1 لمحات من سيطرة اليهود ومكايدهم من يعقوب بن كلس وابن النغريلة الى مونيكا لوينسكي د.محمد علي البار
عدد الصفحات ١2 مقدمة لقد تميز اليهود خلال تاريخهم الطويل بالكيد والخداع واظهار الذلة والمسكنة حين الضعف ، واظهار الجبروت وسفك الدماء والإفساد في الارض حين الشعور بالقوة . فكم قتلوا من أنبياء الله وكم كذبوا ، قال تعالى (لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) وقال عنهم في ذكر مواقفهم مع أنبيائهم عليهم السلام ( ففريقا كذّبتم وفريقا تقتلون ) . وقد فضح القرآن الكريم مواقفهم كلها على مدى التاريخ ، وموقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف كانوا يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، وإنه نبي آخر الزمان ، ولكنهم لحسدهم كفروا به . وقد قاموا بالكيد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، وأمدوا المنافقين بوسائل الكيد كلها ، وتآمروا على قتله مرات كما فعل بنو النضير وكما فعلت اليهودية التي قدمت له الشاة المسمومة .. وحاولوا سحره كما فعل لبيد بن الأعصم اليهودي . ثم تآمروا مع قريش وحرضوا قبائل العرب ليجتمعوا عليه يوم الأحزاب فهزمهم الله وأذلهم وأخزاهم ، وكانت مذبحتهم في بني قريظة حيث قتل سبعمائة دارع محارب وسبي الذراري والنساء . ثم انهزموا في خيبر وفدك ، وقبلوا ان يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون . ولكن مؤامراتهم لم تتوقف فقد حاولوا مرارا في خيبر ان يغتالوا من ينفرد من المسلمين ثم ينكرون . وكان أخر من حاولوا ذلك معه عبد الله ابن عمر رضي الله عنه ، مما دفع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ان يعجل بتنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإجلائهم من جزيرة العرب ، فذهبوا الى شمالها في تيماء والشام . وقد أحسن المسلمون معاملة أهل الذمة من اليهود والنصارى وغيرهم ممن استنوا بهم سنة أهل الكتاب .. وكان الميزان الدقيق هو العدل بين الرعية مسلمهم وكافرهم . حتى ان عمر رضي الله عنه ضرب ابن الأكرمين (ابن عمرو بن العاص) فاتح مصر وواليها ، لأنه ضرب قبطيا عندما سبقه القبطي بعد ان تسابقا .. وأراد ان يضرب عمرو بن العاص نفسه لان ابنه لم يتجرأ على ضرب القبطي إلا بسبب نفوذ أبيه . ثم قال قولته المشهورة الباقية أبد الدهر : " يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ " . وعندما سرق يهودي درع الامام علي رضي الله عنه ، وهو عائد من صفين ، حاكمه الى قاضيه . ولم يكن للإمام شهود سوى ابنيه ، سيدا شباب أهل الجنة ، الحسن والحسين . فلم يقبل القاضي شهادتهما لأبيهما لأن الاسلام لا يقبل شهادة الابن لابيه ، ولا الاب لابنه في مواضيع النزاع . وأعطى اليهودي الدرع فانبهر اليهودي بتلك الاخلاق النبوية وأعلن اسلامه من فوره . فسر بذلك الامام وأبى أن يأخذ منه الدرع وأعطاه إياه . وظهر في الدولة الأموية بالاضافة الى أبي الحكم الدمشقي وأولاده وابن أثال ، وكلاهما كان نصرانيا ، طبيبان من اليهود هما فراث بن شحناتا الذي كان طبيب الحجاج بن يوسف الثقفي ..
عدد الصفحات ٢3 وطال به العمر حتى ادرك المنصور العباسي وعمل في زمنه طبيبا لعيسى بن موسى العباسي الذي كان واليا على الكوفة للمنصور ، وكان وليا للعهد ، ولكن المنصور نزع ولاية العهد منه وجعلها لابنه المهدي . وكان عيسى يستشيره في خاصة أمره ولا يقطع أمرا دونه . واليهودي الثاني الذي ظهر في الدولة الاموية هو ماسر جوية البصري الذي جاء من فارس واستوطن البصرة أيام الخلفاء بني مروان ، وطال عمره حتى أدرك أيام بني العباس . وفي الدولة العباسية تولت أسرة يختيشوع المناصب الباذخة منذ عهد مؤسسها جورجيوس بن جبرائيل بن يختيشوع الذي كان طبيب المنصور العباسي ، وكانت له المكانة السامقة لديه ، ثم تولى بعده ابنه يختيشوع منصب طبيب الخليفة وذلك في أيام هارون الرشيد ، وجمع من ذلك الاموال الطائلة .. ثم تولى بعده ابنه جبرائيل بن يختيشوع ، والتحق بخدمة الرشيد ، وقد ترك عند موته دورا وبساتين تقدر بسبعين مليون درهم ، وأراضي زراعية بثمانية ملايين درهم وجواهر وذخائر بخمسين مليون درهم ، عدا ما تركه من عشرات الملايين من الدراهم . واستمر أبناء جبرائيل في مكانتهم العالية لدى خلفاء بني العباس .. كما تولى الصابئة ويقال أنهم فرقة من اليهود ، يوقرون يحيى عليه السلام ، الوزارة الكبرى بالاضافة الى منصب طبيب الدولة . وأشهرهم ثابت ابن قره وابنه سنان . ومن اليهود ظهر اسحاق بن شليطا طبيب المطيع لله العباسي ، وأبو النصر فنون الذي كان طبيبا للوزير والقائد بختيار . ومنهم أبو الحسين بن كشلرايا ( لا يستغرب القارئ تلقبهم بأبي الحسين وأبي عبد الله الخ فهو للتمويه ) الذي عمل في خدمة سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب ، كما استعمله أيضا عضد الدولة البويهي ، وجعله رئيسا للبيمارستان العضدي ببغداد ( وهو أكبر مستشفيات الدولة ) . ومن أشهر الاطباء ابن بطلان ( أبو الحسن المختار بن بوانيس بن الحسن بن عبدون بن بطلان) النصراني ومن أطباء العراق ابن قوسين اليهودي الذي قيل أنه أسلم وحسن إسلامه فيما بعد . ومن أطباء بغداد الوزير الأجل أبو الفرج يعقوب بن كلس الذي كانت له المكانة عند كافور الأخشيدي وولي أمر ديوانه ولم يكن يصرف درهما ولا دينارا الا بتوقيعه ، ثم مات كافور فحبسه الوزير ابن الفرات ، ولكنه استطاع ان يخرج من السجن فاتصل بجوهر الصقلي عند توجهه الى مصر ، وقيل بل ذهب الى القيروان ليلتحق بخدمة المعز لدين الله الفاطمي الذي وثق به ، وجعله من خاصته . ودخل مصر معه فتولى الوزارة وبلغ أرفع المناصب وخاصة في زمن العزيز ( نزار بن معد ) بن المعز لدين الله الفاطمي فكانت له الوزارة الكبرى ، والتصرف التام في جميع شؤون الدولة . وقد بدأنا الكتاب بفصل عن يعقوب بن كلس هذا وكيف دخل في الاسلام عندما سمع كافور يقول : " لو كان هذا مسلما لصلح ان يكون وزيرا ، فقرر من فوره دخول الاسلام " . ولم نتعرض للنصارى الذين تولوا الوزارة مثل أمين الدولة ابن التلميذ النصراني.
