:::جَمْع وإعداد ::: حَسَّان بن محمّد تايه غـزة - فلســطـين 1438هـ - 2017م هَ ذ ه المَ اد ة ال ل كْ ت رون ي ة PDF منْ إ عْ دَ اد دَ ار الق رْ آَ ن الكَ ر يم وَ الس ن ة ، وَإ صْدَارَات ـهَ ـا الحَد يثَ ـة الخَاص ـة ؛ ل لم طَ ـالَعَ ـة الهَ ــات ف ـي ـة وَالل ــوْح ي ـة وَ الحَ ـاس ـوب ي ـة . (سَاه مْ ب الن شْر أَخ ي الكَر يم، وَأَهْد هَا ل مَنْ ت ح ب ؛ جَزَاكَ الله تَعَالَى خَيرًا، فَ الد ال عَلَى الخَيْر كَفَاع ل ه ☺) > .
عدد الصفحات ١عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 1 الحَمْد للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، حَمْدًا كَثِيرًا طَ ـيِّ ـبًا م بَارَكًا فِيهِ، م بَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا ي حِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمَا بَيْنَه مَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْد ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَى نَفْسِ هِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ، حَمْدًا يَلِيق بِجَلََلِ وَجْهِهِ، وَعِزِّ س لْطَانِهِ، نَحْمَد كَ رَبَّنَا ك لَّمَا أَشْرَقَتْ شَمْسٌ وَغَرَبَتْ، وَك لَّمَا نَادَى م ؤَذِّنٌ وَكَبَّرَ، وَالصَّلََة وَالسَّلََم الم بَارَكَانِ الطَّيِّبَانِ عَلَى الرَّس ولِ الأَمِينِ، سَيِّدِنَا أَبِي القَاسِمِ، عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلََةِ، وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ لَه مْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَبَعْد : فَ إِنَّ مِمَّا أَكْرَمَ الله بِهِ عِبَادَه الصَّالِحِينَ أَنْ يَسَّرَ لَه مْ ذِكْرَه ، وَحَبَّبَه مْ فِي طِيبِ اسْمِهِ، وَرَطَّبَ أَلْسِنَتَه مْ بِمَحَامِدِهِ، فَالذِّكْر ق وت الق ل وبِ، وَق رْبٌ مِنَ الرَّبِّ المَعْب ودِ، وَحَيَاةٌ لِلْق ل وبِ وَالب ي و تِ، وَاسْتِرْوَاحٌ لِلرُّوحِ، بِهِ ي دَلُّ السَّائِر ، وَي هْدَى الحَائِر ، وَي وقَظ النَّائِم ، وَت رَقَّق الق ل وب ، وَت رْشَد الع ق ول ، وَتَأْنَس
عدد الصفحات ٢عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 2 النُّف وس .. وهو خَيْر مَا اكْتَنَزَ العَبْد ، وه وَ زَرْع الآخِرَةِ، وَحِصْنٌ فِي الدُّنْيَا حَصِينٌ ، وَسَدٌّ مِنْ جَمِيعِ الفِتَنِ مَنِيعٌ.. فَيَا ط وبَى لِمَنْ عَقِلَ هَذَا؛ فَأَشْغَلَ لِسَانَه وَقَلْبَه بِذِكْرِ رَبِّهِ س بْحَانَه وَتَعَالَى، وَعَلَى قَدْرِ الح بِّ وَالق رْبِ يَك ون الذِّكْر ، فَقَوْمٌ يَذْك ر ونَ اللهَ قَلِيلًَ، وَقَوْمٌ يَذْك ر ونَه كَثِيرًا، وَقَوْمٌ م دْمِن ونَ فِي ذِكْرِهِ أَنَّى كَان وا، وَحَيْث مَا حَلُّوا، ي ولَع ونَ بِهِ، وَلََ يَتَحَدَّث ونَ بِغَيْرِهِ، وَلََ تَطِيب ن ف وس ه مْ إِلََّ إِذَا قَام وا بِذِكْرِ مَوْلََه مْ ، وَقَدْ وَعَدَ الله مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَه أَحْ سَنَ الجَزَاءِ، وَأَفْضَلَ الثَّوَابِ، فَقَالَ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ}(1)، وَأَيُّ سَعَادَةٍ فَوْقَ هَذِهِ؟ وَأَيُّ فَوْزٍ بَعْدَ هَذَا؟ أَنْ يَذْك رَكَ الله -وَأَنْتَ العَبْد الضَّعِيف - إِذَا ذَكَرْتَه ، وَه وَ الغَنِيُّ عَنْكَ وَعَنْ عِبَادَتِكَ وَذِكْرِكَ إِيَّاه .. يَق ول الق شَيْرِيُّ: «وَالذِّكْر طَرِيق الحَق -س بْحَانَه - فَمَا سَلَكَ الم رِيد ونَ طَرِيقًا أَصَحَّ وَأَوْضَحَ مِنْ طَرِيقِ الذِّكْرِ، وَإِنْ لَمْ يَك نْ فِيهِ سِوَى قَوْلِهِ: «أَنَا جَلِيس مَنْ ذَكَرَنِي »؛ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا. وَالذِّكْر ع نْوَان الوِلََيَةِ، وَعَلََمَة صِحَّةِ البِدَايَةِ، وَدَلََلَة صَفَاءِ النِّهَايَةِ، فَلَيْسَ وَرَاءَ الذِّكْرِ شَيْءٌ، وَجَمِيع الخِصَالِ المَحْم ودَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الذِّكْرِ، وَم نْشَأَةٌ عَنِ الذِّكْرِ »(2). (1) سورة البقرة152. (2) لطائف الإشارات، للقشيري1/305.
عدد الصفحات ٣عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 3 فَفِي الذِّكْرِ الم تْعَة وَالأ نْس وَالرَّاحَة وَاللَّذَّة الَّتِي لََ تَعْدِل هَا لَذَّةٌ؛ قَالَ مَالِك بْن دِينَارٍ: «مَا تَلَذَّذَ الْم تَلَذِّذ ونَ بِمِثْلِ ذِكْرِ اللهِ »(1). وَعَنْ ع بَيْدِ بْنِ ع مَيْرٍ ، قَالَ: «تَسْبِيحَةٌ بِحَمْدِ اللهِ فِي صَحِيفَةِ م ؤْمِنٍ خَيْرٌ لَه مِنْ جِبَالِ الدُّنْيَا تَجْرِي مَعَه ذَهَبًا »(2). وَقَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا س بْحَانَه وَتَفَضَّلَ؛ بِجَمْعِ هَذِهِ المَادَّةِ فِي الأَذْكَارِ وَالأ ج ورِ الم تَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا، وَقَدِ اجْتَهَدْنَا أَنْ نَجْمَعَ الأَذْكَارَ الَّتِي يَغْنَم بِهَا العَبْد غَنِيمَةً ي حْسَد عَلَيْهَا، وَي نَافِس ه الم نَافِس ونَ فِيهَا، مِنَ الق رْآنِ الكَرِيمِ، وَصَحِيحِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَالْق رْآن الكَرِيم كَلََم رَبِّ العِزَّةِ س بْحَا نَه وَتَعَالَى، لََ يَعْدِل ه ذِكْرٌ، وَقَدْ كَانَ تَرْكِيز نَا فِي المَادَّةِ عَلَى الآيَاتِ وَالسُّوَرِ الَّتِي ي حَصِّل فِيهَا الذَّاكِر مَا لَمْ ي حَصِّلْه فِي غَيْرِهَا، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلَْْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ فَحَرَصْنَا أَنْ تَك ونَ جَمِيع هَا مِنَ الصَّحِيحَةِ وَالحَسَنَةِ، كَمَا حَكَمَ عَلَيْهَا أَئِمَّة أَهْلِ الصَّنْعَةِ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ؛ بِاسْتِثْنَاءِ الصَّحِيحَيْنِ: الب خَارِيِّ وَم سْلِمٍ؛ لِتَلَقِّي الأ مَّةِ لَه مَا -قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا - بِالقَب ولِ وَا لرِّضَى. وَقَدِ اكْتَفَيْنَا بِذِكْرِ (1) ش عَب الإيمان، لِلْبَيْهَقِيّ 2/181. (2) المصدر السابق2/175.
