1 معالم التجديد في فكرالإمام القرضاوي إعداد الدكتور أحمد محمد زايد الأستاذ المشارك بجامعتى الأزهر وقطر. قسم الدعوة والثقافة الإسلامية. 5341هـ-4153م
عدد الصفحات ١2 بسم الله الرحمن الرحيم حمدا لله وصلاة وسلاما على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد: فهذه ورقة حول : "معالم التجديد عند الإمام القرضاوي" أتناول فيها جانبين : الأول : القرضاوي والطريق إلى التجديد. الثاني : معالم التجديد عند القرضاوي. وفي الجانب الأول ألقي الضوء على مؤهلات القرضاوي التي سلكت به طريق التجديد ونهج المجددين، وهي كثيرة متنوعة . وفي الجانب الثاني أتناول بعضا من معالم التجديد في فكر الإمام وهي كثيرة كذلك ومتنوعة كما سيظهر في ثنايا البحث إن شاء الله. وأحب في المقدمة أن أذكر عدة أمور: 1) أنني منذ ربع قرن تقريبا أو يزيد أتابع مايصدر عن الإمام القرضاوي مكتوبا أو مسموعا أومرئيا، وفي صباي كنا في المعهد الأزهري نردد في طابور الصباح اليومي أنشودة ظللنا نرددها ثلاثة عشر عاما من الصف الأول الابتدائي إلى الصفوف الإعدادية إلى أن وصلنا إلى مرحلة الشباب في الثانوية الأزهرية، هذه الأنشودة هي إحدى قصائد الإمام مطلعها: مسلمون مسلمون مسلمون ...........حيث كان الحق والعدل نكون. نرتضي الموت ونأبى أن نهون..... في سبيل الله ما أحلى المنون. نرددها يوميا، وكانت هي نشيد الصباح أو نشيد الطابور الصباحي، كنا نرددها كطلاب المعهد الأزهري بقريتنا " أويش الحجر" التي يعرفها الإمام جيدا، وله منها أصدقاء منهم الراحل المرحوم بإذن الله فضيلة الشيخ /عبداللطيف زايد، ومنهم شيخ معهدنا الذي قرر هذا النشيد طيلة توليه مشيخة المعهد فضيلة الشيخ الراحل / عبدالغني النجولي الجمل رحمه الله. كنا نردد القصيدة ولا نعلم قائلها حتى وصلت إلى المرحلة الثانوية والتحقت بركب العمل الإسلامي وتعرفت على جماعة " الإخوان المسلمين" واستمعنا إلى نفس القصيدة" مسلمون" بصوت المنشد الإسلامي " أبو مازن" وعرفنا بعد ذلك أن تلك القصيدة لفضيلة شيخنا العلامة القرضاوي، ثم تتابعت القراءة والاطلاع على فكر الشيخ وإنتاجه العلمي الغزير، ومرت سنوات نتابع فيها البرامج الفضائية للشيخ ونقرأ ما يكتبه من بحوث في المؤتمرات ثم تابعت بكثافة موقع "إسلام أون لاين" وجهد الشيخ فيه وكنا نقتني كل كتب الشيخ ونطالعها بل ندرسها في حلقات ومعاهد علمية ودورات في مصر وخارجها، وقد أكرمني الله تعالى بزيارة شيخنا الحبيب في منزله بالقاهرة مرة سنة 2222،والأخرى 2221م ولا زلت أتابع كل ما يكتبه الشيخإلى يومنا هذا. 2) الحديث عن جانب التجديد حديث واسع الجنبات وقد كتبت فيه بحوث جامعية، فقد كتب الشيخ إبراهيم التركاوي رسالته الماجستير بعنوان :" جهود التجديد الدينى عند الشيخ يوسف القرضاوى دراسة تحليلة مقارنة" سنة 2222م في كلية دار العلوم، ولم يتسن لي الاطلاع عليها، وقد قرأت فهرسها المنشور على الإنترنت.
عدد الصفحات ٢3 وكتبت مقالات هنا وهناك في الموضوع لكن يبقى الموضوع بكرا يحتاج إلى بحث ودراسة ليستفيد أهل العلم من جوانب التجديد في فكر الإمام - حفظه الله-. 3) كتبت البحث معتمدا – بعد الله تعالىطول المعايشة الزمنية لإنتاج الشيخ والخبرة في استيعاب منهجه ، ثم الكتب والمصنفات التي دونها الشيخ بيراعه. وفي ختام المقدمة اتضرع إلى ربي سبحانه أن يتقبل مني هذه السطور وأن ينفع بها كل ناظر فيها وأن يطيل عمر شيخنا في طاعته. والحمد لله رب العالمين. وكتبه د / أحمد محمد زايد الأستاذ المشارك بجامعتي الأزهر وقطر. الدوحة – قطر azayd1969@gmail.com ahmad.zayed@qu.edu.qa
عدد الصفحات ٣4 التمهيد ضوء على حديث التجديد نص الحديث : عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (1). تخريج الحديث الحديث "صحيح" رواه ابو داوود في سننه عن ابي هريرة وإسناده كما قال ابو داود: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ الْمَعَافِرِىِّ عَنْ أَبِى عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَِّّ للى اللّ عليه وسلم . وأخرجه كذلك الحاكم والطبراني في الأوسط وغيرهم من طريق ابن وهب ـ وهو عبد اللّ ـ به، ولححه الحافظ العراقي ، وقواه الحافظ ابن حجر ، ولححه كذلك الشيخ الألباني في السلسلة لصحيحة( / انظر حديث رقم : 4781 في لحيح الجامع . فالحديث لحيح والحمد لله وله تخريجات أخرى لم أرد التطويل بسردها. مكانة الحديث وأهميته للأمة: حديث صحيح شريف يبعث الأمل في النفوس، وقد قال الشيخ القرضاوي عن مكانة هذا الحديث وأهميته :" هذا الحديث الذي رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في معرفة السنن والآثار، والطبراني في الأوسط: يمد الأمة بشعاع قوي من الأمل، يطرد عنها ظلام اليأس، ويبعث فيها الروح والأمل في أن الله لا يدعها طويلاً لأنياب الضعف حتى تفترسها، ولا لدخان الهمود حتى يخنقها، ولا لمخالب التمزق حتى تقتلها، بل يهيئ لها بين قرن وآخر، من يجمعها من شتات، ويحييها من موات، ويوقظها من سبات، وهذا بعض معاني التجديد، فهو يجددها بالدين ويجدد بها الدين"(2). المراد بالتجديد: والتجديد كما قال العلماء ليس إتيانا بدين جديد، وإنما هو عمل مشرعي له صور منها: - العودة بالإسلام والمسلمين إلى المنايع الصافية (القرآن والسنة) بعيدا عن كلام البشر وتشقيقاتهم التي أبعدتهم عن صفاء المصدر ونقاء النبع الرباني. - تجديد الفهم للدين بتصحيح مفاهيمه وبيان صورته الصحيحة. - تجديد العمل به من خلال بيان محاسنه وفضائله وخصائصه ودفع الناس إلى التمسك بأحكامه. - إزالة ما علق به من شبهات وما لحق به من بدع وخرافات. (1)رواه أبو داود1924)، والحاكم1/765)، وصححه الألباني في صحيح الجامع4751) عن أبي هريرة . (2) من أجل صحوة إسلامية راشدة د يوسف القرضاوي من موقع الشيخ حفظه
