1 فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها تأليف د. غالب بن علي عواجي عضو هئية التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية الجزء الثالث http://www.saaid.net
عدد الصفحات ١2 البابالعاشر الصوفية وفيه الفصول الآتية : 1. الفصل الأولتمهيد في بيان انحراف الصوفية بصفة عامة 2. الفصل الثاالتعريف بالصوفية في اللغة في الاصطلاح 3. الفصل الثالث : هل توجد العلاقة بين المتصوفة وأهل الصفة ؟ 4. الفصل الرابعأسماء الصوفية وسبب تسميتهم بها 5. الفصل الخامسمتى ظهر المذهب الصوفي 6. الفصل السادسحقيقة التصوف . 7.الفصل السابع أقسام المتصوفة وذكر طرقهم، واختيار الطريقة التجانية نموذجا ودراستها بإيجاز 8 .الفصل الثامن الخلوات الصوفية ، ومنها الخلوات التجانبية . 9 .الفصل التاسع مغالطات لجنة جماعة الصوفية في مدينة ((ألورن )) في نيجيريا . 10 .الفصل العاشركيفية الدخول في المذهب الصوفي . 11 .الفصل الحادي عشر : أصول الصوفية . 12 .الفصل الثاني عشر : إيضاحات لبعض الآراء الاعتقادية للصوفية ، 13 .الفصل الثالث عشر : الكشف الصوفي . 14 .الفصل الرابع عشر : الشطحات الصوفية . 15 .الفصل الخامس عشر : التكاليف في نظر الصوفية . 16 .الفصل السادس عشر : الأذكار الصوفية . 17 .الفصل السابع عشرالوجد والرقص عند الصوفية . 18 .الفصل الثامن عشرالكرامات وخوارق العادات عند الصوفية . 19 .الفصل التاسع عشر زعماء الصوفية
عدد الصفحات ٢3 الفصل الأول تمهيد في بيان انحراف الصوفية بصفة عامة الصوفية التي نبحثها هنا هي الصوفية التي خر جت عن الحق إلي الغلو متأثرة بشتى الأف كار المنحرفة التي هي في الواقع أفكار بدعية طرأت على المسلمين في غياب الوعي الإسلامي وبروز الجهل وعلماء السوء المغرمين بالخرافات وحب الزعامة وهي ذات مفاهيم خاطئة مضطربة تأثرت بمسالك منحرفة وبالغت فيها إ لى حد الهوس والاضطراب الفكري الشنيع وكأن حافظ إبراهيم حينما ندب اللغة العربية بقوله: فجااااااااااااءت كثاااااااااااوب ضااااااااااام سااااااااااابعين رقعاااااااااااة مشاااااااااااااااااااااااااااااااااكلة الألاااااااااااااااااااااااااااااااااوان تلفاااااااااااااااااااااااااااااااااات كأنه عنى المذهب الصوفي في انحرافه وتنوع مصادره وتلفيق أفكاره من شتي المذاهب ولق د جرأ أصحاب هذه الطريقة الصوفية على القول على الله بغير علم كما كذبوا وأكثروا على رسوله صلى الله عليه وسلم لتقوية مبادئهم الكثيرة وتأييدها وبالغوا في الكذب وزخرف القول وتفننوا في الطرق والآراء حتى ليخيلوا للشخص أنهم على شيء وهم في فراغ وجهل شديد. وطرقوا مس ائل ليست من الإسلام في شيء ولم يقل بها أحد من المسلمين وأظهروا بزخرفهم أنها من الإسلام بما قدموه من تقليب الأدلة وإثارة الشبهة والتفنن في الاستدلال والجواب، وقالوا بوحدة الوجود والحلول والاتحاد ووحدة الشهود، والكشف والقطب والغوث، وغير ذلك من الأمور التي طر قها كبار دعاتهم، مثل: الحلاج وابن عربي وابن الفارض والبسطامي والجيلي، وغيرهم ممن لبس عليهم إبليس فقالوا بوجود الله تعالى في كل ش يء، حتى صار في عرف غلاتهم أن من لا يعتقد اتصاف الخلق بأوصاف الخالق، لا يمكن أن يعد صوفيا ووليا من أولياء الله، كما ذكر الأستاذ إحسان إلهي ذلك عنهم(1). وهكذا أصبح المذهب الصوفي بعد أن لبس إبليس علىأتباعه خليطا من شتى الأفكار والآراء المنحرفة، حيث يظهر فيه جليا غلو الشيعة ومبادئ الباطنية وآراء المسيحية والهندوكية والبوذية، (1) التصوف المنشأ والمصدر ص6.
