118 يظهر في هذا الدعاء الذم يتكجه به المؤمف إلػى ربػه طالبػان المعكنػة كالمسػاعدة أنٌػه ركعػي فيػه معنػى السػببية فػي قكلػه: (وَاعْعَلً ٌِّلي ِِلٓ ٌَّلذُٔهَ عُلٍْؽَبًٔب َّٔصِليرًا ) تقػدـ طمػب السمطة عمى طمب النصرة؛ لأفٌ مف يمتمؾ السمطة يستطيع النصرة كالمسػاعدة, فػالأكلى سبب في الثانية. كقػػد يلاحػػظ القػػارئ أفٌ لمترتيػػب عنايػػة فػػي التػػدرج كالتنقػػؿ بػػذهف المسػػتمع بصػػكرة تصػػعيدية, مػػف الأقػػؿ إلػػى الأكثػػر, حتػػى يفهػػـ كيػػدرؾ المقصػػكد مػػف الخطػػاب, فمػػف ذلػػؾ قكلػه تعػالى فػي الحػديث عػف بػر الكالػديف: (ـَللبَ رَمُلً ًٌََُّّلأ ؤُؾٍّ وَلاَ رَنًَْشْهَُّلب وَلُلً ًٌََُّّلب لَلوْلاً وَشِيمًب)(1) . فقد تدرج مف ذكر العقػكؽ الأقػؿ كهػك كممػة (أؼ) الدالػة عمػى التضػجر بالكالػديف إلػػى العقػػكؽ الأكبػػر كهػػك نهػػر الكالػػديف كالصػػياح عميهمػػا, ليبػػيف أنٌػػه (أم العقػػكؽ) بجميػػع أشكاله كدرجاته محرـ حرمة مغٌمظة تأتي في درجتها بعد الشرؾ بالله. مراعاة التدرج من الأدن إل الأعم : قد يظهر في ترتيب الجمؿ الفعميػة غايػات بلاغيػة أخػرل مثػؿ التػدرج مػف الأدنػى إلى الأعمى ليتسؽ ذلؾ مع مضمكف الخطاب مف ذلؾ: (لًُْ عُجْؾَبَْ سَثًي هًَْ وُنذُ بَلاَّ ثَؾَشًا سَّعُولاً) (2) . كقد جػاء هػذا الخطػاب عقػب ذكػر طمبػات تعجيزيػة لممشػركيف, أرادكا مػف خلالهػا اختبار صدؽ نبكة النبي -- كبيت مف زخرؼ, أك جنٌػة مػف أعنػاب, أك إحضػار ا كالملائكة, فجاء رد النبي متعجبان (هًَْ وُنذُ بَلاَّ ثَؾَلشًا سَّعُلولاً ) كقػد تقػدـ ذكػر بشػريته (بشػران) عمى رسالته (رسكلان) بيانان لضعفه كاانسػانيته, كترقيػان مػف الأدنػى إلػى الأعمػى ليكضػح أنٌػه قبؿ كؿ شيء إنساف محدكد القدرة كالإمكانية. (1) الإسراء 89.) (2) الإسراء 9 .)
عدد الصفحات ١٢٩119 التدرج من الأعم إل الأدن كقد تنقمب صكرة التعبيػر فتبػدأ الآيػة بػذكر الأعمػى, ثػـ الأدنػى, لبيػاف عمػك منزلػة صاحب الكصؼ, مػف ذلػؾ: (لُلً ٌَّلوْ وَلبَْ ـِلي الأسض َِلآئِىَلخٌ يَّْؾُلوَْ ُِؽَّْئِلنً َ ٌَنَضٌَّْنَلب عٍََليًُِْ ًِلَٓ اٌغََّّبء ٍََِىًب سَّعُولاً) (1) . ففي هذا الخطاب رد عمى مف شػكؾ فػي ن بػكة الرسػكؿ -- بػدعكل أنٌػه بشػرم مف البشر, فكيؼ يككف رسكلان؟ فجاء الرد أفٌ البشر يمزمهـ نبي بشػرم مػف جنسػهـ, كمػا أفٌ الملائكػػة لػػك كانػػت تسػػكف الأرض؛ لأرسػػؿ إلػػيهـ ملاكػػان مػػف جنسػػهـ؛ لأفٌ هػػذا أحػػرل لمتفاهـ بينهـ. كقػػد جػػاء ترتيػػب المفظػػيف (ممكػػان رسػػكلان) مراعيػػان التػػدرج مػػف الأعمػػى إلػػى الأدنػػى؛ لأفٌ الملائكة أعمى رتبة مػف الرسػؿ. كذلػؾ بيانػان لعظمػة المتقػدـ, كعمػك منزلػة المػلاؾ لػك هبط عمى هيئة رسكؿ. التدرج من الأقوى إل الأضعف: كيظهر ذلؾ في مكاضع عديدة منها قكله تعػالى: (وَلَبٌُواْ ؤَئِزَا وُنَّب عِظَبًِب وَسُـَبرًب ؤَبَِّٔب ٌََّجْعُوصُوَْ خٍَْمًب عَذِيذًا) (2). فقد استنكر المشرككف قضية البعث بعد المكت, كانبعػاث العظػاـ كالرفات إلى الحيػاة مػف جديػد, كقػد تقػدـ ذكػر العظػاـ إلػى الرٌفػات؛ لأفٌ العظػـ أقػكل مػف الرفػػات (كهػػي مػػا تفتػػت كبمػػي مػػف جسػػـ الميػػت فكػػاف التػػدرج مػػف الأقػػكل إلػػى الأضػػعؼ, مراعاة لطقكل, كالأكثر كضكحان في الرؤيا عند المستنكريف. كحكؿ التقديـ كالتأخير في هذ الآية أشار الدكتكر عمي أبك القاسـ في دراسػة لػه حكؿ أسمكب التقديـ كالتأخير في القرآف الكريـ, فقػاؿ مقارنػان بػيف هػذ الآيػة كآيػة مشػابهة لها في سكرة الرعد جاء فيها: (وَبِْ رَعْغَتْ ـَعَغَتٌ لَوًٌُُُْْ ؤَئِزَا وُنَّب رُشَاثًب ؤَئِنَّب ٌَفِي خٍَْكٍ عَذِيذٍ)(3) . (1) الإسراء ;?). (2) الإسراء ?:). (3) الرعد ;).