عدد الصفحات ٤5 - تجديد تنزيله فيالوقائع المتجددة والحوادث المتغيرة بحيث يظل الدين مهيمنا وحاكما على الحياة. - نشر العلم وتعليمه وتقليل الجهل وتحجيمه. - محاربة البدعة وأهلها ونصرة السنة وأهلها. ومعلوم أن المجدد قد يكون فردا وقد يكون جماعة أو مؤسسة أو حركة، ومجالات التجديد أو مساحاته كثيرة شاملة، بحيث يكون في جوانب الإسلام المتعددة فهناك تجديد في جانب العقيدة، وفي جانب التعبد الروحانية، وفي مجالات المعاملة والاقتصاد، وجوانب العمل والاتباع، ومجال الدعوة والحركة والجهاد، إنه تجديد شامل للدين الشامل، بحيث يظل الدين محفوظا قائما حيا لا تخفى حججه ولا يزول سلطانه إلى يوم الدين. فما نصيب شيخنا القرضاوي من هذا الحديث الشريف، هذا ما سيظهر جليا إن شاء الله تعالى في هذا البحث الموجز.
عدد الصفحات ٥2 المبحث الأول : القرضاوي والطريق إلى التجديد الكلام عن التجديد عند العلامة "القرضاوي" لا بد أن يبدأ بتناول المؤهلات التي وصلت بالشيخ إلى صفة "المجدد"، وهذا يفسر لنا حقيقة التجديد عند الشيخ وأنه ليس انتحالا ولا ادعاء وإنما هو حقيقة ماثلة لمن تأمل وعرف طريق القرضاوي إلى التجديد. مؤهلات التجديد لدى القرضاوي: في هذه المسالة نتناول الأسباب والعوامل والدوافع والأجواء التي وصلت بالشيخ إلى درجة" التجديد" وهي كما يلي: 5) الانطلاق منالفهم الصحيح للقرآن وفهم السنة المطهرة في ضوئه القرآن الكريم والسنة المطهرة هما أصل الإسلام ومصدره الأساس ، من فهم القرآن الكريم وفهم طبيعة الخطاب القرآني ورد النصوص النبوية إليه وحاكم إليه الظنيات، ورد إليه كلام الفقهاء وتفريعاتهم سعد بحسن الفهم وصحة النظر الشرعي، ونحسب الشيخ القرضاوي من هؤلاء النفر الذين منحهم الله تعالى حسن الفهم للقرآن وفهم السنة وقضايا الشريعة والحياة في ضوئه فمنحهم الله تعالى ما منح كلامه من أنه لا تنقضي عجائبه وهذا هو روح التجديد، وقد قال في مقدمة كتابه " فتاوى معاصرة " : "وقد تبين لي بطول الدراسة والممارسة، أن الرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة يقترن دائما بالتخفيف والتيسير، والبعد عن الحرج والتعسير. على خلاف الرجوع إلى الفقه المذهبي الذي حمل على طول العصور كثيرا من التشددات، نتيجة الاتجاه إلى الأخذ بالأحوط غالبا. وإذا صار الدين مجموع "أحوطيات" فقد روح اليسر، وحمل طابع الحرج والمشقة، مع أن الله تعالى نفى الحرج عنه نفيا باتا حين قال: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)" (3). وللشيخ رحلة طويلة مع القرآن سجلها في مذكراته حيث ابتدأ حفظه صبيا صغيرا في التاسعة من عمره كما كتب عن نفسه، فتشربت روحه روح القرآن، يظهر ذلك جليا لمن تتبع فكر الشيخ وفتاواه واجتهاداته، حتى إنه - حفظه الله- في كتابه القيم "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" قع د قاعدة نصها :"الاهتمام بالأشياء على قدر اهتمام القرآن بها"(4) وهي قاعدة جليلة تحقق التوازن في فهم قضايا الشرع والواقع، قال الشيخ عنها إنها :"معيار لايضل ولا يخطيء"(5) وفصل الشيخ في هذه القاعدة تفصيلا علميا أصل به قاعدته. وفي كتابه "كيف نتعامل مع السنة النبوية " وفي الباب الثالث منه وعنوانه "معالم وضوابط لحسن فهم السنة النبوية" ذكر – حفظه الله – أيضا قاعدة مكملة القاعدة السابقة جعلها المعلم الأول من معالم حسن فهم السنة وهي :" فهم السنة في ضوء القرآن الكريم"(6) وقال في هذه القاعدةفالقرآن هو روح الوجود الإسلامي، وأساس بنيانه، وهو بمثابة الدستور الأصلي الذي ترجع إليه كل القوانين في (3) مقدمة فتاوى معاصرة1/2. ) (4) كيف نتعامل مع القرآن العظيم د/ يوسف القرضاوي151) ط الثالثة- دار الشروق – القاهرة - 2222م (5)السابق151.) (6) كيف نتعامل مع السنة النبوية د/ يوسف القرضاوي111) ط الثانية– دار الشروق – القاهرة – 2222م