عدد الصفحات ٣4 وغير ذلك من الديانات والفلسفيات القديمة كالأفلاطونية وا فلوطينية وسائر ما قال به علماء اليونان(1.) وقد قامت الدعوة للصوفية وإظهار شأنها من جديد في هذا العصر على نطاق واسع بسبب عوامل عدة: منها: جهل كثير من المسلمين بحقيقة دينهم ثم الجهل بحقيقة الصوفية كذلك. ومنها: مساعدة أعداء الإسلام على نشر الصوفية، لأنهم يعر فون المكاسب التي سيجنون ثمارها إذا علا سلطان الصوفية وفشا الجهل وانتشرت الخرافات الصوفية وخزعبلاتها وتأثروا بآرائها السلبية في مفهوم الجهاد في سبيل الله وفي مفهوم وحدة الأديان التابعة لمفهوم وحدة الوجود. وأعداء الإسلام هنا فريقان: فريق عداوته ظاهرة: وهم الم ستعمرون ومن يبيتون النية لهدم الإسلام وتشتيت كلمة المسلمين، وقد استفاد هؤلاء من أفكار الصوفية كثيرا حين نام المسلمون على دعوى الزهد والإقبال على الآخرة بغير بينة، والتمسح بصور الأولياء وطلب البركة والنصر منهم في حياتهم وبعد موتهم أيضا ، والعكوف على قبوره م. وفريق آخر متلبسون باسم الدين ويحكمون كثيرا من ديار المسلمين؛ وهؤلاء يساعدون الصوفية خوفا من عودة الوعي الإسلامي السلفي الذي يصطدم مع ميول ورغبات هؤلاء وشهواتهم. لأجل هذا ولغيره كان تنبيه طلاب العلم إلي خطر هذا المذهب الرد يء واجبا يحتمه النصح لكل مسلم يحب حماية نفسه ودينه، من الانزلاق في خضم الأفكار المبثوثة بين صفوف المسلمين، والتي كان من نتيجتها زيادة الكوارث والخبال الذي حل بديار المسلمين حين ابتعدوا عن المنهج الحق الذي شرعه الله لعباده. ولقد فرح أعداء الإسلام بانتشار الصوفية التي مهدت لهم السبيل بد عوى الزهد والتقشف والابتعاد عن المظاهر وعن منازعة الحكام والرضا بأفعالهم؛ فعاش المسلمون على هامش الحياة بعد (1 ) انظر : التصوف وتأثره بالنصرانية والفلسفات القديمة
عدد الصفحات ٤5 أن خدرت الصوفية أعصابهم بترهاتها وخزعبلاتها التي تنافي العقل السليم والدين الإسلامي الحنيف في كثير من مبادئها وطقوسها المختلفة ونظرتها إلي الحياة. * * * * * * * * * * * * * *
عدد الصفحات ٥6 الفصل الثا التعريف بالصوفية لغة واصطلاحا اختلفت كلمة العلماء حول التعريف الحقيقي للصوفية وللتصوف اختلافا كثيرا قلما يوجد له مثيل، وقد ذكر بعض العلماء أن تلك التعريفات قد تصل إلي الألفين، يقول محمد طاهر الحامدي: "الأقوال المأثورة في التصوف قيل: إنها زهاء ألفين" (1)،وقد نقل إحسان إلهي في كتابة "التصوف: المنشأ والمصدر" أقوالا كثيرة عن أقطاب التصوف في تعريفهم ومفهومهم للتصوف(2)، ولكن مهما قيل عن كثرتها واختلاف الناس فيها فإنها كلها لا طائل من ورائها عند التمعن في دراستها، مما يستدعي الحال غض النظر عن تلك التعريفات كلها، وإلقاء الضوء على الأقرب منها، وفيما يلي بيان