عدد الصفحات ١٣٠121 كرد في الإسراء قبػؿ ذلػؾ قكلػه تعػالى (وَلَلبٌُواْ ؤَئِلزَا وُنَّلب عِظَبًِلب وَسُـَبرًلب ؤَبَِّٔلب ٌََّجْعُوصُلوَْ خٍَْمًب عَذِيذًا) (1). يقػػػكؿ: "مػػػا فػػػي هػػػذ الآيػػػة مػػػف أغػػػراض ناشػػػئة بسػػػبب اقتػػػراف الاسػػػتفهاـ كالتقػػػديـ كالتػػػػأخير كالحػػػػذؼ, مسػػػػتنبط مػػػػف آيػػػػة أخػػػػرل فػػػػي سػػػػكرة الرعػػػػد, ففػػػػي الاسػػػػتفهاـ إنكػػػػار كاسػػتبعاد, كفػػي تقػػديـ الظػػرؼ اهتمػػاـ بتقكيػػة إنكػػار كاسػػتبعاد المنكػػر, كهػػك البعػػث معمقػػان بظرفػػػه المػػػذككر, فػػػالظرؼ هػػػك سػػػبب الاسػػػتبع اد كدافػػػع التعجػػػب, كحػػػذؼ الفعػػػؿ المنكػػػر إيجاز في الكلاـ, كاكتفاء بما دؿ عميه (ؤَبَِّٔب ٌََّجْعُوصُوَْ خٍَْمًلب عَذِيلذًا ) كاابػراز لتحقيػؽ اسػتبعاد مدلكؿ المحذكؼ في اعتقادهـ(2). كقػػػػد تقػػػػدـ هػػػػذا الحػػػػديث عػػػػف ضػػػػرب ا لأمثػػػػاؿ بالعظػػػػاـ كالرفػػػػات فعػػػػؿ أمػػػػر يفيػػػػد التشكيؽ كهك قكله تعالى: (أظُشْ وَيْؿَ ظَشَثُواْ ٌَهَ الأَِْضَبيَ ـَعٍَُّواْ ـَلبَ يَغْزَؽِيعْوَْ عَجِيلبً) (3) . يقػػكؿ الػػدكتكر المسػػيرم فػػي كتابػػه (دلالات التقػػديـ كالتػػأخير فػػي القػػرآف الكػػريـ "كهذا التقديـ (الفعؿ انظر) مف أجؿ تهيؤ الناظر إليها, كصرؼ نفسه عف كؿ نظر إلػى غيرها, كذلؾ لما فيها مف فتنة كضلاؿ, الأمر الذم يدعك إلى إمعاف النظر فيهػا, حتػى يتػػػكقى النػػػاظر مػػػا فيهػػػا مػػػف مكػػػر ككيػػػد, كأفػػػادت هػػػذا التشػػػكؽ لمعرفػػػة مػػػا أمػػػر بػػػالنظر إليه"(4). كيعدٌ مف هذا الباب أيضان قكله تعالى(وَبِْ َِّٓ لَشْيَخٍ بِلاَّ َٔؾُْٓ ًٍُِِْىُوهَب لَجًَْ يَوَِْ اٌْمِيَبَِلخِ ؤَوْ ُِعَزِّثُوهَب عَزَاثًب ؽَذِيذًا وَبَْ رٌَِه ـِي اٌْىِزَبةِ َِغْلؽُوسًا ) (5). فقػد تقػدـ ذكػر الهػلاؾ (مهمككهػا عمى ذكػر العػذاب (معػذبكها) لأفٌ الهػلاؾ أقػكل مػف العػذاب, فقػد يعنػي المػكت كالنهايػة, كلكػػػف العػػػذاب قػػػد يكػػػكف رحيمػػػان بحسػػػب مقػػػدار , فتػػػدرج مػػػف ذكػػػر الأقػػػكل إلػػػى الأضػػػعؼ (1) الإسراء ?:). (2) ينظر: أبك القاسـ, عمي, بلاغة التقديـ كالتأخير في القرآف الكريـ, ج 9, ص4494. (3) الإسراء >:). (4) المسيرم, منير محمكد, دلالات التقديـ كالتأخير في القرآف الكػريـ, مكتبػة كهبػة, ط 4 ,4:8<ق 800;ـ, ص><:. (5) الإسراء >;).
عدد الصفحات ١٣١121 لمتخكيؼ, كلبياف أفٌ معظػـ القػرل الفاسػدة, قػد لاقػت الهػلاؾ الجػذرم كبػادت, كأفٌ خيػار التعذيب كاف أقؿ. التدرج م ن الأضعف إل الأقوى: كيجد الدارس أفٌ الألفاظ قد تتػدرج لتػدؿ عمػى الأضػعؼ ثػـ الأقػكل كقكلػه تعػالى: (لُلً وُؤُلواْ ؽِغَلبسَحً ؤَوْ ؽَذِيلذًا ) (1). كذلػؾ فػي معػرض الحػكار حػكؿ البعػث, حػيف اسػتنكركا بعػػث العظػػاـ كالرفػػات فيخػػاطبهـ النبػػي --: بػػؿ إف الله قػػادر عمػػى بعػػث البشػػر, كلػػك كػانكا حجػػارة أك حديػدان, لا يعجػػز شػيء, كسػػتعكد الػركح لتػػدب فػي أجسػػادهـ مهمػا كانػػت مادتهػػا. فتػػدرج بػػذكر هػػذ المػػكاد فبػػدأ بالحجػػارة كهػػي الأضػػعؼ مػػف الحديػػد قػػكة, ثػػـ ذكػػر الحديد لأنٌه الأقكل كقد كرد في ذكر , قكله تعالى: (وَؤَٔضٌَْنَب اٌْؾَذِيذَ ـِيهِ ثَإْطٌ ؽَذِيذٌ) (2) . ككػػاف سػػبب التػػدرج هػػك التحػػدم بػػيف المخػػاطبيف, فػػهفٌ الػػذم يتحػػدل المخػػاطبيف يصػػػعٌد فػػػي قػػػكة خطابػػػه, كمػػػا يصػػػعٌد فػػػي قػػػكة مضػػػمكنه, ثقػػػة منػػػه بقكتػػػه كضػػػعؼ مػػػف يكاجهه. التقديم لمشرف: ككفػػؽ هػػذا الغػػرض نجػػد الترتيػػب كقػػد تػػـ كفػػؽ رتبػػة المتقػػدـ, فالأشػػرؼ يػػأتي ذكػػر أكلان, مف ذلؾ قكله تعالى في تقديـ السمع عمى البصػر: (عُلجْؾَبَْ اٌَّلزِي ؤَعْلشَ ثِعَجْلذِ ِ ٌَليْلبً ًَِٓ اٌَّْغْغِذِ اٌْؾَشَاَِ بٌَِ اٌَّْغْغِذِ الأَلْصَ اٌَّزِي ثَبسَوْنَب ؽَوٌَْهُ ٌِنُشِيَهُ ِِْٓ آيَبرِنَب بَِّٔهُ هُوَ اٌغَِّّي ُ اٌجَصِيرُ)(3) . كقد تقدـ السمع عمى البصػر فػي اثنػيف كثلاثػيف مكضػعان مػف القػرآف الكػريـ كقكلػه تعالى(4): (وَبِرَا ؽَىَّْزُُ ثَيَْٓ اٌنَّبطِ ؤَْ رَؾْىُُّواْ ثِبٌْعَذْيِ بَِّْ اٌٍّهَ ِٔعَِّّب يَعِظُىُُ ثِهِ بَِّْ اٌٍّهَ وَبَْ عَِّيعًب ثَصِيرًا)(5) . (1) الإسراء 0.) (2) الحديد8;.) (3) الإسراء 4.) (4) ينظر: أبك زيد, نايؿ ممػدكح, دراسػات فػي إعجػاز القػرآف, مطبعػة الأزهػر, مؤتػة, ط 8 ,8049ـ ص4;0. (5) النساء>;).