عدد الصفحات ٣4 وممن تولى المناصب الطبية من اليهود أبي البركات الذي كان رئيس أطباء البيمارستان العضدي ، ومنهم ربن الطبري اليهودي وكان طبيبا ومنجما من اهل طبرستان ، عالما بالهندسة ، وسكن سامرا بالعراق . والربن هو الرابي اي حبر اليهود . أما ابو الحسن علي بن سهل بن ربن الطبري صاحب فردوس الحكمة فقيل انه كان يهوديا ، وقيل بل كان نصرانيا ، ثم اسلم على يد المعتصم العباسي ، وكان من المقربين لديه . وقد ظهر العديد من الاطباء اليهود في المغرب والاندلس ومصر ، ومنهم السموأل بن يحيى بن عباس المغربي الذي التحق بخدمة الوزير مؤيد الدين الحسين بن محمد ، واسحاق بن سليمان الاسرائيلي ( ابو يعقوب ) ، ولد بمصر ثم سكن القيروان (تونس ) ، ولازم اسحاق بن عمران وصار طبيبا لأول الخلفاء الفاطميين (العبيديين ) ، وهو عبيد الله المهدي . وفي الاندلس ظهر حسداي بن بشروط الاسرائيلي في زمن عبد الرحمن الناصر (الثالث ) الاموي وكان من أطبائه . كما ظهر من مدينة سرقسطة حسداي بن يوسف بن حسداي الذي اشتهر بالطب والهندسة والنجوم والموسيقى . ومنها ظهر يوسف بن أحمد بن حسداي الاسرائيلي الذي سافر من الاندلس الى مصر ليتولى منصب طبيب الوزير محمد بن نور الدولة ( المعروف بالمأمون) وذلك في زمن الأمر بأحكام الله الفاطمي . ومنهم ابن بكلارش اليهودي الذي كانت له المكانة السامية عند بني هود في الاندلس ( ملوك الطوائف ) . ومنهم موسى بن العازار الاسرائيلي وأبناؤه إسحاق واسماعيل الذين كانت لهم المكانة السامقة في الدولة الفاطمية أيام المعز لدين الله الفاطمي . كما ان منهم الحقير النافع اليهودي الذي لقبه الحاكم بأمر الله بهذا اللقب عندما داواه ، وكان حقير المظهر فأعطاه ألف دينار ، وجعله من خاصة أطبائه . ومنهم سلامة بن رحمون الاسرائيلي وابنه مبارك واشتهر بالطب في مصر .. ومنهم أيضا أبو العشائر هبة الله بن زين بن حسن بن جميع الاسرائيلي الذي صار من جملة أطباء صلاح الدين الأيوبي . وكان أشهر أطباء صلاح الدين الأيوبي موسى بن ميمون وقد أفردنا له فضلا ضافيا لانه كان ذا نفوذ كبير لدى اليهود الى يومنا هذا ، فهو أحد شراح التلمود ولا تزال تعالميه الخبيثة تدرس الى اليوم لدى اليهود الأرثوذكس الذين يسيطرون على حزب الليكود والاحزاب الدينية في اسرائيل اليوم . وفي عهد صلاح الدين كان أثنا عشر طبيبا حوله من اليهود والنصارى منهم أبو المعالي بن تمام بن هبة الله اليهودي وأبو البركات الموفق بن شعيا ، والموفق بن شوعة اليهودي ، وأبو البيان بن المدور الملقب بالسديد اليهودي .