ذلك. في اللغة: يطلق علماء اللغة كلمة (صوف) في معاجم اللغة تحت مادة (صوف) على عدة معان، منها إطلاق كلمة صوف على الصوف المعروف من شعر الحيوانات، ومنها صوفان وصوفانة وت طلق على بقلة زغباء قصيرة. وقد أطلقت كلمة "صوف" في بعض دلالتها بمعنى الميل، فيقال صاف السهم عن الهدف بمعنى مال عنه، وصاف عن الشر أي عدل عنه(3). في الاصطلاح يجب إدراك أن الصوفية مرت بمراحل وتطورات ومفاهيم تلفة، ومن هنا وقع كثير من الجدل بين العلماء في التعريف بالصوفية، ومهما قيل عن كثرة التعريفات للتصوف، فإنه يصدق عليه عموما أنه بدعة محدثة في الدين وطرائق ما أنزل الله بها من سلطان. ونذكر فيما يل ي بعض التعريفات التي أطلقت على مفهوم التصوف سواء، كانت من الصوفية أو من الفيهم، ومن ذلك ما يلي: (1) انظر : التصوف المنشأ والمصدر ص37 (2) انظر : ص36 – 48 (الفصل الثالث (3) انظر : معاجم اللغة في مادة "صوف
عدد الصفحات ٦7 1- التصوف هوتجريد العمل لله تعالى، والزهد في الدنيا وترك دواع ي الشهرة، والميل إلى التواضع والخمول، وإماتة الشهوات في النفس. وهذا التعريف قد لا يصدق في الواقع إلا على التصوف في عهده الأول، الذي كان التصوف فيه عبارة عن الانقطاع لعبادة الله وحده، والزهد في الدنيا والتخفف من متاعها والإقبال على الآخرة، دون أن يلبسوا ذلك بشيء من الأفكار والسلوك المشين الذي وصلت إليه الصوفية بعد ذلك. 2- وذهب قسم كثير من العلماء إ أن سبب التسمية للمتصوفة بهذا الاسم – أي "الصوفية" – إنما كان نسبة إلى لبسهم الصوف الذي عبر عن الزهد والتقشف وتر ك التنعم والملذات المباحة، وقد علق القشيري على هذا بقوله: "فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف". 3- وبعض العلماء يرى أن التصوف مأخوذ عن الصفاء؛ أ ي صفاء أسرارهم أو صفاء قلوبهم أو صفاء معاملتهم لله تعالى، وهو ما يحب الصوفيون التسمي به، بل إن كل انتساب فيما لاحظ (نيكلسون) إلى الصوف يقابله اثنا عشر تعريفا تعتمد على الصفاء، الذي حاول الصوفية أن ينتسبوا إليه(1). إلا أن القشيري قد استبعد هذا المفهوم في اللغة بقوله: "ومن قال أنه مشتق من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة"(2). 4- وبعضهم يرى أ نه نسبة إلى الصفة التي كان يجلس فيها فقراء الصحابة رضوان الله عليهم في المسجد، ويرى القشيري أن النسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي (3). 5- وبعضهم يرى أنه نسبة إلى الصف الأول، قال القشيري: "فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم، فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضي ه ذه النسبة إلى الصف"(4). (1) انظر : دراسات في الفرق ص 98. (2) الرسالة القش ية جا2 ص550. (3) المصدر السابق. (4) المصدر نفسه.
