81 الفصل العاشر كيفية الدخول في المذهب الصوفي للصوفية طرق عديدة ومسالك مظلمة وقواعد خاصة للتربية حسب منهجهم، وكيفية ذلك عندهم نوجز الكلام عنه فيما يلي: 1- أول ما يجب على الداخل هو أن يختار الفرد أو الجماعة من المريدين شيخا لهم يسلك بهم رياض ة خاصة بهم على دعوى وزعم تصفية القلب للوصول بالمريد إلى معرفة الله، هكذا يزعمون وهو في الحقيقة يصل إلى متاهات وضلال بعيد، ولا يتم السير في الطريق الصوفي إلا إذا عطل المريد عقله وفكره. 2- أن يتبع المريد شيخه أتباعا مطلقا حتى وإن كان في تحريم الحلال وإحل الحرام. 3- عليه أن يردد ما يردده الشيخ من أذكار. 4- ثم يكون وجوبا عليه أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، فإن الاعتراض وإبداء الرأي من أكبر الأخطار على المريد وطرده عن رحمة الله. 5- وعليه كذلك أن يعتقد أن جميع ما يفعله الشيخ هو ا لحق والصواب حتى وإن رآه يشرب الخمر ويزني؛ لأن الشيخ لا يفعل الفواحش بروحة وإنما بصورته البشرية لتربية المريدين، وهذا رج للصوفي إذا فعل فاحشة، وما أكثر ما يفعلونها تحت هذا الستار، وعلى التلميذ أن لا يفكر في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لأنه يتعارض تماما مع ما يراه زعماء الصوفية من وجوب التسليم للشيخ في كل ما يأتي ويذر. 6- كما أنه يحب عليه أن يجتاز تلك الخلوة المفروضة 7- وأن يتصور صورة الشيخ ماثلة أمامه في كل حال، وأن يعتقد أن الشيخ يعلم بكل شيء عنه وهو في داخل خلوته، ويعرف كل شؤونه ما دق منها وما جل. 8- وأن لا يغير شيخه بآخر. 9- ولا يزور أحد المشائخ والأولياء ما دام في أول أمره 10- وأن يمشي في الطريقة منزلة منزلة حتى يصل إلى القطبانية 11- وألا يخالط المقصرين والبطالين من أهل قيل وقال
عدد الصفحات ٨١82 12- وألا يضن بماله ولو طلبه الشيخ كله 13- وأن يرضى بالذل الدا ئم وحرمان النصيب، والجوع الدائم والخمول وذم الناس له، وتقديم أضرابه وأشكاله وأقرانه عليه في الإكرام والعطاء والتقريب عند الشيوخ ومجالس العلماء، فيجوع هو والجماعة يشبعون والكل أعزاء ونصيبه الذل، ويعز الجماعة ويستجيز الذل ويجعله نصيبه. قال الجيلاني بعد أن ذكر ما سبق: "فمن لم يرض بهذا ويوطن نفسه عليه فلا يكاد أن يفتح عليه ويجيء منه شيء"(1)،إلى آخر ما ذكر الجيلاني مما يطول نقله. وأول المنازل في الطرق الصوفية يسمى فيها الداخل مريدا ، أي يريد السير في الطريقة، وتسمى منزلة الإرادة يقبلة الشيخ ويأخذ عليه العهود با لتوبة من الذنوب وصدق النية وترداد الأوراد المقررة عليه من الشيخ، وألا يعتقد أي معتقد لم يقره الشيخ، ولا يحق له الاعتراض على الشيخ حتى إن رآه طئا . ويسمى بعد توجهه وإرادته المذهب الصوفي سالكا ، وبعد استمراره وسلوكه ومواظبته على الأوراد التي يلقنه الشيخ، ف إذا أتقنها انتقل إلى مرتبة أخرى تسمى مرتبة العبودية (2)،وعليه أن يكثر من الضراعة والإلحاح إلى الله بترداد ما يمليه عليه المشائخ من أذكار وأوراد. ثم ينتقل المريد إلى مقام آخر حيث تقبل عليه العناية الإلهية وينتقل قلبه إلى مقام العشق لله، وعلى المريد هنا أن ي كثر من الرياضة التي توصله إلى ربه فيما يزعمون، فيكثر من الأوراد والعزلة بنفسه والندم الشديد حتى تتملكه – بزعمهم – حال علوية شريفة ينتقل بها إلى مقام يسمى (الوجد (3 )والهيام) وهو أسمى من مقام العشق، وعند هذا المقام المزعوم تتوارد على قلب السالك النفحات الربا نية، ويعتقدون أنه في هذه الحال تزداد معرفة السالك الباطنة الصفات الذات العلية. (1 )2/ 613 باب فيما يجب على المبتدئ في هذه الطريقة أولا إلى آخر ص169؛ حيث ذكر الآداب التي تجب على المريد والآداب التي تجب على الشيخ (2) عرفها المنوفي بقوله: "العبادة غاية التذلل للعامة، والعبودية صدق القصد للخاصة" جمهرة الأولياء 1/ 306 . (3) يقول النو "الوجود: وجدان الحق بذاته ولهذا تسمى حضرة الجمع حضرة الوجود" جمهرة الأولياء 1/ 312 .
