17 وقد شبههم المنوفي في كتابه جمهرة الأولياء بأهل الكهف في فتوتهم وحالهم، ح قال في التعريف بهم: "الملامة نعت لإبدال أهل الفتوة، واسم الملامية أو الملامتية أطلق علي قوم يلومون أنفسهم مع حسن أحوالهم ونموها"، وقد استفاض المنوفي في الأمثلة للملامتية وحشر كثيرا من الناس أمثلة للفتوة(2). وقد قسم شيخ الإسلام الملامية إلي قسم ملامية يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك، وهؤلاء هم أهل الملام المحمود. وملامية يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصرون عل ى الملام في ذلك والصبر عليه، وهؤلاء هم أهل الملام المذموم. قال: "وبهذا يحصل الفرق بين الملامية الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك، وبين الملامية الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبر ون على الملام في ذلك"(3) . وأشار العلامة ابن الجوزي – رحمه الله – إلى مسلك من مسالك هؤلاء الملامية، وهو: ارتكاب المعاصى بحجة عدم لفت الأنظار إلى صلاحهم – كما يتصورون – فقال "وفى الصوفية قوم يسمون الملامتية اقتحموا الذنوب وقالوا: مقصودنا أن نسقط عن أعين الناس فنسلم من الجاه"، ثم قال معلقا على هذا الزعم الباطل: "وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع" (4). * * ** * * * * * * * * * * (1) الفتوحات المكية 3/40. (2) جمهرة الأولياء 1/122 – 130. (3) مجموعة فتاوى شيخ الإسلام 1/16. (4) تلبيس إبليس ص363.
عدد الصفحات ١٧18 الفصل الخامس متى ظهر المذهب الصوفي لقد تضاربت أقوال العلماء وتعددت مفاهيمهم حول الوقت الذي ظهرت فيه الصوفية، وكل أدلي بدلوه حسبما ترجح لديه، والواقع أنه لا يعرف بالتحديد الدقيق متى بدأ التصوف في المسلمين ولا من هو أول متصوف، وقد تقدم ذكر السبب في عدم اتفاق العلماء على تاريخ ظهور أي فرقة من الفرق بالتحديد الدقيق السالم من الاختلاف. ونظرا لكثرة تلك التحديدات لظهور الصوفية، وما تتطلبه من دراسة قد تأخذ حجما كبيرا فقد رأيت أن أذكر الأقوال في بدء نشأتهم سردا مجردا عن الدراسة التفصيلية، فقد لا يتعلق بها غرض كبير بقدر ما يتعلق الغرض بذكر آرائهم وإبطال الخاطيء منها، وبيان بُعد بعضها عن الدين الإسلامي الحنيف، والتحذير من الاغتر ار بها وعدم الركون إلى زخرف القول فيها، لأنها من وحي الشياطين إلي أوليائهم، وفيما يلي ذكر تلك التحديدات من أقوال العلماء: 1- أن هذه التسمية عرفت قبل الإسلام مرادا بها أصحاب الفضل والشرف 2- أن المذهب الصوفي ظهر150 ها 3- أن المذهب الصوفي ظهر189ها 4- أن المذهب الصوفي ظهر بعد المائتين من الهجرة. 5- أن المذهب الصوظهر قبل المائتين من الهجرة. 6- أن المذهب الصوفي ظهر بعد القرون الثلاثة الأولي أي في القرن الرابع الهجري 7- أنه اشتد بعد النصف الثاني من القرن الثامن والتاسع والعاشر حين ظهرت آلاف الطرق الصوفية. 8- أن التصوف كان معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الهجويري من علماء الصوفية، وهذا من أبطل الأقوال(1). (1) انظر : كش ف المحجوب للهجويري ص 772، التصوف الإسلامي وتار يخه تأليف نيكلسون ترجمة (أبو العلا العفيف ي) ص3، دائرة المعارف الإسلامية 5/266، اللمع للطوسي ص42، الرسالة القشيرية 1/3، عوارف المعارف للسهروردي ص 63، الصوفية والفقراء ص 5، وانظر : الفكر الإسلامي ص33-36 عبد الر حمن عبد الخالق، التصوف المنشأ والمصادر ص40-48 الفصل الرابع للشيخ إحسان إلهي، الصوفية معتقدا ومسلكا ص53 بعنوان "حول التصوف التاريخ الإسلامي" د.صابر طعيمة.