عدد الصفحات ٤5 ومن اليهود الذين ظهروا في العهد الايوبي في مصر وكانت لهم المكانة السامقة لدى السلاطين والامراء أسعد الدين يعقوب بن اسحاق (المحلي) من المحلة الكبرى بمصر ، وسديد الدين أبو الفضل داود بن أبي البيان سليمان الاسرائيلي ، والحكيم ابراهيم السامري المعروف بشمس الحكماء ، وكان من أطباء صلاح الدين . وهو يهودي من طائفة السامرة . والقائمة تطول . وقد تعرضنا في الكتاب لبعض من ولي الوزارة من اليهود ومنهم ابن النغريلة اسماعيل وابنه يوسف ، وهو الذي زعم ان القرآن متعارض متناقض فرد عليه ابن حزم وثارت العامة في زمنه من سوء تدبيره وتطاوله على أهل الاسلام فقتل يوسف وجماعته . وفي الكتاب مقالات أخرى توضح دور اليهود وكيدهم وغرورهم وبطشهم عندما تأتيهم الدنيا وتكون في أيديهم ومنها مقال : لماذا قتل اليهود الاسرى المصريين ؟ وآخرها مقال يهوديت وأستير ومونيكا لوينسكي .. وكيف شبه رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق نتانياهو مونيكا باستير اليهودية الجميلة التي دبرت المكايد لقتل هامان وزير احشويرش الملك الفارسي ، وقتلت معه خمسة وسبعين ألفا من أنصاره .. وقد أوضحنا دور اليهود في هذه المكايد وكيفية استخدام النساء للسيطرة على مقاليد الامور .. والمقصود من ذلك كله التنبيه على هذه المخاطر والتحذير منها لعل قومي يعلمون. د. محمد علي البار يعقوب بن كلس : أشهر من تولى الوزارة من اليهود أسمه ونسبه: هو أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن هارون بن داوه بن كلس وزير معد ، المعز لدين الله الفاطمي ثم وزير ابنه نزار الملقب بالعزيز ، وهو أول وزير في هذه الدولة . وكان يزعم أنه من
عدد الصفحات ٥6 نسل هارون بن عمران عليه السلام من سبط اللاويين ( سبط ليفي هو المسموح له بالكهانة ، ومن هذا السبط موسى وهارون عليهما السلام ) . كما زعم انه من ولد السموأل بن عاديا صاحب الحصن المعروف بالأبلق ، وهو المشهور بالوفاء في الجاهلية . وقصته مع امريء القيس الكندي ، .1ن وترويها الكتبالشاعر الجاهلي المعروف ، تتناقلها الألس مولده ونشأته : م لاسرة يهودية في 930هـ318على انه قد ولد في بغداد سنة 2تتفق المصادر التاريخية منطقة تسمى باب القز . وقد علمه والده الكتابة والحساب ودربه على فنون التجارة . ثم سافر به الى الشام سنة 331هـ943م حيث عمل مع التجار ، وكسب ثقتهم حتى بلغ درجة وكيل للتجار ، وهو في سن المراهقة . سرقة أموال التجار في الشام وهروبه الى مصر : وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ، كما يقول ابن خلكان ، " إنه كان يهوديا خبيثا ذا مكر ودهاء ، وفيه فطنة وذكاء . وكان في قديم أمره خرج الى الشام فنزل الرملة (في فلسطين) ، وصار بها وكيلا للتجار ، فكسر أموال التجار وهرب الى مصر". وذكر هذه القصة أيضا أبو يعلي القلانسي في ذيل تاريخ دمشق كما نقله عنه محققوا كتاب .3الكامل لابن الأثير وصوله الى مصر وارتفاع قدره: وعندما وصل الى مصر استطاع بذكائه الخارق ، ومقدرته على ضبط الحسابات والضياع ان يلفت انتباه رجال كافور الاخشيدي ، حاكم مصر . وانقطع الى بعض خواص كافور ، كما يقول ابن خلكان ، حتى كسب ثقته . وقام بدوره بتقديمه الى مولاه كافور ، الذي جعله على عمارة دارة ، ثم صار ملازما للباب ، فرأى كافور من نجابته وحسن ادراكه ما جعله يقرّ به حتى جعله مسؤلا عن ديوانه الخاص . وكان يقف بين يديه ، ويستوفي الحسابات ، ثم لم تزل أحواله تتزايد مع كافور حتى صار الحجّ اب والاشراف يقومون له ويكرمونه .. وتقدّ م كافور الى سائر الدواوين ان لا يمضي (أي لا 1 وفيات الاعيان وأنباء الزمان لابن خلكان ( أحمد بن محمد بن خلكان ) ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة 1948م ج6/26 (الترجمة رقم 802.) 2 وفيات الاعيان ودائرة المعارف الاسلامية والكامل لابن الاثير ، وتاريخ دمشق لابن عساكر ، وذيل تاريخ دمشق لابي القلانسي ، والاعلام للزركلي . 3 الكامل في التاريخ لابن الاثير ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الخامسة1985م
عدد الصفحات ٦7 يصرف) دينار ولا درهم الا بتوقيع يعقوب بن كلس ، فوقّ ع في كل شيء ، وصار له النفوذ في دواوين كافور كلها . وقد ذكر ابن خلكان نقلا عن كتاب " الاشارة الى من نال الوزارة " لعلي بن منجب الكاتب المشهور بابن الصيرفي ، أن سبب حظوته عند كافور أنه عندما اتصل به اخبره ان في دار ابن البلدي الذي توفي بالرملة (في فلسطين) عشرين ألف دينار مدفونة ، فكتب الى كافور يعلمه بذلك ، ويستأذنه في استخراجها فأذن له ، فاستخرجها ، فوجدها ثلاثين ألفا فحملها كلها الى كافور ، فازدادت مكانته عنده . ثم اتفق ان يهوديا مات بالفرما ، ومعه احمال من الكتان فأخذها يعقوب بن كلس ، ووجد في بعض احماله عشرين ألف دينار ، فباع الكتان ، وارسل الاموال كلها الى كافور فاغتبط بذلك ، وأرسل اليه بالهدايا والصلات الكثيرة ، فأخذ منها ألفا دينار فقط ثم أعاد الباقي لكافور ، وقال : "هذه كفايتي " ، فصار كافور يثق به ويشاوره في أكثر أموره . وكان من المعتاد انه اذا مات شخص وله اموال ، فإن الحاكم يشاطره تلك