عدد الصفحات ٨٢83 وهنا يصل السالك فيما يزعمون إلى الحقيقة وتسمى هذه المرحلة - مقام الحقيقة – التي يعرفها المنوفي بأنها "مشاهدة الربوبية" (1)،وهي في الحقيقة الوصول إلى أعماق الوثنية والحلول، فإذا وصل بزعمهم إلى مقام الحقيقة يمكنه أن يظل يرتقي إلى أن يحقق منازل ثلاثا هي: "الفناء"، و "اللقاء"، و "البقاء"، والفناء يقصدون به أن يفنى العبد عن كل شيء في الله تعالى، ويصير كما قال الحلاج: ما في الجبة إلا الله. فالوجود عنده كله يمثل الله – تعالى عن قولهم، وخصوصا النساء فإنه يتمثل فيهم بصورة أكمل، ومن هنا بدى على أدبهم العشق والغرام والهياج الجنسي إلا أنهم زعموا أن هذا الغزل وهذا الهياج الملتهب إنما هو في الله، وسموه الحب الإلهي يجتمع الرجال والنساء ويرددون إما أبياتا شعرية أو غيرها في رقص وتمايل، كما يحصل في الرقصات والسهرات مما يتنافى مع أبسط المثل الإسلامية والخشوع المطلوب في العبادات. وأما اللقاء والبقاء(2 )فإن الصوفية يقصدون بذلك أن العبد من خلال تلك المنازل تتجلى عظمة الخالق سبحانه على قلب السالك فلا يرى أمامه إلا الله، ولا يجد في الوجود جميعا إلا واجب الوجود سبحانه، وتمحى أثار الموجودات من أمام عينيه إلا وجود الله سبحانه وتعالى، قال المنوفي: "سئل أبو يعقوب النهرجوري عن صحة الفناء والبقاء فقال: الفناء هو رؤية قيام العبد بالله عز وجل، والبقاء رؤية قيام الله تعالى منفردا بذاته"(3.) وهذه الدرجات هي ما ع بر عنه الحلاج بقوله: "ما في الجبة إلا الله". وللسهرودي والمنوفي تفاصيل كثيرة حول المقامات ومراتبها العديدة في كتاب السهرودي "عوارف المعارف" وكتاب المنوفي "جمهرة الأولياء" (4)،والواقع أن غلاتهم وقعوا في هوس وتخبط، وتلاعب الشيطان بهم لبعدهم عن منهج الله وشرع ه، فجاءوا بأفكار وأقوال وحكم تنضح وثنية (1) جمهرة ا لأولياء 1/ 302. (2) عرفه المنوفي بأنه "قيام الأوصاف المحمودة بالله" جمهرة الأولياء 1/ 301. (3) المصدر السابق ص264. (4) انظر: جمهرة الأولياء 1/ 190 في عنوان "اقامات والأحوال". وانظر: عوارف المعارف من ص 330 – 338.
عدد الصفحات ٨٣84 وجهلا وأشعار غزلية، وقد قال الشافعي: "ما تصوف رجل في أول النهار وأتى عليه الضحى إ وهو أحمق". والحاصل أن تلك هي الطرق لدخول المذهب كما أتض ح مما سبق، ونجمل أهمها فيما يلي: 1- أن يلتزم الشخص أمام شيخه بالمحافظة على ا لطريقة التي يحددها له الشيخ. 2- أن يكون المريد – أي الدال في المذهب – على صلة بشيخه المأذون له هو أو من ينيبه الشيخ عنه ليتولى تعليم المريد. 3- أن يجتاز المريد عهدا يعاهد الشيخ ويده في يده مغمضا عينيه على الالتزام والوفاء الدائم لشيخه ولطريقته لا يحيد عن ها ابدا . 4- أن يكون المريد دائم الاشتغال بالأوراد والأدعية التي يقررها عليه الشيخ سواء عرف معانيها أم لا. 5- أن يكمل مدة الخلوة التي يقررها الشيخ على المريد في سرداب أو دهليز أو زاوية مدة تزيد عن أربعين ليلة ولا تقل عن أربعين ليلة ولا تقل عن عشر ليال ، ولهم شروط كثيرة لصحة هذه الخلوة قاسية جدا يخرج الشخص منها وهو في منتهى الحمق والبلادة والغفلة عن كل شيء إلا عن شيخه وأذكاره، وهو الهدف الحقيقي من تلك الفكرة. ومن الشروط التي يقطعونها للمريد على أنفسهم – حسب زعمهم – أن يصبح من أهل الكشف، و أن يترقى في ذلك إلى أن يتعلم ما وراء العقل ويصبح من أهل التجلي، بحيث تدرك ذات المريد ذات الله في كل وقت. أن يفنى المريد عن كل شيء غير الله تعالى، فلا يحس بأي وجود غير وجود ربه وشيخه، وبذا يصبح الشخص من أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود؛ لأن الله قد ظهر في كل شيء حسب تعاليمهم بعد فناء المريد عن كل شيء وتصوره أن الله أمامه في كل مكان. أن يطلب المريد علم الباطن الذي هو بمنزلة اللب، و أن يتعمق في العلم الباطني حسب ما يمليه عليه الشيخ، وإذا تطور في ذلك فإنه يصل إلى حد اليقين فتسقط عنه التكاليف كما يفترون ويصبح وليا من الأولياء.