عدد الصفحات ٧8 6- وبعضهم يرى أنه نسبة إلى قبيلة ب صوفة وهى قبيلة بدوية كانت حول البيت في الجاهلية، وهى تنتسب إلى رجل يقال له صوفة كان قد انقطع للعبادة في المسجد الحرام. 7- وبعضهم يرى أنها نسبة إلى الصفوة من خلق الله تعا وهناك تعريفات كثيرة خا ض فيها العلماء باجتهاداتهم بعضها من وضع أقطاب التصوف وبعضها من غيرهم لا يهمنا سردها هنا بالتفصيل والدراسة الشاملة لها كلها (1)، إذ الغرض إنما هو التنبيه إلى ما وقع من اختلاف في التعريف بهم، ولما كانت تلك التعريفات أمورا اجتهادية واستحسانات وتقريبا لهذا المذهب، فإنك تجد أنه يرد عليها اعتراضات كثيرة، وفى بعضها أخطاء واضحة. ولشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ردود على بعض تلك التعريفات، فقد ذكر أنه إذا كانت النسبة إلى أهل الصفة – وهو خطأ تاريخي كما سنبين – ذلك – فإنه يقال صُف ِّي، وأما إذا كانت إلى الصف المق دم بين يدي الله تعالى فإنه يقال صَف ِّي، وأما إذا كانت نسبة إلى الصفوة من خلق الله فإنه يقال صَفوِّيٌّ، وأما إذا كانت النسبة إلى ذلك الرجل الجاهلي فإنه لا أحد من المتصوفة يرضى أن ينسب إلى قبيلة جاهلية قبل الإسلام، إضافة إلى أنه لم تعرف هذه التسمية بين الصحابة ولا كانت هذه القبيلة مشهورة أيضا (2). وقد زعم كاتب نصراني هو "جو ر جي زيدان" "أن كلمة تصوف في العربية تعادلها كلمة "سوفيا" اليونانية والتي معناها الحكمة"(3)، أي أن التصوف نسبةإلى الحكمة اليونانية، وهو زعم أبطله كثير من العلماء؛ وربما لأن التصوف إنما ظهر ب عد الإسلام ولا يمنع هذا أن تتأثر الصوفية بعد ذلك بشتى التأثيرات بل هو الواقع، ولكن ليس بالمفهوم اليوناني الكامل. هذا ونسبة التصوف إلى الصوف أقرب إلى الاشتقاق اللغوي كما أنه أقرب كذلك إلى ذوق الصوفية وحالهم في تمسكهم بلباس الصوف، وقد ذهب إلى تقرير هذا القول كثير من العلماء في نسبتهم لهذه الطائفة التي لم توجد في زمن النبى صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة ولا (1) انظر : الرسالة القشيرية ص 550 جا1 وانظر : الصوفية معتقدا ومسلكا ص19 – 36، الصوفية المنشأ والمصدر ص20 – 39. (2) الصوفية والفقراء لشيخ الإسلام ص 13 /14. (3) انظر : الصوفية معتقدا ومسلكا ص23.
عدد الصفحات ٨9 التابعين لهم بإحسان؛ إذ لو وجدت في هذه الأزمنة وعرفها الناس وعرفوا مسالكها لاشتهرت تسميتها ولما حصل لبس أو خلاف في حقيقتها واتجاهاتها بين المتأخرين. وقد رجح شيخ الإسلام فيما يظهر من كلامه أن التصوف نسبة إلى الصوف حيث قال: "وقيل – وهو المعروف -: أنه نسبة إلى لبس الصوف". ثم علل ذلك بقوله: "فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الح سن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار؛ ولهذا كان يقال فقه كوفي وعبادة بصرية" (1). وأيدللسهروردي صحة القول بنسبة الصوفية إلى الصوف، وذكر أدلة كثيرة على فضائل لبس الصوف، وبالغ في مدح الصوفية حين اختارو ا هذا الاسم بما يطول نقله. ثم ذكر الأسماء الأخرى والتي منها نسبتهم إلى أهل الصفة من فقراء الصحابة المهاجرين ثم قال: "وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغو ي ولكن صحيح من حيث المعنى؛ لأن الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك"(2). وستأ مناقشة هذا الإدعاء للسهرودى. * * * * * * * * * * * * * * (1)الصوفية والفقراء ص 15. (2) انظر : عوارف المعارف ص 45 – 49.