عدد الصفحات ١٣٢122 (ٌَيْظَ وَِّضٍِْهِ ؽَيْءٌ وَهُوَ اٌغَِّّي ُ اٌجَصِيرُ)(1). (ٌَيْظَ وَِّضٍِْهِ ؽَيْءٌ وَهُوَ اٌغَِّّي ُ اٌجَصِيرُ (2) . (لًُْ َِٓ يَشْصُلُىُُ ًَِٓ اٌغََّّبء وَالأسض ؤََِّٓ يٍَِّْهُ اٌغَّّْ َ والأَثْصَبسَ وََِٓ يُخْشِطُ اٌْؾَيَّ َِِٓ اٌَّْيًذِ) (3). (َِب وَبُٔواْ يَغْزَؽِيعُوَْ اٌغَّّْ َ وََِب وَبُٔواْ يُجْصِشُوَْ) (4). كقد كقؼ المفسركف كثيران عند هذا التقديـ كالتأخير فخرجكا بفكائد منها 1. تبػػدأ كظيفػػة السػػمع بالعمػػؿ قبػػؿ كظيفػػة الإبصػػار فػػهفٌ الجنػػيف يسػػمع قبػػؿ أف يػػرل كما أثبتت تجارب العمماء. 2. أفٌ تعمٌػػػـ النطػػػؽ يػػػتـ عػػػف طريػػػؽ السػػػمع بالدرجػػػة الأكلػػػى, كااذا كلػػػد الإنسػػػاف كهػػػك أصـ, صعب عميه الانسجاـ, كحدث له قصكر عقمي كتردو في مدركاته. 3. أفٌ مػػدل السػػمع أقػػؿ مػػف مػػدل الرؤيػػة؛ لػػذلؾ خاطػػب الله مكسػػى كهػػاركف: (بَِّٔنِللي َِعَىَُّلب ؤَعْلَّ ُ وَؤَسَ ) (5). فالػذم يسػمعؾ يكػكف فػي العػادة قريبػان منػؾ بخػلاؼ الػذم يراؾ كهك بعيد عنؾ. 4. أفٌ السػػمع لا يمنعػػه الحػػاجز المػػادم مػػف أداء عممػػه بخػػلاؼ البصػػر, فهنٌػػه تمنعػػه الحكاجز مف إدراؾ الأشياء. 5. أفٌ السمع شػرط مػف شػركط النبػكة, فالآيػات تسػمع مػف النبػي, كمػف خػلاؿ السػمع تتككف القناعات لدل الإنساف في عقمه كقمبه, حتى كااف لـ يكف مبصران. 6. لػػيس فػػي كتػػاب الله آيػػة قػػدمت فيهػػا صػػفة الله البصػػير عمػػى السػػميع, بػػؿ جميػػع الآيات جاء فيها تقدـ السميع عمى البصير(6) . (1) الشكرل 44.) (2) المجادلة4.) (3) يكنس94.) (4) هكد80.) (5) طه<:). (6) ينظػػػػر: أبػػػػك زيػػػػد, نايػػػػؿ, دراسػػػػات فػػػػي إعجػػػػاز القػػػػرآف, ص 4;4, السػػػػامرائي, التعبيػػػػر القرآنػػػػي ص;;-<;.
عدد الصفحات ١٣٣123 غيػػر أفٌ مكاضػػع قميمػػػة قػػدـ فيهػػػا البصػػر عمػػى السػػػمع فػػي القػػػرآف, لا سػػيما عنػػػد الحديث عف اليكـ الآخر مف ذلؾ قكله تعػالى: (وٌََوْ رَشَ بِرِ اٌُّْغْشُِِوَْ َٔبوِغُلو سُئُوعِلًُِْ عِنلذَ سَثًًُِْ سَثَّنَب ؤَثْصَشَْٔب وَعَِّعْنَب ـَبسْعِعْنَب َٔعًَّْْ صَلبٌِؾًب بَِّٔلب ُِولِنُلوَْ ) (1). كقػدـ فيهػا البصػر عمػى السػمع؛ لأفٌ الإنسػاف بعػػد مكتػه ككقكفػػه لمحسػاب يبصػػر مػا لػػـ يبصػر فػػي الحيػاة الػػدنيا, فالبصػػر هنا يعني اليقيف كالإدراؾ كهذا مصداؽ لقكله تعالى مخاطبان الإنساف عند الحساب: (ٌَمَلذْ وُنذَ ـِي ؼَفٍَْخٍ ًِْٓ هَزَا ـَىَؾَفْنَب عَنهَ ؼِؽَبءنَ ـَجَصَشُنَ اٌْيَوََْ ؽَذِيذٌ) (2) . كمف باب التقدـ لمشرؼ قكلػه تعػالى (لُلً ٌَّلئِِٓ اعْزََّعَلذِ الإِٔلظُ وَاٌْغِلُّٓ عٍََل ؤَْ يَلإْرُواْ ثِِّضًِْ هَلزَا اٌْمُشْآِْ لاَ يَإْرُوَْ ثِِّضٍِْهِ وٌََوْ وَبَْ ثَعْعًُُُْ ٌِجَعْطٍ ظًَِيرًا) (3) . فقد تقدـ لفظ الإنس عمػى لفػظ الجػف فػي هػذ الآيػة الكريمػة, تشػريفان للإنػس عمػى الجف في مجاؿ البلاغة, فهفٌ التحدم فػي الآيػة كاضػح أنٌػه حػكؿ بلاغػة القػرآف, كمػا أنٌػه كاضح مف خلاؿ الآية أفٌ الإنس أكثر عناية بالمغة مف الجف, كدليػؿ ذلػؾ أفٌ الله تعػالى حيف خمؽ آدـ, تحدل به الملائكة كالجف في مجاؿ المغة, فقػاؿ: (وَعٍَََُّ آدَََ الأَعْلَّبء وًٍََُّلب صَُُّ عَشَظًَُُْ عٍََ اٌَّْلبَئِىَخِ ـَمَبيَ ؤَٔجِئُؤِي ثِإَعَّْبء هَلاُلاء بِْ وُنزُُْ صَبدِلِ َ (30) لَبٌُواْ عُجْؾَبَٔهَ لاَ عٍِْلَُ ٌَنَب بِلاَّ َِب عٍََّّْزَنَب بَِّٔهَ ؤَٔذَ اٌْعٍَِيُُ اٌْؾَىِيُُ (32) لَبيَ يَلب آدََُ ؤَٔجِلئًُُْ ثِإَعْلَّأئًُِِْ ـٍَََّّلب ؤَٔجَلإَهُُْ ثِإَعْلَّأئًُِِْ لَبيَ ؤٌََُْ ؤَلًُ ٌَّىُُْ بِِّٔي ؤَعٍَُُْ ؼَيْتَ اٌغََّّبوَادِ وَالأسض وَؤَعٍَُُْ َِب رُجْذُوَْ وََِب وُنزُُْ رَىْزُُّوَْ) (4). عمى أفٌ سكران أخرل قد ذكرت الجػف مقػدميف عمػى الإنػس, مػف مثػؿ قكلػه تعػالى (وََِب خٍََمْذُ اٌْغَِّٓ وَاٌْةِٔظَ بٌَِّب ٌِيَعْجُذُوِْ) (5). فجاء التقدـ لمسبؽ؛ لأنٌهـ خمقكا أكلان (1) السجدة48.) (2) ؽ88.) (3) الإسراء >>). (4) البقرة 94.) (5) الذاريات <;).
