المملكة العربية السعودية وزارة التعليم جامعة الملك سعود كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية مسار العقيدة شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم عَّض ونقد لأقوال بعرض المستشَّقين إعداد أروى بنت إبراهيم بن عبد الله الجنيدل الرقم الجامعي: 438204082 إشَّاف أ.د. خالد بن عبد الله القاسم أستاذ العقيدة في قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الملك سعود العرام الجامعري 1438 – 1439 هـ الفصل الدراسي الأول
عدد الصفحات ١شبهة المعرب في القرآن الكريم 1 الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم بحكمته وعلمه، وأعجز الثقلين الجن والإنسأن يأتوا بمثله، القائل جل شأنه: ﴿ ﴾ الإسراء: 88، والصلاة والسلام علىنبينا محمد ﷺ الذي أوحى إليه ربه بالقرآن العظيم ليكون للعالمين بشيراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا. أما بعرد: فأن إثارة الشبهات حول القرآن الكريم ليست مسألة حديثة؛ بل هي مسألة قديمة منذ أن بزغ نور دعوته ﷺ، حيث بدأ كفار قريش بالطعن في القرآن الكريم، وإثارة الشبهات حوله، فوصفوه بأنه شعر، وسحر، وأفك مفترى، كما قالوا أنه أساطير الأولين، وقد سجل القرآن الكريم هذه الأبا طيل والمفتراتت ودحضها، قال تعالى: ﴿ ﴾ يس:69، وقال تعالى: ﴿ ﴾ سبأ: 43، وقال تعا﴿ ﴾ الفرقان: 5، ومنذ عهد النبي ﷺ لم يزل أعداء الله تعالى لا يملون ليل نهار، من تدبير ما يفر ملل هذه الأمة و يضعف قو تها ويشككها في مصادرها ، من خلال ما يبثونه من الفتن والشبهات والشهوات، فكان من ذلك تكرار أقوال كفار قريش حيال القرآن الكريم، ثم وبعد ظهور علماء الغرب من المستشرقين أخذ بعضهم يعيدون هذه الافتراءات ويثيرون الشبهات حول القرآن الكريم، وقد كان من بين هذه الشبهات شبهة ( المعرَّب في القَّآن الكَّيم)، ولخطورة هذه الشبهة ولبيان كبير أثرها على القرآن الكريم والدين وما تؤول إلي ه من تكذيب خبر الله -تعالى الله عن ذلك-، فقد أحببت أن أقف على هذه الشبهة بتفنيدها وكشف عوارها وبيان فسادها وبطلانها، والله أسأل التوفيق والسداد.
عدد الصفحات ٢شبهة المعرب في القرآن الكريم 2 أهمية الموضوع و سبب اختياره: لما كان القرآن الكريم من أهم الأهداف التي يتواصى بها المستشرقون بالتصويب إليه، و الطعن فيه، من جميع الجوانب، ولخطورة تلك المطاعن والشبهات على الدين كان لابد من دراسة وافية لأقوالهم و ردها عليهم حتى تتجلى الحقيقة وتتضح ببيان الحق ودفع الباطل، ولطول الموضوع فقد اقت صرت على شبهة (المعرَّب في القَّآن الكَّيم). أهداف البحث: 1. بيان أقوال العلماء في وقوع ( المعربب في القرآن الكريم)، مع الترجيح. 2. بيان بعض أقوال المستشرقين حول شبهة المعربب في القرآن الكريم ). 3. الرد على شبهة المعربب في القرآن الكريم ). أسئلة البحث: 1. ماهي أقوال العلماء في وقوع المعربب في القرآن الكريم)، وما هو القول الراجح؟ 2. ما أقوال المستشرقين حول شبهة المعربب في القرآن الكريم)؟ 3. ماهي الردود على شبهة المستشرقين (المعربب في القرآن الكريم )؟ منهج البحث: لقد اتبعت في هذا البحث المنهج الاستقرائي النقدي . إجَّاءات البحث: لقد التزمت في هذا البحث بالتقيد إججراءات البحث العلمي في عزو الآاتت، و تخريج الأ حاديث، وترجمة الأعلام، و توثيق المراجع والمصادر والفهرسة وغيرها. خطة البحث: اشتمل البحث على مقدمة، و مبحثين، وخاتمة، وفهارس، وبيانها كالآتي: المقدمة، وفيها: أهمية البحث وسبب اختياره، وأهدافه، وأسئلته، والمنهج المتبع، وإجراءات البحث وخ طته. المبحث الأول: وقوع المعرَّب في القَّآن الكَّيم، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: مفهوم التعرَّيب. المطلب الثاني: العرلماء ووقوع المعرَّب في القَّآن الكَّيم.
عدد الصفحات ٣شبهة المعرب في القرآن الكريم 3 المطلب الثالث: هل في القَّآن الكَّيم معرَّب ؟ المبحث الثاني: عَّض أقوال بعرض المستشَّقين حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم، وفيه أربعرة مطالب: المطلب الأول: عَّض قول المستشَّق أدي شير، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. المسألة الثانية: الَّد عليه. المطلب الثاني: عَّض قول المستشَّق يوسف درة الحداد "الخوري حداد"، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. المسألة الثانية: الَّد عليه. المطلب الثالث: عَّض قول المستشَّق نولدكه ، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. المسألة الثانية: الَّد عليه. المطلب الَّابع: عَّض قول المستشَّق اليهودي شاخت، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. المسألة الثانية: الَّد عليه. الخاتمة، وفيها: أهم النتائج البحث. الفهارس.