عدد الصفحات ٩10 الفصل الثالث هل توجد علاقة بين المتصوفة وأهل الصفة والواقع أن هذه القضية تعتبر من القضايا الساخنة خاض غمارها المتصوفة من جانب، وغير المتصوفة من الجانب الآخر حول الصلة بين الفريقين: الصوفية، وأه ل الصفة. فهل توجد فعلا علاقة بين الصوفية وأهلا الصفة؟ الجواب: إنه بالرغم مما بذله المتصوفة من جدل وبحوث لتقريب التصوف إلى أهل الصفة فإن ذلك لم يجدهم شيئا . فهناك من المتصوفة كالمنوفي، والسهروردي، وغيرهما من كبار الصوفية من يزعم وجود تلك الصلة بين الفريقين، وأن أهل الصُفة هم سلف أهل التصوف، فالسهروردي يرى أن العلاقة بين المتصوفة وأهل الصفة تتمثل في حب الانفراد والعزلة عن الناس والشوق إلى الله تعالى، وأن هذه الفكرة هي الجامع بين الصوفية وأهل الصفة فيما يرى، وقد قال في إثبات ذلك: "الصوفية يشاكل حالهم حال أ و لئك(1)، لكونهم مجتمعين متآلف ين متصاحبين لله وفي الله كأصحاب الصفة، وكانوا نحوا من أربعمائة رجل لم تكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، جمعوا أنفسهم في المسجد كاجتماع الصوفية قديما وحديثا في الزوايا والربط.." (2) إلى آخر كلامه وأما المنوفي فقد قال عنهم: "هم قوم أخلاهم الحق من الركون إلى شيء من العروض الفانية وشغل أفئدتهم بالحياة الباقية.." إلى أن يقول: "استوطنوا الصفة فصفوا أنفسهم من الأكدار ونقوها من الأغيار، واعتصموا من حظوظ النفوس بالإيثار". إلى أن قال: "وكان الظاهر من أحوالهم والمشهود من أخبارهم غلبة الفقر عليهم وإيثارهم القلة واختيارهم لها، فلم يجتمع لهم نوعان، ولا حضر لهم من الأ طعمة لونان"(3). (1) أي أهل الصفة. (2) عوارف المعارض ص 47. (3) جمهرة ا ولياء 1 /131.
عدد الصفحات ١٠11 والحقيقة أن السهروردي وغيره من المتصوفة لم يستطيعوا أن يأتوا برباط واحد، أو بوجه شبه يعتبر قاسما مشتركا صحيحا مقبولا بين حال أهل الصفة رضوان الله عليهم وبين المتصوفة، مع كثرة ما حاول ه و وغيره وبشتى الأساليب أن يوجدوا تلك الصلة المزعومة، وأن يكون أولئك الصحابة الأفاضل هم الأساس لأقطاب التصوف والمثل الأول لهم. مع محاولة بعضهم كذلك ربط حركة التصوف وما تحمل من حب العزلة والانفراد والخلوة بما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم، من تحبيب الخلوة إل يه في غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد. وقد فاتهم أن هذا لا يصلح أن يكون دليلا لهم على ذلك؛ فإن أقل ما ينقصه هو أن تلك الخلوة إنما كانت بعناية من الله له؛ ليستعد لحمل أعباء الرسالة فيما بعد، وقبل أن يكلف أيضا بدعوة الناس وإقامة شعائر الدين، وأن الرس ول صلى الله عليه وسلم بمجرد أن اختاره الله لتبليغ الدعوة كان محط أنظار الناس في كل لحظة من لحظات عمره المبارك، وإلا فكيف انتشر الإسلام بعد ذلك ودخل الناس في دين الله أفواجا لو بقى على تلك الخلوة وبمفهوم الصوفية أيضا ؟!. والحق أن المتصوفة ليس لهم مستند في تعلقهم بأساس تصوفهم سواء كان ذلك التعلق بالصحابة من أهل