عدد الصفحات ٦7 الإسلام فهو أبوها وموئلها"(7) ثم حاكم الشيخ بعض الروايات إلى القرآن وبين حقيقتها وموقعها من الشرع الحنيف. ولقد عاب الشيخ - حفظه الله - على قوم يهملون تلك الأصول والمرجعية الكبرى في الإسلام ويتيهون في خضم كلام البشر غير المعصوم ولا يصلون إلى شيء ذي بال بعد إهمال الأصول وقد قالوا قديما "من ضيع الأصول حرم الوصول" إن المطالع لتراث الشيخ يلمس بوضوح كيف يستشهد بالقرآن وكيف يحل به معضلات فكرية وفقهية اضطربت فيها الأقوال بسبب عدم إحكام النظر في نصوص الوحيين، وهنا أذكر أمثلة تبين أن الفيصل فيها هو فهم القرآن وحسن تنزيل آياته، أسوقها هنا كنماذج يمكن لمن أراد التوسع فيها الرجوع إلى مظانها من كتب الشيخ: - قضية حكم السلام على أهل الكتاب. - قضية تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم. - قضية سر تكرار قصة سيدنا موسى وبني إسرائيل في القرآن الكريم. وكثيرة تلك القضايا التي استطاع الشيخ – حفظه الله – تبيان وجه الحق فيها بصورة تقطع الجدل حولها، وهذا افق في الفهم والتجديد لا يوفق إليه الكثيرون. 4) تخرجه في مدرسة فكرية وفقهية تجديدية يتأثر الإنسان بطبيعة المدرسة فيها، ومن حسن القدر الإلهي أن ينتمي الشيخ مبكرا إلى مدرسة فقهية اشتهرت بمدرسة "الرأي" وهي مدرسة الحنفية فكان لها أثر كبير في عقلية الشيخ الناقدة التي تنظر إلى الأسرار وما وراء النص، وقد ظهر هذا مبكرا في منهجية الشيخ الفقهية بدءا من كتابه القيم "الحلال والحرام" وانتهاء بفتاويه المعاصرة التي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا. ثم تأثر الشيخ بمدارس ومنهجيات المجددين الأقدمين الذي ينمي منهجهم العلمي والعملي في تلامذتهم الملكة أكثر من التحصيل، من هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، ثم بدا تأثر الشيخ بالشاطبي والعز بن عبد السلام واضحا جليا ، والعز والشاطبي كلاهما مدرسة لا تزال بكرا إلى اليوم، وقد رأيت تأثر الشيخ واضحا بمنهجية الشاطبي، لاحظت ذلك وأنا أبحث رسالتي الدكتوراه "فقه الدعوة عند الإمام الشاطبي" فقد وسع الشيخ أفكاره وأحيا مفاهيم كثيرة طرحها الشاطبي ويكفي أن نعلم أن كتاب الشيخ القرضاوي "عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية" قام بنيانه على موضع للشاطبي في الموافقات، إلا أن القرضاوي وسع البنيان وضرب الأمثلة وربط بين النظرية الشاطبية والتطبيق المعاصر بصورة بديعة. وفي كتابه "فقه الأولويات" نرى عصارة فكر العز بن عبد السلام بادية ، والعز صاحب إبداع غير مسبوق في نظريته في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" التي صاغ القرضاوي أيضا نظرية " الأولويات" في كتابه القيم الماتع "فقه الأولويات" الذي تتلمذ عليه الكثير في المشارق والمغارب. تلك هي "المدرسة التراثية" التي تأثر بها الشيخ فغرست في نفسه روح التجديد والعملية. (7)السابق111.)
عدد الصفحات ٧8 أما المدرسة الحديثة في التجديد فقد كان الشيخأمس احد تلامذتها، وهو اليوم أحد بل أبرز أعلامها من هذه المدارس: مدرسة الإحياء الفكري: وهي مدرسة الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. ومدرسة التجديد الشامل للإسلام : وبخاصة في جانب الدعوة وهي مدرسة "الإخوان المسلمون" ورائدها وإمامها المجدد "حسن البنا" – رحمه الله- وللشيخ تأثر واضح بأعلامها وروادها وبخاصة الإمام البنا والشيخ الغزالي والفقيه سيد سابق. وقد أوفى الشيخ لتراث هذه المدرسة خدمة وتوسيعا وتجديدا، فشرح مسائل هامة من فكر الإمام البنا كالأصول العشرين شرحا غير مسبوق، وتناول كثيرا من أفكار شيخه الغزالي الفكرية والفكرية بالشرح والتوسيع والتأصيل. وقد سجل – حفظه الله – أثر تلك المدرسة في نظراته التجديدية قائلا :" وكان من نعمة الله علي أن تحررت منذ وقت مبكر أيضا من ربقة التمذهب والتقليد والتعصب لقول عالم بعينه، وإن كانت دراستي الرسمية للفقه على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه. ويرجع الفضل في ذلك لعدة عوامل، منها: بيئة الحركة الإسلامية التي كنت أعيش في رحابها، ودعوة مؤسسها الشهيد حسن البنا -رحمه الله- في رسالته المركزة المسماة "رسالة التعاليم" إلى التحرر من العصبية، ووزن أقوال المتقدمين بميزان الكتاب والسنة، فما وافقهما من أقوال السلف قبلناه، وإلا فكتاب ربنا، وسنة نبينا، أولى بالاتباع"(8). 4) الرسوخ في العلم معشمول الثقافة والاطلاع : لا يبدع الإنسان في شيء ولا يجدد فيه إلا بعد الإحاطة به والتعمق فيه، كما قال الشاطبي قديما في إفاداته تحت عنوان "شروط العالم "- كثيرا ما كنت أسمع الأستاذ أبا علي الزواوي يقول قال بعض العقلاء : لا يسمى العالم بعلم ما عالما بذلك العلم على الإطلاق ، حتى تتوفر فيه أربعة شروط : أحدها: أن يكون قد أحاط علما بأصول ذلك العلم على الكمال. والثاني: أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم. والثالث: أن يكون عارفا بما يلزم عنه. والرابع: أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم"(9). ونحسب الشيخ قد أتقن كثيرا من العلوم وبخاصة علمي " الفقه والأصول " وشارك في علوم كثيرة فضلا عن الثقافة الشاملة وقد صنف - حفظه الله - في كثير من العلوم ، وقائمة مصنفاته العجيبة تدل على ذلك ، فقد كتب كثيرا في الفقه وبعض قضايا الأصول والمقاصد وكتب في علوم الدعوة والعقيدة والتراجم والفكر الإسلامي العام والاقتصاد والأفكار المعاصرة والشعر والرواية وغير ذلك. (8) فتاوى معاصرة د / يوسفالقرضاوي (1/2.) (9) الإفادات والإنشادات لأبي إسحاق الشاطبي11) نسخة قديمة غير محققة- بدون.