عدد الصفحات ٤شبهة المعرب في القرآن الكريم 4 المبحث الأول وقوع المعرَّب في القَّآن الكَّيم، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: مفهوم المعرَّ . المعرب: هو ما استعملته العرب من الألفاظِ الموضوعةِ لمعانٍ في غير لغتها (1)، وظاهرة التعريب في كلام العرب، ظاهرة مقررة عند أهل العربية ، والتعريب ليس أخذًا للكلمة من اللغات الأخرى كما هي ووضعها في اللغة العربية، بل التعريب هو: أن تصاغ اللفظة الأعجمية بالوزن العربي، فتصبح عربية بعد وضعها على أوزان الألفاظ العربية، وإذا لم توافق أي وزن من أوزان العر ب، عدلوا فيها بزاتدة حرف ، أو بنقصان حرف أو حروف، وصاغوها على الوزن العربي، فتصبح على وزان تفعيلاتهم، وحينئذ يأخذونها. (2) يقول سيبويه (3) :"كل ما أرادوا أن يعربوه، ألحقوه ببناء كلامهم، كما يـُلْحقون الحروف بالحروف العربية " (4)،ويقول الجوهري (5) في صددتعريف هذه الظاهرة: "تعريب الاسم الأعجمي: أن تتفوه به العرب على منهاجها " (6). المطلب الثا: العرلماء ووقوع المعرَّب في القَّآن الكَّيم: إن مسالة وقوع المعربب في القرآن الكريم من المسائل الخلافية بين العلماء قديماً وحديثاً، وقد تباينت آراءهم حولها، واختلفت إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: ويرى أصحابه عدم وقوع المعربب في القرآن الكريم؛ لقوله تعالى: ﴿ ﴾ الزمر: 28، وبه قال جمعٌ من العلماء، منهم الإمام الشافعي (7)رحمه (1) المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي : 1/211. (2) ينظرجمهرة اللغة ، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد : 3/1322، و الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية : أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري : 1/179،الكتاب: عمرو بن عثمان الملقب سيبويه: 4/303-304. (3) سِيبوَيْه (148-180ه): عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه: إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. ينظر: الأعلام: خير الدين بن محمود الزركلي : 5/81، ومعجم المؤلفين: عمر بن رضا كحالة : 8/10. (4) الكتاب4 /303-304. (5) الجَْوْهَري (ت 393 ه: إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر: أول من حاول (الطيران) ومات في سبيله. لغوي ، من الأئمة، ذو خط جيد. ينظر: الأعلام: 1/313، ومعجم المؤلف2/267. (6) الصحاح1 /179. (7) الإِمَام الشبافِعي (150 - 204 ه: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة عن د أهل السنة. ينظر: الأعلام: 6/26.
عدد الصفحات ٥شبهة المعرب في القرآن الكريم 5 القول الثا ويرى أصحابه وقوع المعربب في القرآن الكريم، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ ﴾ بأن الكلمات اليسيرة غير العربية لا تخرجه عن كونه عربياً فالقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية . القول الثالث: ويرى أصحابه تصديق الفريقين السابقين معاً بالجمع بينهما، وذلك بالقول بعربية الألفاظ بعد أن عربتها العرب ، وهذا القول يتزعمه أبو عبيد القاسم بن سلام (1) حيث قالوالصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعاً، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية، كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها ع ن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصار ت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو ص اد ومن قال: إنها أعجمية فصاد "(2)، و هو الذي جزم به ابن جرير (3)، والجواليقي (4)، وابن الجوزي (5)، وعبد القادر المغر (6)،حيث قال: "إن الكلمة الأعجمية إذا استعملتها العرب على مناهجها أصبحت عربية، أو تحولت عربية بحيث يصح أن ينزل بها الوحي الإلهي، فمن قال: إنها عربية كان صادقاً، ومن قال: إنها أعجمية كان صادقاً، فهي أعجمية في الابتداء، عربية في الانتهاء ، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿ ﴾ يوسف: 2، حقاً وصدقاً، وفي القرآن على هذا كثير من الكلمات المعربة(7). وقبل ترجيح أحد الأقوال السابقة، لا بد من عرض بعض ا قائق العلمية المسلم بها عند العلماء، وهي كما يلي: (1) أبُو عُبـَيْد (157 - 224 هـ: القاسم بن سلابم الهروي الأزدي الخزاعي، بالولاء، الخراساني البغدادي، أبو عُبيد: من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه. ينظر: الأعلام: 5/176، ومعجم المؤلف8/101. (2) ينظرالمهذب فيما وقع في القرآن من المعرب ، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي: 57-59-65. (3) ابن جرير (224 - 310 هـ: محمد بن جرير بن يزيد الطبري (أبو جعفر) مفسر، مقرئ، محدث مؤرخ، فقيه، اصولي، مجتهد. ينظر: الأعلام: 6/69، ومعجم المؤلف9/147. (4) الجَوَالِيقي (466 - 540 ه: موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن، عالم بالأدب واللغة، مولده ووفاته ببغداد. ينظر: الأعلام: 7/335. (5) ابن الجَوْزي (508 - 597 ه: عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج ، علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف ، مولده ووفاته ببغداد. ينظر: الأعلام: 3/316، ومعجم المؤلف5/157. (6) المغر1284 - 1375 هـ: عبد القادر بن مصطفى المغربي، أديب، ناثر، لغوي، مفسر، أصله من تونس. ينظر: معجم المؤلفين: 5/306 . (7) الاشتقا والتعريب، عبد القادر المغر 83.