عدد الصفحات ١٣٤124 كفي قكله تعالى(وَؽُؾِشَ ٌِغٍَُيَّْبَْ عُنُودُ ُ َِِٓ اٌْغًِٓ وَاٌْلةِٔظِ وَاٌؽَّيْلشِ ـًَُلُْ يُوصَعُلوَْ ) (1). قػدـ ذكػػر الجػػف عمػػى الإنػػس لمناسػػبة السػػياؽ, كفػػي ذلػػؾ يقػػكؿ أحػػد الدارسػػيف: "كلا غرابػػة فػػي أف يقػػػدـ القػػػرآف ذكػػػر الجنػػػد مػػػف الجػػػف, عمػػػى الجنػػػد مػػػف الإنػػػس, فجنػػػكد الجػػػف يتميػػػزكف بقػػػكتهـ كشػػػدتهـ كصػػػلابتهـ كبسػػػالتهـ عمػػػى غيػػػرهـ, كالػػػذم يػػػدؿ عمػػػى هػػػذ القػػػكة كالشػػػدة كسرعة الحركة, إجابة بعضهـ حي ف طمب منه نبي الله سميماف –عميه السػلاـ- أف يأتيػه بعػرش ممكػة سػبأ قبػؿ قػدكمها إليػه, كػاف جػكاب كاحػد مػنهـ مػا أخبػر عنػه القػرآف (2):(لَلبيَ عِفْشيذٌ ًَِٓ اٌْغًِٓ ؤََٔب آرِيهَ ثِهِ لَجًَْ ؤَْ رَمُوََ ِِٓ َِّمَبِِهَ وَبِِّٔي عٍََيْهِ ٌَمَوِي ؤَِِ ٌ)(3). فالتقديـكالتػأخير يكػكف بحسػب السػياؽ كالمناسػبة, لػذا مػا قػد يتقػدـ فػي سػكرة, قػد يتػػأخر فػػي سػػكرة أخػػرل, ليػػدؿ ذلػػؾ عمػػى أفٌ الظػػاهرة غيػػر عبثيػػة, بػػؿ يقػػع كػػؿ لفػػظ فػػي مكانة الصحيح لعبرة كدلالة!! كقػػد عمػػؿ السػػيكطي تقػػدـ المفػػظ فػػي مكضػػع كتػػأخر فػػي مكضػػع آخػػر مػػف القػػرآف بقكلػػه: "قػػػد يقػػػدـ لفػػػظ كيػػػؤخر فػػػي آخػػػر, كنكتػػة ذلػػػؾ إمٌػػػا لكػػػكف السػػػياؽ فػػػي كػػػؿ مكضػػػع يقتضػػي مػػا كقػػع فيػػه مػػا تقػػدمت الإشػػارة إليػػه , كاامٌػػا لقصػػد البػػداءة, كالخػػتـ بػػه, للاعتنػػاء بشػػأنه, كمػػا فػػي قكلػػه: (يَللوََْ رَجْلليَطُّ وُعُللو ٌ وَرَغْللوَدُّ وُعُللو ٌ ) (4) كاامٌػػا لقصػػد التفػػنف فػػي الفصػػاحة, كااخراج الكلاـ عمى عدة أساليب, كما في قكله تعػالى: (وَادْخٍُُواْ اٌْجَبةَ عُغَّذاً وَلُوٌُواْ ؽِؽَّلخٌ ) (5) . (5). كفي مكضع آخر(6):(وَلُوٌُواْ ؽِؽَّخٌ وَادْخٍُُواْ اٌْجَبةَ عُغَّذًا) (7). (1) النمؿ4=.) (2) أبك زيد, نايؿ, دراسات في إعجاز القرآف, ص 4:>- 4:? . (3) النمؿ, (9?.) (4) آؿ عمراف 40<.) (5) البقرة >;). (6) ينظر السيكطي, الإتقاف, ج9, ص0. (7) الأعراؼ 4<4.)
عدد الصفحات ١٣٥125 كقػػد يكػػكف تقػػدـ ذكػػر (السػػمكات) عمػػى (الأرض) فػػي معظػػـ الآيػػات لمغايػػة نفسػػها (الشػرؼ) نظػران لعظمػة سػاكنيها (الله كملائكتػه) كقػػد يكػكف لعمكهػا. أك لأفٌ مػا غػاب فيهػػا عف العيف أعظـ, أك لتعدد طبقاتها فاستحؽ ذكرها التقديـ مف ذلؾ: (رُغَجًؼُ ٌَهُ اٌغََّّبوَادُ اٌغَّجْ ُ وَالأسض وََِٓ ـِيًَِّٓ وَبِْ ًِٓ ؽَيْءٍ بِلاَّ يُغَلجًؼُ ثِؾَّْلذَ ِ ) (1). حيػث يظهػر مف خلاؿ السياؽ أفٌ تعداد السمكات سبب مف أسباب تعظيمهػا, حيػث يبمػآ سػبعان, بينمػا ظهرت (الأرض) دالة عمى المفرد. عمى أفٌ الأرض تػرد فػي سػكر أخػرل سػابقة عمػى السػماء , مػف مثػؿ قكلػه تعػالى: (وََِب يَعْضُةُ عَٓ سَّثًهَ ِِٓ ًِضْمَبيِ رَسَّحٍ ـِي الأسض وَلاَ ـِي اٌغََّّبء وَلاَ ؤَصْؽَشَ ِِٓ رٌَِهَ وَلا ؤَوْجَشَ بِلاَّ ـِي وِزَبةٍ ُِّجِ ٍ) (2) . كقػػد عمػػؿ الزمخشػػرم هػػذا التقػػديـ (لػػطرض) عمػػى (السػػماء) فقػػاؿ: "فػػهفٌ قمػػت لًػػـى قدمت الأرض عمى السماء ؟ بخلاؼ قكله تعالى في سكرة سبأ: (وَلَبيَ اٌَّزِيَٓ وَفَشُوا ٌَب رَإْرِينَب اٌغَّبعَخُ لًُْ ثٍََ وَسَثًي ٌَزَإْرِيَنَّىُُْ عَبٌُِِ اٌْؽَيْتِ ٌَب يَعْضُةُ عَنْهُ ِِضْمَبيُ رَسَّحٍ ـِي اٌغََّّبوَادِ وٌََب ـِي الأسض وٌََب ؤَصْلؽَشُ ِِلٓ رٌَِلهَ وٌََلب ؤَوْجَلشُ بٌَِّلب ـِلي وِزَلبةٍ ُِّلجِ ٍ ) (3). قمػت: حػؽ السػماء أف تيقػدـ عمػى الأرض كلكنػػه لمػػػا ذكػػػر شػػػهادته عمػػػى شػػػؤكف أهػػػؿ الأرض, كأحػػػكالهـ كأعمػػػالهـ, ككصػػػؿ بػػػذلؾ قكله: (لا يعزب عنه)(4), لاءـ ذلؾ أف قػدـ الأرض عمػى السػماء عمػى أفٌ العطػؼ بػالكاك حكمه حكـ التثنية"(5) . (1) الإسراء ::). (2) يكنس4 .) (3) سبأ9.) (4) ابف منظكر, لساف العرب, مادة (عزب أعزب عنه حممًه يعزب عزكبػان أم: ذهػب كقكلػه تعػالى: (عَبٌُِِ اٌْؽَيْتِ ٌَب يَعْضُةُ عَنْهُ ِِضْمَبيُ رَسَّحٍ) معنا لا يغيب عف عممه شيء. (5) ينظر: الزمخشرم, الكشاؼ, ج 9,ص=<;.