الصفة، أو بالرسول صلى الله عليه وسلم في خلوته في غار حراء، ومن زعم أن بدايات التصوف كان الرسول صلى الله عليه وسلم أو أهل ال صفة فلا شك في خطئه. وإذا كان المتصوفة فيما يدعون يحبون الفقر والخرقة (1)،والانزواء في الزوايا والأربطة، فإن الثابت المتواتر أن أهل الصفة في مجملهم كانوا كثيرا ما يشكون حالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمل أن يساعدهم على حياة طيبة في الدنيا تكون عونا لهم إلى الآخرة، وقد أخبر الله عنهم أنهم يتولون وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. وقد تحقق لمعظمهم بعد ذلك مال وافر، عملا منهم بقول الله تعالى وَلاَ تَنسَ نَصِّيِّبَكَ مِّنَ الدُّناْيَا (2)، واجتمعت لبعضهم ألوان اطعمة المباحة ولم يزهدوا عن الدنيا نهائيا ، لأنهم يعلمون أن ذلك لا ينافي الزهد، بينما معظم المتصوفة إنما يريد بإظهار ذلك الزهد وتلك الرهبانية الوصول (1) ذكر السهروردي للبس الخرقة حقوقا لا يحتملها إلا من كان موفقا غاية التوفيق، فيما يريد أن يوحى به السهروردي في عوارف المعارف ص52. (2) سورة القصص 77
عدد الصفحات ١١12 إلى ما في أيدي الناس واستعباد أذهانهم وأفكارهم، لا زهدا حقيقيا عن الدنيا في أكثر أحوالهم؛ حيث وجد لبعضهم بعد موتهم مدخرات كثيرة مما يتنافى ودعوى الزهد؛ لأن الزهد الحقيق ي هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، فلا رهبانية ولا تواكل ولا تحريم لما أحله الله من الطيبات، ولا استحلال ما لم يرد به الشرع، وهذا هو الزهد لا إظهار الفقر والعوز كما يراه غلاة المتصوفة. إن تلك الصلة بين الصوفية وأهل الصفة التي يزعمها السهروردي والمنوفي محض خيال؛ ذلك أن أهل الصفة ما كانوا يحبون الفقر ولا يحبون الانفراد والعزلة عن الناس، وكيف يحبون العزلة والانفراد وهم في أكثر أماكن تجمع الناس؟! وأيضا أكان مكثهم في الصفة بمحض رغبتهم أم كانت حالة طارئة أملتها عليهم الظروف المعيشية؟. ذلك أنه لا يخفى على طلاب العلم – أن أهل الصفة كانوا من الفقراء الذين لا يجدون مأوى غير المسجد، في الوقت الذي كانوا يبحثون فيه بكل جد من أجل الوصول إلى حال اليسار والغنى، خصوصا وهم يتلون قول الله تعالى وَلاَ تَنسَ نَصِّيِّبَكَ مِّنَ الدُّناْيَا ، كما يسمعون قول المصطفى صلى الله عليه وسلم "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير"(1).وقوله أيضا : "اليد العليا خير من اليد السفلى(2)." فما كان أحدهم يحمل الزنبيل على ظهره ويطوف بالبيوت في طلب رزقه متكاسلا عن العمل، متكلا على ما في أيدي الناس أعطوه أم منعوه، كما هي حال كثير من المتصو فة بعد أن فسدت فطرهم واختلت مفاهيمهم. حين صاروا كما مدحهم السهروردي بقوله: "واتخذوا لنفوسهم زوايا يجتمعون فيها تارة وينفردون أخرى، أسوة بأهل الصفة، تاركين للأسباب متبتلين إلى رب الأرباب" (3). (1) أخرجه مسلم في صحيحه 5/520. (2) أخرجه البخاري 5/37، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد (3) عوارف المعارف ص 49.