عدد الصفحات ١٨19 والذي يظهر لي من بين هذه الاختلافات أن التصوف ظهر بعد الإسلام في شكل زهد ورغبة في الدار الآخرة، وكبح جماح النفس في حب الدنيا مهما أمكن، ثم صارت الأ مور على هذا المفهوم، ثم لحقه ما يلحق غيره من سائر المبادئ والأفكار من حب التطوير وإدخال شتى المفاهيم بقصد تهذيب الفكرة وتقديمها في شكل متكامل، بغض النظر عن مطابقتها للحق أو مجانبتها له. على أن أقطاب التصوف وهم يبنون هذا المسلك لم يو فقوا إلى الاب تعاد عن شتى التيارات والأفكار المخالفة للإسلام والتأثر بها، وظهورها واضحة جلية في معتقداتهم وسائر سلوكهم، علي المستوى الفردي أو الجماعي، بعد أن تنوع الأساس الذي قام عليه المذهب في أوله. وعلي كل ما ورد من الأقوال، فإن العلماء متظافرون على أن التصوف ليس له و جود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم علي الصحيح من أقوالهم؛ إذ من المحال أن يتشرف أحد من الصحابة بالانتساب إلي غير صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذه التسمية حدثت بعد ذلك حين لبس إبليس على أولئك القوم وصاروا أحزابا كل حزب بما لديهم فرحون. ومن هنا يذكر السهروردي ظهور الصوفية بقوله: "وهذا الاسم لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان في زمن التابعين … وقيل: لم يعرف هذا الاسم إلي المائتين من الهجرة العربية؛ لأن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمون ا لرجل صحابيا لشرف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم(1). ويقول المنوفي: "ولم تطلق كلمة صوفية علي جماعة بعينها إلا في القرن الثاني للهجرة (2.) ولكن يذكر شيخ الإسلام – رحمة الله - تحديد بدء التكلم به بقوله: "أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك"(3.) (1) عوارف المعارف ص 48 . (2) جمهرة ا ولياء 1/269. (3) مجموع الفتاو ى 11/5 .
عدد الصفحات ١٩20 وكذلك يذكر أيضا أن التصوف أول ما أشتهر كان في البصرة، حتى قيل: فقه كوفي وعبادة بصرية، وأن الصوفية أول ما ظهرت من البصرة؛ لأن بعض هؤلاء كان إذا سمع القرآن يصعق وبعضهم يخر ميتا كما حدث ذلك لغير الصوفية أيضا ، وقد حدث أن قاضي البصرة زرارة بن أوفى قرأ في صلاة الفجر: فإذا نقر في الناقور(1)،فخر ميتا . وقد أنكر الموجود من الصحابة في ذلك الوقت هذا السلوك ومقتوه أشد المقت، قال ابن تيمية: "و لم يكن في الصحابة من هذا حاله"(2.) وقد تقدم في حديث العرباض بن سارية وصف حال الصحاب ة حين سماعهم للقرآن الكريم ولخطب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أعرف الناس بالحق وأخشعهم لله، وأبعدهم عن مفتريات الصوفية وشركياتهم. ولقد بين علماء السلف كل ذلك أكمل بيان، ولا زال علماء الحق أيضا يجاهدون التصوف بأفكارهم وأقلامهم وإبطال الفكر الصوفي الباطني المتمثل في تقديس القبور والمزارات والأولياء، ودعوى علم الغيب وختم الولاية … إلي آخر أفكار الصوفية المنحرف منها. وكان لهؤلاء العلماء من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله – في القرن الثامن، وتلاميذه: ابن القيم، وابن كثير، والحافظ الذهبي، والحافظ المزي، وغيرهم من العلماء، وممن جاء بعدهم كالشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر - كان لعلماء الحق – من هؤلاء رحمهم الله وغيرهم – الباع الطويل في كسر شوكة التصوف وبيان انحراف المتصوفة عن الحق، وتخديرهم لأفكار المسلمين، وإذلال مشائخ التصوف لهم إلي حد العبودية، كما سيتضح ذلك من خلال هذه الدراسة للصوفية. * * * * * * * * * * * * * * (1) سورة المدثر 8 . (2) انظر : الصوفية والفقراء ص 15-16.