عدد الصفحات ٤عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 4 مَصْدَرِ الحَدِيثِ وَالح كْمِ عَلَيْهِ، وَعَدَمِ الرُّج وعِ إِلَى أَرْقَامِ الصَّفَحَاتِ وَكَامِلِ الْبَيَانَاتِ؛ طَلَبًا لِلَخْتِصَارِ، وَتَيْسِيرًا عَلَى القَارِئِ. وَإِنَّ الأَذْكَارَ كَثِيرةٌ جِدًّا لََ تَسَع هَا مَادَّةٌ م خْتَصَرَةٌ كَهَذِهِ، لَكِنَّنَا اجْتَهَدْنَا فِيهَا أَنْ نَجْمَعَ الأَذْكَارَ الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَى ذِكْرِهَا أ ج ورٌ عَظِيمَةٌ، وَمَغَانِم وَفِيرَةٌ؛ لِذَلِكَ أَسْمَيْنَاهَا: (عَظَائِم الأَذْكَارِ)، وَإِلََّ فَذِكْر اللهِ تَعَا لَى ك لُّه عَظِيمٌ، مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ بِهِ فَقَدْ غَنِمْتَ. وَقَدْ ب دِئَتِ المَادَّة بِالآْيَاتِ الق رْآنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِ الذِّكْرِ، وَذَيَّلْنَا ك لَّ آيَةٍ بِكَلََمِ الم فَسِّرِينَ الم عْتَبَرِينَ، ث مَّ بِالأَحَادِيثِ النَّبَ وِيَّةِ الشَّرِيفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ الأَذْكَارِ، وَشَرْحِ بَعْضِ المَعَانِي إِنِ احْتَاجَ الأَمْر ؛ رَفْعًا لِلُّبْسِ، ث مَّ ذَكَرْنَا أَقْوَالَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَحْوَالَه مْ مَعَه ، ث مَّ ذَكَرْنَا بَعْضَ الآيَ اتِ وَالسُّوَرِ المَخْص وصَةِ بِعَظِيمِ الأ ج ورِ، ث مَّ ذَكَرْنَا عَظَائِمَ الأَذْكَارِ عامَّةً مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَكْبِيرٍ...، وَأَتْبَعْنَاهَا بِعَظَائِمِ الأَذْكَارِ المَخْص وصَةِ، وَكَانَ مِسْك الخِتَامِ بِتَطْيِيبِ الصَّفَحَاتِ ، بِالصَّلََةِ عَلَى النَّبِيِّ العَدْنَانِ م حَمَّدٍ .
عدد الصفحات ٥عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 5 نَص يحَةٌ تَعَامَلْ مَعَ ك لِّ حَدِيثٍ تَقْرَؤ ه بِنِيَّةِ الْعَمَلِ بِهِ، فَمَا ارْتَفَعَ مَنِ ارْتَفَعَ إِلََّ بِالْعَمَلِ، تَجِدْ حَينَهَا لَذَّةَ الدِّينِ، وَالْق رْبَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحَلََوَةَ الم نَاجَاةِ مَعَه ؛ قَالَ الج نَيْد : «اِعْلَمْ أَنَّه إِنْ ك نْتَ ك لَّكَ لَه ؛ كَانَ لَكَ بِك لِّ الْك لِّ فِيمَا ت حِبُّه مِنْه »(1). وَقَالَ عَمْر و بْن قَيْسٍ الْم لََئِي «حَدِيثٌ أ رَقِّق بِهِ قَلْبِي، وَأَتَبَلَّغ بِهِ إِلَى رَبِّي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ خَمْسِينَ قَضِيَّةٍ مِنْ قَضَايَا ش رَيْحٍ »(2)، وَعَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ: «بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ يَحْفَظ ه الرَّج ل ، يَطْل ب بِهِ صَلََحَ نَفْسِهِ، وَصَلََحَ النَّاسِ أَ فْضَل مِنْ عِبَادَةِ حَوْلٍ كَامِلٍ »(3). فمَا عَلَيْكَ إِلََّ أَنْ تَقْرَأَهَا وَتَعْمَلَ بِهَا ث مَّ ت بَلِّغَهَا؛ لِتَنْفَعَ نَفْسَكَ وَغَيْرَكَ، فَقَدْ قَالَ :{وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِر (1) حِلْيَة الأولياء، لأبي ن عَيْم 4/387. (2) صِفَة الصَّفْوَة، لَبن الجوزي 2/72. (3) المصدر السابق2/153.