الاموال ، أما اذا لم يكن له ورثة فإنه يصادرها كلها . قصة اسلامه: وقد اعجب كافور بهذا اليهودي الفطن حتى قال " لو كان مسلما لصلح ان يكون وزيرا" فبلغت مسامع يعقوب فقرر من فوره ان يدخل الاسلام . ويقول ابن خلكان أنه أعلن اسلامه يوم الجمعة من شهر شعبان سنة 366هـ على يد كافور الاخشيدي نفسه ، وفي الجامع العتيق (جامع عمرو بن العاص ، وهو اكبر جوامع القاهرة ) . وقد ذكرت دائرة المعارف الاسلامية انه أعلن اسلامه عام 356هـ967م. وذكر ذلك الزلكلي في الاعلام ، أيضا . وقد شككت دائرة المعارف الاسلامية في صدق اسلامه ، وانه أسلم طمعا في الوزارة . أما الحافظ ابن عساكر فيقول في تاريخ دمشق ، كما ينقله عنه ابن خلكان ، " انه كان يهوديا من اهل بغداد ، خبيثا ذا مكر ، وله حيل ودهاء وفيه فطنة وذكاء " وأنه لم يسلم الا طمعا في الوزارة !! ويعتقد ابن عساكر انه مات على اليهودية ، وانه كان يظهر الاسلام ويبطن الكفر . أما ابن خلكان فإنه يميل الى أنه أسلم عن اقتناع ، وأنه قد حسن اسلامه ، ولكنه لم يجزم بذلك .. وقد اتهمه أيضا أبو يعلى القلانسي في كتابه " ذيل تاريخ دمشق " ، ورأى انه يهودي ماكر لم يسلم الا طمعا في الوزارة . ومن شدة ذكائه أنه عندما أسلم درس الفقه والقرآن على يد المشايخ ، كما درس النحو أيضا ، حتى استطاع فيما بعد ان يصنف كتابا في الفقه على المذهب الاسماعيلي ، من كلام المعز لدين الله الفاطمي وابنه العزيز . خروجه من مصر الى المغرب :
عدد الصفحات ٧8 ولكن كافور رغم تقريبه لابن كلس لم يوله الوزارة ، فقد كان وزيره جعفر بن الفرات (ابن خنزابه) في موقعه . وكان يكره ابن كلس ويخشاه أشد الخشية على نفسه ، فكان يحدر كافور منه . ولم يلبث كافور الا قليلا (بعد اسلام يعقوب) حتى وافته المنية . فاهتبل ابن الفرات الرصة ، وصادر اموال يعقوب وسجنه . ولكن يعقوب استطاع بمكره ودهائه وبذله الاموال ان يخرج من السجن . وأن ينطلق الى المغرب ، حيث لقى جوهر بن عبد الله الصقلي (الرومي) مولى المعز لدين الله الفاطمي (العبيدي) ، واكثر قواده . وقد سمع يعقوب أن في حاشيته بعض اليهود فقربوه الى جوهر حتى صار من كبار رجاله . وهنا تختلف الروايات فبعضها يقول انه شجعه على دخول مصر واعطاه معلومات وافرة عنها وانه دخل مصر معه .. وبعضها يقول انه لم يذهب معه الى مصر ، بل توجه الى المعز نفسه . وصار من رجال حاشيته ولم يدخل مصر الا معه وذلك سنة 363هـ ولم يزل يترقى في خدمة المعز لدين الله الفاطمي حتى تولى أمر الديوان ثم تولى الوزارة . وهو اول من وزر للدولة الفاطمية في مصر التي امتد سلطانها الى الشام بأكمله والحجاز واليمن . وكان يعقوب بن كلس يقرب العلماء والادباء والشعراء ويعطي الجزيل من المال فمدحه الشعراء ، ووقفوا على بابه حتى عظم أمره وصار متصرفا بأموال الدولة كلها . ولقب بالوزير الأجل في رمضان عام 368هـ979م وقد ضبط ابن كلس أمور الدولة وخاصة الشؤون المالية والادارية ... وفي عام 373هـ984م غضب عليه المعز لدين الله وعزله من منصبه ، ولكنه استطاع بمكره ودهائه ان يسترضي المعز وان يسترضي المعز وان يعود الى سدة الوزارة والنفوذ بعد بضعة أشهر فقط من عزله . ولم يكتف ابن كلس لشؤون الوزارة والمالية يضبطها ، ولكنه وجد الوقت لدراسة المذهب الاسماعيلي الباطني ، وهو مذهب الدولة الفاطمية ، حتى اصبح من المراجع الهامة فيه ، وألف كتابا في الفقه على هذا المذهب ، جمع فيه أقوالهم وأقوال المعز لدين الله وأقوال ابنه نزار الملقب بالعزيز .. وكان يعقوب بن كلس يعقد المجالس في الجامع العتيق (جامع عمرو ) فيقرر المسائل الفقهية على حسب مذهبهم . موت ابن كلس : ولما تولى نزار الملقب العزيز بعد وفاة المعز سدة الحكم ، اشتد ولعه بابن كلس واعجابه به حتى صار لا يمضي امرا من الامور دون مشورته ... فلما مرض يعقوب بن كلس مرض الموت عام 380هـ991م عاده العزيز ومشى اليه ، وجنب المظلة التي كانت تحف موكبه ، ودخل عليه
عدد الصفحات ٨9 ، وقال له : " وددت أنك تباع (أي تشتري ) فأبتاعك ( أي اشتريك ) بملكي ، أو تفدى فأفديك بولدي ، فهل من حاجة توصى بها يا يعقوب ؟ فبكى ابن كلس وقبل يد العزيز وذكر له فضله عليه وعلى اولاده واسرته . ثم قال : " سالم الروم ما سالموك ، واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ( أي اقنع من دولة بني حمدان بأن يدعو لك في صلاة الجمعة والاعياد ، وأن يستخدموا عملتك ) . ولا تبق على مفرج بن دغفل بن جراح ان عرضت لك فيه فرصة " . ولم يلبث الا يسيرا بعدها حتى وافته المنية ، فحزن العزيز عليه حزنا شديدا وبكاه ولحده بنفسه ، وأعلن الحداد عليه أياما وأغلق الدواوين ، وك فن وح نّ ط بعشرة آلاف دينار . وخرجت القاهرة كلها في موكب جنازته من الخليفة الى العامة . ورثاه مائة شاعر فأجازهم كلهم العزيز . وكان إقطاعه من العزيز كل سنة (أي ماهيته ) مائة ألف دينار ذهبا . ووجد له من العبيد أربعة آلاف غلام ، ومن الجواهر أربعمائة ألف دينار ، غير ما كان له من الاموال والضياع والقصور . الدول :تولي اليهود والنصارى أمور تولي اليهود أمورا كثيرة من دواوين الدولة في عهده ، ولكنهم مع ذلك