عدد الصفحات ٨٤85 وهذه القواعد والشروط الصوفية يتمرن عليها الشخص أو الأشخاص الذين يريدون الد اخل في متاهات الصوفية، حتى يتقبلها الدخول بقبول حسن، فيموت فكره وذوقه ويصبح في الحقيقة عبدا ذليلا لمشائخ الصوفية، فيسلكون به طرقا ملتوية وتعاليم معقدة حتى تثبت في ذهن الداخل أمو ر عظام أقلها أن لا حلال ولا حرام، ولا علم ولا عمل إلا ما جاء عن شيخ طريقته و إذنه به، وما يتلقاه عن قلبه عن ربه وما يمليه عليه ذوقه أيضا . وإذا أراد القارئ التوسع في هذا ومعرفة كيفية الدخول في الطريق الصوفي فعليه بالرجوع إلى عوارف المعارف للسهرو ر دي وإلى ما كتبه الجيلاني في كتابه الغنية (1.) قال المنوفي في بيان بعض المسالك الصوفية ومنزلة الشيخ فيها: "وإذن فهناك طريق الله، وسالك يسلك ذلك الطريق، ومرشد يدل على مفاوز الطريق … وذلك الطريق الذي كان أول مرشد له الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن تحلى بدقائق الإيمان… وبعبارة أخرى هو طريق التصوف الذي كان أول خطوة فيه أن بايع الرسول صلى الله عليه وسلم العشرة أهل بيعة الرضوان … فمن بدأ السير فيه فهو مريد التصوف، ومن توسط فهو سالك متعرف، ومن انتهى إلى مقام التحقيق فهو المرشد المحقق (2.) وقد أوصل المنوفي الدرجات إلى سبعين درجة (3)،يكاشف العبد في آخرها إذا ترقى فيها مقاما مقاما ، ولا طائل من وراء سرد كل ما قرره أقطاب التصوف كالسهرو ر دي والم نوفي والغزالي والقشيري. فإنه يكفي أن يقال في الجواب عنها: أنها بناء في الهواء وأفكار لم يرشد إليها كتاب ولا سنة ولا أقوال علماء الأمة الإسلامي ة أصحاب العقول النيرة الذين أعرضوا عن تكليف ما ليس لهم به علم من الأمور الغيبية التي لا يصح فيها الحكم إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. * * * * * * * * * * * * * * (1) الغنية2/ 163 – 169 . (2) جمهرة الأولياء 1/ 144. (3) المصدر السابق ص147.
عدد الصفحات ٨٥86 الفصل الحادي عشر أصول الصوفية يزعم المتصوفة: كما هو شأن كل الطوائف المفارقة للمنهج الر باني أنهم على حق وأن ما يدينون به من أفكار وخرافات إنما هي نابعة من تمسكهم بالكتاب والسنة وفهم حقائق الإسلام، وهذه الدعوى ينتحلها زعماء الطوائف بغر ض ترويج مبادئهم وإظهارها بمظهر الح ق مهما كانت بعيدة عنه. وذلك أن دعوى التمسك بالكتاب والسنة سهلة على اللسان و لكن التطبيق هو الذي يصدق ذلك أو يكذبه. وقد ذكر أحد أعلامهم وهو السيد محمود أبو الفيض المنوفي بعض مستنداتهم فقال: "والتصوف الإسلامي نبعه القرآن أولا وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ثانيا والفقه في الدين فروعا وأصولا ثالثا ولهم – أي المتصوفة – فوق ذلك قو اعد وقوانين صوفية استمدوها من حقائق اليقين وخفي معاني القرآن، ومن دقائق السنة عملية معملية، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، وهذا في الواقع مستمد علم التصوف الإسلامي(1). أي أنهم يرجعون في جملة مستنداتهم إلى تلك الدعوى العريضة وهي أخذهم الأحكام من حقائق اليقين وخفي معاني القرآن، وفي الحقيقة إنما يرجعون إلى الهوى، وإلى تفسير القرآن باطنيا غير مستندين إلى المعاني التي ذكرها العلماء من أهل الحق لمعاني تلك النصوص. ثم يذكر المنوفي مستندا آخر لهم بقوله: "ومستمد الصوفية هم أهل الصفة، وإن كان تعريف الاسم يناسب لبس الصو ف من حيث الاشتقاق. وهذا صحيح؛ لأن أهل الصفة وغيرهم من الروحيين في الإسلام وقبل الإسلام، ومن قديم الزمان كانوا يلبسون الصوف لخشونة فيه وهم متخوشنون، أو قل لسبب لونه الأبيض الذي يرمز إلى الطهارة والصفاء، وكان أيضا لباس الحواريين" (2.) (1) انظر كتاب جمهرة الأولياء وأعلام أهل التصوف 1/ 154. (2) انظر:جمهرة الأولياء 1/ 154.