عدد الصفحات ٨9 إن موسوعية الشيخ أهلته لمقام التجديد في الفقه والفكر والدعوة، وهذا شان المجددين في كل عصر يظهر ذلك لمن وقف على تراجمهم وتفاصيل حياتهم. 3) الدراية بالواقع المحلي والإقليمي والعالمي إن العالم لكي يكون مجتهدا مجددا لابد له من ثلاث عمليات كبرى: الأولى : فهم الوحيين (الكتاب والسنة) المعبر عنها بالنص. الثانية: فهم الواقع وحسن الدراية به. الثالثة : التمكن من تنزيل النص على الواقع. وقد تمكن الشيخ من العلميات الثلاث الكبرى فأدرك النص وتعمق في فهمه من خلال دراسة أزهرية أصيلة اتسمت بالموسوعية والشمول، ثم تحرك في العالم شرقا وغربا شمالا وجنوبا، اطلع على الواقع بتفاصيله وقضاياه واحتياجاته ومتغيراته، وعرف كيف ينزل الشرع على الواقع المتعدد المتغير ، فأفتى للأقليات بما يناسب الأقليات، وأفتى لشباب الحركة الإسلامية لدرايته بواقعهم، وأفتى في قضية فلسطين بما يلائم طبيعة الصراع، وأفتى في الثورات العربية وهكذا. وقد ابتليت أمتنا بمشايخ وبعض أهل العلم من امتلأ علما لكنه انفصل عن الواقع فاضطربت الأمور بين يديه فضل وأضل ، وبعضهم أخضع النصوص للواقع ولم يعالج الواقع بالنصوص ، وهكذا مجموعة من النقائص العلمية والعملية أصابت البعض بل الكثير ، لكن الشيخ بحكم التطور الطبيعي في نشأته وحركته فقد انطلق من قرية تعرف من خلالها على عادات وأعراف أهل القرى ، وعاش بالمدن المختلفة فعرف ماذا يجري فيها، وسافر واطلع على أعراف وعادات وتقاليد الشعوب شرقيها وغربيها مسلمها وكافرها، وقد قالوا قديما "السفر نصف العلم" فقد قابل الشيخ الساسة ورجال المال وعلماء الدين، حضر المؤتمرات ، عاش الحركة الإسلامية العالمية ، ترأس مؤسسات علمية ، قام بأعمال إدارية وغير ذلك مما كون خبرة واسعة لدى الشيخ، فاجتهد وجدد في ضوء الواقع ومتطلباته واستطاع من خلال علمه وخبرته أن يربط بين النص والواقع، وهذا هو عين التجديد وقد قال السلف كما في الفكر السامي للثعالبي "إن للقرآن نزولا وتنزيلا أما النزول فقد تم وأما التنزيل فهو باق إلى يوم القيامة" . ومن قرأ مذكرات الشيخ وما مر به في حياته يجزم أن تلك الخبرات المتنوعة والواسعة تؤهل صاحبها لأن يكون شيئا مذكورا في عالم الاجتهاد والتجديد، ولا شك أن هذه صناعة ربانية ليحفظ الله تعالى بهؤلاء دينه ودعوته. 1) الملكةالعلمية التجديدية : الفقه في الدين والاجتهاد فيه والوصول إلى مرحلة التجديد يحتاج عقلية ونفسية غير تقليدية وهو ما نسميه "الملكة" يقول ابن خلدون :" الحذق في العلم ، والت فَنُّن فيه ، والاستيلاء عليه ـ إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده ، والوقوف على مسائله ، واستنباط فروعه من أصول . وما لم تَحْصُل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك المُتَنَاوَل حاصِلاً "(10) .وقد امتاز الشيخبهذه المنحة الربانية فقد ورد في الحديث الصحيح :" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"(11) (10)مقدمة ابن خلدون(2/111ـ112) طبعة : مؤسسة الكتب الثقافية (11) رواه البخاري ك العلم/ ب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
عدد الصفحات ٩12 والفقه الذيهو دقة الفهم ولطف الإدراك وحسن الدرك للمعاني غير الحفظ والترديد والنقل عن الآخرين، ونحسب أن الشيخ - حفظه الله – منح هذا المعنى الرباني الوارد في الحديث فوصل به الى صفة المجدد. 6) الجرأة وعدم الخوف من إبداء الرأي والاجتهادات. المجدد تنقدح في نفسه معاني غير معهودة رغم أنها صحيحة فيكون حينئذ بين خيارين إما أن يخاف الجهر بالرأي الجديد غير المعهود تجنبا للانتقاد والهجوم والاتهام من الآخرين، وإما أن يجهر بما اعتقده صوابا وإن خالف الجميع وحينئذ يلقى من النقد وهجوم الآخرين عليه ما لا طاقة له به. والمجدد لا يبالي بموقف الناس من اجتهاده ، فقد رأينا عالما مجددا كابن تيمية وهو حنبلي المذهب يخالف في بعض آرائه مذهبه والمذاهب الثلاثة، كما في مسألة طواف الحائض وعدم وقوع الطلاق البدعي