَبّنَا نِذَا قَضَى أَمْرًا أَ خْبَرَ أَهْل السَّمَاوَات بَعْضهمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغ الْخَبَر السَّمَاء الدُّنْيَ ا فَيَخْطَف الْجِنّ السَّمْع فَيَقْذِفُونَ بِهِ نِلَى أَوْلِيَائِهِمْ . فَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَب التَّغْلِير وَالْحِفْر لَمْ يَنْقَطِع لِمَا يَتَجَدَّد مِنْ الْحَوَادِث ا لَّتِي تُلْقَى
عدد الصفحات ١٠نّ السَّمْع فَيَقْذِفُونَ بِهِ نِلَى أَوْلِيَائِهِمْ . فَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَب التَّغْلِير وَالْحِفْر لَمْ يَنْقَطِع لِمَا يَتَجَدَّد مِنْ الْحَوَادِث ا لَّتِي تُلْقَى بِأَمْرِهِ نِلَى الْمَلََئِكَة , فَإِنَّ الشَّيَاطِين مَعَ شِدَّ ة التَّغْلِير عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَعْد الْمَبْعَث لَمْ يَنْقَطِع طَمَعهمْ فِي اِسْتِرَاق السَّمْع فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْف بِمَا بَعْده , وَقَدْ قَالَ عُمَر لِغَيْ لََن بْن سَلَمَة لَمَّا طَلَّقَ نِسَاءَهُ : نِنِّي أَ حْسِب أَنَّ الشَّيَاطِين فِيمَا تَسْتَرِق السَّمْع سَمِعَتْ بِأَنَّك سَتَمُوتُ فَأَلْقَتْ نِلَيْك ذَلِكَ الْحَدِيث , أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَغَيْره . فَهَذَا رَاهِرٌ فِي أَنَّ اِسْتِرَاقهمْ السَّمْع اِسْتَمَرَّ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانُوا يَقْصِدُونَ اِسْتِمَاع الشَّيْء مِمَّا يَحْدُث فَلََ يَصِلُونَ نِلَى ذَلِكَ نِلََّ نِنْ اِخْتَطَفَ أَحَدُهُمْ بِخِفَّةِ حَرَكَته خَطْفَة فَيَتْبَعهُ الشِّهَاب , فَإِنْ أَصَابَهُ قَبْل أَنْ يُلْقِيهَا أََِصْحَ ابِهِ فَاتَتْ
عدد الصفحات ١٠11 وَا ِلََّ سَ مِعُوهَا وَتَدَاوَلُوهَا , وَهَذَا يَرُدّ عَلَى قَوْل السُّهَيْلِيّ الْمُقَدَّم ذِكْرُهُ قَوْله : ( قَالَ مَا حَال بَيْنكُمْ وَبَيْن خَبَر السَّمَاء إِلاَّ مَا حَدَثَ ) الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ هُوَ نِبْلِي, كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة أَبِي نِسْ حَاق الْمُتَقَدِّمَة قَرِيبًا . قَوْله : ( فَاضْرِبُوا مَشَارِق الأَْرْض وَمَغَارِبهَا ) أَيْ سِيرُوا فِيهَا كُلّهَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى } وَفِي رِوَايَة نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّا, عِنْد أَحْمَد " فَشَكَوْا ذَلِكَ نِلَى نِبْلِي, , فَبَثَّ جُنُوده , فَإِذَا هُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِرَحْبَة فِي نَخْلَة " . قَوْله : ( فَانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا ) قِيلَ كَانَ هَؤُلََ ءِ الْمَذْكُورُونَ مِنْ الْجِنّ عَلَى دِين الْيَهُود , وَلِهَذَا قَالُوا " أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى " وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن قَيْ, عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّا, أَنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَة , وَمِنْ طَرِيق النَّضْ ر بْن عَرَبِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّا, كَانُوا سَبْعَة مِنْ أَهْل نَصِيبِين , وَعِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد نَحْوه لَكِنْ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَة مِنْ نَصِيبِين وَثَلََثَة مِنْ حَرَّان , وَهُمْ حسا ونسا وشاصر وماضر واأَدر, وو ردان وَاأَحقب . وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ فِي " التَّعْرِيف " أَنَّ اِبْن دُرَيْد ذَكَرَ مِنْهُمْ خَمْسَة : شاصر وماضر ومنشى وناشي وَاأََْحْقَب . قَالَ وَذَكَرَ يَحْيَى بْن سَلََّم وَغَيْره قِصَّة عَمْرو بْن جَابِر وَقِصَّة سرق وَقِصَّة زوبعة قَالَ : فَإِنْ كَانُوا سَبْعَة فاأَحقب لَقَب