عدد الصفحات ٦شبهة المعرب في القرآن الكريم 6 1.أن التأثير والتأثر بين اللغات قانون اجتماعي إنساني، أقام عليه علماء اللغة أدلة لا تحصى، واللغة العربية في هذا ليست بدعاً من اللغات الإنسانية، فقد اقترضت قبل الإسلام وبعده ألفاظاً أجنبية، ولم يجد العرب القدماء في هذا حرجاً أو ضيراً بلغتهم. (1) 2.أن اللغةالعربية تمتاز عن غيرها من اللغات بقاعدة "الإقراض أكثر من الاقتراض" لأسباب وعوامل تتعلق بجوها الخاص، ونسيجها الذاتي، ومنشئها الأصيل. (2) 3.أن اللغة العربية تختلف عن غيرها من اللغات ببراعتها في تمثيل الكلام الأجنبي عن طريق صياغته على أوزانها، وإنزاله على أح كامها، وجعله جزءاً لا يتجزء من عناصر التعبير فيها. (3) 4.كان من عادات العرب في جاهليتهم أنه تجري على ألسنتهم بعض الألفاظ التي يحتاجون إليها من لغات الأمم المجاورة، وذلك بعد أن ينفخوا فيها من روحهم العربية، ويتلقفها الشعراء فيدخلونها في أشعارهم، وبمرور الز من يألف الناس استعمالها، فأصبحت جزءاً من لغتهم العربية. (4) 5.لا خلاف بين العلماء في جواز استعمال المعرب، وهو ما استعمله فصحاء العرب من كلمات دخيلة. (5) من خلال هذه الحقائق العلمية يتضح لنا: أنه ما دام العرب في جاهليتهم قد اقتبسوا ألفاظاً من لغات أجنبية وفق قانون التأثير والتأثر، كما أن العلماء قد اتفقوا على جواز استعمال هذ النوع من الألفاظ، وهو ما يسمى بـ "المعربب" فإنه لا ضير من وقوع المعربب في القرآن الكريم؛ لأنه لا يحط من فصاحة اللغة العربية كونها معربة، فتداول العرب لها اكسبها سمة عجيبة صيرته ا في مستوى الألفاظ العربية العري قة في عروبتها، فما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، كما أن هذا لا يقلل من شأن القرآن الكريم ولا اللغة العربية، بل يبين قدرة العرب ومرونة عقلياتهم على تمثل اللغات الأجنبية، وطواعية لغتهم العربية لهم، حتى ليصبح اللفظ الأجنبي في موقعه أفصح من نظيره العربي؛ فلو حاولنا جدلاً أن نرفع كلمة "إستبر " من قوله تعالى: (1) ينظر: دراسات في فقه اللغة، د/ صبحي صا 314، ومن أسرار اللغة، د/ إبراهيم أنيس 109. (2) ينظر: دراسات في فقه اللغة 348. (3) ينظر: دراسات في فقه اللغة 314. (4) ينظرمقال: الفصحى وتحداتت العصر: أ/د. رمضان عبد التواب (منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية) (5) ينظر: فقه اللغة، د/ علي عبد الواحد وا207.
عدد الصفحات ٧شبهة المعرب في القرآن الكريم 7 ﴿ ﴾ الرحمن: 54، لنضع مكانها كلمة "حرير" مثلاً لما وقع اللفظ الثاني موقع اللفظ الأول من الفصاحة والبلاغة والبيان. (1) وهكذا الشأن مع بقية الكلمات الأعجمية التي وردت في القرآن الكريم، حيث جرت مجرى اللف ظ العربي الصحيح، ومن ثم وقع بها البيان، ونزل القرآن "ولا تعارض في هذا بين كون القرآن الكريم منزلاً بلسان عربي مبين، وبين وجود تلك الكلمات الأعجمية الأصل فيه؛ لأن هذه الكلم ات نطق بها العرب واستعملوها على مناهجهم فأصبحت عربية بنطق العرب لها، ثم نزل القرآن والعرب يستعملونها" (2). وبعد هذا فقد رئيت ترجيح القول الثالث، لأنه أعطى دليلاً ثابتاً وقاطعاً، فالكلمات التي وقعت عند العرب من ألفاظ العجم قد عربوها بألسنتهم، وحولوها عن ألف اظ العجم إلى ألفاظهم، فأصبحت عربية من خلال استعمالها، وفارقت أصلها، فجرى عليها ما يج ري على الألفاظ العربية الأصيلة، فهي أعج مية الابتداء، عربية الانتهاء بنزول القرآن الكريم بلسان عربي مبين والله تعالى أعلم. المطلب الثالث: هل في القَّآن الكَّيم معرَّب ؟ وبعد عرض ما سبق يمكننا أن نقول وبالله التوفيق، نعم ورد "الم عربب" في القرآن الكريم على القول الذي رجحناه، ويعد وقوعه سراً من أسرار إعجاز القرآن الكريم. (3) لكن يلاحظ فيما قيلأنه معربب في القرآن الكريم أمران: الأمَّ الأول: أن كل ما دخل العربية من اللغات الأخرى "معربب" لا يخرج عن كونه أسماء لأعلام أو ذوات، ولم يدخلها من أساليب تلك الأقوام شيء، وهذا هو الأمر الطبيعي في تداخل اللغات فيما بينها حيث تنتقل الأسماء؛ إما بنص ِها، وإما بتحوير فيها، وقد تجُهل مدلولاتها في لغتها الأم. الأمَّ الثاني: أنه ليس كل ما قيل في القرآن الكريم أنه "معربب" يكون كذلك . (4) (1) ينظر: المعرب في القرآن الكريم، د/ محمد السيد علي بلاسي 116-117، والمهذب فيما وقع في القرآن من المعرب : 63-64. (2) فقه اللغة، د/ إبراهيم محمد أبو سكين: 53، وينظر: حقائق الإسلام في مواجهة شبهاتالمشككين: 56. (3) ينظر: المعرب في القرآن الكريم، د/ محمد السيد علي بلاسي 123، والمهذب فيما وقع في القرآن من المعرب : 61. (4) ينظر: الدخيل من اللغات القديمة على القرآن من خلال كتابات بعض المستشرقين، د/ مساعد الطيار 22-23، بحث مقدم في (ندوة القرآن في الدراسات الاستشراقية)، بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
عدد الصفحات ٨شبهة المعرب في القرآن الكريم 8 المبحث الثا: عَّض أقوال بعرض المستشَّقين حول المعرَّب في القَّآن الكَّيم. إن أعداء الإسلام من المستشرقين يسعون ليل نهار؛ للطعن في الإسلام، وتشويه صورته، وتشكيك بمصادره؛ طمساً للحقائق وإفساداً للعقائد، ونيلاً من صاحب الرسالة العظمى محمد ﷺ، وقد اتخذوا من قضية (المعربب في القرآن الكريم) جسراً للوصول لمقاصدهم الخبيثة، وافتراءاتهم الباطلة على القرآن الكريم، فقلبوا الحقائق، واتهموا القائلين بعدم ورود "المعربب" في القرآن الكريم بالتعصب والعنصري ة، وادعى بعضهم زوراً وبهتاناً أن ورود "المعربب" في القرآن الكريم من باب التعجيز لا الأعجاز. (1) المطلب الأول: عَّض قول المستشَّق أدي شير، وفيهمسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. فهذا المستشر أدي شير (2)،يزعم في كتابه: الألفاظ الفارسية المعرببه، أن مجموعة كبيرة من أ لفاظ القرآن الكريم واللغة العربية معرببه من اللغة الفارسية، ثم يمضي إلى مقارنة هذه الألفاظ باللغات الأ خرى اللاتينية والهندية ليصل في نهاية المطاف إلى نقض عربية هذه الألفاظ، وإثبات تعريبها عن الفارسية، فيقو ل على سبيل المثال في كلمة "لجة": "اللج: الجماعة الكبيرة، ومعظم الماء، تعريب "لك" وهو الجيش البالغ عدد مائة ألف نفر، ويطلق أيضاً على كل ما بلغ عدده مائة ألف" (3). المسألة الثانية: الَّد عليه. وقد تصدى للرد على مزاعم هذا المستشر د/ علي فهمي خشيم (4)، في كتابه: هل في القرآن أعجمي، فبين أولاً مكانة كتابه: الألفاظ الفارسية في القرآن بين أوساط المستشر قين: "ومن يومها وهو المرجع الأساسي لكل من قال بالدخيل في العربية دون تمحيص أو تدقيق، ولم أر من تصدى للرد عليه أو دحض مزاعمه أو تفنيد ما جاء به من خطل، بل العكس كان، فقد أصبح الكتاب الذي لا يناقش والحكم (1) ينظر: المعرب في القرآن الكر 125. (2) أدي ش1867م-1915مولد أدي شير لعائلة مسيحية ، وقد كان والده كاه ن فكان أدي يعاونه في تدريس السراتنية في سن مبكرة ، أدت وفاة والدته المبكرة إلى انكفائه على حياة التقشف والرهبانية فانضم إلى مدرسة الآباء في الموصل حيث درس السراتنية والعربية والفرنسية واللاتينية والتركية فضلا عن اللاهوت والفلسفة. ينظر: ويكيبيدات الموسوعة الحرة. (3) الألفاظ الفارسية المعربة، السيد أدي ش 14. (4) علي فهمي خشيم (1936م-2011م: هو أحد رموز الفكر والأدب في ليبيا في الخمسين عاما الأخيرة، وقد امتدت مؤلفاته لتغطي مجالات واسعة مثل الفلسفة والتاريخ واللغة والنقد الأدبي والترجمة والإبداع الروائي والشعري . ينظر: ويكيبيدات الموسوعة الحرة.