لم يستطيلوا على المسلمين ، فلما مات ولى العزيز عيسى بن نسطورس الوزارة . وكان ، كما يقول القلانسي في ذيل تاريخ دمشق ، " نصرانيا من أقباط مصر ، وفيه جلادة وكفاية فضبط الامور وجمع الاموال ، ووفر كثيرا من الخراج . ومال الى النصارى فقلدهم الاعمال والدواوين . واطرح الكتاب المتصرفين من المسلمين ( أي أقالهم من وظائفهم ) . واستناب في الشام رجلا يهوديا يعرف بمنشأ بني ابراهيم بن الفرار ، فسلك مسلكه في التوفر على اليهود ( أي ملأ دواوين الدولة باليهود ) ، وعيسى مع النصارى مثله . واستولى أهل هاتين الملتين على الدولة ، فكتب رجل من أجلاء المسلمين رقعة ، وسلمها الى امرأة ، وبذل لها بذلا على اعتراض العزيز ، ورفع الظلامة إليه ، وتسليمها الى يده . وكان مضمون الرقعة : " يا أمير المؤمنين ، بالذي أعز النصارى بعيسى نسطورس ، واليهود بمنشأ بن الفرار ، وأذلّ المسلمين بك ألا نظرت في أمري " . وكان العزيز على بغلة سريعة المشي ، وإذا ركبها تدفقت كالموج ، ولم تلحق ، فوقفت المرأة في الناس ، فلما قاربها رمتها اليه فسارع الركابي الى أخذ الرقعة كالعادة ، وغاصت المرأة في الناس . ووقف العزيز عليها وأمر بطلب المرأة فلم توجد . وعاد في قصره منعم الفكر في امره ، فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان . وكان متقدما عنده في خواصه فأعطاه الرقعة وقال له قف عليها . فلما قرأها ، قال له : ما عندك في هذا الامر ؟ قال : مولانا أعرف بوجه الرأي والتدبير . فقال : صدقت كاتبتها . تنبهنا على غلط فيه ، وغفلة عنه " وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى ، وانشاء الكتب الى الشام بالقبض على منشأ بن الفرار والمتصرفين اليهود . و أن ترد الاعمال في الدواوين الى الكتاب المسلمين . ولكن هذا الامر لم يستمر فقد استطاع عيسى بن نسطورس ببذله الاموال والاستشفاع بست الملك بنت العزيز ، وكانت أثيرة لدى أبيها ولا يرد لها طلبا ، أن يطلب الصفح عنه من العزيز فصفح
عدد الصفحات ٩10 عنه . ثم أعاده الى الوزارة بشرط استخدام المسلمين في الدواوين ، فحمل عيسى ثلاثمائة ألأف دينار ذهبا الى الخزانة (بيت المال ) وقدمها للعزيز فاستعاد مكانته !!. ابن حزم وابن النغريلة (اليهود في الاندلس) ترجمة ابن حزم :
عدد الصفحات ١٠11 الاسلام لامام الفرد العلم أحد أئمةفهو ا: فأما ابن حزم نبدأ بنبذة مختصرة موجزة عن الرجلين ، وزعيم المذهب الظاهري القرطبي الاندلسي الذي ملأت كتبه الدنيا علما وأدبا وخصاما ومحاجة .. وهو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ، ينتهي نسبه الى مولى فارسي كان أعتقه يزيد بن أبي سفيان أحد قادة فتح الشام في زمن أبي بكر رضي الله عنه . ويقال ان جد ابن حزم في الاندلس كانا نصرانيا فأسلم . وظلت علاقة أسرة ابن حزم بالبيت الاموي وطيدة جدا حتى أن والده وزر للحاجب المنصور محمد بن ابي عام وابنه المظفر الذين استبدّا بالامر في آخر العهد الاموي بالاندلس . وقد ولد ابن حزم عام 384هـ994م ، في بيت متصل بالبلاط الملكي أقوى اتصال وكان في رفاهية وعز ، وعرف من اسرار النساء والقصور ما ظهر بعد ذلك في كتابه "طوق الحمامة" . ومع ذلك فقد تثقف ثقافة عالية وتتلمذ على أكابر علماء عصره من أمثال عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي وأحمد بن الجسور ، وحفظ القرآن الكريم ودرس الحديث النبوي دراسة واففية على مشايخ عصره . وكان ولاء ابن حزم شديدا للبيت الأموي في الاندلس فقد ناصر هشام الثاني في الوصول الى العرش عام 400هـ ، وأدى ذلك الى معاناةابن حزم وأبيه . وفر من قرطبة عام 404هـ ، بعد ان هدم البربر قصر اسرته البديع ، الى المرية ، حيث أكرمه حاكمها . لكنه ما ان سمع ان عبد الرحمن الرابع الملقب بالمرتضى تولى على بلنسيه حتى ترك مضيفه والتحق بعبد الرحمن الاموي يناصره واشترك معه في حرب غرناطة . ولما انهزم عبد الرحمن أسير ابن حزم وظل في الاسر فترة ثم أطبق سراحه . وللمرة الثالثة قام ابن حزم بدور كبير في مناصرة عبد الرحمن الخامس الذي استولى على قرطبة عام 414هـ وصار ابن حزم وزيره المقرب . ولكن امر لم يطل بعبد الرحمن الخامس حيث قتل بعد سبعة اسابيع فقط من استيلائه على سدة الحكم .. ووضع حزم من جديد في القيد والسجن .. ثم أطلق سراحه بعد ذلك فانتقل الى شاطبة ، وتفرغ تفرغا تاما للعلم والتأليف . وكما كانت حياته السياسية صاخبة كانت حياته العلمية كذلك شديدة الصخب . وكانت الاندلس والمغرب الاقصى في عهده قد وقعا في اسر التقليد . وكان المذهب المالكي مسيطرا سيطرة تامة على الدولة والعلماء .. وكل من حاول ان يخرج عن هذا المذهب ووجه بحرب شعواء . فضاق ابن حزم بذلك واتخذ المذهب الشافعي لفترة ، ثم انتقل عنه الى المذهب الظاهري ، ونعي على أهل زمنه التقليد لمن سبقهم وبعدهم عن الاخذ بالكتاب والسنة . وكان شديد الوطأة على من خالفه حتى قيل : " ان قلم ابن حزم في مضاء سيف الحجاج " . وقال عنه ابن حيان: " يصك معارضه صك الجندل" . ولكنه رغم حدته التي اعترف بها ، وأنها كانت نتيجة مرض يعتريه ، إلا انه كان ينصف خصومه ولم يكن يختلق التهم على أي منهم .
