305 وضع الشموع من حول الجثة وجلس على الأرض وقد تلوث قميصه ووجهه بالدم، وكان يلهث … لحسن الحظ أن الضربة جاءت على الرأس فلم يتأذ الجسد كثيرًا .. دومينيك .. أنا فعلت ما أمرت به .. كان يقولها وهو ينقل رأس دومنيك بحذر ليثبته فوق الجسد العضلي للفتى …. 4 لابد أن الأمر استغرق عشر ساعات من العمل المتواصل.. الخياطة باستخدام عدسة على ضوء الشموع. هكذا أشرق الصباح ثم عاد الليل .. البروفسور لم يأكل وإن نهض لتناول كأس من الخمر من وقت لآخر. لابد أن المشهد كان شنيعًا، ومن حسن جدنا أننا لم نره.. أخيرًا بدأت الصورة تتضح .. وإن كانت تقنيات الجراحة البدائية لم ترفق بالجلد. بدت الفتاة بدائرة قبيحة حول العنق كأنها مذبوحة. قام بلف قطعة من الشاش الدامي حول العنق لتخفي المنظر. وعندما انتهى كل شيء نهض إلى مقعد قريب فارتمى عليه وراح يتنفس لاهثًا.
عدد الصفحات ٣٠٦306 أنت لا تنقل رأس إنسان كل يوم، لكنه كان يؤمن بأنه عبقري وقد استخدم مادة لاصقة للأعصاب ابتكرها بنفسه، وهي قريبة جدًا من مادة بوليثيلين جليكول التي اعتقد علماء عصرنا أنها قادرة على لحام الرؤوس بالأجساد. لابد أنه نام يومًا أو يومًا وبعض يوم من فرط الإجهاد. غرق في غيبوبة مرهقة من الكوابيس.. لم يعد يعرف أي شيء حقيقي وأي شيء كابوسي. للحظات خيل له أن الجسد ينهض، لكنه لم يستطع التأكد قط. فقط بعدما استعاد وعيه ونهض وسط الدم المتخثر الذي غطى يديه ووجهه وأرضية المختبر، أدرك أنه وحيد فعلاً … الأغرب أنه اكتشف أن الآلة التي تجري دورة صناعية موجودة كما هي. لقد تركتها دومينيك. هذا يعني أن ما يسري في عروقها ليس دمًا وليس ذلك السائل الحيوي الغامض الذي ابتكره.. هذه المرأة تتحرك بقوة غامضة .. تتحرك بالسحر! هذه لحظة عجيبة من زواج السحر والعلم للوصول لشيء مخيف غير معتاد .. بدأ البروفسور يفيق .. قام بتنظيف الفوضى العارمة التي صنعها.. في قرارة نفسه كان يشعر بأن هذا كله كان حلمًا مخيفًا …
عدد الصفحات ٣٠٧307 ظل يعتقد هذا حتى عاد الشيء في المساء، وحتى أطبقت اليد القوية على عنقه فعوى كالكلاب ثم مات. لم يكن للبروفسور مكان في هذا العالم الجديد .. عالم دومينيك دو جالفان. وبشكل ما كانت تشعر بأنه يستحق ما حدث له، لولا فضوله العلمي القاسي لكانت تنعم بالراحة تحت التراب كهيكل عظمي. هكذا تمدد على أرض المختبر وقد تهشم عنقه. أمسكت دومينيك بالجثة من قدميها واتجهت بها إلى ركن الغرفة. كانت العملية قاسية طويلة، وفي النهاية اندفعت عربة ذات خيول يقودها حوذي مخمور نحو نهر السين، وفي مكان مظلم تعاون اثنان.. أحدهما قوي البنية ضخم والآخر هو الحوذي المترنح .. تعاونا على إلقاء كيس مليء بشيء ثقيل في النهر. في ذلك العصر كانت القذارة عنوان كل شيء، وكان من الممكن أن يغطس شيء كهذا في السين فلا يظهر … مدت دومينيك يدها تنقد الحوذي المال. كان الحوذي يرتجف رعبًا من هذا العميل غريب الأطوار. له أجمل وجه يمكن أن تراه.. وجه ملاك حقيقي.. لكن جسده قوي
عدد الصفحات ٣٠٨308 مزدان بالعضلات والشعر. الأغرب كان الصوت الذي يخرج من الحنجرة ..صوت فتاة بلا شك في ذلك .. على كل حال لم يكن ليطيل الأسئلة. سوف يحصل على مال يتيح له المزيد من النبيذ لهذه الليلة. جريمة؟ نحن في عصر دموي تتناثر فيه الجثث في الشوارع، فلن تغير جثة إضافية الأمور. ومنذ ذلك اليوم الرهيب صار مختبر البروفسور هو مسكن ذلك الكائن العجيب الذي جاء من عدم. لاحظ الجيران ذلك الشاب الصموت ذا الوجه القسيم. كان مدثرًا بالثياب ويضع على كتفيه معطفًا رثًا واسعًا، ويلف عنقه بالشاش .. وكان قليل الكلام. لا يظهر إلا مع قدوم الليل حيث يخرج لشراء بعض الخبز والجبن والنبيذ . لم يكونوا يعرفون من هو، لكنهم كانوا سعداء بالخلاص من البروفسور رانفييه غريب الأطوار . ماري كلير تعمل بأقدم مهنة في التاريخ. قبيحة جدًا ملطخة بالمساحيق، يمكنك أن تشم رائحتها من على بعد أمتار. الاستحمام ترف بالنسبة لفتاة مثلها. هناك تقف عند ناصية شارع بيجال تحت مصباح كيروسين وقد ارتدت ثيابًا المفترض أنها مغرية، وهي تروح وتجيء منادية الزبائن.