عدد الصفحات ٦عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 6 وَالتَّقْوَى}(1)، وَقَالَ رَس ول اللهِ : «مَنْ دَعَا إِلَى ه دًى كَانَ لَه مِنَ الأَْجْرِ مِثْل أ ج ورِ مَنْ تَبِعَه ، لََ يَنْق ص ذَلِكَ مِنْ أ ج ورِهِمْ شَيْئًا »(2). وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الم ؤْمِنِ أَنْ يَك ونَ لَه وِرْدٌ يَوْمِيٌّ مِنَ الأَذْكَارِ، ي حَافِظ عَلَيْهِ، وَلََ ي خِلُّ بِهِ، لََ سِيَّمَ ا أَذْكَارَ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ، وَأَذْكَارَ النَّوْمِ، وَالَسْتِيقَاظَ مِنْه ، وَالإِكْثَارَ مِنَ الصَّلََةِ عَلَى النَّبِيِّ خَاصَّةً يَوْمَ الج م عَةِ. وَإِنْ حَافَظَ عَلَى أَلْفِيَّةٍ مِنَ الذِّكْرِ لِيَوْمِهِ مِنْ تَسْبِيحٍ، وَتَحْمِيدٍ، وَتَهْلِ يلٍ، وَتَكْبِيرٍ، وَحَوْقَلَةٍ، وَصَلََةٍ عَلَى النَّبِيِّ ؛ فَخَيْرٌ وَبَرَكَةٌ وَن ورٌ، أَوْ يَأْخ ذَ حَظَّه مِنَ الذِّكْرِ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَالله الم وَفِّق . فَمَنْ أَرَادَ الفَلََحَ وَالنَّجَاحَ، وَالتَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ وَالرَّشَادَ ؛ فَمَا عَلَيْهِ إِلََّ بِالذِّكْرِ، فَه وَ الطَّرِيق لِلْعَبْدِ الرَّشِيدِ، حَيْث يَق ول تَبَارَك وَتَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(3). (1) سورة المائدة2. (2) رواه مسلم، باب مَنْ سَنَّ س نَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً وَمَنْ دَعَا إِلَى ه دًى أَوْ ضَلََلَةٍ 4/2060. (3) سورة الج م عَة 10.
عدد الصفحات ٧عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 7 وَلََ يَسَع نِي بَعْدَ ش كْرِ اللهِ تَعَالَى إِلََّ أَنْ أَتَقَدَّمَ بِالشُّكْرِ الجَزِيلِ، لِشَيْخِي الحَبِيبِ: أَبِي عَبْدِ اللهِ زَكَرِيَّا شحَادَة ، حَفِظَه الله وَرَعَاه ، الذِي تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِم رَاجَعَةِ المَادَّةِ؛ لِتَخْر جَ لِلْقَارِئِ الكَرِ يمِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَبَارَكَ الله فِي ج ه ودِهِ. وَإِنَّنَا نَسْأَل ه س بْحَانَه بَعْدَمَا تَكَرَّمَ وَمَنَّ عَلَيْنَا، فِي تَجْمِيعِ هَذِهِ المَادَّةِ وَإِعْدَادِهَا القَب ولَ مِنَّا، والرِّضَا عَنَّا، عَلَى عَظِيمِ حَقِّهِ عَلَيْنَا، وَعَظِيمِ تَقْصِيرِنَا فِيهِ؛ إِنَّه المَرْج وُّ لِذَلِكَ، وَه وَ أَهْل الفَضْلِ وَالمَنِّ والج ودِ والإِحْسَانِ. وَإِنِّي سَائِلٌ رَبًّا كَرِيمًا أَنْ ي حِلَّنِي، وَالقَارِئِينَ، وَك لَّ مَنْ أَفَادَ، وَأَعَانَ عَلَى إِنْجَازِ هذهِ المَادَّةِ دَارَ الم قَامَةِ مِ نْ فَضْلِهِ، بِص حْبَةِ حَبِيبِنَا م حَمَّدٍ ، وَأَنْ ي نَضِّرَ و ج وهَنَا يَوْمَ نَلْقَاه ، اللَّه مَّ آمِينَ. وَصَلَّى اللهُ، وَسَلَّمَ، وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ، وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ. حَسَّان بن محمّد تايه