عدد الصفحات ٩شبهة المعرب في القرآن الكريم 9 الفيصل في موضوع المعربب والدخيل، وصار الاستشهاد به دليلاً قاطعاً على ما يراد" ثم يقول: "ونبادر القول إننا لسنا بالطبع من القائلين بأن كل لفظ مستعمل في العربية خالص العروبة، ولا ننفي الاستعارة إجطلا من لغات أخرى، فهذا أمر طبيعي، غير أن الإمعان في زعم الدخيل وكثرة المستعار، أمر غير صحيح، بل إن عدداً كبيراً جداً مما يزعم أعجميته تتضح عربيته عند التحليل والتتبع، فيبين أنه منقول في الأصل عن العربية، أو إحدى اللغات العربية القديمة " (1). ويقول د/علي فهمي في كلمة: "لجة" السابقة: "نتحف القارئ في البدلية بهذا الطرفة، فقد جاء معجم الفارسية، لك: مائة ألف، أبله، أحمق، هذاتن، لغو، دخلت العامية بالمعنى الأخير، هكذا لا يدري المرء كيف يناقش هذا اللغو فعلاً، فأن تكون كلمة "لغو" دخلت العامية ليس إلا هذاتناً أليس كذلك؟ بيد أننا سنثبت أن الفارسية "لك" هي المأخوذة عن العربية وليس العكس، فمن أين نبدأ؟ لنأخذ مادة "لجج" التي منها لجة ولجي، وقد جاء فيها: التج الأمر إذا عظم واختلط، والتج البحر: تلاطمت أمواجه، ومن هنا: لج البحر= الماء الكثير، ولجة الماء معظمه، وخص به بعضهم معظم البحر، واللجة: الجماعة الكثيرة، المختلطة كالبحر، فالأصل هو الاختلاط في كثير الشيء، قارن الجذر الثنائي "لج" تجد: لجب، اللجب: الصوت المرتفع مع اختلاط، واللجب: اضطراب موج البحر، بحر ذو لجب: إذا سمع اضطراب أمواجه. لجز، اللجز: اللزج، الطين اللزج: الطين المختلط. لجن، لجن الور : خبطه وخلطه بدقيق أو شعير فيعلف الأبل. هذا هو الأصل في "اللج"، وهو أصيل في عروبته كما ت رى، فإذا نظرنا في الفارسية "لك" وجدناه ا تعني مائة ألف، جيشاً كانت أو غيره، وفيها معنى الكثرة المختلطة أو الاخت لاط الكثير كما تعني: ه ذاتن، لغو وهو اختلاط الكلام، وتعني أيضا: أبله، أحمق، وهو من يخلط في قوله وفعله نتيجة البله والحمق، فمن ات ترى أخذ عن من؟ وقد بان الأمر واتضح؟" (2). من هنا يتضح الكذب والبهتان في كلام أدي شير، وأنه يرمي بكتابه إلى أهداف أخرى أبعد من إثبات وقوع المعربب في القرآن الكريم، وقد تتبع د/ علي فهمي جميع الكلمات التي عرضها أدي ش ير في كتابه (1) هل في القرآن أعجمي، د/ علي فهمي خشيم 117. (2) هل في القرآن أعجمي 193-194، وينظر: مادة "لج"،معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكرات : 5/201-2-2.
عدد الصفحات ١٠شبهة المعرب في القرآن الكريم 10 ورتبها على الأبجدية، فأصلها وأثبت عربيتها، وبعد هذا العمل الكبير يُ بين لنا الدك تور الهدف من وراء تأليف أدي شير لكتابه فيقول: "وطبيعي أن الهدف هو القول بنقص العربية وحاجتها إلى الاستعارة م ن اللغات الأخرى الأرقى منها في تصورهم، والأغنى والأكثر تقدماً فيما يتوهمون" (1)، ومن ثم الطعن أصل لغة القرآن الكريم والقول بعدم عربيته. المطلب الثاني: عَّض قول المستشَّق يوسف درة الحداد "الخوري حداد"، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. يقول الخوري حداد (2)، في كتابه: نظم القرآن والكتاب "القرآن هذا مشكل في مصادره وفي مدى إعجازه"، ثم يصور هذا الإشكال بقوله: "قد نزل القرآن بلسان قومه لينذر أم القرى ومن حولها، فمن أين جاءه؟ هل من مصادر البيئة التي جاء فيها من اللغات الدينية: العبرية والسراتنية والحبشية، التي كانت قائمة بين ظهرانيهم للصلاة و قراءة الكتاب المقدس؟ أم من سائر اللغات العربية غير الحجازية التي انتشر فيه القرآن بسبعة أحرف؟ قد يكون هذا وذاك، وقد يكون أسلوباً منه لتعجيزهم" (3). كل هذا جعله الخوري مقدمة للوصول إلى قضية "المعربب" في القرآن الكريم ؛ ليبث فيها سمومه، فيقول: "ومن أغرب ما في القرآن ما وقع فيه بغير لغة العرب"، ثم يقول بعد ذكره الخلاف الواقع في وقوع "المعربب" في القرآن الكريم : "فهي إذا دخيلة على العربية وليست أصيلة فيها، والبليغ لا يستعمل الدخيل إذا كان في لغته غنى عنه؛ لذلك نقول في العربية الفصحى مفردات تقوم مقام هذه الألفاظ الدخيلة على لغة القرآن والعربية؟ هل لغتها أفصح من مثيلاتها العربية؟ وهل هذا الكلم الدخيل أبلغ من مثيله العربي في البيان والتبيين؟ وهل اقتضى إعجاز القرآن استعمالها لأنه لا يمكن أن ينزل منزلتها في العربية لفظ؟ عد إلى الألفاظ وقابلها بأمثالها العربية تجد الج واب الحق من سليقتك، فتجد أنها جاءت من باب التعجيز لا من باب الإعجاز" (4). (1) هل في القرآن أعجمي 117. (2) اب يوسف درة الحداد (1913م-1979موالمعروف أيضاً بـ " الحداد "، ولد في بلدة يبرود فبي سورات ، وتوفي في لبنان، درس اللاهوت في القدس. ينظر: ويكيبيدات الموسوعة الحرة. (3) نظم القرآن والكتاب، يوسف درة الحداد 16. (4) نظم القرآن والكتاب، يوسف درة الحداد 44 .