عدد الصفحات ٢٠21 الفصل السادس حقيقة التصوف لقد مضي زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يعرف عنهم أي سلوك يتميزون به غير اتباع الكتاب والسنة والتشرف بنسبته م إلي ذلك، غير ملتفتين إلي التنطع في سلوكهم أو ترعين طرائق ورهبانية مبتدعة. إلي أن أحدث أناس في الدين بدعة التصوف منحرفين عن المنهج السليم، وراحوا يتخبطون في دوائر وهمية وفرق عديدة وأحزاب متناحرة كل حزب بما لديهم فرحون. وقد أخذ كل فريق من هؤلاء يعبر عن ا لتصوف حسب ما يراه، ويطول سرد تلك المفاهيم والتعبيرات والأقوال التي صدرت عن أقطاب هؤلاء؛ كالجريري، والجنيد، وعمرو بن عثمان المكي، ومحمد بن علي القصاب، ومعروف الكرخي، والسهروردي، والشبلي، والشاذلي، والتجاني، والبسطامي، وابن عربي، وابن الفارض وغيرهم. ولهذا فإن العلماء لم يتفقوا علي بيان محدد لمفهوم التصوف عند الصوفيين؛ ذلك لإطلاق هؤلاء الصوفية عبارات شتى حسب ذوق كل فريق، وتخيلاته لمفهوم التصوف، إلا أن الحصيلة العامة لأقوالهم تلتقي حول أن التصوف هو: القرب من الله، وترك الاكتساب، والتمسك بالخلق الرفيع، والجود، و رفع التكاليف عن بعض فضلائهم حين يتصلون بالله عز وجل علي حد زعمهم، ويصلون إلي درجة اليقين وظهور المكاشفات، ثم هم بعد ذلك درجات في تطبيق هذا المفهوم. ولقد ذكر القشيري في "رسالته" عددا من الآراء الصوفية في مفهوم التصوف والصوفي، حيث قال: "وتكلم الناس في التصو ف ما معناه، وفي الصوفي من هو؟ فكل عبر بما وقع له، واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود من الإيجاز، وسنذكر هنا بعض مقالاتهم فيه علي حد التلويح". وإذا كان القشيري قد اعتذر عن إيراد كل ذلك لكثرته مكتفيا بذكر بعض مقالاتهم، فإنني أنا كذلك أعتذر عن إيراد كل ما ذكره القشيري لكثرته أيضا ، وأذكر من ذلك ما نقله عن الجنيد أنه قال: "إذا رأيت الصوفي يعني لظاهر ه فاعلم أن باطنه خراب".
عدد الصفحات ٢١22 وقال القشيري "سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سئل ابن الجلاء: ما معني قولهم صوفي؟ فقال: ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف أن من كان فقيرا مجردا من الأسباب وكان مع الله تعالي بلا مكان، ولا يمنعه الحق سبحانه عن علم كل مكان، يسمى صوفيا ". ونقل عن أبي يعقوب المزابلي أنه قال: "التصوف حال تضمحل فيها معالم الإنسانية". وقال القشيري أيضا : "سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: أحسن ما قيل في هذا الباب قول من قال: هذا طريق لا يصلح إلا لأقوام قد كنس الله بأرواحهم المزابل (1)؛ ولهذا قال رحمة الله يوما : "لو لم يكن للفقير إلا روح فعرضها علي كلاب هذا الباب لم ينظر كلب إليها". وعن الأستاذ أبي سهل الصعلوكي أنه قال: " التصوف الإعر اض عن الاعتراض". قال القشيري: "ويقال: الصوفي المصطلم عنه(2)، بما لاح له من الحق(3). وهناك أقوال أخري ذكرها القشيري كلها تدور حول مدح التصوف وبيان تعلقات الصوفية ومفاهيمهم حول المولي جل وعلا، وحول هذا الكون وواجبات الصوفي واهتماماته الدنيوية والأخروية، صيغ ت بزخرف من القول وإيغال في الخيال في بعضها، وحكم جيدة في البعض الآخر. وأما السهروردي فقد أورد بابا خاصا في كتابه عوارف المعارف قال فيه: "الباب الخامس في ماهية التصوف"، وقد أكد في هذا الباب علي أن أساس التصوف هو الفقر، حيث قال: "فالفقر كائن في ماهية التصوف وهو أساسه وبه قوامه"، ونقل أقوالا كثيرة عن صفة هذا الفقر الصوفي، منها: ما قاله الشبلي حين سئل عن حقيقة الفقر فقال: "ألا يستغني بشيء دون الحق". (1) هكذا العبارة: أي لا قيمة لهم في نظر الناس. (2) أي المستغرق عن نفسه (3) الرسالة القشيرية ص 2/55-57 .
عدد الصفحات ٢٢23 ونقل عن مظفر القرميسني أنه قال: "الفقير الذي لا يكون له إلي الله حاجة (1)؟ وقال السهروردي: "وقيل: التصوف ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع" إلي آخر ما ذكر مما قدمناه ذكره عن القشيري، وقد أضاف أوصافا أخري لا ضرورة لذكرها (2). وأما حقيقة التصوف وأصله عند غير الصوفية فقد اختلفت وجهة نظر العلماء في الحكم عليه وأهم ما قيل في ذلك: أن التصوف علي الإطلاق أساسه الإسلام و أن أصوله العقدية وسلوكهم فيه مستمدة من نصوص الكتاب والسنة، وما أدي إليه الاجتهاد في فهمها. وهذا القول قريب من وجهة نظر الصوفية ومفهومهم فيه رغم اعتراف بعضهم بتأثر التصوف ببعض التيارات الفكرية الخارجية عن الإسلام. أن التصوف علي الاطلاق ليس إسلامي النشأة، وإنما وفد علي البيئة الإسلامية مع ما وفد من عادات وتقاليد الأجناس الأخرى بعدما امتزجت واختلطت عقب الفتح الإسلامي (3). وعلى هذا الرأ ي بعض الملاحظات، فقد ينطبق هذا الرأ ي علي ذلك النوع من التصوف، الذي قام على أساس من الغلو والانحراف الذي جاء به أصحاب و حدة الوجود والحلول والاتحاد، مع تظاهرهم بالانتساب إلى الإسلام وتقديسهم لنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولعل سبب هذا القول إنما يعود إلي الواقع الذي اشتمل عليه مفهوم التصوف. وقد يبدوا للناظر أنه يوجد لكل من القولين السابقين ما يبررهما في العقائد الصوف ية، وأهل هذا القول يرجعون نشأة التصوف إلي أنه فارسي أو هندي أو يوناني أو مسيحي أو أنه مزيج من هذا كله، وعلي رأس هذا الفريق كثير من المستشرقين ومن غيرهم أيضا . (1) أي لانشغاله بطاعة الله عن طلبه له حسب التفسير الصو (2) انظر: عوارف المعارف ص 40-44. (3) انظر لمزيد التفصيل : الصوفية معتقدا ومسلكا ص47 – 48.