عدد الصفحات ٨عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 8 يْهِ َ رِ وَالحَثُّ عَل ْ الذِّك ُ ل ْ ض َ أولًا: ف رِ اللهِ ْ لِ ذِك ْ ض َ فِي ف ُ القرآنية ُ الآيات 1 .قال تَعَالَى{فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ} [152.] قال السَّعْدِي (1) :«أَمَرَ-تَعَالَى- بِذِكْرِهِ، وَوَعَدَ عليهِ أفضلَ جزاءٍ، وهو ذِكْر ه لِمَنْ ذَكَرَه . وَذِكْر اللهِ -تَعَالَى- أَفْضَل ه ما تَوَاطَأَ عليهِ القَلْب واللِّسَان ، وهو الذِّكْر الذي ي ثْمِر معرفةَ اللهِ وَمَحَبَّتَه ، وكثرةَ ثوابِهِ، والذِّكْر ه وَ رَأْس الشُّكْرِ ». 2 .وقالَ تَعَالَى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [190- 191.] (1) تَيْسِير الكريم الرحمن في تفسير كلَم المَنَّان، للسعديّ 1/74.
عدد الصفحات ٩عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 9 قال السُّي وطِي (1) :«أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن ج رَيْج في الآية قال: هو ذِكْر اللهِ في الصلَة وفي غير الصلَة، وقراءة القرآن. وعن قتادةَ في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } قال: هذه حالَت كَ ك لُّها يا ابنَ آدمَ؛ اذْك رِ اللهَ وأنتَ قائمٌ، فَإِنْ لم تس تطعْ فَاذْك رْه جالسًا، فَإِنْ لم تستطعْ فَاذْك رْه وأنتَ على جَنْبِكَ، ي سْرٌ مِنَ اللهِ وَتَخْفِيفٌ. وعن م جاهد قال: لَ يكون عَبْدٌ من الذاكرين اللهَ كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا». وقال الق شَيْرِي (2) :«استغرق الذِّكْر جميعَ أوقاتهم؛ فَإِنْ قاموا فَبِذِكْرِهِ، وَإِنْ قعدوا أو ناموا أو سجدوا؛ فجملة أحوالهم م سْتَهْلَكَةٌ في حقائق الذِّكْرِ، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلَف أمره، ويذكرون الله قيامًا على بساط الخدمة، ثم يقعدون على بساط الق رْبَة. والذِّكْر طريق الحق -سبحانه- فما سلك العِبَاد طريقًا أصحَّ وأوضحَ من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: «أَنَا جَلِيس مَنْ ذَكَرَنِي » لكان ذلك كافيًا. والذكر عنوان الولَية، وعلَمة صحة البداية، ودلَلة صفاء (1) الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطيّ 2/408. (2) لَطَائِف الإشارات، للقشيريّ1/304.
عدد الصفحات ١٠عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 10 النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، وم نْشَأَ ةٌ عن الذكر». 3 .وقال تَعَالَى{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِيَ } [205.] قالَ ابْن كَثِيرٍ (1) :«يَأْم ر الله تَعَالَى بِذِكْرِهِ أَوَّلَ النهارِ، وَآخِرَه كثيرًا، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}، وقد كان هذا قَبْلَ أَنْ ت فْرَضَ الصلوات الخمس ليلة الإسراء وقال هَاه نَا: {بِالغُدُو}وهو أول النهار،{وَالآصَالِ}جمع أصيل، وهو آخر النهار، وأما قوله: {تَضَرُّعًاوَخِيفَةً}أي: اذكرْ ربك في نفسك رغبة ورهبة، وبالقول، لَ جَهْرًا، ولهذا قال: {وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ }. وهكذا يستحب أن يكون الذِّكْر ، لَ يكون نداء وجهرًا بليغًا. ولهذا لما سألوا رسول الله فقالوا: أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَن نَاجِيه أَمْ بَعِيدٌ فَن نَادِيَه ؟ فأنزلَ ا : {وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ }. و الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ،قال: رفع الناس أصواتهم (1) تفسير القرآن العظيم، لَبن كَثِير3/487.