عدد الصفحات ١١12 1ه أبو رافعالاربعمائة وعدد صفحاتها ثمانون ألفا ، كما قال عنه ابن وقد بلغت مصنفات ابن حزم ويمكن ارجاع كتبه الى ثلاث مجموعات : لى" وله تابه الموسوعي في الفقه "المحمتعلقة بالفقه وأصول الفقه : وأهمها ك المجموعة الاولى : رسالة :"مسائل أصول الفقه " و " إبطال القياس والرأي والاستحسان " و " النبذة الكافية في اصول الاحكام وغيرها . عرب " و في التاريخ : ومنها " نقط العروس في تواريخ الخلفاء" و " أنساب ال المجموعة الثانية : "فضل الأندلس ". الملل كتابه " الفصل في في مقارنة الأديان والملل والنحل : وأهمها دون ريب عة الثالثة :المجمو والأهواء والنحل " وكتاب " اظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والانجيل وبيان تناقض ما بأيديهم منها مما لا يحتمل التأويل " و " رسالة في الرد على اليهودي ابن الغريلة " التي سنتحدث عنها بعد قليل. وله كتاب " طوق الحمامة " وهو من أوائل تصنيفه ، ويظهر فيه تأثير البلاط الذي عاش فيه ، ودور النساء في تربيته والحياة الاجتماعية ، وانواع العشق والغراميات التي كانت سائدة في عصره . وفي هذا الكتاب الذي ولع به المستشرقون ولعا شديدا ، تظهر قدرات ابن حزم الأدبية وشعره الرقيق كما تظهر قدراته على معرفة انواع العشق متدرجا من عشق الصور الجمالية في المرأة الى حب الله تعالى . وتحدث باقتدار عن التأثيرات النفسية للعشق ، ويقول ان الحب الاكثر رفعة هو الذي تنعقد عراه من خلال الله ، كما يقول عن الاخلاص بعد موت الحبيب أنه أكثر نبلا وجمالا مما لو كان المحبوب على قيد الحياة ، وثمة أمل في اللقاء . ويذكر ان الانبياء أنفسهم يميلون بشكل طبيعي نحو تذوق جمال الاشكال والصورة ، ولكن ذلك يرتقي الى عنان السماء في محبتهم لله . ولابن حزم موقف خاص من المرأة يخالف فيه جمهور الفقهاء ، وخاصة المالكية ، في زمنه . وهو يرى أن الله سبحانه وتعالى لا يفرق بين الناس رجالا ونساء الا بالعمل الصالح قال تعالىوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [}النساء124]مَنْ عَمِلَ سَي ِئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّ ةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [}غافر : 40] ويرى ان المرأة يمكن ان تتقلد الوظائف العامة ، وتستدل على ذلك بفعل عمر رضي الله عنه عندما ولى الشفاء بنت عبد الله العدوية الحسبة والاشراف على الاسواق ومراقبتها . ويرى ابن حزم ان المرأة يمكن ان تكون نبية يوحى اليها ويدلل على ذلك بالقرآن الكريم في قصة مريم عندما ظهر لها 1 صار أبو رافع بن علي (ابن حزم) من علماء الاندلس المجاهدين . واشترك في معركة الزلاقة مع امير المسلمين يوسف بن تاشفين (أمير الموحدين) والتي فيها النصر المبين على الاسبان النصارى . واستشهد أبو رافع في تلك المعركة الخالدة عام 479هـ
عدد الصفحات ١٢13 الملك مرارا وأخبرها انه مأمور بأن يهب لها غلاما زكيا ، وناداها الملك بعد ان وضعت غلامها. قال تعالى فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَ رِيًّا * وَهُز ِي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَر ِي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِن ِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَل ِمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [}م24-26] عندما أوحى الله اليها وامرها ان تضع موسى في اليم وأخبرها ان الله سيرده عليها سالما وسيجعله نبيا ورسولا. قال تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُم ِ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَم ِ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [}7.] ابن النغريلة أما ابن النغريلة فهو لقب أطلق على يهودي من أسبانيا في العهد الاسلامي ثم اطلق على ابنه . ولعل اسم النغريلة تحريف لكلمة ناغيد العبرية التي وردت في اسفار العهد القديم بمعنى القيم على المعبد ، أو رئيس القصر ، أو قائد فصيلة من الجيش ، أو بمعنى المدبر ، كما يقول ابن البسام. ويقول الدكتور احسان عباس في مقدمة تحقيقه لوسائل ابن حزم ومنها رسالة الرد على ابن النغريلة ان هذا اللقب أطلق على شموئيل (ومعناه سمع الله لي ) (اسماعيل) بن يوسف المكنّي بأبي ابراهيم . وابنه يوسف بن اسماعيل المكنى بأبي الحسين . وقد نشأ اسماعيل بقرطبة واضطرته فتنة البربر عام 399هـ أن يغادرها كما فعل معاصره ابن حزم الذي فر من قرطبة بعد ان أثار البربر على الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر وابنه المظفر. بزوغ نجم اسماعيل ابن النغريلة: وذهب اسماعيل (شموئيل) الى مالقة وافتتح دكانا هناك . وكان قد درس التلمود بقرطبة على يد الرابي حنوك ، كما درس الادب العربي وصناعة الكتابة . واستطاع بذكائه وقدرته على صناعة الكتابة أن يصبح ، وأصبحت شؤون الدولة في يد اسماعيل . وتقرب اسماعيل الى ولي العهد في هذه الامارة وهو باديس بن حبوس حتى نال ثقته ، وخاصة بعد أن كشف مؤامرة دبّرها بعض من في القصر لازاحة باديس عن الامارة ... والغريب حقا ان هذا اليهودي المكار المخادع كان ضمن أفراد المؤامرة ، فلما عرف تفاصيلها ، كشفها كلها للامير باديس لينال ثقته وضحى بزملائه وأشلائهم ليصل الى الوزارة والنفوذ. سيطرة اسماعيل على مقاليد الامور: وكان باديس يطمئن اليه والى ذكائه وعقله واخلاصه له . وكان من اسباب اطمئنانه له انه يهودي ذمي لاتشره نفسه الى الولاية (وكانت الاندلس تموج بالمؤامرات في عهد ملوك الطوائف ، وكلما قوي وزير دبّر المكائد ليتولى هو الحكم بدلا من أميره) . وكانت قدرة اسماعيل على جباية الاموال من اليهود وغيرهم لا تبارى ، كما كان شديد المكر والختل والدهاء ، حتى قال فيه ابن حيان في كتابه "الاحاطة" : "وكان هذا اللعين في ذاته ، على ما زوى الله عنه من هدايته ، من أكمل الرجال
عدد الصفحات ١٣14 علما وحلما وفهما وذكاء ودماثة وركانة ، ودهاء ومكرا ، وملكا لنفسه وبسطا من خلقه ، ومعرفة بزمانه ، ومداراة لعدوه" وقد تمكن اسماعيل بهذا المكر والدهاء ان يسيطر على الدولة وبنفس الخبث والدهاء جعل مناصب الدولة الهامة في يد اليهود حتى اكتسبوا واستطالوا على المسلمين كما يقول ابن حيان في الاحاطة . يوسف ابن اسماعيل ابن النغريلة: وقد حرص اسماعيل على ان يثقف ابنه يوسف ثقافة واسعة وان يتقن صناعة الكتابة ثم ألحقه بخدمة بلكين بن باديس . فلما مات اسماعيل استطاع يوسف ان يتقرب الى الامير باديس وذلك عن طريق رشوة الوزيرين علي وعبد الله ابني القروي الذين نصحا الامير باديس ان يعتمد عليه ويجعله كاتبه ومستشاره . واستطاع هذا اليهودي المكار المخادع ان يكسب ثقة الامير باديس كما فعل أبوه من قبل ، وجمع له الاموال بل واستطاع ان ينتزع ما كان بيد ابني القروي من أملاك ويعطيها للامير ... وهكذا كان جزاء هذين الوزيرين أن فقدا أموالهما وسلطانهما بسبب دعمهما لهذا اليهودي ، وهذا امر يتكرر في التاريخ كثيرا فكل من قدم مساعدة ليهودي ، فإن اليهودي سرعان ما يقلب له ظهر المجن ويخدعه فيرده اذا ما كان في ذلك مصلحة له . واستطاع رجال الحاشية ان يصلوا الة الامير بلكين بن باديس وان يغروه بقتل يوسف بن النغريلة . ولكن ابن باديس كان سكيرا فأفشى سره واستطاع اليهودي الداهية ان يدعوا بلكين الى مجلس شراب ، وهناك سقاه السم وتخلص منه . واستطاع اليهودي يوسف بن اسماعيل ان يسيطر على الدولة سيطرة تامة بعد ان تخلص من بلكين والوزيرين ابني القروي .. واستخدم نفوذه لدى باديس الذي انغمس في الشراب بعد ان كبرت سنه ، لتوطيد سلطانه ، كما استخدم النساء في القصر وتوصل اليهن بالهدايا الى تنفيذ مأربه.. وشتت أعدائه بمؤامراته وبسياسة فرق تسد . وازداد نفوذ اليهود في عصره زيادة كبيرة حتى انهم جمعوا الجبايات باسم الدولة من المسلمين ، واظهروا استطالتهم وتجبرهم على المسلمين الذين احسنوا اليهم . وليس هذا بغريب على اليهود . ورأى يوسف ابن النغريلة انه كي يصفوا له الجو عليه ان يقصي اكابر قبيلة صنهاجة التي يعتمد عليها الامير باديس ويبعدهم عن غرناطة ، ولكن مؤامرته انكشفت وهبت قبيلة صنهاجة لتدافع عن كيانها وسلطانها بعد ان ضمر وهزل على يد يوسف ابن النغريلة . ولم يكتف يوسف بهذا كله بل زادت وقاحته لدرجة انه بدأ يتطاول على الدين الاسلامي نفسه ، وزعم لاصحابه من اليهود والنصارى والمنافقين انه سينظم القرآن شعرا وموشحات . ووصلت به القحة ان وضع كتابا زعم فيه انه يجمع تناقضات القرآن . فإزدادت بذلك نقمة الامة على هذا اليهودي الفاجر الذي لم يرع الذمة التي اعطيت له . وانه واضرابه من اليهود ما كانوا ليصلوا الى هذه المكانة لولا تسامح المسلمين الى حد الغباء ... وهو أمر يتكرر في التاريخ الاسلامي منذ العهد الاموي الاول حيث تولى منصب طبيب الخليفة ووزير الصحة ووزير المالية يهودي او نصراني . واستمر الامر على ذلك المنوال في العهد العباسي وفي العهد الايوبي حتى صلاح الدين الايوبي
عدد الصفحات ١٤15 كان له اثنا عشر طبيبا من أهل الذمة .. وتولى بعضهم الوزارة ، وهي تعادل الوزارة الكبرى ، وذلك في كل من مصر والشام والاندلس . وفي كل العهود ابتداء من العهد الاموي وانتهاء بالدولة العثمانية . وهذه سماجة وليست سماحة.. وقد تنبّ ه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه الى هذه المسألة ورفض ان يعيّ ن غلاما نصرانيا كاتبا حاسبا ليتولى الديوان في العراق عندما طلب منه ابو موسى الاشعري رضي الله عنه ذلك . ولما كرّ ر عليه الطلب قال عمر : مات الغلام . أي هب الغلام مات فابحث لك عن غيره ورفض عمر رضي الله عنه ان يولي نصرانيا وظيفة هامة من وظائف الدولة الاسلامية . ولم نر أي دولة مسيحية الى اليوم تسمح لمسلم فيها ان يصل الى منصب الوزارة . وهاهم المسلمون اليوم بالملايين في اوربا وامريكا ولم نسمع عن أحد منهم تولى منصبا هاما في الدولة لديهم ، بل على العكس تصك اسماعنا أنباء المذابح في البوسنة والهرسك وفي كوسوفو ، بل ونرى التعصب المقيت في باريس التي يسمونها عاصمة النور تطرد الفتيات من مدارسهن لمجرد لبسهن غطاء لرؤوسهن .. وكم من مسلمة طردت من عملها