عدد الصفحات ٢٣24 ومما نكتفي بالإشارة إليه ه نا بغض النظر عن ترجيح نشأة التصوف وحقيقته أن الطريقة الصوفية قد تأثرت ك ثيرا بالآراء والأفكار المخالفة للإسلام، حيث تظهر فيها تلك الأفكار واضحة جلية في جوانب كثيرة في الاعتقاد والسلوك، خصوصا الأفكار الهندية والفارسية واليونانية والمسيحية، كما سيتضح ذلك من دراستنا لهذه الطائفة، بعد أن كان التصوف في بدء أمره عند بعض المسلمين عبارة عن الزهد عن الدنيا والرغبة في الآخرة، وقتل هوى النفس والاتجاه إلي الله، ولبس الصوف لتعويد النفس علي التحمل والمكابدة، إلي أن أخذ يتطور في الانحدار والبعد عن حقيقة الإسلام في كثير من الأمور التي طرقها التصوف؛ فأصبح مذموما نفر عنه أهل الحق لخلط المتصوفة بين الزهد والتصوف المغالي. إذ الزهد المشروع لم يذمه أحد، وتوجه الذم إلي التصوف رغم تظاهر المتصوفة بالزهد، حتى صار أطيب الطعام عندهم ما كان عن ذل السؤال وحمل الزنبيل والتسول والانزواء في أماكن عبادتهم، وانتظار ما يجود به الناس عليهم، ويظنون أنهم يحققون بذلك التوكل الذي يريده الله، وهم في الحقيقة إنما يحققون التواكل والكسل البغيض عن طلب الرزق وإعزاز النفس، إضافة إلي الابتعاد عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وما يهدف إليه، من إيجاد اليقين بعزة النفس وكرماتها في الدنيا والآخرة. ومهما قيل عن حقيقة التصوف فإننا سندرس أهم الآراء الصوفية بتفصيل يتضح به الحكم علي الصوفية بصورة جلية من واقع كلامهم وسلوكهم إن شاء الله تعالى. * * * * * * * * * * * * * *
عدد الصفحات ٢٤25 الفصل السابع أقسام المتصوفة وذكر طرقهم واختيار الطريقة التجانية نموذجا ودراستها شاملة من واقع كتبهم الصوفيون طوائف عديدة وأهواء متباينة، شأن كل أصحاب البدع حين يتركون المنهج الذي شرعه الله لعباده. ولقد اختلف العلماء في عدهم لأقسام وطرق التصوف اختلافا واسعا ؛ إذ تجد بعضهم يعدهم قسمين، وبعضهم يعدهم ثلاثة أقسام، وبعضهم يوصلهم إلى ستة أقسام. وهذا الاختلاف سببه تنوع مصادر الصوفية وتنوع أفكارهم، فبعض الصوفية تابعون للمذهب الإشراقى، الذي يدعي أن المعرفة والعلم تقذف في النفس بسبب طول المجاهدة الروحية، إذ يحصل لها بذلك فيض وإشراق إلهي، ومذهبهم أشبه ما يكون بالمذهب البوذي في رياضة النفس وحملها على المكاره. هذا قسم من الصوفية. و قسم آخر بعض العلماء يعبر عنهم بصوفية الحقائق، وهم من صفوا من الكدر وامتلئوا من الفكر كما يدعون، على طريقة الفلسفة الهندية. وقسم آخر من الصوفية قائلون بالحلول؛ أي دعوى أن الله – تعالى عن قولهم – حل في لوقاته و أن أرواحهم لاهوتية وأجسامهم ناسوتية. ومن أكابر أهل هذا المذهب الرديء الحلاج، حين قال في تفسير هذا الحلول: ساااااااااااااااااااابحان ماااااااااااااااااااان أظهاااااااااااااااااااار ناسااااااااااااااااااااوته ثم باااااااااااااااااااااااااااااااادأ في خلقااااااااااااااااااااااااااااااااه