وغير ذلك من الآراء في التوسل وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي جلب عليه انتقادات وصلت إلى تكفيره والحكم عليه بأحكام قاسية شعبية ورسمية، لكنه - رحمه الله- لم يبال بشيء من ذلك كله فكتبت لآرائه البقاء، ونحسب أن الشيخ لم يقل هذه الآراء بالتشهي والهوى. وقد جهر الشيخ القرضاوي بآراء واجتهادات كانت سببا في الهجوم عليه من بعض المخالفين له والكارهين، وهنا أقول إن الشيخ تعرض لما لم يتعرض له كثير من علماء العصر من الهجوم على شخصه واتهامه في دينه وعقله وعقيدته لا لسبب إلا أنه خالف أهل العصبية والتقليد فيما ألفوه ودرجوا عليه. وقد أفاد الشيخ كثيرا باجتهاداته الصحيحة أو حتى المرجوحة في نظر البعض، أفاد الأمة وفتح لها بابا قبل أن تكسره هي، فرأينا فتوى بخصوص بقاء المرأة التي أسلمت تحت زوجها غير المسلم، وفتوى جواز شراء البيوت لبعض مسلمي الغرب بقرض ربوي بضوابط وغير ذلك، رأينا كيف أفادت هذه الفتاوى وحلت مشاكل للمسلمين وأخرجتهم من الحرج والعسر، على الرغم مما نال الشيخ بسبب هذه الفتاوى من هجوم حاد وشرس. 7) التركيز نحو الهدف وعدم الدخول في معارك جانبية كتبت مكتوبات كثيرة ونشرت أخبار وخطبت خطب ودونت مقالات كلها تهاجم الشيخ وتتهمه بأبشع الاتهامات، ومع ذلك لم يلتفت الشيخ إلى كل هذا، وركز نحو هدفه الذي وقف حياته عليه وهو خدمة الإسلام وتعليم الأمة والدفاع عن فلسطين ، وأتصور أن الشيخ لو دخل في القيل والقال ووجه جهده للرد على منتقديه لضاعت كثير من جهوده ولما وصل إلى ما وصل إليه . ولا شك أن هذا الخلق من التحمل والصبر وعدم الانتصار للنفس دال على نفس كبيرة واثقة تعرف هدفها وتتجه نحوه بخطى واثقة ثابتة. إن العالم عليه أن يصرف نفائس أوقاته وأنفاسه في العلم والعمل والدعوة والجهاد والدفاع عن الأمة دون دخول في مهاترات تستهلك وقته وتهدر جهده وطاقته بل وتضيع شخصيته وتنزل بها إلى مستوى الضعفاء . ولقد أحسن الشيخ في هذا الموضوع أيما إحسان وأتمنى أن يكون العلماء كذلك واثقين يعملون بإخلاص ولا يبالون بعد ذلك مدحهم الناس أو ذموهم.
عدد الصفحات ١٠11 المبحث الثاني: معالم التجديد وجوانبه عند الشيخ القرضاوي تعددت جوانب التجديد في تراث الشيخ بصورة ملموسة، وفي هذا المبحث نذكر طرفا من معالم وجوانب التجديد عند الشيخ : أولا: التجديد في فهم الإسلام ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم:" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"(12) والحديث إما أن يُحمل على الإخبار فيكون معناه: أن الله تعالى يهيئ لهذا الدين في كل جيل حملة عدولا يقومون بواجب الدفاع عنه وتبليغه على أنصع وجه، وإما أن يحمل على الإنشاء ويكون المراد به الأمر ويكون المعنى: لِ يحمل هذا العلم "الدين" من كل خلف عدول من العلماء والدعاة والمجاهدين يقومون بالواجب نحوه بنفي انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين، ويعضد هذا التفسير ورود الحديث في إحدى طرقه بلفظ: "ليحمل هذا العلم...." بلام الأمر عند أبن أبي حاتم كما أفاد السيوطي. وهذا الحديث يبين أن وظيفة العلماء العدول المجددين تظهر في هذه الأعمال الثلاثة الجليلة : - نفي تحريف الغالين. - نفي تأويل الجاهلين. - نفي انتحال المبطلين. والتحريف والانتحال وسوء التأويل أعمال تشوه الفكر وتضلل الفهم وتغطي الحقيقة وتنتج سوء الفهم ، وأحسب أن الشيخ من العلماء العدول الذين قاموا بواجبهم تجاه دينهم فقاموا بالواجبات الثلاث المشار إليها في الحديث المذكور. وقضية فهم الإسلام - في نظري - أوسع جانب ظهر فيه تجديد الشيخ – حفظه الله –. وعمل الشيخ في هذا الجانب يعد امتداد لما بدأه الإمام "حسن البنا"، ومعلوم مدى التردي الذي وصل إليه العقل المسلم في قضية فهم الإسلام، بفعل عوامل عدة منها الجهل والغزو الفكري والتقليد وشيوع الخرافات وغير ذلك مما شوه كثيرا من حقائق الإسلام في عقول المسلمين ، فعمل الشيخ – حفظه الله – على أن يزيل عن الإسلام تحريفات