عدد الصفحات ١٢13 وأما زعم المنو أن الله اختار أهل الصفة ليكونوا كذلك وهم أيضا قد اختاروا الفقر والمسكنة – فهو زعم باطل يكذبه الله في القرآن الكريم وتكذبه السنة النبوية والتاريخ. لقد كان من أهل الصفة أميرا ومن أصبح غنيا ذا ثراء كبير وفير، ومن أصبح قائد جيوش جرارة، وهم مع ذلك في قمة الزهد والخشوع لربهم. * * * * * * * * * * * * * *
عدد الصفحات ١٣14 الفصل الرابع أسماء الصوفية وسبب تسميتهم بها من أشهر الأسماء لهذه الطائفة اسم "الصوفية"، ولهم أسماء أخرى غير مشهورة علي ألسنة الناس، ومن تلك الأسماء التي أطلقت عليهم أو أطلقوها هم علي أنفسهم: 1- الصوفيةوهو الاسم المشهور الذي يشمل كل فرقهم، وهم يرضون به وي تمدحون بالانتساب إليه، وقد سبق تعليل هذه التسمية. 2- أرباب الحقائق لزعمهم أنهم وصلوا إلي حقائق الأمور وخفاياها بخلاف غيرهم من الناس الذين أطلقوا عليهم اسم "أهل الظاهر"و"أهل الرسوم" (1). 3- الفقراءوهو اسم زعم السهروردي أن الله هو الذي سماهم به حيث قال: "و أهل الشام لا يفرقون بين التصوف والفقر يقولون: قال الله تعالي: لِّلفُقَراءِّ الَّذِّينَ أُحْصِّرُوا فيِّ سَبِّيل (2)، هذا وصف الصوفية، والله تعالي سماهم فقراء (3). 4- ويسمون شكفتية في خرسان نسبة إلي الغار، قال السهروردي عن الصوفية في خرسان: "كان منهم طائفة بخرسان يأوون إلي الكهوف والمغارات، ولا يسكنون القر ى والمدن يسمونهم في خرسان شكفتية؛ لأن شكفت اسم الغار؛ ينسبونهم إلي المأوى والمستقر" (4). 5- جوعية قال السهروردي: "وأهل الشام يسمونهم جوعية" (5). 6- الملامية أو الملامتية وقد عنون المنوفي لها بقوله: "أهل الملامة والملامتية"(6). والملامتية هيإحدي تطور المذهب الصوفي ووساوسه المتشعبة وأمانيه البراقة، وهذه الملامة التي يعتنقها بعض الصوفية ويتظاهر بها هي في أحد مفاهيمها بعينه ، يدخل فيه الشخص من حيث (1) انظر الصوفية معتقدا ومسلكا ص31. (2) سورة البقرة 273 (3) انظر : عوارف المعارف ص 42. (4) عوارف المعارف ص 48. (5) المصدر السابق. (6) جمهرة الأولياء 1/122.
عدد الصفحات ١٤15 يشعر أو لا يشعر ، بل وسموه النفاق المحمود(1)، حتى الصوفي بما يلام عليه لأجل أغراض سامية فيما يزعمون، ولكن متى كان النفاق محمودا ؟! والملامتي حسب المفهوم الصوفي عرفه السهروردي بقوله عن بعضهم: "الملامتي هو الذي لا يظهر خيرا ولا يضمر شرا "، ثم قال: "وشرح هذا هو: أن الملامتي تشربت عروقه طعم الإخلاص وحقق بالصدق ، فلا يحب أن يطلع أحد على حاله وأعماله ولا يتم هذا الإخلاص إلا إذا أصبح يستوي عنده المدح والذم له من الناس، وألا يفكر في اقتضاء ثواب العمل في الآخرة" (2). ويعللون لهذا بأنه مع الناس في الظاهر، وهو مع الله في الباطن مهما كانت أفعاله الظاهر.