ظاااااااااااااااااااااااااااااااااهرا حاااااااااااااااااااااااااتى لقاااااااااااااااااااااااااد عايناااااااااااااااااااااااااه خلقاااااااااااااااااااااااااه سااااااااااااااااااااااار سااااااااااااااااااااااانا لاهوتاااااااااااااااااااااااه الثاقاااااااااااااااااااااااب في صااااااااااااااااااااااااااورة الآكاااااااااااااااااااااااااال والشااااااااااااااااااااااااااارب كلحظاااااااااااااااااااااااة الحاجاااااااااااااااااااااااب بالحاجاااااااااااااااااااااااب وصوفية وحدة الوجود هم القائلون بأن الموجودات كلها تمثل البار ي عز وجل، وفى أولهم ابن عربي وهو من المؤسسين لمذهب وحدة الوجود، يقول في تقرير ذلك في كتابه الفتوحات المكية: العبااااااااااااااااااااااااااااااااد رب والاااااااااااااااااااااااااااااااارب عبااااااااااااااااااااااااااااااااد يا لياااااااااااااااااات شااااااااااااااااااعري ماااااااااااااااااان المكلااااااااااااااااااف
عدد الصفحات ٢٥26 إن قلااااااااااااااااااااااااااااات عباااااااااااااااااااااااااااااد فاااااااااااااااااااااااااااااذاك رب أو قلااااااااااااااااااااااااااات رب فاااااااااااااااااااااااااااأ يكلاااااااااااااااااااااااااااف وقد قسم شيخ الإسلام الصوفية إلى ثلاثة أقسام هم: 1- صوفية الحقائق 2- صوفية الأرزاق 3-صوفية الرسم وقال عن القسم الأول: "فأما صوفية الحقائق فهم الذين وصفناهم". ولعله يقصد بذلك ما قدم من ذكر خلاف الناس في الحكم على الصوفية والتصوف حيث قال: "ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم، فطائف ة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنة … "، قال:وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء ". ثم قال في بيان حكمه عليهم بعد ذكر هذا الخلاف: "وكلا طرفي قصد الأ مور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله تعالى كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله.." إلى آخر ما ذكره عنهم. ولعل هذا الحكم منه إنما ينطبق على التصوف في بدء أمره حينما كان بمعنى الزهد والاجتهاد في العبادة. ثم قال عن القسم الثاني منهم: "وأما صوفية الأرزاق فهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانك، فلا يشترط في هؤلاء أن يكو نوا من أهل الحقائق فإن هذا عزيز، وأكبر أهل الحقائق لا يتصدون بلوازم الخوانك ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط" ثم ذكرها ، وهي: وجود العدالة الشرعية فيهم ، والتأدب بآداب الشرع ، وألا يكون متمسكا بفضول الدنيا. ثم قال عن القسم الثالث منهم: "وأما صوفية الرسم فه مهم المقتصرون على النسبة، فهمُّم في اللباس والآداب الوصفية ونحو ذلك"(1)، أي أنهم يتشبهون بالصوفية في الظاهر ويعرفون أقوالهم، ولكنهم خارجون عن طريقهم همهم جمع الأموال والاحتيال على الجهال بأمرهم. (1) الصوفيةوالفقراء ص 33.