لمجرد لبسها الحجاب !! وقد اخرج يوسف ابن اسماعيل ابن النغريلة كتابه في الفترة التي بلغ فيها ذروة سطوته وقوته وهي ما بين عامي 456-459هـ وأدى ذلك الى نقمة العلماء والامة على هؤلاء اليهود المجرمين المتطاولين على الاسلام ونبي الاسلام ، وكتاب الاسلام القرآن المجيد . ومن ذلك قصيدة للشيخ ابي اسحاق الالبيري التي يحرّ ض فيها قبيلة صنهاجة (البربرية) على التخلص من اليهود والوزير اليهودي الوقح ويقول فيها : وإني احتللت بغرناطة فكنت أراهم بها عابثين وقد قسّ موها وأعمالها فمنهم بكل مكان لعين وهم يقبضون جبايتها وهم يخصمون وهم يقسمون وهم يلبسون رفيع الكسا وانتم لاوضاعها لابسون وهم امناكم على سركم وكيف يكون أمينا خؤون ثم قام أحد العلماء بالرد على هذه الرسالة الوقحة التي وضعها ابن النغريلة واطلع ابن حزم على الرد فلم يرقه ، فوضع رسالته : الرد على ابن النغريلة . وانتشرت رسالة ابن حزم انتشارا واسعا وكانت احد الاسباب التي هيّ جت الامة على هؤلاء اليهود حتى ثار الشعب وقتل يوسف ابن النغريلة . وقتل يوم ذاك أربعة آلاف يهودي كما قيل . رسالة ابن حزم في الرد على ابن النغريلة : بدأ ابن حزم رسالته الهامة بنقد أولي الامر من المسلمين الذين وسدوا أمور الدولة الى أعدائها من اليهود والنصارى ومكنوا لهم من رقاب الناس . فقال : " اللهم إنا نشكو اليك تشاغل اهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم ، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لمعادهم ودار قرارهم ، ويجمع أموال ربما كانت سببا الى انقراض اعمارهم ، وعونا لاعدائهم عليهم ، عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم
عدد الصفحات ١٥16 ، حتى استشرف لذلك اهل القلة والذمة ، وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك بما لو حقق النظر أرباب الدنيا لاهتموا بذلك ضعف همنا ، لانهم مشاركون لنا فيما يلزم الجميع من الامتعاض للديانة الزهراء والحمية للملة الغراء . ثم هم بعد متردون بما يؤول اليه اهمال هذه الحال من فساد سياستهم ، والقدح في رياستهم ، فللاسباب أسباب ، وللمداخل الى البلا أبواب ، والله اعلم بالصواب " . وهو في هذا يحذر أهل السلطة من المسلمين من التهاون وترك الامور بيد أعداء الدين . وانشغالهم بقصورهم وضياعهم وأموالهم ، واعتمادهم في تسيير امورهم على هؤلاء الكفرة اعداء الدين مما يفتح عليهم ابواب البلاء ، واسباب النقم ، والغضب من الجبار المنتقم . واستخدم ابن حزم التحذير والانذار والايات القرآنية والاحاديث النبوية لكي لا يركنوا للذين ظلموا ، قال تعالىوَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [}113] سبحانه وتعالى عن موالاة أعداء الدين حيث قالوَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ[}51 ] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [}144] وقال تعالىبَش ِرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْ مُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَِِّّ جَمِيعًا [}138-139] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَ وَلَّهُ مْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَََّّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللََُّّ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِ نْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [}51-52.] وحدد المولى سبحانه وتعالى الولاية بقولهإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللََُّّ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُ مْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَََّّ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللََِّّ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْ لِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَََّّ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [}55-57 ] ويقول ابن حزم في رسالته العجيبة التي كأنها تصف أوضاع المسلمين اليوم ، يقول منبها من يهود ومكر يهود : " لاسيما ان كان العدو من عصابة لا تحسن الا الخبث مع مهانة الظاهر فيأنس المغتر الى الضعف البادي . وتحت ذلك الختل والختر والكيد والمكر ، كاليهود الذين لا يحسنون شيئا من الحيل (يقصد اعمال الهندسة وغيرها ). ثم يقول : " وبعد فإن بعض من تقلى قلبه للعداوة للاسلام وأهله ، زذزبت كبده ببغض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من متدهرة الزنادقة المستسرين بأذل الملل وأرذل النحل من اليهود التي استمرت لعنة الله على الموسومين بها .واستقر غضبه عز وجل على المنتمين اليها ، وأطلق الاشر لسانه ، وأرخى البطر عنانه واستشمخت لكثرة الاموال لديه نفسه المهينة ، واطغى توافر الذهب والفضة عنده همته الحقيرة ، فألف كتابا قصد فيه ، بزعمه ، الى ابانة تناقض كلام الله عز وجل في القرآن اغترارا بالله تعالى أولا ، ثم بملك ضعفه ثانيا ، واستخفافا بأهل الدين بدءا ، ثم
عدد الصفحات ١٦