عدد الصفحات ١١عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 11 بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي :«يا أيُّهَا النَّاس ، ارْبَع وا (1) على أنْف سِك مْ؛ فإنَّك مْ لَ تَدْع ونَ أصَمَّ وَلَ غائِبًا، إنَّه مَعَك مْ إنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ » .إنه الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال؛ لئلَ يكونوا من الغافلين؛ ولهذا مدح الملَئكة الذين {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ}». وقال سَيِّد ق طْبٍ (2) :«إنه زاد الطريق، وأدب العبادة، ومنهج الم قَرَّبِينَ المَوْص ولِينَ...إنَّ ذِكْرَ الله ليس مجرد الذكر بالشِّفَةِ واللسا ن؛ ولكنه الذِّكْر بالقلب والجَنَان. فَذِكْر اللهِ إِنْ لم يرتعش له الوجدان، وإنْ لم يخفق له القلب، وإنْ لم تَعِشْ به النَّفْس .. إِنْ لم يكن مصحوبًا بالتضرع والتذلل والخَشية والخوف.. لن يكون ذِكْرًا.. بل قد يكون س وءَ أَدَبٍ في حق الله سبحانه. إنما هو التوجّه إلى الله بالتذلل والضَّرَاعَة، وبالخشية والتقوى.. إنما هو استحضار جَلََلِ الله وعظمته، واستحضار المخافة لغضبه وعقابه، واستحضار الرجاء فيه والَلتجاء إليه.. حتى يَصْف وَ الجَوْهَر الروحي في الإنسان، ويتصل بمصدره اللَّد نِّي الشَّفِيفِ الم نِيرِ.. (1)أيِ: ارفقوا. انظر: الأذكار، للنووي: 1/223. (2) في ظِلََلِ القرآن، لِسَيِّد قطب: 3/1427-1428.
عدد الصفحات ١٢عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 12 فإذا تَحَرَّكَ اللسان مع القلب، وإذا نَبَسَتِ الشِّفَاه (1) مع الروح؛ فَلْيَك نْ ذلك في صورة لَ تَخْدِش الخشوع، ولَ ت نَاقِض الضَّرَاعة؛ لِيَك نْ ذلك في صوتٍ خَفِيضٍ، لَ م كَاءً (2) وَتَصْدِيَةً (3)، ولَ صراخًا وَضَجَّةً، ولَ غِنَاءً وَتَطْرِيَةً (4) !{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ}. {بِالغُدُوِّ والآصَالِ} في مطالع النهار وفي أواخره؛ فيظل القلب موصولًَ بالله طَرَفَيِ النهار. وَذِكْر الله لَ يقتصر على هذه الآونة، فَذِكْر اللهِ ينبغي أن يكون في القلب في كل آنٍ، ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل لحظة. ولكنَّ هَذَيْنِ الآنَيْنِ إنما تطالع فيهما النفس التغير الواضح في صفحة الكون.. مِنْ ليلٍ إلى نهارٍ.. وَمِنْ نهارٍ إلى ليلٍ، ويتصل فيهما القلب بالوجود مِنْ حَوْلِهِ. (1) أيْ: نَطَقَتْ في م هْلَةٍ وَخَوْفٍ وَذ ل (2) الم كَاء : الصَّفِير (3) التَّصْدِيَة : التَّصْفِيق (4) يقصد بِالتَّطْرِيَةِ: المدح والثناء على اللهِ تعالَى المصحوب بالطبل والمزمار وحركات الأجساد كما عند بعض الصوفية، وإلَّ فالثناء على الله تعالَى مطلوب، والمبالغة فيه أمرٌ مندوب.