عدد الصفحات ٨٦87 ويذكر الغزا أن مستندات الصوفية وأصولهم مشاهدة الملائكة و أرواح الأنبياء، والخضر بخصوصه و اطبتهم فهو يقول: ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد، ثم تترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها النطاق، ولا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظة خطأ صريح لا يمكن الاحتراز عنه إلا لمن رسخ فيه ونهل منه منهله" (1.) وبطلان هذا الكلام واضح، وربما أن الذين يشاهدونهم بزعم أنهم الملائكة أو أرواح الأنبياء وسماع الأصوات إنما هي شياطينهم تتلاعب بهم وتتراءى لهم ليضلونهم، وما أكثر خدع الشياطين لإغواء الناس. وكذلك من مزاعمهم وأصولهم في مستندهم إلى الطريق إلى الله علم الباطن الذي أفضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه، وعلي أفضى به إلى الأئمة المذكورين في كتبهم، وذلك فيما يزعمون أن جبريل عليه السلام نزل إلى رسول الله صلاى الله عليه وسلم أولا بالشريعة فلما تقررت الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة (2 )المقصودة والحكمة المرجوة من أعمال الشريعة وهي الأيمان والإحسان، ثم خص الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم باطن الشريعة بعض أصحابه كعلي ثم الحسن دون بعض. وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب هؤلاء، وقد سرد المنوفي أسماء السلسلة التي تداولتها الصوفية ابتداء بالإمام علي إلى أحمد بن عطا الله السكندري (3)،صاحب لطائف المنن، أورد بعض النصوص المرف وعة كذبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فيها أن كل آي ة لها ظاهر وباطن وظاهر الآية ما ظهر من معانيها، وباطنها ما تضمنته من أسرار إلهية لا يطلع عليها إلا أهل المعرفة بالله ممن سرد أسماءهم من أوليائه الذين يعلمون عل م الباطن في زعمه. (1) جمهرة الأولياء 1/ 155. نقعن الغزالي. (2) يزعم الصوفية أن الشريعة هي ما أوحاه الله إلى رسوله، وأما الحقيقة فهي عندهم المعرفة العقلية التي وصلوا إليها بذوقهم وصارت من الدين بغض النظر عن موافقتها للشريعة أو الفتها، ويجب التنبيه إلى أن وسيلة المعرفة عند الصوفية هي الذوق؛ ولهذا اختلف ت أفكارهم لاختلاف أذواقهم. (3) أنظر: جمهرة الأولياء 1/ 159 – 160.
عدد الصفحات ٨٧88 ولقد نفى علي رضيالله عنه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصهم بعلم دون سائر البشر، وقد سبق إبطال الباطنية في دعواهم أن النصوص لها ظاهر وباطن. ويقول المنوفي أيضا في دعواهم الالتصاق بأهل الصفة: "وكان عظماء أهل الصفة بل جلهم من أوائل الصوفية وأهل طريق الله،وحسبنا في ذلك أن نزل فيهم قرآن عند قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاصْبرِّْ ناَفْسَكَ مَعَ الَّذِّينَّ يَدْعُونَ رَبهَُّم باِّلْغَدَاةِّ وَالْعَشِّي ِّ يُرِّيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تاَعْدُ عَياْنَاكَ عَناْهُمْ (1)"(2). ويقول الشعراني في مستند القوم "مقدمة في بيان أن ط ريق القوم مشيدة بالكتاب والسنة، وأنها مبنية على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء، وبيان أنها تكون مذمومة إلا إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لا غير"(3). لكنه أضاف بعدما تقدم قوله عن مستند جديد "ثم اعلم يا أخي رحمك الله أن علم التصوف عبارة عن علم انق دح في قلوب الأولياء"، إلى أن قال: " فمن جعل علم التصوف علما مستقلا صدق ومن جعله من عين أحكام الشريعة صدق"(4). ومستند آخر أيضا يذكره بقوله "ثم إن العبد إذا دخل طريق القوم وتبحر فيها أعطاه الله هناك قوة الاستنباط نظير الأحكام الظاهرة على حد سواء، فيستنبط في الطريق واجبات ومندوبات، وآدابا ومحرمات، ومكروهات وخلاف الأولى، نظير ما فعله المجتهدون" (5). (1) سورة الكهف 28 (2) جمهرة الأولياء 1/ 162. (3) طبقات الشعراني المسمى الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار 1/ 4. (4) المصدر السابق (5) المصدر السابق