عدد الصفحات ١١شبهة المعرب في القرآن الكريم 11 المسألة الثانية: الَّد عليه وقد رد على ا فتراءات هذا المستشر الاستاذ محمد دروزة (1)، في كتابه القرآن والمبشرون، وقد قال عنه: "غير أنه حشا كتبه بأقوال وبيانات وروااتت وتحليلات عن القرآن ومحتواتته، ونظمه ولغته وترتيبه، وعن شخصية النبي محمد ﷺ وسيرته ورسالته، وصلتها بأهل الكتاب، وبالتحديد اليهودية والنصرانية وكتبه ا فيها، الغريب العجيب المذهل من التخرص والتعسف والتجني والمجازفة، وتحريف الكلام، واللعب بالألفاظ، وعدم التورع عن أقوال فيها افتراء وسوء أدب نحو القرآن، ورسول الله ﷺ، وكتاب وحيه وأصحاب ه الأولين، وتابعيهم، ونسبة الدس والزاتدة في القرآن إليهم" (2)، ويقول معلقاً على قول الخوري السابق: "إن هذا من باب التعجيز لا الإعجاز، ويهدف بذلك إلى الخطة التي اختطها وهي الطعن في إعجاز نظم القرآن حتى يتم له حسب ما زين له شيطانه الطعن في إعجاز القرآن نظماً ومحتوى، وقد خاب فأله وزهق باطل ه" (3). فمن الردود على هذا المستشر 1.أنتبادل التأثر والتأثير بين اللغات، قانون اجتماعي إنساني، واقتراض اللغات بعضها من بعض، ظاهرة إنسانية ، واللغة العربية ليست بدعاً من اللغات الإنسانية، بل إنها تميزت عنها بالبراعة في تمثل الكلام الأجنبي، ومن ثم صياغته على أوزانها، وإنزاله على أحكامها، وجعله جزءاً لا يتجزأ من أجزائها. 2.لم يزعم أحد أن الألفاظ التي تدخل لغة ما، ثم تحورها على كيفية النطق عندها، وتجري عليها قوانين لغتها، ويستعملها أبناؤها استعمال غيرها من المفردات ، لم يزعم أحد أن البليغ إذا أوردها في كلامه، تكون محل انتقاد من الآخرين، أو تحط من فصاحة اللسان وتنزل بالكلام عن مرتبة البيا ن، بل هذه الألفاظ تنصهر داخل اللغة مع مرور الزمن، ثم تندرج في ثقافة اللغة التي استقبلتها دون أن يعلم أكثرهم أنها دخيلة قبل مئات (أو آلاف) السنين، وحتى المتخصص باللغة يجد صعوبة بالغة في استخراجها . 3.إذا تقرر أن اللغة العربية من أقل اللغات تأثراً بغيرها، وأثرها في غيرها كبير لا ينكره إلا مكابر، فلماذا الخوري لم يتوجه به ذا الاعتراض إلى هذه اللغات الأخرى التي دخلتها مئات الألفاظ من لغات كثيرة؟ 4. لم يصرح أحد من علماء المسلمين بأن القرآن الكريم قد جاء بألفاظ لم تكن معروفة وقت نز وله بها عند الناطقين بلغة العرب، بل إن القائلين بوقوع "المعربب" في القرآن الكريم قد صرحوا بأن هذه الألفاظ (1) محمد عزة بن عبد الهادي دروزة (1887م-1984ممفكر وكاتب ومناضل قومي عربي، ولد في نابلس، وتوفي في دمشق. ينظر: ويكيبيدات الموسوعة الحرة. (2) القرآن والمبشرون، محمد دروزة 6-7 (3) القرآن والمبشرون 385.