عدد الصفحات ١٣عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 13 وإنّ اللهَ سبحانه ليعلم أن القلب البشري يكون في هَذَيْنِ الآنَيْنِ أقربَ ما يكون إلى التأثر والَستجابة.. ولقد كَث رَ في القرآن التوجيه إلى ذِكْرِ الله سبحانه، وتسبيحِه في الآونة التي كأنما ي شَارِك الكون ك لُّه فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للَتصال بالله.. {فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ}..{وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى}..{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}.. إنه التَّذَكُّر الدائم والَستحضار الدائم لجلَل الله سبحانه، ومراقبته السر والعلن، وفي الصغيرة والكبيرة، وفي الحركة والسَّكَنَة، وفي ال عمل والنية.. وإنما ذَكَرَ الب كْرَةَ والأصيلَ والليلَ.. لِمَا في هذه الآونة مِنْ مؤثرات خاصة يعلم الله ما تصنع في القلب البشري، الذي يَعْلَم خَالِق ه فِطْرَتَه وطبيعةَ تكوينِهِ! {وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِيَ} الغافلين عن ذِكْرِ الله.. لَ بالشفةِ واللسان، ولكنْ بالقلبِ والجَنان.. الذِّكْر الذي يخفق به القلب فلَ يسلك صاحبه طريقًا يَخْجَل أنْ يَطَّلِعَ عليه الله فيه، ويتحرك حركة يخجل أنْ يراه الله عليها، ولَ
عدد الصفحات ١٤عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 14 يأتي صغيرة أو كبيرة إلََّ وحساب اللهِ فيها.. فذلك هو الذِّكْر الذي يرد به الأمر هنا، وإلََّ فم ا هو ذِكْرٌ لله، إذا كان لَ يؤدي إلى الطاعة والعمل والسلوك والَتِّبَاع. 4 .وقال تَعَالَى {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِن الْقُلُوبُ} [28.] قال الق شَيْرِي (1) :«قَوْمٌ اطْمَأَنَّتْ ق ل وب ه مْ بِذِكْرِهِم اللهَ، وفي الذِّكْرِ وَجَد وا سَلْوَتَه مْ، وَبِالذِّكْر وصلوا إلى صَفْوَتِهِمْ. وَقَوْمٌ اطْمَأَنَّتْ ق ل وب ه مْ بِذِكْرِ اللهِ فَذَكَرَه م الله -س بْحَانَه - بِل طْفِهِ، وَأَثْبَتَ الطمأنينةَ في قلوبهم على وجه التخصيصِ لهم. ويقال إذا ذكروا أَنَّ اللهَ ذَكَرَهم استروحت قلوب هم، واستبشرت أرواح هم، واستأنست أسرار هم، قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} لِمَا نالت بِذِكْرِهِ من الحياة، وإذا كان العبد لَ يطمئن قلب ه بذكر الله، فذلك لِخَللٍ في قلبه ، فليس قلبه بين القلوب الصحيحة». (1) لَطَائف الإشارات، للقشيريّ2/229-230.
عدد الصفحات ١٥عَظَـائ ــم الأَذْكَــار 15 وقال ابن الجَوْزِي (1) :«قوله تعالى{وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ } في هذا الذِّكْرِ قولَن: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: ذِكْر اللهِ على الإِطلَق. وفي معنى هذه الطمأنينة قولَن: أحدهما: أنها الح بّ له والأ نْس به. والثاني: السكون إِليه من غير شك، بخلَف الذين إِذا ذ كر الله اشمأزت قلوبهم. والمعنى: تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين؛ لأن الكافرَ غير مطمئنِ القلبِ ». 5 .وقَالَ الله تَعَالَى {وَلذِكْرُ الله أكْبَرُ} [45.] قالالأَلوسِيُّ (2) :«قال ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو قرة، ومجاهد، وعطية: المعنى لَذِكْر الله تعالى إيَّاك مْ أَكْبَر مِنْ ذِكْرِك مْ إيَّاه س بحانه، وفي لفظٍ: لَذِكْر اللهِ تَعالَى العَبْدَ أَكْبَر مِنْ ذِكْرِ العبدِ لله تعالى. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن أبي مالك أنه قال: ذِكْر اللهِ تَعَالَى (1) زاد المَسِير في عِلْم التفسي ر، لَبن الجَوْزِيّ: 2/494. (2) ر وح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسَّبْعِ المَثَانِي، للْلوسيّ 10/368.
عدد الصفحات ١٦