الغالين التي هي إحدى وظائف المجددين، فكان كتابه "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف" وكتابه "ظاهرة الغلو في التكفير" وكلا الكتابين طبعا طبعات عدة وانتشرت انتشارا واسعا بلغات متعددة وكان لها اثر بالغ في ترشيد صحوة الشباب وتوجيه الجماعات إلى الوسطية حتى إن جماعة كاملة راجعت أفكارها وعدلت مسلكها بسبب القناعة بهذا الفكر، وقد عبر قادتها عن ذلك في كتبهم التي كتبوها كمراجعات لأفكارهم السابقة. (13) . (12)الحديث صححه بعض أهل العلم وضعفه الأكثرون وحسنه بعض منهم وعلى كل حال الحديث معناه صحيح على كلا التفسيرين الذين أشرت إليهما في صلب البحث وللسيوطي كلام واسع في بيان درجة الحديث في تدريب الراوي (155-153).ط مكتبة الكوثر1115هـ بيروت–تحقيق أب قتيبة نظر محمد الفاريابي. (13) يراجع في ذلك /أثر القرضاوي على الحركة الإسلامية د/ أكرم كساب11-11) ط2223م
عدد الصفحات ١١12 وكتب الشيخ كتبه :" الخصائص العامة للإسلام ، ومدخل لمعرفة الإسلام ، وشمولية الإسلام ، طبيعة المجتمع المسلم الذي ننشده وفقه الأولويات "وغيرها هذه الكتب عنيت مباشرة ببيان الصورة الصحيحة للإسلام بعيدا عن الإفراط والتفريط، وقد درست هذه الكتب في جامعات ومعاهد علمية ودورات فصححت كثيرا من أفكار ومفاهيم حول الإسلام، وقل أن تجد إماماً في الأوقاف في بلد كمصر مثلا لا يقتني هذه الكتب ولم يجعلها مواضيع خطب ودروس ومحاضرات لجمهوره، وقد ترجمت تلك الكتب بلغات شتى وطبعت مرات عديدة فكان لها أثرها البالغ في تجديد فهم الإسلام. ثم قام الشيخ برد انتحالات المبطلين في سلسلته " حتمية الحل الإسلامي" وكتابه " العلمانية والإسلام وجها لوجه" فجلى وجه الحقيقة الإسلامية برد الشبهات التي علقت بالعقل المسلم بعد الخديعة الكبرى التي صنعها الاشتراكيون والشيوعيون والعلمانيون في بلاد الإسلام ، وهذا جانب قام به الشيخ في وقت خرست فيه أصوات كثيرين أو نطقت على حياء وخجل. ثم حارب الشيخ بقوة في معركة تجديدية فكرية واسعة الأطناب في قضية تأويل الجاهلين حيث "الظاهرية الجدد" كما سماهم الشيخ القرضاوي، تلك المعركة التي نال الشيخ فيها ما ناله من اتهامات شنيعة في دينه وعقيدته وعقله لكن الشيخ وقف في هذه المعمعة غير عابئ بتلك السهام الطائشة التي ارتدت على أصحابها. وكتب الشيخ لنفي تأويل الجاهلين كتبا عديدة منها "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف – كيف نتعامل مع السنة النبوية – الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد - والصحوة الإسلامية بين الاختلاف المحمود والتفرق المذموم" وغير ذلك من فصول ومباحث في كتب عديدة ردت تأويلات الجاهلين وبينت وجه الحق. وإن من أخطر وأهم القضايا التي أبدع فيها الشيخ وجدد النظر والفهم لها قضية "الجهاد" التي ضل في فهمها البعض وغالى الكثيرون وفرط الأكثر فجاء كتابه :"فقه الجهاد" ليكون مرجعا تجديديا ضابطا لفهم هذه القضية الخطيرة وسط المتغيرات العالمية، حيث ضبط مفاهيمها وحدد أبعادها وبين جوانبها وبين ثوابتها ومتغيراتها بصورة غير مسبوقة في الفكر الإسلامي ، فسد الشيخ ثغرة فقهية وفكرية كانت الأمة في أمس الحاجة إليها. 4) التجديد في منهج الفتوىوعرض الفقه: الشيخ "القرضاوي" فقيه بامتياز جدد في عرض الفقه وصياغته ،وجدد في منهج الفتوى، نظر في التراث الفقهي لكنه لم يرض لنفسه أن يكون مقلدا بلا فحص وتمييز، وأدرك الواقع بتعقيداته ومتغيراته واحتياجاته فانتقى من التراث ما يعالج هذا الواقع بعيدا عن الإفراط والتفريط، وقد سجل الشيخ منهجه في تناول الفقه وعرضه ومنهجه الإفتائي في أكثر من كتاب، ففي مقدمة كتابه "الحلال والحرام في الإسلام " بين طرفا من منهجيته في فهم الفقه وعرضه على الناس فقال :" هذا وقد كان الموضوع الذي عهدت إلي إدارة الثقافة أن أكتب فيه هو: (الحلال والحرام في الإسلام) وأولت في كتبها إلي أن يراعى في الكتابة التبسيط، وسهولة الإقناع، والمقارنة مع الأديان والثقافات الأخرى.