عدد الصفحات ١٢شبهة المعرب في القرآن الكريم 12 قد دخلت اللغة العربية على مر الأزمان قبل نزول القرآن، وأصبحت من صميم لسانهم، و نزول القرآن الكريم بلسان العرب، يقتضي ملولها في ثنااته ما دامت فصيحة في لسانهم ليست غريبة عنهم. وبهذه الحقائق الصريحة التي جهلها الخوري نقف على مدى الخ لط والباطل والافتراء الذي اشتمل عليه كلامه، ونسجه وهمه وخياله. بعد هذا البيان، فإنه ليس هناك مجال لأحد أن يتخذ من ورود "المعربب" في القرآن الكريم سبيلاً للطعن فيه، أو في أي جانب من جوانبه، أو أن يدعي بأن ورده جاء من باب التعجيز لا الإعجاز . (1) المطلبالثالث: عَّض قول المستشَّق نولدكه ، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. عرض المستشر نولدكه (2)، في كتابه: تاريخ القرآن، وكذا تلميذه شفالي (3)، الذي قام بتعديلات لكتاب أستاذه، لمجموعة كبيرة من الكلمات العربية، وزعما أنها مأخوذة من لغات قديمة، فمثلاً كلمة: "قرآن" يقولان عنها: " إن الاحتمال يُقو ِي بأن يكون المصطلح "قرآن" لم يتطور داخل اللغة العربية من المصدر المشابه في المعنى، بل الكلمة مأخوذة عن تلك الكلمة السراتنية، ومطبقة في الوقت نفسه على وزن فُعلان" (4). المسألة الثانية: الَّد عليه. يظهر جلياً من خلال هذا النص الحرص على نسبة الألفاظ إلى لغات قديمة (5)، وكأن لغة القرآن تفتقر إلى المفردات، وتذهب تطلبها من هذه اللغات بزعمهم فتعربها وتجعلها من استخداماتها، كما يخفى ما في هذا النص من المغالطات، فإنه و بعد النظر إلى كلمة "القرآن" وفي كتب اللغة وجدنا أنها ذات أصل عربي، (1) ينظر: دراسات في فقه اللغة 314، والمستشرقون والقرآن 384-385، والمعرب في القرآن الكر 132-133، ومن أسرار اللغة: 109. (2) ثيودور نولدكه 1836م-1930م): يعد شيخ المستشرقين الألمان، أتقن العربية، والعبرية، والسراتنية، وعين مدرساً للتاريخ الإسلامي في جامعة غ وتينغن. ينظر: ويكبيدات الموسوعة الحرة. (3) فريدريش شفاللي (ت 1919م): مستشر ألماني، وهو تلميذ نولدكه ينظر: ويكبيدات الموسوعة الحرة. (4) تاريخ القرآن، للمستشر نولدكه، تعديل شفالي، تعريب د. جورج تامر :30 - 32 (5) وقد سار على نهجهما أكثر المستشرقين، حيث نسبوا كلمة "القرآن" وغيرها إلى السراتنية ينظر: ترجمة مقالة المستشر "ألفونس منجانا"، التأثير السراتني على أسلوب القرآن، ترجمة: مالك مسلماني/ 2005م http://www.muhammadanism.org/Quran/syriac_influence_quran_arabic.p d وكتاب قراءة آرامية سراتنية للقرآن، للمستشر "كريستوف لوكسنبرغ"، دار الكتاب العربي، برلين، 2000م
عدد الصفحات ١٣شبهة المعرب في القرآن الكريم 13 وليست معربة من كلام العجم، فهي مصدر على وزن "فُعلان" كالغُفران(1) "وبتحليل كلم ة " القرآن "فى ضوء علم اللغة المقارن، وجدنا جذر القاف والراء والهمزة فى كل من العربية والعبرية والسراتنية، الأمر الذى يؤكد أنه جذر سامى الأصل، كما أثبتنا أن العربية قد احتفظت بالهمزة لفظاً وخطاً فى الفعل " قرأ " والمصدر " قراءة " والاسم المنسوب بالنون " قرءان " ، ومالت السر اتنية إلى قلب الهمزة اتء لفظاً وخطاً، مما يدل على أن الأصل احتفظت به العربية"، و"لا شك أن الكاتب يهدف من وراء نظريته إلى اقناع القار ئ أن هناك صلة وثيقة بين القرآن واللغة السراتنية، وبمعنى آخر بين الق رآن ولغة الإنجيل، وقد بدأ الكاتب بكلمة القرآن، لكي يوصل القار ئ إلى التشكيك في أصالة الألفاظ الرئيسية في القرآن الكريم، وردها إلى أصول سراتنية، وهو تمهيد لإقناع القار ئ بأن القرآن الكريم لم ين زل على رسول الله ﷺ ولم يوح إليه، بل أخذه لغة ومضموناً من المصادر السراتنية المسيحية." (2). المطلب الَّابع عَّض قول المستشَّق اليهودي شاخت، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله حول شبهة المعرَّب في القَّآن الكَّيم. كتب المستشر اليهودي شاخت (3)، في مادة "زكاة" بحثاً، فزعم أن النبي ﷺ استعمل كلمة "زكاة" بمعنى أوسع من استعمالها اللغوي العربي بكثير، آخذاً هذا المعنى بعد تعريبه من اليهود، قال: "وكان النبي ﷺ وهو ما يزال في مكة يستعمل كلمة "زكاة "، ومشتقات مختلفة من مادة "زكا " بمعنى "طهر" ترتبط بالزكاة، بحسب الإحساس اللغوي عند العرب، وهذه المشتقات نفسها لا يكاد يكون لها في القرآن سوى ذلك المعنى الذي ليس عربيًا أصيلاً ، بل هو مأخوذ عن اليهودية، وهو التقوى" (4) . (1) ينظرالمفردات في غريب القرآن ، الراغب الأصفهانى : 1/668. (2) الرد على "شفالي"(الألماني) و"نولدكه" في أصل لفظ "القرآن "، القرآن ولغة السراتن : د/ أحمد محمد علي الجمل، بحث منشور في مجلة كلية اللغات والترجمة ، جامعة الأزهر ، عدد 42، سنة 2007م. https://vb.tafsir.net/tafsir33683/# (3) مستشر ألما 1902م ـ1969م)، متخصص في الفقه الإسلامي، انتدب للتدريس في الجامعة المصرية؛ لتدريس فقه اللغة العربية واللغة السراتنية. ينظر: موسوعة المستشرقين، لعبد الرحمن بدوي: 366 . (4) دائرة المعارف الإسلامية 10 /355 ـ356.