عدد الصفحات ١٣٦126 فالزمخشرم ينص عمػى نظريػة السػياؽ, كأفٌ المفػظ فػي ترتيبػه يراعػي المقػاـ الػذم يرد فيه, لأفٌ الحديث في الآية السابقة عف شؤكف أهؿ الأرض كأعمالهـ, فناسبهـ تقػديـ ذكر (الأرض) عمى السماء. التقدم حسب الرتبة: كقػػػد سػػػبؽ ككضػػػحنا مػػػف خػػػلاؿ الحػػػديث عػػػف تقػػػدـ الأفعػػػاؿ كتأخرهػػػا, أفٌ القػػػرآف يراعي رتبة مف يتحدث عنهـ, فالكلد أقرب مف الزكجة إلى الإنسػاف, كالزكجػة أقػرب مػف الكالػديف, كالكالػداف أقػرب مػف الإخػػكة, ممػا يكضػح رتػب صػػمة الػرحـ, كيبػيف مراحػؿ فػػرار الإنساف مف هؤلاء جميعان يكـ الحساب. كقد راعى القرآف رتبة صلات الػرحـ مػف جانػب آخػر, كهػك أداء ال حقػكؽ الماليػة, مف نفقة كزكاة, كميراث كغيرها, كذلؾ في قكله تعالى: (وَآدِ رَا اٌْمُشْثَ ؽَمَّهُ وَاٌِّْغْىِ َ وَاثَْٓ اٌغَّجِيًِ وَلاَ رُجَزِّسْ رَجْزِيشًا)(1) . فقػػد تقػػدـ ذكػػر القريػػب -ذا القربػػ ى- عمػػى المسػػكيف, كقػػد يكػػكف بعيػػدان عػػف صػػمة الػػرحـ, ثػػـ ذكػػر ابػػف السػػبيؿ, كهػػك الغريػػب المقػػيـ مؤقتػػان فػػي بمػػد مػػا, لمعمػػؿ أك التعمػػيـ أك غيػػػػر , فجػػػػاء الترتيػػػػب منطمقػػػػان مػػػػف الحمقػػػػة الأضػػػػيؽ إلػػػػى الحمقػػػػة الأكسػػػػع فػػػػي التكافػػػػؿ الاجتماعي, مما يضمف مجتمعان سكيان متكاتفان في مجاؿ حقكؽ الإنساف كتطمعاته. تقديم ملمحة الإنسان الضرورية عم ما سواىا: كفػػي ذلػػؾ مراعػػاة لمحاجػػات الممحػػة عنػػد الإنسػػاف, كتقػػديمها عمػػى مػػا سػػكاها, مػػف ذلؾ قكله تعالى: (ؤَُنَضًيُ َِِٓ اٌْمُلشْآِْ َِلب هُلوَ ؽِلفَبء وَسَؽَّْلخٌ ٌٍُِّّْلاِِْنِ َ )(2). فقػد تقػدـ ذكػر (الشػفاء عمػػى ذكػػر (الرحمػػة) لأفٌ الإنسػػاف حػػيف يكػػكف معػػتلان فهنٌػػه أحػػكج إلػػى الشػػفاء؛ لأنٌهػػا حالػػة خاصة كممحة, بينما تككف الرحمة عامة تطاؿ جميع أحػكاؿ الإنسػاف, فجػاء التخصػيص سابقان عمى التعميـ لإلحاحه كمراعاته لمصالح البشر. (1) الإسراء 8< .) (2) الإسراء 8.)
عدد الصفحات ١٣٧127 كمف ذلؾ أيضان قكلػه تعػالى(وَعَعٍَْنَلب اٌٍَّيْلًَ وَاٌنًََّلبسَ آيَزَليِْٓ ـََّؾَؤَْلب آيَلخَ اٌٍَّيْلًِ وَعَعٍَْنَلب آيَلخَ اٌنًََّبسِ ُِجْصِشَحً ٌِزَجْزَؽُواْ ـَعْلبً ًِٓ سَّثًىُُْ وٌَِزَعٍَُّْواْ عَذَدَ اٌغًنِ َ وَاٌْؾِغَبةَ)(1) . فقػػػد جعػػػؿ الله فػػػي تعاقػػػب الميػػػؿ كالنهػػػار نعمػػػة أنعػػػـ بهػػػاعمػػػى الإنسػػػاف, فالميػػػؿ لمراحػػػة, كالنهػػػار لطمػػػب الػػػرزؽ. كذكػػػر نعمػػػة أخػػػرل كهػػػي تمكػػػيف الإنسػػػاف مػػػف حسػػػاب الزمف, فقدـ ذكر (السنيف) عمى (الحساب) لأفٌ الإنساف أحكج إلى معرفة (السػنيف) ككػـ مضى منها, فهذا أكلى مػف الحسػابات الفمكيػة؛ لأفٌ الأخيػرة لا يأبػه بهػا إلا عممػاء الفمػؾ بينما يمتفت العامة إلى التأريخ البسيط. كمف ذلؾ أيضان تقديـ ذكر البر عمى البحر في قكله تعالى: (وٌََمَذْ وَشَِّْنَلب ثَنِلي آدَََ وَؽٍََّْنَبهُُْ ـِي اٌْجَشً وَاٌْجَؾْشِ وَسَصَلْنَبهُُ ًَِٓ اٌؽَّيًجَبدِ) (2) . فقدـ ذكػر البػر عمػى البحػر؛ لأفٌ الإنسػاف أحػكج إليػه, كلأفٌ معظػـ حياتػه يقضػيها في البر لا البحر, فجاء الترتيب مراعيان مصمحته كمنفعته. مراعاة القرب المكاني: كيظهػػر مراعػػاة القػػرب المكػػاني, خػػلاؿ الآيػػات أفٌ التقػػديـ كالتػػأخير قػػد يكػػكف لػػه غاية إنسانية أخرل, كهي مراعاة القرب المكاني, كي يتمكف الإنساف مف فهـ كاسػتيعاب ما يدكر حكله مف ذلؾ قكله تعالى: (وَلاَ رَّْؼِ ـِلي الأسض َِشَؽًلب بَِّٔلهَ ٌَلٓ رَخْلشِقَ الأسض وٌََلٓ رَجٍُْػَ اٌْغِجَبيَ ؼُولاً) (3) . كهػػػك نهػػػي عػػػف الخػػػيلاء كالتكبػػػر, فػػػهفٌ المتكبػػػر لػػػف يسػػػتطيع بخيلائػػػه أف يخػػػرؽ الأرض -أم أف يصػػػنع فيهػػػا نفقػػػان - مػػػف كطء قدميػػػه كتبختػػػر , كمػػػا أنٌػػػه لػػػف يسػػػتطيع أف يضػػاهي الجبػػاؿ فػػي طػػكؿ قامتػػه؛ لأنٌػػه أقصػػر منهػػا جميعػػان. كفػػي هػػذا غػػض مػػف شػػأف المتكبر, كدعكة له لمتكاضػع. كقػد تقػدـ ذكػر الأرض عمػى الجبػاؿ؛ لأنٌهػا أقػرب لخطػكات (1) الإسراء 48.) (2) الإسراء 0.) (3) الإسراء 9=.)