عدد الصفحات ٢٦27 وهذا التقسيم واضح جلي، إلا أنه ليس فيه توضيح وبيان لمدى ما وصلت إل يه العقيدة الصوفية فيما بعد، ومدى تأثرها بالينابيع والمصادر الخارجة عن الإسلام. لقد أصبح من الصعب جدا تمييز طوائف التصوف أو الحكم عليهم بحكم واحد شامل لجميع فرقهم وعقائدهم المتشعبة؛ إذ لا يمكن معرفة كل قسم من أقسام التصوف قائما بنفسه متميزا عن غيره إلا من خلال "الطرق" الكثيرة، والتي هي تعبير عن التزام مجموعة من الأتباع أو المريدين بشيخ يجعلونه قدوتهم، وينفذون ما يوجبه عليهم من أذكار وسلوك، وقد تتفق طريقته مع بعض الطرق وقد تختلف عنها، والطرق الصوفية لم تقف عند حد أو مفهوم، فه ي دائما في ازدياد وتجدد؛ إذ كل من ابتدع طريقا ، وجد له أتباعا يتسمون باسمه أو باسم طريقته. وقد ذكر الشيخ أبو علي حسن بن علي العجمي الحنفي طرق الصوفية، فعد منها أربعين طريقا في رسالة له، وقد لخصها الشيخ أبو سالم العياشي في رحلته، وقد أوصلها غيرهم إلى أكثر من ذلك. "والحق أن الطرق الصوف ية كثيرة جدا بحيث يصعب حصرها؛ إذ كل من عن له أن يبتدع طريقا فعل، وسماها باسمه واسم قبيلته أو عشيرته، وهذا مشاهد بكثرة في أفريقيا؛ إذ بين فترة وأخرى تخرج طريقة جديدة تحمل اسما جديدا ولها أوضاع معينة وأوراد مقررة"(1). وذكر الدكتور صابر طعيمة ما مجموعة 66 طريقة وقال "وأما الطرق الصوفية الحديثة فمن العسير تسجيل أسماء معظمها في كتاب، ويكفى أنه في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجر ي قد بلغ عدد الطرق الصوفية في بلد واحد أكثر من مائة طريق" (2). ثم أخذ بعد منها52 طريقة نقلا عن المنوفي في كتابه جمهرة اولياء، الذي ذكر فيه قسما كبيرا من طرقهم تحت عنوان "هذا بيان بشيوخ الطرق الصوفية في عصرنا"(3). (1) انظر : التجانية ص28، وقد ذكر من طرق الصوفية أربعا وثلاثين طريقة (2) الصوفية معتقدا ومسلكا ص41-43. (3) أنظر : جمهرة ا ولياء 1/275 – 277، صدر ذكر تلك الطرق بقوله :"وهذا بيان بشيوخ الطرق الصوفية في عصر
عدد الصفحات ٢٧28 وكل الطرق الصوفية ناتجة عن الهوى ونابعة منه ومبنية على الرغبة في الزعامة والعلو في الأرض واستعباد الناس، وصار زعماء الصوفية في مجموعهم يحرصون حرصا شديدا على هذه الزعامة الروحية، ووصل بهم الحرص عليها أن جعلوها وراثية وكأنها جزء من المال الذي يخلفه الميت على حد ما أورده محمود أبو الفيض المنوفي الحسيني، فإنه قال بعد سرده الطويل لطرق الصوفية وأسماء مشائخها قال بعدها: "وكل هذه الطرق تنسب كل واحدة لولي من الأولياء رض ي الله عنهم، وقد يرثها حفيد أو سبط لولي من أولئك الأولياء فيكرمه الله سبحانه وتعالى بكرامة آبائه وأجداده الصالحين، فإن سار على دربهم أكرمه الله مثل ما أكرمهم، وإن فرط أو قصر أكرمه الله لأجلهم" (1). وهذا جهل شنيع وكذب من أشد أنواع الكذب، فإن هذه المحاباه التي ا فترضوها على الله تعالى إنما هي من جنس الهوس والأماني الباطلة والقرآن مملوء بالرد على مثل هذه الافتراءات، والسنة كذلك ترد مثل هذه الأفكار الجاهلية، فالقرآن يصرح بأن كُلُّ امْرِّئٍ بمَِّا كَسَبَ رَهِّينِّن (2)، وأن كل نفس لهََا ما كَسَبَتْ وعَلَياْهَا مَا اكْ تَسَبَتْ (3). وأن صلاح الآباء– إن كانوا صالحين بحق – لا يغني عن الأبناء إن لم يكونوا كذلك. وقد صرح الرسول صلى الله عليه وسلم لقرابته أنه لا يملك لهم من الله شيئا ، وأن عليهم ألا يتكلوا على الأنساب، بل عليهم أن يحذروا الله عز وجل وأن يتقربوا إليه بالأعمال الصالحة؛ إذ لو كانت الأنساب تغني لما هلك والد إبراهيم وابن نوح على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وهذا رد صريح على ما يزعمه الصوفيون من التقرب إلى الله بولاية القطب الفلاني أو الغوث الفلاني، وأن الله يفيض حتى على العصاة منهم إكراما لآبائهم، وإن الذي جرأهم على هذا هو قلة خوفهم من الله تعالى، واستحلالهم الكذب في سبيل مدح أوليائهم بالحق وبالباطل. وقد قال عبد الرحمن عبد الخالق في بيان تاريخ نشأة الطرق الصوفية ونظامها الوراثى: "وقد قيل: إن أول صوفى وضع نظام الصوفية هو الصوفي الإيراني محمد أحمد المهيمي المتوفي سن ة (1) جمهرة ا ولياء وأعلام أهل التصوف 2/277. (2) سورة الطور 21. (3) سورة البقرة 286