عدد الصفحات ١٤شبهة المعرب في القرآن الكريم 14 المسألة الثانية: الَّد عليه. وسيكون الرد على هذا المستشر من خلال إثبات أصالة كلمة "زكاة" في معاجم اللغة العربية، فالاشتقا وكثرة الاستعمال أصلان معتمدان في ثبوت ال كلمة من جهة لغة العرب، ولو ك انت مما استعارته العربية عن غيرها، فإنه لا يحصل لها اشتقا ، ولا يكثر فيها الاستعمال ويتعدد من جهة الاشتقا ، فإذا رجعنا إلى المعجم العربي وجدنا الآتي: أن كلم ة "زكاة" من أصل لغوي واحد يدل على النماء والزاتدة والطهارة. ويتفرع عن هذا الأصل اشتقاقات كثيرة منها: زَكَا يـَزْكو زَكاء وزُكُو اً فهو زاك، ز كا زَكاء وزُكُو اً وزَكِيَ وتـَزَكبى، وزَكباه الله، وزَكبى نفسَه تـَ زْكِيةً فهو مُزكَى، والزبكَاةُ: زَكاةُ الْمَالِ و مِنْهُ زَكبى يـُزَك ِي تـَزْكِيةً فهو مُزكِي. وَقَدْ زَكَوْتَ وزَ كِيتَ أَي صِرْتَ زَاكِيًا . إن هذه الاشتقاقات كلها تدل على أصالة الكلمة عربيًا. فهل في اللغة التي زعم شاخت النقل عنها مثل هذا الاتساع في الاشتقا ؟ ولو أخذنا أي كلمة غير عربية، سواء أكانت من اللغات القديمة أم من اللغات المعاصرة، وأدخل ناها في اللغة العربية فإن نا لا نجد فيها مثل هذا التصرف الاشتقاقي الذي نلقاه لأغلب كلمات اللغة العربية ، وهذا الأسلوب في التحليل قرينة قوية في بيان الكلمات عربية الأصول، من الكلمات الم عربة. (1) كما أن هذا الزعم يرده كثرة استعمال لفظ "الزكاة " ومشتقاته في القرآن المكي، علاوة على المدني الذي كان فيه احتكاك مباشر باليهود، فلو لم يكن عربيًا لما كثرت تصريفاته في القرآن، وهذا من أكبر الأدلة التي يُرد بها على من زعم عدم عروبة لفظ من الألفاظ. ثم من أين جاء شاخت بهذا الزعم، وما الدليل على صحته، ومتى عُرف أن النبي كان يتلقى لغة غير لغة قومه، والله سبحانه قد نبه لرد مثل هذه الدعوى في قوله تعالى: ﴿ ﴾ النحل: 103، فإن كان أخذها من اليهودية كما يزعم شاخت، فلم لم يبقها كما ينطقونها؟ (2) (1) ينظرالدخيل من اللغات القديمة على القرآن من خلال كتابات بعض المستشرقين: 34، ولسان العرب ، ابن منظور: 14 /358-359، ومعجم مقاييس اللغة: 3/17. (2) ينظر الدخيل من اللغات القديمة على القرآن من خلال كتابات بعض المستشرقين: 29.
عدد الصفحات ١٥شبهة المعرب في القرآن الكريم 15 أخيراً، إذا تأملنا هذا المبحث و ما أثاره بعض المستشرقين من شبهات حول ورود المعربب في القرآن الكريم، باشتقا بعض ألفاظه من لغات أخرى ورد ها إلى أصول عبرية أو سراتنية، وبمعنى آخر رد ها إلى أصول يهودية أو نصرانية، وجدنا أن كل مزاعم المستشرقين باطلة، وما هي إلا افتراءات وادعاءات لا صحة لها، ولاشك أن الهدف من وراء هذا التشكيك في أصالة كلمات القرآن الكريم، ورد ها إلى أصول عبرية أو سراتنية؛ إنـما هو استدراج للقارئ وتمهيد لإقناعه بأن القرآن هو من اختراع محمد ﷺ وتأليفه، وأنه قد تعلم هذه الألفاظ من اليهود والنصارى . ثم أقول في نهاية هذا المبحث، أن العرب الذين عاصروا نزول القرآن الكريم، وعارضوا دعوة الإس لام، وهم أهل الفصاحة والبيان، لم يُعرف منهم، ولم ينقل عنهم أنهم نفوا عن تلك الألفاظ المعربة أن تكون ألفاظاً عربية، وهم كانوا أولى من غيرهم في نفي ذلك لو كان، وهم أجدر أن يعلموا ما فيه من كلمات أعجمية لا يفهمونها، أو ليست من نسيج لسانهم العربي المبين، ولو كان شيء من ذلك القبيل، لوجدوا ضالتهم في الرد على دعوة الإسلام، ومدافعة ما جاء به القرآن الكريم؛ أَمَا وإنهم لم يفعلوا ذلك، فقد دل ذلك على تهافت هذه الدعاو ى، وسقوطها من أساسها جملة وتفصيلاً .
عدد الصفحات ١٦