عدد الصفحات ١٣٨128 الإنساف كحركته, كما أنٌها أقرب لبصر كتأممه, فهك يراها كؿ لحظة. كهػذا أدعػى لفهمػه كاستيعابه. التعظيم: كيظهر هذا الغرض مف خػلاؿ الابتػداء بالأسػماء الدالػة عمػى العظمػة , كػذكر الله سبحانه أك القرآف الكريـ, مف ذلؾ: (سَّثُّىُُْ ؤَعٍَُُْ ثِىُُْ بِْ يَؾَإْ يَشْؽَّْىُُْ) (1) . فػػػالمفظ (ربكػػػـ) كااف كػػػاف قػػػد تقػػػدـ لمرتبػػػة النحكيػػػة ككجكبهػػػا إلاٌ أفٌ لتقديمػػػه غايػػػة كاضحة لكؿ متأمؿ, كهي تعظيـ الذات الإلهية كتبجيمها. كمػف ذلػؾ أيضػان: (وَلُشْآٔلبً ـَشَلْنَلب ُ ٌِزَمْلشَؤَ ُ عٍََل اٌنَّلبطِ عٍََل ُِىْلشٍ ؤََضٌَّْنَلب ُ رَنلضِيلبً ) (2) فتقػدـ المفعػػكؿ بػػه (قرآنػػا) عمػػى فعمػػه (فرقنػػا ) إنٌمػػا كػػاف لغايػػة جميػػة, كهػػي تعظػػيـ هػػذا الكتػػاب كتقديسه. كحػػكؿ تقػػديـ هػػذا المفعػػكؿ (قرآنػػان ) يقػػكؿ الزمخشػػرم: قرآنػػان : منصػػكب بفعمػػه يفسػػر (فرقنا ) أم جعمنا نزكله مفرقان منجمان, كقيؿ لـ ينزؿ في يكميف أك ثلاثة, بػؿ امتػد نزكلػه عشركف سنة(3). كػذلؾ فػي قكلػه تعػالى(ًِلَٓ اٌَّْغْلغِذِ اٌْؾَلشَاَِ بٌَِل اٌَّْغْلغِذِ الأَلْصَل ) (4) فػذكر المسػجد الحػػػػراـ قبػػػػؿ المسػػػػجد الأقصػػػػى داؿ عمػػػػى عظمػػػػة هػػػػذا المسػػػػجد كمكانتػػػػه المقدسػػػػة لػػػػدل المسمميف, "فهك أجؿ المساجد عمى الإطلاؽ"(5) . التخليص كهػذا التعبيػػر كااف كػػاف فضفاضػػان, لا يعمػػـ القػارئ غايتػػه, إذا تكقػػؼ الػػدارس عميػػه دكف شػػػرح, كدكف تكضػػػيح مػػػا كراء مػػػف أغػػػراض, إلا أفٌ بعػػػض الأسػػػماء تػػػرد متقدمػػػة لتخصيصػػها دكف غيرهػػا بمعنػػى معػػيف, أم أفٌ المعنػػى (نحػػف كلػػيس غيرنػػا أخػػص بكػػذا (1) الإسراء :;). (2) الإسراء 40<.) (3) ينظر, الزمخشرم, الكشاؼ,ج 8, ص??<. (4) الإسراء 4.) (5) السعدم, عبد الرحمف, تيسير الكريـ الرحمف, ص 0 .
عدد الصفحات ١٣٩129 ككذا) كلكف ينبغي تقييد ذلؾ بتكضيح الغاية, مف ذلؾ قكله تعالى: (بَِّْ عِجَلبدِي ٌَليْظَ ٌَلهَ عٍََيًُِْْ عٍُْؽَبٌْ وَوَفَ ثِشَثًهَ وَوِيلبً) (1) . كهك خطاب مكجه لمشيطاف (لعنػه الله) فيحػذر الله سػبحانه مػف غكايػة البشػر, ثػـ يخصٌ عباد بالػذكر (بَِّْ عِجَبدِي ٌَيْظَ ٌَهَ عٍََليًُِْْ عُلٍْؽَبٌْ ). ككػاف يمكػف أف يقػاؿ: (إنػه لػيس لؾ سمطاف عمى عبػادم) كذلػؾ فػي المغػة العاديػة لكنػه قػدٌمهـ للاختصػاص كالعنايػة بهػـ في معرض تحذير الشيطاف مف الغكاية, كمف ذلؾ قكله تعالى: (لًُ ٌَّوْ ؤَٔزُُْ رٍَِّْىُوَْ خَضَآئَِٓ سَؽَّْخِ سَثًي بِرًا ٌَّإَِْغَىْزُُْ خَؾْيَخَ الإِٔفَبقِ)((2) . فتقػػػديـ الضػػػمير المنفصػػػؿ (أنػػػتـ) لافػػػت لمنظػػػر, ككػػػاف مقتضػػػى القػػػكؿ: (قػػػؿ لػػػك تممكػػكف خػػػزائف رحمػػة ربػػػي) لكنػػه قػػػدـ (أنػػتـ) للاختصػػػاص, أم أخصػػكـ بػػػالقكؿ, كذلػػػؾ لغرض التنديد كالتعريض ببخمهـ كاامساكهـ. كمػف ذلػؾ أيضػان: (سَّثُّىُلُْ ؤَعٍَْلُُ ثَِّلب ـِلي ُٔفُوعِلىُُْ بِْ رَىُؤُلواْ صَلبٌِؾِ َ ـَةَِّٔلهُ وَلبَْ ٌِلؤَوَّاثِل َ ؼَفُوسًا) (3) . فقد اختص الله نفسه بالعمـ (ربكـ) كبمعرفة ما يػدكر فػي أفئػدة النػاس دكف غيػر كهك تخصيص غايتػه التعظػيـ, كلهػذ الغايػة قػدـ قبػؿ أف يكػكف ذلػؾ مراعػاة لرتبػة النحػك كمعطياتػػػه, ككػػػاف يمكػػػف أف يقػػػاؿ: (يعمػػػـ ربكػػػـ بمػػػا فػػػي نفكسػػػكـ) لكنػػػه قيػػػدٌـ تخصيصػػػان كتقديسان لذكر . التحدي وا ظيار النِّدِّ ية: كهػػػػك أسػػػػمكب لطيػػػػؼ, يظهػػػػر فػػػػي السػػػػكرة مػػػػف خػػػػلاؿ خطػػػػاب مكسػػػػى كفرعػػػػكف كتحاكرهما حكؿ كجكد الله, كذلؾ في قكله تعالى: (وٌََمَذْ آرَيْنَب ُِوعَ رِغْ َ آيَبدٍ ثَيًنَبدٍ ـَبعْإَيْ (1) الإسراء ;<). (2) الإسراء 400 .) (3) الإسراء 8;.)