ومن هنا أبو سعيد الخراز: "رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين " ومن شرح السهروردي هذا الكلام بقوله:"ومعني قوله: إن إخلاص المريدين معلول برؤية الإخلاص والعارف منزه عن الرياء الذي يبطل العمل، ولكن لعله يظهر شيئا من حاله وعمله بعلم كامل عنده فيه؛ لجذب مريد أو معاناة خلق من أخلاق النفس في إظهاره الحال والعمل، وللعارفين في ذلك علم دقيق لا يعرفه غيرهم، فيرى ذلك ناقص العلم صورة رياء، وليس برياء إنما هو صريح العلم لله وبالله من غير حضور نفس ووجود آفة فيه (3). والصحيح أنه التلاعب بعقول الناس والترويج للباطل بأبطل منه وقلب للحقائق، إذ كان الأولى أن يغلظ ذنب العارف لا أن يكون الرياء منه أفضل من غيره، ومتى كانت دعوة المصلحين تقوم علي أساس مداهنة الناس ومراءاتهم؟ !وأيضا كيف صح له أن يصف محض الرياء بأنه ليس رياء وإنما هو صريح العلم لله وبالله من غير حضور نفس؟ ! فمن يقبل هذا الخداع ويتهم نظره وعقله، ويصدق بأن تلك الحال التي اعترت الصوفي إنما هي من أجل أن يجذب المريد أو يرد أن يذل نفسه، فمن أين يعلم الناس ذلك حتى يمكنهم أن يسموا الرياء عبادة لله؟؛ ولهذا فإن من الثابت عندهم أن كل ما يصدر عن الصوفي ينبغي أن يفسر بخير (1) انظر : الصوفية معتقدا ومسلكا ص334. (2) انظر : عوارف المعارف ص 54. (3)عوارف المعارف ص 54.
عدد الصفحات ١٥16 حتى وإن كان فعل الفواحش، فيجب الاعتقاد علي أنه لم يفعل ذلك إلا لحكمة جليلة، كما بين ذلك الشعراني في طبقاته وغيره من كبار الصوفية، في تراجمهم لسادتهم عتاة الصوفية. وفي هذا يقول الدباغ: "إن غير الولي إذا انكشفت عورته نفرت منه الملائكة الكرام - والمراد بالعورة العورة الحسية، والعورة ا لمعنوية التي تكون بذكر المجون وألفاظ السفه - وأما الولي فإنها لا تنفر منه إذا وقع له ذلك؛ لأنه إنما يفعله لغرض صحيح فيترك ستر عورته لما هو أولي منه" (1). ويؤكد الفوتي ظان الواجب في حق المشائخ والأولياء - وهو كثير جدا - منه: 1-عدم الاعتراض علي الشيخ في أي شيءيفعله ولو كان ظاهره حرام. 2-أن يكون المريد بين يدي الشيخ كالميت ب يدي الغاسل(2). وشروط أخري يندى لها الجبين ويموت القلب حسرة لأولئك الذين أذلتهم الصوفية وملكت عليهم كل عرق ينبض بالحياء والحياة، وذكر علماء التصوف أمثلة وأخبارا كثيرة في وجوب التسليم والر ضاء لكل ما يفعله الولي الصوفي مهما كان ذلك العمل، وهو ما قرره الفوتي وعلي حرازم والشعراني والمنوفي وأبو يزيد البسطامي والسهروردي وغيرهم من كبار الصوفية المجرمين في حق البشرية. ومهما كان، فإن الملامتية في حقيقتها إنما هي إحدى مصايد الصوفية مهما زخرفوا القول فيها. وقال ابن عربي عن هؤلاء الملامتية: "أنهم رجال قطعهم الله إليه وصانهم صيانة الغيرة عليهم؛ لئلا تمتد إليهم عين فتشغلهم عن الله. لقد انفردوا مع الله راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع الله طرفة عين (3). ويرى ابن عربي في فتوحاته المكية أن هذا الاسم أطلق عل يهم؛ لأنهم أخفوا مكانتهم الشريفة في العامة، فكأن المكانة تلومهم حيث لم يظهروا عزتها وسلطانها (1). (1) الإبريز2 /43. (2) انظر : رماح حزب الرحيم 1/132. (3) هذا النص عن مقدمة رسالة الملامتية تحقيق د. أبو العلا العفيفي ص 20،وأما في الفتوحات المكية فإن النص يبدأ من قوله:"لقد انفردوا مع الخ 3/39.
عدد الصفحات ١٦