عدد الصفحات ٣٠٩309 كان حظها من المال لا يختلف كثيرًا عن حظها من الجمال، وكانت تتساءل إن كانت هذه أقذر مهنة في التاريخ أم أن هناك مهنًا أقذر. منذ ثلاثة أيام لم يظهر زبون واحد، وقد بدأ الجوع يعذبها .. عندما تعود لغرفتها الحقيرة في الصباح تفتش في بقايا الخضروات العفنة التي تخلفت من البائعات أمس..ثم تعد لنفسها وجبة تبقيها حية. هذه ليلة عجفاء أخرى .. هنا سمعت من يناديها همسًا. نظرت للخلف فرأت في ضوء مصباح الكيروسين ذلك الوجه الوسيم .. أجمل وجه يمكن تصوره كأنه وجه فتاة من الحوريات. لكن الجسد قوي عضلي مشعر. يدنو منها وبصوت خافت غير واضح يهمس: «عندي.. بيتي قريب من هنا» لماذا يتكلم بهذا الصوت الغريب؟ ثم قدرت أن لديه مرضًا في الحنجرة. هكذا تمت الصفقة بسرعة ووجدت نفسها تمشي وراءه عبر الأزقة شاعرة أنها محظوظة .. ليس لأنه سيمنحها بعض المال فقط، بل لأنه أول شخص ذي منظر مقبول تقابله في هذه المهنة ..
عدد الصفحات ٣١٠310 هناك فتح ذلك الباب.. دخلت لتشم رائحة لم ترتح لها. كان المكان أقرب إلى مختبر مهجور وكانت رائحة الكيماويات طاغية فعلاً .. هناك ظلام وغبار، لكنها كانت قد اعتادت القذارة فلم تعد تشمئز منها. كان هناك فراش على الأرض، فجلست عليه وراحت تنزع جوربها، بينما بدأ الرجل ينزع معطفه .. ناولها زجاجة من الخمر جرعت ثلثها مرة واحدة، ثم قال وهو يواصل نزع ثيابه: «لا أدري إن كان من واجبي أن أخبرك ببعض التفاصيل، لكن أعتقد أنني سأشعر براحة ما لم تعرفي الخلفيات ».. -«أي خلفيات؟ عم تتكلم؟ أنا هنا لغرض محدد فانته لأن وقتي ثمين» بالطبع هي لا تملك سوى الوقت.. لكنها تحاول رفع قيمة بضاعتها. كان الفتى ينزع قميصه وهو يقول:
عدد الصفحات ٣١١311 «المشكلة في أجسادنا كبشر هي أنها تبلى.. مهما بلغت الدقة العلمية أو قوة السحر فلابد أن يضمر الجسد.. هنا يواجه المرء ضرورة الاحتياج إلى جسد جديد» ثم فك الرباط حول عنقه.. أصابها الذعر .. هذا عنق مقطوع وتمت خياطته لا شك في هذا. الرأس رأس فتاة جميلة والجسد جسد رجل كامل الرجولة .. أصدرت أنينًا وحاولت أن تقوم لكن ساقيها كانتا واهنتين .. فقال لها: «لقد بدأ المخدر يعمل.. هذه آخر علاقة لك بهذا الرأس .. عندما تصحين من النوم سيكون اسمك دومينيك .. دومينيك ستكون متناسقة ، لها وجه امرأة وجسد امرأة.. لا تقلقي .. أنا صرت قادرًا على عمل هذه العملية بسهولة ودون عون . هذه مزية أن يكون المرء مجيدًا للسحر».. كادت تتكلم لكن الظلام كان قد زحف ليحيط بها من ست الجهات … 5 لو أن رجلاً قوي الملاحظة تابع المختبر لفترة، لرأى من تخرج وتدخل في ساعات عدة … الغريب في الأمر أن الفتاة صارت