عدد الصفحات ٢٨29 430ها، والمعروف باسم أبى سعيد، فقد أقام في بلدته نظاما للدراويش، وأقام بناء للصوفية بجوار منزله، وسن نظام تسلسل الطرق عن طريق الوراثة، وبين كثيرا من أمور التربية الصوفية؛ بل هو من أوائل من كتب في طريقه التربية الصوفية، وهو أكبر من عبد الكريم القشيري ص احب الرسالة القشيرية"(1). ومن طرق الصوفية الكثيرة الطريقة التجانية: وسندرسها بالتفصيل كمثال للطرق الصوفية التي تعتم واجهة الإسلام المشرقة ل دى كثير من جهلاء المسلمين الذين جرفهم تيار التجانية وأذلتهم واستعبدتهم وأوصلتهم إلى مآس يندى لها الجبين. ولقد وقفت بنفسى على بعض ما يتعبد به التجانيون من طاعة مشائخهم، وإحياء خرافاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان وشدة تعصبهم لها، ونفورهم عن كل من يريد أن يسد ي لهم النصيحة خروجا عن كتمان الحق. وهذه الطريقة التي لها الأمر والنهى في أقطار كثيرة من بلاد أفريقيا بخصوصها، و هى نسبة إلى شخص يسمى أحمد بن محمد بن تار التجاني. ولد سنة 1150ها، بقر ية عين ماضى، وينسب إلى بلدة تسمى "بني تجين" من قرى البربر، ولم يترك فضلا مزعوما ادعاه شيخ صوفي لنفسه إلا وادعاه هو لنفسه وزاد عليه (2)،ولقد ادعى أمورا كثيرة يطول الحديث لو بسطت، وإا نشير إليها إجمالا فيما يأتي: 1- ادعىأنه خاتم الأولياء جميعا وهى دعوى كاذبة مبنية على فهم خاطئ وقياس باطل، فزعم أن الولاية لها ختم كختم النبوة ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأ نبياء، والتيجاني خاتم الأولياء فلا ولي بعده. 2- أنه الغوث اكبر في حياته وبعد مماته وقد جعل نفسه بهذه الدعوى وثنا يعبد من دون الله. (1)الفكر الصو في ضوء الكتاب والسنة ص349. (2) انظر الفكر الصوفي ص351.
عدد الصفحات ٢٩30 3- أن أرواح الأولياء منذ آدم إلى وقت ظهوره، لا يأتيها الفتح والعلم الرباني إلا بواسطته هو، وهذا نهاية الحمق والقول على الله بغير علم، والاستهانة بعقول الناس وخداعهم. 4- زعم متطاولا أن قدمه على رقبة كل ولي لله تعالى منذ أن خلق آدم إلى النفخ في الصور، وربما يجازى بهذا الكبر أن يحشر في صورة الذرة كما هو جزاء المتكبرين. 5- أنه هو أول من يدخل الجنة هو وأصحابه و أتباعهم، وصدق عليهم قول الله: تِّلْكَ أمَ انِّي ِّهُمْ (1). 6- أن الله شفعة في جميع الناس الذين يعيشون في قرنه الذي عاش فيه. 7- أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه ذكرا يسمى "صلاة الفاتح" يفضل كل ذكر قرئ في الأرض ستين ألف مرة بما في ذلك القرآن الكريم، والذكر المزعوم هنا – صلاة الفاتح – ذكر مبتدع سيئ التركيب ركيك العبارة، وهو لا يعدو ثلاثة أسط ر وهو: "اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، الهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله، حق قدره ومقداره العظيم". هذا هو الذكر الهائل عنده الذي ألهمه الله حسب زعمه، أو عل مَه، به النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما ثم فضله على كل ذكر. ولقد رأيت أتباعه وهم يجلسون في يوم الجمعة – من بعد صلاة العصر إلى المغرب – وهم يرددون هذا الكلام بصوت جماعي ومرتفع جدا يسمع من مكان بعيد، ثم ينصرفون وهم لا يشكون في أنهم من أعظم الخلق عبادة وأجرا عند الله، واستبدلوا الذي هو أد بالذي هو خير. فما الجديد في هذا الذكر؟، وما معنى تلك الكلمات الجوفاء وذلك التركيب المفكك؟. الواقع أنه ليس فيها ما يستحق ذلك الأجر العظيم الذي لا يعده الحاسبون، حسب ما قدروه لصلاة الفاتح، ومع ذلك فهو يزعم أنه تلقاه عن الله وعن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. والقرآن الكريم مملوء بالأدعية الشرعية النافعة الفاضلة، وكتب الحديث مملوءة بالأذكار النبوية الصحيحة (1) سورة البقرة 111.