عدد الصفحات ١٢13 وربما موضوع (الحلال والحرام) سهلا لأول وهلة، ولكنه في الواقع لعب المرتقى، فلم يسبق لمؤلف في القديم أو الحديث أن جمع شتات هذا الموضوع في كتاب خاص. ولكن الدارس يجد أجزاءه موزعة في أبواب الفقه الإسلامي كلها، وبين ثنايا كتب التفسير والحديث النبوي. ثم إن موضوعا كهذا يضطر الكاتب إلى أن يحدد موقفه من أمور كثيرة اختلف في حكمها علماؤنا القدامى، واضطربت فيها وفي تعليلها آراء المحدثين. وترجيح رأي على غيره في مسائل الحلال والحرام يحتاج إلى أناة وطول بحث ومراجعة، بعد أن يتجرد الباحث لله في طلب الحق، جهد الإنسان. وقد رأيت معظم الباحثين العصريين في الإسلام والمتحدثين عنه يكادون ينقسمون إلى فريقين: فريق خطف أبصارهم بريق المدنية الغربية، وراعهم هذا الصنم الكبير، فتعبدوا له، وقدموا إليه القرابين ووقفوا أمامه خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، هؤلاء الذين اتخذوا مبادئ الغرب وتقاليده قضية مسلمة لا تعارض ولا تناقش، فإن وافقها الإسلام في شيء هللوا وكبروا، وإن عارضها في شيء وقفوا يحاولون التوفيق والتقريب، أو الاعتذار والتبرير، أو التأويل والتحريف، كأن الإسلام مفروض عليه أن يخضع لمدنية الغرب وفلسفته وتقاليده. ذلك ما نلمسه في حديثهم عما حرم الإسلام من مثل: التماثيل واليانصيب والفوائد الربوية والخلوة بالأجنبية، وتمرد المرأة على أنوثتها، وتحلي الرجل بالذهب والحرير … (الخ) ما نعرف. وفي حديثهم عما أحل الإسلام من مثل: الطلاق وعدد الزوجات.. كأن الحلال في نظرهم ما أحله الغرب والحرام ما حرمه الغرب. ونسوا أن الإسلام كلمة اللّ، وكلمة اللّ هي العليا دائما، فهو يتبع ولا يتبع، ويعلو ولا يعلى، وكيف يتبع الرب العبد، أم كيف يخضع الخالق لأهواء المخلوقين؟ (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) المؤمنون:84. (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل اللّ يهدي للحق. أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى؟ فما لكم كيف تحكمون) يونس:53 . هذا فريق. والفريق الثاني جمد على آراء معينة في مسائل الحلال والحرام. تبعا لنص أو عبارة في كتاب، وظن ذلك هو الإسلام، فلم يتزحزح عن رأيه قيد شعرة، ولم يحاول أن يمتحن أدلة مذهبه أو رأيه، ويوزنها بأدلة الآخرين ويستخلص الحق بعد الموازنة والتمحيص. فإذا سئل عن حكم الموسيقى أو الغناء أو الشطرنج أو تعليم المرأة أو إبداء وجهها وكفيها أو نحو ذلك من المسائل، كان أقرب شيء إلى لسانه أو قلمه كلمة (حرام) ونسي هذا الفريق أدب السلف الصالح في هذا، حيث لم يكونوا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعا. وما عدا ذلك قالوا: فيه نكره، أو لا نحب، أو نحو هذه العبارات. وقد حاولت ألا أكون واحدا من الفريقين. فلم أرض لديني أن أتخذ الغرب معبودا لي، بعد أن رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا.
عدد الصفحات ١٣14 ولم أرض لعقلي أن أقلد مذهبا معينا في كل القضايا والمسائل أخطأ أو أصاب، فإن المقلد-كما قال ابن الجوزي- (على غير ثقة فيما قلد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل، لأنه خلق للتأمل والتدبر. وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة.) أجل، لم أحاول أن أقيد نفسي بمذهب فقهي من المذاهب السائدة في العالم الإسلامي ذلك أن الحق لا يشتمل عليه مذهب واحد. وأئمة هذه المذاهب المتبوعة لم يدعوا لأنفسهم العصمة، وإنما هم مجتهدون في تعرف الحق، فإن أخطؤوا فلهم أجر، وأن أصابوا فلهم أجران. قال الإمام مالك: (كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم). وقال الإمام الشافعي: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.) وغير لائق بعالم مسلم يملك وسائل الموازنة والترجيح أن يكون أسير مذهب واحد، أو خاضعا لرأي فقيه معين. بل الواجب أن يكون أسير الحجة والدليل. فما صح دليله وقويت حجته، فهو أولى بالإتباع. وما ضعف سنده، ووهت حجته، فهو مرفوض مهما يكن من قال به، وقديما قال الإمام علي رضي الله عنه: (لا تعرف الحق بالرجال، بل أعرف الحق تعرف أهله). وقد حاولت أن أراعي ما طلبته إدارة الثقافة قدر ما استطعت، فعنيت بالتدليل والتعليل والموازنة، مستعينا بأحدث الأفكار العلمية والمعارف العصرية. وقد كان جانب الإسلام والحمد لله مشرقا وضاء يحمل الدليل الناصع، على أنه دين الإنسانية العام الخالد (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) البقرة:111("14). وفي مقدمة كتابه فتاوى معاصرة يحدد الشيخ منهجية واضحة في الفتوى هي في تصوري خطة تجديدية في فهم الفقه وعرضه والافتاء به لا نجدها عند كثير ممن يتعرضون للفتوى في العصر الحاضر وسأختصرها في السطور الآتية وهي تحت عنوان :" نهجي في الإفتاء" قال الشيخ حفظه الله :"وكان المنهج الذي اتبعته في هذه الفتاوى يقوم على عدة قواعد، أهمها : لا عصبية ولا تقليد أولا :التحرر من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى لزيد أو لعمرو من المتقدمين أو المتأخرين. فقد قيل: لا يقلد إلا عصبي أو غبي. وأنا لا أرضى لنفسي واحدا من الوصفين ... وهذا الموقف لا يتطلب من العالم المسلم المستقل في فهمه أن يكون قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق كالأئمة الأولين، وا ن كان هذا غير ممنوع شرعا ولا قدرا. ولكن حسب العالم المستقل في هذا الموقف أمور: أ ) ألا يلتزم رأيا في قضية بدون دليل قوي، سالم من معارض معتبر، ولا يكون كبعض الناس الذين ينصرون رأي ا معينا لأنه قول فلان، أو مذهب فلان، دون نظر إلى دليل أو برهان ... (14)الحلال والحرام في الإسلام د/ يوسف القرضاوي12-12)ط الحادية والعشرون- مكتبة وهبة – القاهرة - 1993م