عدد الصفحات ٣١٢312 أقرب إلى الرقة وصار حجمها أصغر.. فتاة لها وجه حورية ومن الواضح أن جسدها لا يقل جمالاً . دومنيك تخرج في الصباح لالتقاط رزقها في السوق. تعمل أي عمل في أي مكان حتى المساء، وفي الليل غالبًا ما تعود بزبون إلى المختبر .. لاحظ الناس أنها لا تندمج بأحد ولا تتكلم مع أحد، بل إنها لم تنزع الوشاح الثقيل الذي تلفه حول عنقها قط …. تثير فضول النساء في العمل، لكن شيئًا في وجهها كان يقضي على فضولهن .. لم يكن أحد يحب أن يتعمق في أسرارها أكثر من اللازم. لو كان هناك من يتابع دومنيك بكاميرا من طراز eapo rPmto لأدرك أن حجمها يتغير أكثر من مرة. هناك من يتعامل معها فيلاحظ أن يدها أكبر من المعتاد أو أصغر من المعتاد. لكن الناس لا تعلق أهمية كبيرة على أمور كهذه .. تدور الأيام .. لقد ولى الماضي وولت معه أيام السعد، عندما كان بوسع أي شخص أن يقتل أي شخص ولا يلاحظ أحد. صارت القوانين
عدد الصفحات ٣١٣313 ونظام الشرطة أكثر صرامة.. وقلت التحولات في وجه دومنيك .. لا يعرفون عنها الكثير. لكن المسنين يصرون بشكل غامض على أنها لم تشخ قط .. طيلة حياتها لها نفس الملامح .. أثار هذا خيال البعض عن قصص الساحرات لكن بالطبع لا يمكن أن يصل الفضول بالناس درجة كتاب مطرقة الساحرات، وصيد الساحرات القديمة … تدور الأيام ….. *********** كان رمزي يتأمل جدران الفيلا. لم يكن خبيرًا في الفنون جدًا لكن بعض اللوحات راقت له، ولم يعرف أن هذه لوحات تأثيرية معظمها لمونيه … لا شك في أن بريجيت ثرية فعلاً . لا يعرف من أين جاءت ثروتها وهو لم يسأل على كل حال. تتصرف كالوريثة الغنية التي تعبث بكومة من المال عبثًا. هذه الصورة التي تحمل طابع الروكوكو الواضح تمثل فتاة أو امرأة بارعة الحسن تبتسم ابتسامة هادئة ناعسة .. أثار ذهوله التشابه القوي جدًا بين صاحبتها وبريجيت.
عدد الصفحات ٣١٤314 جاءت بريجيت جواره وهي تجفف شعرها المغسول وراحت تراقب ما يلفت نظره هكذا .. قال لها: ـ«هل هي جدتك؟» هزت رأسها بطريقة ذات معنى وقالت: ـ«اسمها دومينيك دو جالفان.. من صديقات ماركيزة شهيرة، وقد قطع رأسها بالمقصلة .. ظلت صورتها تذكر الناس بالوجه الجميل الذي كان» قال في دهشة: ـ«التشابه مطلق.. كأنها صورة رسمت لك أمس» ـ«ألعاب الجينات لا تنتهي» عندما تناولا الغداء معًا، كانت في قمة فتنتها الأنثوية وسحرها. كانت تلتقط طعامها في رفق، ثم قالت له: ـ«هل يمكنك أن تأتي غدًا عند منتصف الليل؟»
عدد الصفحات ٣١٥315 هزرأسه .. هو مستعد دائمًا لأن يزورها في أي وقت، لكنها لم تحدد من قبل ساعة متأخرة كهذه وبهذه الدقة .. قالت باسمة: ـ«أسئلة كثيرة سوف تجوب ذهنك لكني سأفسر كل شيء» ورشفت رشفة من النبيذ.. ************ مدخل الفيلا كان مفتوحًا .. لابد أن الكلب يعبث في مكان ما من الحديقة .. باب البيت مفتوح أيضًا. هناك فوضى عامة .. يبدو أنها كانت ليلة صاخبة .. لكن ما أثار دهشته هو أن هناك حقيبة أنثوية ومعطفًا في قاعة الجلوس. أشياء لا تخص بريجيت .. هناك بعض الكؤوس وزجاجة كونياك مفتوحة ورائحة تبغ. صاح بأعلى صوته: ـ«بريجيت»!