عدد الصفحات ٨٨89 ومن هنا نجد أن الصوفية ينفرون أشد النفور من العلم عن طريق التعلم، ويفضلون ما يسمونه علم الكشف بلا واسطة وهو ما عبر عنه محي الدين بن العربي حينما كتب إلى الرازي كتابا جاء فيه: " إن الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ، فإن كان علمه مستفادا من نقل أو شيخ فما برح عن الأخذ عن المحدثات، وذلك معلوم عند أهل الله عز وجل"، إلى أن يقول: "فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين"(1). ويقول الشعراني في هذا المعنى ناقلا عن شيخه البسطامي، موضحا مصادر التشريع في ذوقهم "وكان الشيخ كامل أبو اليزيد البسطامي رضي الله عنه يقول لعلماء عصره: أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتا عن ميت و أخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت"(2) . وبعد هذا الكلام لا يلام من احتار في أمر الصوفية ومصادرهم، فبينما هم يحضون على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعدم الخروج عنهما إذا بهم يفصحون بالحقيقة في النهاية وهي أن مصادرهم في التشريع إنما هو الكشف والإلهام وهو فعلا ما سلكوه في كل سلوكهم وتشريعاتهم. وعلى نفس المعنى السابق يقول الفوتي: "إن الولي المفتوح عليه لا يتقيد بمذهب معين من مذاهب المجتهدين بل يدور مع الحق عند الله تعالى أينما درا" (3)، أي حسب تجدد الكشف له والإلهام الرباني المتكرر عليه، وهو كذلك يشير إلى قول أحمد بن الم بارك في الإبريز حيث قال: "إن الولي المفتوح عليه يعرف الحق والصواب ولا يتقيد بمذهب من المذاهب، ولو تعطلت المذاهب بأسره لقدر على إحياء الشريعة، وكيف لا وهو الذي لا يغيب عنه النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين ولا يخرج عن مشاهدة الحق جل جلالة لحظة" (4). (1) الطبقات الكبرى1/ 5. (2) المصدر السابق (3) رماح حزب الرحيم 1/ 96. (4) المصدر السابق ص96 نقلا عن الإبريز
عدد الصفحات ٨٩90 والواقع أن كل منصف له أد إلمام بالشريعة الإسلامية لو حكم في دعاوى الصوفية وفي زعمهم شرع يه شطحاتهم، ومستنداتهم في ذلك كله لا تضح له بما لا خفاء به أن المتصوفة قد جانبوا الصواب في كثير من أمور الدين، وأنه لا مستند لهم إلا هواهم الذي يسمونه الكشف والإلهام الصريح، دلك أن قولهم: أن التصوف نبعه القرآن والسنة والفقه في الدين، وفوق ذلك أن له قواعد وقوانين استمدوها من حقائق اليقين دعاوى غير ثابتة. فليس في القرآن آي ة واحدة في شريعة غلو التصوف، وليس في السنة النبوية عبارة واحدة جاءت دليلا يسند شطحات الصوفية وأورادهم وترنيماتهم وحلقات رقصهم، وليس في علوم الفقه الإسلامي وأصوله شيء من هذا القبيل، ثم هم لا يذكروا أيضا أدلة من القرآن تدل فعلا على ما يذهبون إليه. وقد تلمسوا بعض الأدلة من السنة أساءوا الفهم فيها؛ ولهذا جعلوا القواعد والقوانين الصوفية فوق المصادر الثلاثة: القرآ ن، والسنة، والفقه الإسلامي، كما قال المنوفي: "ولهم فوق ذلك قواعد وقوانين صوفية استمدوها من حقائق اليقين"؛ ولهذا تجد السلسلة عندهم حدثني قلبي عن ربي: "وهذه الحقائق اليقينية التي ذكرها المنوفي في الحقيقة من جنس الهوى و الاضطراب الفكري، ثم حرفوا معاني القرآن إ لى ما يوافق أهوائهم كما فعلت الباطنية تماما . إن ما زعمه القطب الصوفي صاحب كتاب جمهرة الأولياء من أن مس تمد الصوفية هم أهل الصفة إنما هو دليل على خواء علمي بالكتاب والسنة وسيرة الصحابة الكرام، فهل كان لأهل الصفة تشريع خاص بهم، وهل كان لهم شرف يحبون الحفاظ عليه والانتساب إليه غير شرف الانتساب إلى الإسلام وطاعة الله وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم. وأهل الصفة الذين ذكرهم المنوفي هم خيار الصحابة كأبي هريرة وخباب بن الأرت وبلال وسلمان الفارسي وأبي سعيد الخدري وأبى برزة الأسلمي وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر وأبو فكيهة ووابصة بن معبد الجهني وأنس بن مالك"(1). (1) جمهرة الأولياء 1/ 134،135.