عدد الصفحات ١٤15 ب) أن يكون قادرا على الترجيح بين الأقوال المختلفة، والآراء المتعارضة بالموازنة بين أدلتها، والنظر في مستنداتها من النقل والعقل، ليختار منها ما كان أسعد بنصوص الشرع، وأقرب إلى مقاصده، وأولى بإقامة مصالح الخلق التي نزلت لتحقيقها شريعة الخالق ..... (جـ) أن يكون أهلا للاجتهاد الجزئي: أي الاجتهاد في مسألة معينة من المسائل وا ن لم يكن فيها حكم للمتقدمين، بحيث يستطيع أن يعطيها حكمها بإدخالها تحت عموم نص ثابت، أو بقياسها على مسألة مشابهة منصوص على حكمها، أو بإدراجها تحت الاستحسان أو المصالح المرسلة، أو غير ذلك من الاعتبارات والمخخذ الشرعية ..... روا ولا تعسروا يس ثانيا : تغليب روح التيسير والتخفيف على التشديد والتعسير، وذلك لأمرين: الأول :أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج عن العباد، وهذا ما نطق به القرآن، وصرحت به السنة في مناسبات عديدة. والأمر الثاني: طبيعة عصرنا الذي نعيش فيه، وكيف طغت فيه المادية على الروحية، والأنانية على الغيرية، والنفعية على الأخلاق، وكيف كثرت فيه المغريات بالشر، والمعوقات عن الخير، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، حيث تواجهه التيارات الكافرة عن يمين وشمال، ومن بين يديه ومن خلفه، تريد أن تقتلعه من جذوره، وتأخذه إلى حيث لا يعود . وهي تيارات تحركها وتغذيها قوى ضخمة، تمدها بالتمويل والتخطيط والتوجيه، وتسهل لمن اتبعها طريق الشهوات، وربما طريق الوصول إلى المناصب والدرجات. والفرد المسلم في هذه المجتمعات يعيش في محنة قاسية، بل في معركة دائمة، فقلما يجد من يعينه، وا نما يجد من يعوقه. ولهذا ينبغي لأهل الفتوى أن ييسروا عليه ما استطاعوا، وأن يعرضوا عليه جانب الرخصة أكثر من جانب العزيمة. ترغيباً في الدين، وتثبيتاً لأقدامه على طريقه القويم. وقد نقل الإمام النووي في مقدمات "المجموع" كلمة حكيمة للإ مام الكبير -إمام الفقه والحديث والورع - سفيان الثوري. قال فيها: "إنما العلم الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد."! فالعالم حقاً -في نظر الثوري رحمه الله - من يراعي الرخص والتيسير على عباد الله، شرط أن يكون ثقة في علمه ودينه. إننا أحوج ما نكون إلى التوسع ة على الناس. وهذا ما اخترته لنفسي أن أيسر الفروع، حين أشدد في الأصول وليس معنى هذا أن ألوي أعناق النصوص رغماً عنها، لأستخرج منها -كرهاً - معاني وأحكاماً
عدد الصفحات ١٥12 تيسر على الناس. كلا، فالتيسير الذي أعنيه، هو الذي لا يصادم نصاً ثابتاً محكماً، ولا قاعدة شرعية قاطعة، بل يسير في ضوء النصوص والقواعد والروح العامة للإسلام ...... وعلى العموم: إذا كان هناك رأيان متكافئان: أحدهما أحوط، والثاني أيسر فإني أوثر الإفتاء بالأيسر، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً . أما الأحوط فيمكن أن يأخذ به المفتي في خاصة نفسه، أو يفتي به أهل العزائم والحريصين على الاحتياط، ما لم يخش عليهم الجنوح إلى الغلو . مخاطبة الناس بلغة العصر: ثالثاً :ومن القواعد التي التزمتها، أن أخاطب الناس بلغة عصرهم التي يفهمون، متجنباً وعورة المصطلحات الصعبة، وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخياً السهولة والدقة. وقد جاء عن الإمام علي: (حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟. وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ولكل عصر لسان أو لغة تميزه وتعبر عن وجهته. فلابد لمن يريد التحدث إلى الناس في عصرنا أن يفهم لغتهم ويحدثهم بها. ولا أعني باللغة مجرد ألفاظ يعبر بها قوم عن أغراضهم، بل ما هو أعمق من ذلك، مما يتصل بخصائص التفكير، وطرائق الفهم والإفهام . ولغة عصرنا تتطلب عدة أشياء، يجب على المفتي أن يراعيها : أ ) أن يعتمد على مخاطبة العقول بالمنطق، لا على إثارة العواطف بالمبالغات. .... ب) أن يدع التكلف والتقعر في استخدام العبارات والأساليب، ولهذا كنت استخدم اللغة السهلة القريبة المأنوسة، وربما استخدمت بعض الألفاظ أو الأمثال العامية لتوضيح ما أريد. ...... جـ) أن يذكر الحكم مقروناً بحكمته وعلته، مربوطاً بالفلسفة العامة للإسلام. وهذا ما التزمته في فتاواي وكتاباتي بصفة عامة.... ولابد أن نعرف طبيعة عصرنا، وطبيعة الناس فيه، ونزيل الحرج من صدورهم ببيان حكمة الله فيما شرع، وبذلك يتقبلون الحكم راضين منشرحين. فمن كان مرتا باً ذهب ريبه، ومن كان مؤمن ازداد إيماناً . ومع هذا لابد أن نؤكد للناس، أن من حق الله تعالى، أن يكلف عباده ما شاء، بحكم ربوبيته لهم، وعبوديتهم له، فهو وحده له الأمر، كما له الخلق. ولهذا لابد أن يطيعوه فيما أمر، ويصدقوه فيما أخبر، وا ن لم يدركوا علة أمره، أو كنه خبره، وعليهم أن يقولوا في الأول: "سمعنا وأطعنا"، وفي الثاني: (آمنا به كل من عند ربنا).
عدد الصفحات ١٦