عدد الصفحات ٣٠31 التي يؤجر صاحبها على قولها، وتجاب دعوته إذا اشتملت على أنواع التوحيد، بأحسن الألفاظ و أشمل المعاني ممن أوتى جوامع الكلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ثم لم يقف التجاني عند هذا الحد في غلوه في تقدير نفسه وفى تقدير ما جاء به من خرافات وأذكار في صلاة الفاتح المزعومة أنها من الله تعالى، وأن لها ذلك الفضل الذي لا يصفه الواصفون وفى غيرها من الأذكار الأخرى، بل زعم أيضا أن أتباعه لا تكتب عليهم سيئات ما عملوا، بل يدخلون الجنة مهما عصوا وبغير حساب ولا عقاب، ولو عملوا من الذنوب ما عملوا، بضمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم له كما زعم لنفسه. وهذا الهوس هو من جنس هوس اليهود، الذين زعموا أن الله لا يعذبهم إلا أياما معدودة إن عذبهم؛ لأنهم شعب الله المختار، كما يعتقدون ويت شدقون بالتمدح بذلك في التلمود وقي غيره من كتبهم المقدسة عندهم. ثم يدعي التجانيون كرامات لم يقل بها حتى أفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها: أن من رأى التجاني يومي الاثنين والجمعة، فإنه يكون من أهل الجنة إكراما للتجاني، حتى وإن كان الرائي كافرا ؛ لأنه لا يتمكن من رؤية التجاني في هذين اليومين إلا من سبقت له السعادة في علم الله تعالى، كما قرره علي حرازم والفوتى. وهذه الدعوى لهذا الضال من غرائب الأمور، ولو كانت له ولأتباعه أفهام لعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أفضل البشر لم يقل ذلك وأنه كان يراه المؤمن والكافر في كل أيامه ويبقى المؤمن مؤمنا والكافر كافرا إلى أن يؤمن، ولم يقل صلى الله عليه وسلم بما قاله التجاني المذكور. ومن خرافات التجاني زعمه أنه يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في كل وقت يشاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يجالسهم ويحضر سمرهم ولهو هم، ويلقي عليهم أذكارهم وأدعيتهم الشركية والخرافية حسب ما يفترون. ولقد صرف التجانيون الناس عن الهدى والطريق الصحيح، وملئوا أذهانهم بشركيات وخرافات لا تمت إلى الدين الإسلامي بأي علاقة، وجنوا على عقائد المسلمين بما ألقوه في قلوبهم من الرجوع إلى الوثنية والخر افات الجاهلية والتعلق بغير الله تعالى، وصرف أنظارهم عن واقعهم المتر دي من حيث لا يشعر هؤلاء الأتباع.
عدد الصفحات ٣١32 ولقد انتشرت هذه الطريقة الضالة في شمال ووسط وغرب أفريقيا، وضمت تحت لوائها ملاي كثيرة من أبناء المسلمين، الذين أصبحوا لاهم لأحدهم إلا أن يأخذ بطريقة شيخه، ليضمن دخول الجنة بغض النظر عن العمل وصحبته. ثم جاء من بني على هذا الواقع الفاسد وزعم أنه صاحب الفيض التجاني الذي بشر به التجاني، وأن أتباعه هو الآخر يدخلون الجنة جميعا بغير حساب ولا عقاب، ولو كانوا على أي ملة قبل ذلك، ومن هؤلاء الذين ادعوا هذا الفيض المزع وم الحاج إبراهيم السنغالي، والذى كان له شأن عظيم وحركة قوية، وبسط دعوته تل ك في أصقاع واسعة من القارة الأفريقية. وإلى جانب الطريقة التجانية طرق كثيرة - كما ذكرنا من قبل - يحتاج بيانها إلى عدة صفحات، وهى في جملتها لا تخرج عن هوس وتخبطات التجانية. وقد استحسنت هنا ذكر بعض الأمثلة من كتب الصوفية التجانية، تمثل أنواعا من الآراء والمفاهيم التي يحرصون عليها، دون مبالاة بما فيها من الغلو والانحراف. وقد وقع اختيار ي على قراءة وتمحيص ما في جواهر المعاني تأليف علي حرازم، ورماح حزب الرحيم تأليف الفوتي، وكتيب الهداية الر بانية في فقه الطريقة التجانية؛ حيث أضع العنوان المناسب ثم أنقل تحته ما يدل عليه من كلام علماء التجانية. وأوضح ما يميز الانحراف في كتب التجانية، هو الغلو الفاحش في أئمة الصوفية والتجاني وغيره، ومدحهم بما لا يليق إلا بالله العظيم، من علمهم المغيبات وأنواع ال علوم والمعارف التي لا يدركها إلا الله عز وجل، وبالتالي ذكر مدائح لهم، وهي في الحقيقة ذم ما بعده ذم، تدل دلالة صريحة على بعد أولئك ومجونهم واستهتارهم بعقول الناس. قال علي حرازم في كتابه جواهر المعاني عن السيد أحمد بن محمد بالفتح جد أحمد الت يجاني: " وقد حكي عنه رضي الله عنه أنه كان له بيت في داره لم يدخله أحد غيره، وكان إذا خرج من داره للمسجد يتبرقع ولا يرى أحد وجهه ولا يكشف عن وجهه ألا إذا دخل المسجد، ثم إذا رجع إلى داره عاد إلى ستر وجهه حتى يدخل لخلوته، وقد سألت الشيخ رضي الله عنه عن سبب
عدد الصفحات ٣٢