عدد الصفحات ٩٠91 فهل هؤلاء الأعلام الأبرار أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم هم أهل الصوفية وهل كان هؤلاء على الزعم الصوفي هم سلف الحلاج وابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، وغيرهم من عتاة الصوفية الذين يأخذ أحدهم السكر بالله كما يزعمون إلى حد أن يقول لا إله إلا أنا – أو ما في الجبة إلا الله – أو قولهم – العبد رب والرب عبد، يا ليت شعري من المكلف هل يمكن أن يكون أساس هؤلاء هم أولئك الأخيار. بل إن المنوفي زعم أن الله عز وجل أمر نبيه أ ن يكون صوفيا فقال: "وأيضا قد أمر الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بعد أن رباه وكمل خلقه وأتم عليه نعمته بأن يتصوف ويندمج في الصوفية بقوله: وَاصْبرِّْ ناَفْسَكَ مَعَ الَّذِّينَّ يَدْعُونَ رَبهَُّم باِّلْغَدَاةِّ وَالْعَشِّي ِّ يُرِّيدُونَ وَجْهَهُ (1). ومع بعد هذا الاستدلال عن ما يهدف إليه المنوفي فإنه يواصل ما يعتبره أدلة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من مشى على الطريق الصوفي فقال: "وأن الله عز وجل قبل أن يرسل محمدا برسالته الكبرى، والملة العظمى أمره بدخول الخلوة (غار حراء)" إلى أن يقول: "فلما دخل الرسول الخلوة وتعبد وتحنث في غار حراء، وفيه قد أكثر من الذكر والاستغفار والاعتكاف… وما نعتبر هذا النمط من العبادة الخاصة إلا أن نعده تصوفا إسلاميا رفيعا . وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدأ متدرجا في الكمال كمريد ثم تهيأ لحمل الرسالة؛ ولذا وصفه الله في كتابه بقوله: وَإِّنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍٍْ عَظِّيمٍ (2)، وحتى بعد أن حمل الرسالة وأصبح سيد المرسلين أمره الله بأن يصاحب أهل الصفة، وذلك واضح في قوله": وَاصْبرِّْ ناَفْسَكَ مَعَ الَّذِّينَّ يَدْعُونَ رَبهَُّم باِّلْغَدَاةِّ وَالْعَشِّي ِّ يُرِّيدُونَ وَجْهَهُ أي يا محمد(3) . لقد قالب المنوفي الأمور وحاول جاهدا أن يقيم الأدلة على أن نبينا محمداصلى الله عليه وسلم كان صوفيا قولا وفعلا قبل إن تأتيه الرسالة وبعد ما جاءته أيضا ، و أنه ابتدأ كأي صوفي "مريدا " ثم تدرج في الكمال. (1) سورة الكهف 28 (2) سورة القلم 28 (3) جمهرة الأولياء 1/ 267،268.
عدد الصفحات ٩١92 وإذا أمعنا النظر في هذا التصوف الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة حسب رأي المنوفي فلا نجد للمنوفي مستندا إلا إلى منشأ التصوف الذي كان قبل الإسلام متمثلا في شتى الديانات المنحرفة على حد قوله الآتي: "… وإن تعرجت تعاليم التصوف وتلونت بعض فروعه ألوانا عدة، واتجهت تلك الفروع اتجاهات تلفة بسبب المذاهب الموروثة للداخلين المحدثين في الإسلام من هنود وفرس وإسرائيليين ومسيحيين، الذي شجع عليه المأمون ومن بعده من الخلفاء العباسيين. فترجم المسلون كتبا كثيرة من التصوف الهندي واليوناني والفارسي، وطمعت بعض فروع التصوف الإسلامي الخالص بما دخل عليها من النزعات الأفلاطونية الحديثة أو القديمة، و بعض المذاهب الهندية والفارسية في التصوف كنظرية الحلول والاتحاد والتقمص والتناسخ وما إلى ذلك"(1). وبلا ريب فإن هذه الشهادة منه على ما في التصوف من خلط واضطراب وتعاليم خارجة عن الإسلام لا تحتاج إلى تعليق أحد عليها فكيف تتفق بعد هذا مفاهيم التصوف مع المفاهيم الإسلامية المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم، ويبقى أن ما قرره المنوفي من أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من سن قواعد التصوف حينما كان يخلو بنفسه وي تعبد في غار حراء وهو منتهى الجهل وأشنع القياس. ولاحظ تناقض المنوفي في كتابه جمهرة الأولياء حينما لم يستطيع أن يخفي حقيقة التصوف حيث باح بأن الصوفية قد تأثرت إلى حد كبير بعقائد الداخلين في الإسلام من هنود وفرس وإسرائيليين ومسيحيين، ولا سيما في عصر الترجمة لفلسفة هؤلاء؛ حيث أخذ التصوف منها جوانب لم ينكرها المنوفي وهو في كل كتاباته عنهم يكيل المدح للصوفية، و أن أول متصوف في الإسلام هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الله أمره بذلك ليسن الطرق الصوفية ابتداء بالخلوة في غار حراء ثم الزهد. (1) جمهرة الأولياء 1/ 266.