عدد الصفحات ١٤٠131 ثَنِي بِعْشَائِيًَ بِرْ عَبءهُُْ ـَمَبيَ ٌَهُ ـِشْعَوُْ بِِّٔي ٌَإَظُنُّهَ يَب ُِوعَ َِغْؾُوسًا (010 )لَبيَ ٌَمَلذْ عٍَِّْلذَ َِلب ؤَٔضَيَ هَلاُلاء بِلاَّ سَةُّ اٌغََّّبوَادِ وَالأسض ثَصَأئِشَ وَبِِّٔي ٌَإَظُنُّهَ يَب ـِشْعَوُْ َِضْجُوسًا)(1) . فقػػػد كرد فػػػي الآيتػػػيف الكػػػريميتف تعبيػػػراف لافتػػػاف لمػػػدارس, بمعنػػػى التحػػػدم خػػػلاؿ الخطاب: (إني لأظنؾ يا مكسى مسحكران ) ( إني لأظنؾ يا فرعكف مثبكران )(2) . كهمػػا جممتػػا نػػداء ككػػاف مقتضػػى القػػكؿ: (يػػا مكسػػى إنػػي لأظنػػؾ مسػػحكران) ككػػاف مقتضػػى الثانيػػة: (يػػا فرعػػكف إنٌػػي لأظنػػؾ مثبػػكران) كلكػػف مجػػيء النػػداء متػػأخران عػػف محمػػه, كتكسطه ككأنٌه جممة معترضة, أكحى بمعنى التحػدم كالنديػة بػيف الػرجميف, لا سػيما كأف كؿ كاحد منها قد خاطب الآخر باسمه, دكف ألقاب, فػي جػرأة كاضػحة لإيمػاف كػؿ كاحػد منهما بعقيدته!! كهذا مف أجمؿ الأساليب الكاردة في سكرة الإسراء!! كبعد: فهذا عرض لأهػـ الأغػراض البلاغيػة التػي اسػتطعت تبيٌنهػا خػلاؿ دراسػتي لهذ السكرة, كلا يعنػي ذلػؾ أنٌػه لػيس هنػاؾ أغػراض أخػرل فػاتتني أك لػـ أسػتطع تبيٌينهػا, كلكف القرآف بحػر لا شػكاطئ لػه, كعػالـ لا يحػيط بػه محػيط, كحسػبي أنٌػي أدليػت بػدلكم, كبػذلت قصػارل جهػدم, عمٌنػي أكػكف مشػػمكلان بمػف قػاؿ فػيهـ النبػي --: "لا أقػكؿ ألػػـ حرؼ, بؿ ألؼ حرؼ, كلاـ حرؼ كميـ حرؼ" في معرض حديثه عف أجر القارئ. (1)الإسراء 404-408 .) (2) ابػػػف منظػػػكر, لسػػػاف العػػػرب, مػػػادة (ثبػػػر كالثبػػػكر: هػػػي العقكبػػػة أم مغمكبػػػان ممنكعػػػان مػػػف الخيػػػر, كالمثبػػكر الممعػػكف المطػػركد المعػػذب كمثبػػكران هالكػػان أم أظنػػؾ يػػا فرعػػكف معػػذبان كمعاقبػػان بعػػد المكت.
عدد الصفحات ١٤١131 الخاتمة تبػػػيف لمباحػػػث بعػػػد القيػػػاـ بهػػػذ الدراسػػػة حػػػكؿ ظػػػاهرة التقػػػديـ كالتػػػأخير فػػػي سػػػكرة (الإسػػػػراء), كبعػػػػد اسػػػػػتقراء حػػػػكؿ هػػػػذ الظػػػػػاهرة فػػػػي دراسػػػػات القػػػػػدامى كالمحػػػػدثيف مػػػػػف البلاغييف كالنحكييف كالنقاد ما هك آت: 1ػػػ لا تقتصر أهمية التقديـ كالتأخير في القرآف الكريـ عامة كفي (الإسراء) خاصة عمػى الغايػػػات الجماليػػػة أك النحكيػػػة كاانٌ مػػػا تػػػأتي فػػػي المقػػػاـ الأكؿ لغايػػػات بلاغيػػػة عظيمػػػة ترمي إلى إيصاؿ الم عاني كالتكجيهات الأخلاقية لمناس. ففي قكله تعالى: ( ولا رمزٍلوا اٌنفظ اٌتي ؽشَ الله بلا ثبلحك) (ولا تجعً ِ الله بلهبً آخش) (ولا تمؼ في الأسض ِشؽلبً ) (ولا رجلزسوا رجلزيشاً ) إنما تقدمت صيغة النهي عمى غيرها في الآيات لمتأكيػد عمػى الحرمػة المغمٌظػة لهػذ الأفعاؿ كليس رعاية للإيقاع كالكزف داخؿ الآيات. 2ػػػػػ تػػأتي فكاصػػؿ الآيػػات الكريمػػة فػػي القػػرآف الكػػ ريـ عامػػة كفػػي الإسػػراء خاصػػة عفٍ كيػػةن منسػػجمة تمػػاـ الانسػػجاـ مػػع معنػػى الآيػػة دكف أف تجػػكر عمػػى معناهػػا أك تجػػر جػػران لتحقيػػػؽ السػػػجع كالمكسػػػيقى فػػػالله سػػػبحانه هػػػك الأقػػػدر عمػػػى التصػػػرؼ فػػػي الكممػػػات كنظمها قاؿ تعالى: (لًُ ٌَّوْ وَبَْ اٌْجَؾْشُ ِِذَادًا ٌِّىٍََِّلبدِ سَثًلي ٌَنَفِلذَ اٌْجَؾْلشُ لَجْلًَ ؤَْ رَنفَلذَ وٍََِّلبدُ سَثًلي وٌََلوْ عِئْنَللب ثِِّضٍِْللهِ َِللذَدًا ) كبػػذا يػػرفض الباحػػث قػػك ؿ الدارسػػيف القػػدامى كالمحػػدثيف إ ف التقػػديـ كالتػػأخير قػػد يقػػع رعايػػة لمفكاصػػؿ كمػػا ذهػػب الزركشػػي فػػي (البرهػػاف) كالأندلسػػي فػػي (البحػػػر المحػػػيط ) كابػػػف هشػػػاـ فػػػي (مغنػػػي المبيػػػب) كيعػػػد عظيمػػػان فػػػي حػػػؽ القػػػرآف الكريـ . 3ػػػػػ ذكػػر الدارسػػكف القػػدامى مجمكعػػة مػػف الأغػػراض البلاغيػػة العظيمػػة التػػي تكمػػف كراء ظػػػاهرة التقػػػديـ كالتػػػأخير كالتقػػػديـ لطهميػػػة كالاختصػػػاص كالسػػػببية كالتعظػػػيـ كالمػػػدح