أَحَدهمْ لََ اِسْمه . وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ اِبْن عَسْكَر مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُجَاهِد قَالَ : فَإِذَا ضُمَّ نِلَيْهِمْ عَمْرو وزوبعة وَسر ق وَكَانَ اأَحقب لَقَبًا كَانُوا تِسْعَة . قُلْت : هُوَ مُطَابِق لِرِوَايَةِ عُمَر بْ ن قَيْ, الْمَذْكُورَة . وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّا, : كَانُوا اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا مِنْ جَزِيرَة الْمَوْصِل , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَِبْنِ مَسْعُ ود : اُنْرُرْنِي حَتَّى آتِيك . وَخَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا . الْحَدِيث . وَالْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ تَعَدُّد الْقِصَّة , فَإِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا أَوَّلًَ كَانَ سَبَب مَجِيئِهِمْ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِ يث مِنْ نِرْسَال الشُّهُب , وَسَبَب مَجِيء الَّذِينَ فِي قِصَّة اِبْن مَسْعُود أَنَّهُمْ جَاءُوا لِقَصْدِ الِْسْلََم وَسَمَاع الْقُرْآن وَالسُّؤَال عَنْ أَحْكَام الدِّين , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي أَوَائِل الْمَبْعَث فِي الْكَلََم عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَهُوَ مِنْ أَقْوَى اأََْدِلَّة عَلَى تَعَ دُّد الْقِصَّة فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة نِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد الْهِجْرَة , وَالْقِصَّة اأَُْولَى كَانَتْ عَقِب الْمَبْعَث , وَلَعَلَّ مَنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَص الْمُفَرَّقَة كَانُوا مِمَّنْ وَفَدَ بَعْد , أََِنَّهُ لَيْ,َ فِي كُلّ قِصَّة مِنْهَا نِلََّ أَ نَّهُ كَانَ مِمَّنْ وَفَدَ , وَقَدْ ثَبَتَ تَعَدُّد وُفُودهمْ . قَوْله : ( نَحْو تِهَامه )
عدد الصفحات ١١12 بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة اِسْم لِكُلِّ مَكَان غَيْر عَال مِنْ بِلََد الْحِجَاز , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ حَرّهَا اِشْتِقَا قًا مِنْ التَّهَم بِفَتْحَتَيْنِ وَ هُوَ شِدَّة الْحَرّ وَسُكُون الرِّيح , وَقِيلَ مِنْ تَهِمَ الشَّيْء نِذَا تَغَيَّرَ , قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِتَغَيُّرِ هَوَائِهَا . قَالَ الْبَكْرِيّ : حَدّهَا مِنْ جِهَة الشَّرْق ذَات عِرْق , وَمِنْ قِبَل الْحِجَاز السَّرْج بِفَتْحِ الْمُهْمَلَ ة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا جِيم قَرْيَة مِنْ عَمَل الْفَرْع بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة اِثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِيلًَ . قَوْله : ( إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة أَبِي نِسْحَاق : فَانْطَلَقُوا فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْله : ( بِنَخْلَة ) بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْمُعْجَمَة مَوْضِع بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف , قَالَ الْبَكْرِيّ : عَلَى لَيْلَة مِنْ مَكَّة . وَهِ يَ الَّتِي يُنْسَب نِلَيْهَا بَطْن نَخْل . وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بِنَخْل بِلََ هَاء وَالصَّوَاب نِثْبَاتهَا . قَوْله : ( يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَة الْفَجْر ) لَمْ يُخْتَلَف عَلَى اِبْن عَبَّا, فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : قَالَ الزُّ بَيْر - أَوْ اِبْن الزُّبَيْر - كَانَ ذَلِكَ بِنَخْلَةَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ فِي الْعِشَاء , وَخَرَّجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : قَالَ الزُّبَيْر فَذَكَرَ هُ , وَزَادَ : فَقَرَأَصَحّ . قَوْله : ( تَسَمَّعُوا لَهُ ) أَيْ قَصَدُوا لِسَمَاعِ الْقُرْآن وَأَصْغَوْا نِلَيْهِ . قَوْله : ( فَهُنَالِكَ ) هُوَ رَرْف مَكَان وَالْعَامِل فِيهِ قَالُوا , وَفِي رِوَايَة " فَقَالُوا " وَالْعَامِل فِيهِ رَجَعُوا . قَوْله : ( رَجَعُوا إِلَى قَوْمهمْ فَقَالُوا : يَا قَوْمنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : رَاهِر هَذَا أَنَّهُمْ آمَنُوا عِنْد سَمَاع الْقُرْآن , قَالَ : وَالِْيمَان يَقَع بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : نِمَّا بِأَنْ يَعْلَم حَقِيقَة الِْعْجَاز وَشُرُوط الْمُعْجِزَة فَيَقَع لَهُ الْعِلْم بِصِدْقِ الرَّسُول , أَوْ يَكُون عِنْده عِلْم مِنْ الْكُتُب اأَُْولَى فِيهَا دَلََئِل عَ لَى أَنَّهُ النَّبِيّ الْمُبَشَّر بِهِ , وَكِلََ اأََْمْرَيْنِ فِي الْجِنّ مُحْتَمَل . وَاَللَّه أَعْلَم .
عدد الصفحات ١٢13 قَوْله : ( وَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْ تَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ ) زَادَ التِّرْمِذِيّ " قَالَ اِبْن عَبَّا, : وَقَوْل الْجِنّ لِقَوْمِهِمْ : لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُ ونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا , قَالَ : لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَأَصْحَابه يُصَلُّونَ بِصَلََتِهِ يَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ , قَالَ فَتَعَجَّبُوا مِنْ طَوَاعِيَة أَصْحَابه لَهُ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ ذَلِكَ " . قَوْله : ( وَا ِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْل الْجِنّ ) هَذَا كَلاَم اِبْن عَبَّاس , كَأَنَّهُ تَقَرَّرَ فِيهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَوَّلاً أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَ لَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَمِع بِهِمْ , وَا ِنَّمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ اِسْتَمَعُوا , وَمِثْله قَوْله تَعَالَىنَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا لَكِنْ لاَ يَلْزَم مِنْ عَدَم ذِكْر اِجْتِمَاعه بِهِمْ حِين اِسْتَمَعُوا أَنْ لاَ يَكُون اِجْتَمَعَ بِهِمْ بَعْد ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره . وَفِي الْحَدِيث إِثْبَات وُجُود الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَأَنَّهُمَا لِمُسَمًّى وَاحِد , وَا ِنَّمَا صَارَا صِ نْفَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْكُفْر وَالإِْيمَان , فَلاَ يُقَال لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ إِنَّهُ شَيْطَان . وَفِيهِ أَنَّ الصَّلاَة فِي الْجَمَاعَة شُرِعَتْ قَبْل الْهِجْرَة . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّتهَا فِي السَّفَر . وَالْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلاَة الصُّبْح , وَأَنَّ الاِعْتِبَار بِمَا قَضَى اللَّه لِلْعَبْدِ مِنْ حُسْن الْخَاتِمَة لاَ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ الشَّرّ وَلَوْ بَلَغَ مَا بَلَغَ , لأَِنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ بَادَرُوا إِلَى الإِْيمَان بِمُجَرَّدِ اِسْتِمَاع الْقُرْآن لَوْ لَمْ يَكُونُوا عِنْد إِبْ لِيس فِي أَعْلَى مَقَامَات الشَّرّ مَا اِخْتَارَهُمْ لِلتَّوَجُّهِ إِلَى الْجِهَة الَّتِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْحَدَث الْحَادِث مِنْ جِهَتهَا . وَمَعَ ذَلِكَ فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَ ا قَضَى لَهُمْ مِنْ السَّعَادَة بِحُسْنِ الْخَاتِمَة , وَنَحْو ذَلِكَ قِصَّة سَحَرَة فِرْعَوْن .
عدد الصفحات ١٣