عدد الصفحات ٩٢93 وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول المتصوفة فكان ينبغي عليهم أن يقدروا هذا الموقف فيقبلون سنته لا أن يردوها ويعيبون أهل الظاهر كما يسمونهم ممن يخالفهم من أهل الحق حين يقولون لهم: أنتم تأخذون الحديث بسند ميت عن ميت، حدثني فلان وقد مات عن فلان وقد مات، على نحو ما قاله البسطامي ناعيا على علماء الشريعة ومفاخرا لهم حين قال لهم: "أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت؛ ويقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان وأين هو؟ قولوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات". وهذا القول إنما يدل على جهل وبغض للسنة النبوية ولأهلها وللطريقة التي يتداولها أهل الحق في تلقي دينهم من مصدره الفياض. كما أنه من غير الإنصاف أن يقصروا ذلك المسلك عليهم فقط؛ لأنه في استطاعة كل شخص من الناس أن يقول حدثني قلبي عن ربي، وأن يدعي من الزهد والقرب من الله مثل ما يدعون، ثم أنه يلزم على قولهم الأسانيد الثابتة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أصحابها قد ماتوا فيقال لهم: والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه قد مات أيضا . وينبغي على قولهم هذا أن نأخذ بالأحاديث التي يرونها عن قلوبهم عن ربهم مباشرة ، وهذا القول منهم وإن كان يبدوا ساذجا تافها إلا أنه يحمل في طياته أخطارا جسيمة بالنسبة للإسلام وللمسلمين لو تحقق لهم ما يهدفون إليه من التفاف الناس حولهم، والأخذ بمبادئهم وتشريعاتهم وإلهائهم بها عن كتاب الله عز وجل وعن سنة نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم. * * * * * * * * * * * * * *
عدد الصفحات ٩٣94 الفصل الثاني عشر إيضاحات لبعض الآراء الاعتقادية للصوفية 1- عقيدة المتصوفة في الإله ع وجل الله عز وجل هو الواحد الأحد الفرد الصمد، خلق المخلوقات وأوجدها، وأمر الثقلين والجن والأنس بأوامر، ونهاهم عن نواه، من قام بامتثال أمره فيها دخل في طاعته، ومن أبى صار من أعدائه، وهو غني عن الخلق وعبادتهم، و جعل لكلا الفريقين جزاء عادلا إما الثواب وإما العقاب. وقد وصف الله نفسه في كتابه الكريم ووصفه نبيه بالصفات الثابتة له عز وجل فهو رب كل شيء ومالكه، إِّن كالُّ مَن فيِّ السَّمَوَاتِّ وَالأَرْضِّ إِّلاَّ آتيِّ الرَّحمَْنِّ عَبْدا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَ دًّا وَكُلُّهُمْ آتِّيهِّ ياَوْمَ الْقِّيَامَةِّ فاَرْدا(1.) ولقد استقر في أذهان العقلاء مباينة الله لخلقه وقربه منهم بعلمه و إحاطته و أنه متفرد بالأسماء الحسنى والصفات العليا ليس كمثله شيء وه و السميع البصير، و أمرنا عز وجل أن نصفه بما وصف به نفسه في كتابه ال كريم وبما وصفه به نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم غير معطلين ولا محرفين ولا مكيفين، ذاته لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفات خلقه حتى وإن اتفقت التسمية فإنها لا تتفق في الحقيقة وتبقى المباينة بين الحقائق مما لا يخفى إلا على من لم يفهم الحق. هذا هو الاعتقاد الذي أمر الله العباد به فما هو موقف الصوفية منه. إن المتتبع لعقائد زعماء الصوفية يجد أنهم يعتقدون بوجود معبود لا حقيقة له قائمة بذاته، معبود لهم يذكر في الشريعة الإسلامية ولم تدل عليه العقول ولا الفطر السليمة إنه معبود غير رب العالمين تعالى وتقدس. يظهر في صورة الصوفي العابد الذي وصل إلى مرتبة النيابة عن الله قي تصريف أمور هذا الكون والتحكم فيه بحكم نيابته عن الله وعلمه بكل المغيبات ورؤيته لله في كل وقت لارتفاع الإنية بينه وبين الله عز وجل الذي يظهر أحيانا في صورة شاب و أحيانا في صورة الآكل والشارب، وأحي انا في صورة شخص كأنه محجور عليه تعالى بعد أن فوض الكون وما فيه إلى أقطاب الصوفية يتصرفون فيه بما يشاءون، كما تفيد أقوالهم وتبجحهم بذلك. (1) سورة مر 93 :95 .