عدد الصفحات ١٤٢132 كالتحقيػػػػر كمراعػػػػاة الرتبػػػػة كغيرهػػػػا, حتػػػػى بمغػػػػت 25) غرضػػػػان عمػػػػى يػػػػد الزركشػػػػي ت(772ق) في كتابه (البرهاف في عمكـ القر آف ) كبذا استكت عمػى يديػه بابػان كػاملان مف أبكاب عمـ المعاني كذلؾ في القرف الثامف الهجرم. 4ػػػكاف لمجرجاني دكره كبيره في تأصػيؿ هػذا البػاب مػف أبػكاب عمػـ المعػاني حيػث نقمػه مف الحيز الضيؽ -معرفة الصكاب كالخطأ مف الناحية النحكية - إلى الحيػز الأكبػر كهػػك معرفػػة (الر تبػػة البلاغيػػة) كتحميػػؿ الغايػػة الكامنػػة كراء هػػذ الظػػاهرة كمػػا رفػػض اقتصػػػار السػػػابقيف عميػػػه القػػػكؿ بػػػأفٌ غايػػػة التقػػػديـ كالتػػػأخير فػػػي الشػػػكاهد إنٌ مػػػا هػػػي للاهتماـ لممتقدـ دكف تكضيح لكجه هذا الاهتماـ كاختصاصه الدقيؽ. 5ػػػػػ بعػػد تجػػكاؿ سػػريع فػػي القػػرآف الكػػريـ كقبػػؿ الكلػػكج إلػػى سػػكرة ا سػػراء عػػرض الباحػػث لمكاطف جميمة ظهر فيها التقديـ كالتػأخير جميػان فػي آيػات متعػددة كسػكر مختمفػة مػف القػرآف الكػػريـ . فأكردهػا مكضػػحان مكاضػع هػػذا التقػديـ ككجػػه (الجماليػة) فيػػه, مسػػتعينان بػػػػػآراء الدارسػػػػػيف القػػػػػدامى كالمحػػػػػدثيف مػػػػػف مثػػػػػؿ الزمخشػػػػػرم, كابػػػػػف القػػػػػيـ الجكزيػػػػػة كالزممكػػػػاني كمػػػػف المحػػػػدثيف فاضػػػػؿ السػػػػامرائي كسػػػػامح الركاشػػػػدة كخديجػػػػة السػػػػايح, كغيرهػػػا فظهػػػرت خػػػلاؿ هػػػذ المػػػكاطف معظػػػـ الأغػػػراض البلاغيػػػة التػػػي أشػػػار إ ليهػػػا الدارسػػكف, كالتخصػػ يص لطفضػػمية فػػي قكلػػه تعػػالى: (وؤِللذدٔبوُ ثللإِواي وثللن ) فقػػد تقػػدـ ذكػػر المػػاؿ عمػػى البنػػيف لطفضػػمية, كالتقػػديـ لمتعظػػيـ كقكلػػه تعػػالى: (الله ٔللوس اٌغللّبواد والأسض) كالتقػػديـ للاختصػػاص كقكلػػه تعػػالى (بيللبن ٔعجللذ وبيللبن ٔغللزع ) ك التقػػديـ لمشػػرؼ كقكله تعالى (الحش ثبلحش واٌعجذ ثبٌعجذ) كغيرها. فكػػاف هػػذا البػػاب معينػػان عمػػى البػػاب الػػذم يميػػه كهػػك سػػكرة الإسػػراء حيػػث أمكػػف معالجػػة الظاهرة البلاغية فيه بالإفاد ة مما سبؽ.
عدد الصفحات ١٤٣133 6ػػػ شرع الباحث بعد ذلؾ في دراسة سكرة الإسراء باحثان عف مكاضع هػذ الظػاهرة فخػرج بعدة نتائج هي: أػػػػ غمبػػة نسػػؽ الجػػار كالمجػػركر عمػػى غيػػر مػػف الأنسػػاؽ المغكيػػة فػػي احتػػكاء هػػذ الظػػاهرة البلاغية حيث قاربت هذ الأنساؽ ( 70) مكضعان ضمٌت معظػـ الأغػراض البلاغيػة التي ذكرها البلاغيكف القدامى كهي: التقػديـ لطفضػػمية ػػػػ الاهتمػاـ ػػػػ التعظػػيـ ػػػػ الرعايػة كالتفضػػيؿ ػػػػ التحػػذير ػػػ التحقيػػر ػػػػ التكعػػد كالتهديػػد ػػػػ التحػػدم ػػػػ السػػبؽ الزمػػاني ػػػػ الترتيػػب كالترقػػي ػػػػ التػػدرج فػػي كصػػؼ حركػػات الإنساف ػػ القسـ كالتأكيد ػػ القصر ػػ المدح كالإطراء . ب ػػ ظهر التقديـ كالتأخير في نسؽ الجمؿ الفعمية كالاسمية بصكرة أقؿ مػف نسػؽ الجػار كالمجػػركر كلكنػػه احتػػكل كػػذلؾ عمػػى معظػػـ الغايػػات البلاغيػػة التػػي ذكرهػػا الدارسػػكف كالتدرج كالسببية كالتحذير كالتفضؿ كالاهت ماـ كغيرها . ج ػػػػػػ غمػػػػب عمػػػػى سػػػػكرة الإسػػػػراء كغيرهػػػػا مػػػػف سػػػػكر القػػػػرآف تقػػػػديـ ا لمعػػػػاني التػػػػي تػػػػكحي بالإيجابيػػػػة التػػػػي يتميػػػػز بهػػػػا ديػػػػف الرحمػػػػة الإسػػػػلاـ, فالرحمػػػػة تتقػػػػدـ عمػػػػى العػػػػذاب, كالبشػػػػػارة تتقػػػػػدـ عمػػػػػى الإنػػػػػذار, كالله سػػػػػبحانه يتقػػػػػدـ ذكػػػػػر عمػػػػػى غيػػػػػر فػػػػػي مجػػػػػاؿ الاختصػػاص كالحػػكار يتقػػدـ عمػػى الكعيػػد إلاٌ فػػي مكاضػػع تتطمػػب غيػػر ذلػػؾ . رحمػػة بالناس كرعاية لأحكالهـ. د ػػ كػاف لمسػكرة الكريمػة (الإسػراء) خصكصػية امتػازت بهػا عػف غيرهػا فػي مجػاؿ التقػديـ كالتػػػػأخير كظهػػػػكر مػػػػنهج متكامػػػػؿ مػػػػف التكجيهػػػػات الأخلاقيػػػػة كالاجتماعيػػػػة جػػػػاءت متلاحقة متسمسمة مبدكءة بصيغة (لا تفعؿ) فتشكمت منظكمة رائعة لإصػلاح أحػكاؿ البشػػػر. ككػػػاف التقػػػديـ كالتػػػأخير فيهػػػا مػػػاثميف بصػػػكر ة جميػػػة أشػػػار إليهػػػا الباحػػػث فػػػي مكضعها مف مثؿ:
عدد الصفحات ١٤٤