عدد الصفحات ٩٤95 2 - الحلول لقد أصبح الحلول من لوازم الصوفية الغلاة ومن المبادئ الأساسية عندهم، وكتبهم مملوءة بذلك نثرا ونظما ، وقد اختلف العلماء في تعريف الحلول: فمنهم من قال: هو اتحاد جسمين بحيث تكون الإشارة إ لى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد. ومنهم من قال: هو اختصاص شيء بشيء، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر. واستعمل بعض المتصوفة لفظ الحلول ليشيروا به إلى صلة الرب والعبد واللاهوت والناسوت، بمعنى أن الله تعالى يحل في بعض الأجساد الخاصة، وهو مبدأ نصراني وأول من أعلنه من الصوفية الحسين بن منصور الحلاج، حين عبر عن ذلك في أبياته الشعرية التي يقرر فيها أن الله تعالى حل في كل شيء، وأنه لا فارق بين الخالق وا لمخلوق. أنا مااااااااااااان أهاااااااااااااوى ومااااااااااااان أهاااااااااااااوى أنا نحااااااااااااااااان روحاااااااااااااااااان حللناااااااااااااااااا بااااااااااااااااادنا فااااااااااااااااااااااااااااااإذا أبصاااااااااااااااااااااااااااااارتني أبصاااااااااااااااااااااااااااااارته وإذا أبصااااااااااااااااااااااااااااااااارته أبصااااااااااااااااااااااااااااااااارتني (1) والقائلون بالحلول منهم من قصر الحلول وخصه ببعض الناس، كقول النصارى بالحلول عيسى عليه السلام، وكقول بعض غلاة الشيعة كالخطابية الذين اع تقدوا أن الله حل في جعفر الصادق، والسبئية الذين قالوا بحلول الله في علي ، ومثله قول النصيرية فيه، وقول الدروز بحلوله عز وجل في شخص الحاكم. وفريق آخر قال بالحلول العام، وأن الله حال في كل شيء، و أنه في كل مكان، وهؤلاء تأثروا بالفلسفة الطبيعية عند اليونان – وهم الجهمية ومن قال بقولهم. ويمثل الحلول العام البسطامي في قوله: "رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زينني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعني إلى أحديتك حتى إذا (1) عوارف المعارف ص 353.
عدد الصفحات ٩٥96 رآني خلقك قالوا رأيناك، فتكون أنت ذلك ولا أكون أنا هناك كَبرَُتْ كَ لمَةَ تخَْرُجُ مِّنْ أَفاْوَاهِّهِّمْ إِّن ياَقُولُن إِّلاَ كَذِّبا (1.) وهذا الطلب الغريب العجيب يريد به أبو يزيد البسطامي كما تقدم أن يحتال على الله عز وجل ليصبغ عليه الوحدانية ويرفع ما بينه وبين البسطامي من الإنية بحيث إذا قال الله ع ز وجل "أنا" وقال البسطامي "أنا" انعدم الفرق بينهما، وحينئذ يمثل البسطامي الله عز وجل تمام المماثلة، فإذا شوهد البسطامي شوهد عند ذلك الخلاق العظيم – سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وليس هذا فقط، بل أحيانا يختلط الحابل بالنابل فيحصل بين الرب والعبد مد وجزر حسب ما يتصور ه ابن عربي في قوله: ففااااااااااااااااااي حااااااااااااااااااال أقربااااااااااااااااااه وفي الأحياااااااان أجحااااااااده فيعااااااااااااااااااااااااااااارفني وأنكاااااااااااااااااااااااااااااره وأعرفاااااااااااااااااااااه فأشاااااااااااااااااااااهده فاااااااااااااااااااااااااااإني بالغاااااااااااااااااااااااااااني وأنا أساااااااااااااااااااعده وأسااااااااااااااااااعده فيحمااااااااااااااااااااااادني وأحماااااااااااااااااااااااده ويعباااااااااااااادني واعبااااااااااااااده(2) ولعله بعد هذه المراوغة استقر الأمر على أن الله هو نفسه كل موجود على ظهر الأرض؛ فهو العاشق والمعشوق، والرجل والمرأة، فالأجسام صور عنه، وذلك في قوله: فمااااااااااااااان ليلاااااااااااااااى ومااااااااااااااان لبااااااااااااااانى وماااااااااااان هنااااااااااااد وماااااااااااان بثينااااااااااااه وماااااااااااااان قاااااااااااااايس وماااااااااااااان بشااااااااااااااار أليساااااااااااااااوا كلهااااااااااااااام عينااااااااااااااااه (3) وفي قوله أيضا فعاااااااااااين الخلاااااااااااق عاااااااااااين الحاااااااااااق فياااااااااااه فاااااااالا تنكاااااااار فااااااااإن الكااااااااون عينااااااااه فااااااااااااااااااااااإن فرقاااااااااااااااااااااات فالعرفااااااااااااااااااااااان باد وإن لم فاااااااااااااعتبر فااااااااااااالبين بينااااااااااااه(4) (1) سورة الكهف 5 . (2) الفتوحات المكية 3/ 498. (3) المصدر السابق521. (4) الفتوحات المكية
عدد الصفحات ٩٦