عدد الصفحات ٣١٦316 جاء صوتها من بعيد.. كان قادمًا من الطابق العلوي …. لم يتبين ما قالته، لكنها كررت النداء: ـ«أنا في الحمام بالطابق العلوي.. أغلق الباب وتعال» متوجسًا اتجه إلى الدرجات وصعد فيها.. لربما هي لعبة إغراء معينة منها، لكن بريجيت علمته أنه لا يوجد شيء اسمه علاقة جسدية .. كأنها كائن بلا جسد.. كان الصوت قادمًا من الحمام .. وقف خلف الباب دقيقة .. يمكنه أن يشم رائحة دم مسفوك لا يعرف مصدرها …. ـ«تعال يا رمزي.. ادخل» في خجل مد رأسه.. هنا رأى مشهدًا لا يمكن وصفه ….. بريجيت لم تكن امرأة .. بريجيت لم تكن رجلاً … بريجيت لم تكن حيوانًا .. بريجيت لم تكن شيطانًا ….
عدد الصفحات ٣١٧317 قالت له وهي منهمكة: ـ«يمكنك أن ترى ما أفعله كلما مرت ستة أشهر… في الماضي قام عالم مجنون بعمل هذه الجراحة لي، أما اليوم فأنا أعرف كيف أعملها مستعينة بالسحر» أفرغ معدته.. وتمنى لو كانت لديه أحشاء أكثر يفرغها .. لما استطاع الكلام سألها: ـ«من هي؟.. صاحبة الرأس»! ـ«صديقة جديدة لي قلت لها إنني أريد أن أعرفها عليك» كانت العملية تتم ببطء وسط بركة من الدماء. جسد بريجيت مقطوع الرأس يسبح هنالك.. ورأس الفتاة متدحرج هنالك على بعد أمتار، بينما التحم رأس بريجيت بالجسد الجديد المكتنز .. كان يرتجف .. هذا يتجاوز حدود الكوابيس ….ولولا أن ساقيه منهكتان رخوتان لفر من هنا للأبد … ـ«هل أنت شيطان؟» ـ«ربما أنا أسوأ»
عدد الصفحات ٣١٨318 هناك جلس في قاعةالجلوس وغطى وجهه.. لابد أنه غاب عن الوعي بضع دقائق، وعندما عاد إلى الوعى فطن إلى أن هذا كله يحدث فعلاً … هناك وقف على باب الحمام يراقب العملية البشعة، والفتاة تحكي له قصة دومنيك الشيطانة. الشيطانة التي أخطأ رجال الثورة الفرنسية إعدامها … تصديق كل هذا مستحيل لكن أي مستحيل بعد ما يراه أمام عينيه؟ قالت له: ـ«دائرة لا تنتهي ولن تنتهي.. سوف تستمر للأبد. لن أظفر بالراحة يومًا. والحل الوحيد في يدك أنت .. لقد وقعت في حبك ووثقت فيك وخمنت أنك قادر على منحي الراحة فعلاً » ـ«كيف؟» ـ«أنا في وضع هش الآن.. مرحلة الانتقال الأولى. سوف تذهب إلى القبو فتحضر فأسًا وبعض الكيروسين … ستهشم رأسي ثم تحرقه بالنار إلى أن يتفحم. صدقني هذا هو الخلاص الوحيد لي،
عدد الصفحات ٣١٩319 ولو لم تفعله فلسوف تسقط فتاة أخرى ميتة خلال ستة أشهر عندما يبلى هذا الجسد» ـ«لكن الشـ».… ـ«لا أحد يعرف بقدومك هنا أوعلاقتك بي. الحادث ضد مجهول» التقزز يغمره.. لكنه ذهب للقبو فعلاً وبحث عن الفأس والكيروسين، وخمن من الرائحة أن هذا المكان يستعمل كمدفن كذلك .. ثم أنه عاد لها حيث رقدت في الحمام… همس من بين أسنانه: «أنت تسامحينني.. أنت من طلب هذا »… ورفع الفأس وهوى به.. وأغمض عينيه وهوى عدة مرات.. ثم استكمل المهمة القذرة بالنار .. كان قلبه يتواثب انفعالاً وهو يجمع حاجياته كلها تأهبًا لمغادرة الفيلا للأبد ..
عدد الصفحات ٣٢٠320 غسل وجهه من أثر الدم. أما عن بقع الدم على الثياب فليأمل أن الليل سيداريها. ركض نحو باب الفيلا المطل على الشارع، ونظر في الظلام .. لاحظ كثرة غير عادية للأضواء الوهاجة الملونة وسمع صوت السرينة. عندما رفع عينيه أدرك أن هناك أربع سيارات شرطة تحاصر المكان…. الفتاة التي ماتت كانت مرتابة .. لربما تركت بياناتها لدى صديق يبلغ الشرطة في حالة تأخرها. لربما سمع الجيران كذلك صوت صرخة .. سيكون تفسير ما قام به مستحيلاً … دومنيك التي ظلت رأسها حية تبدو قصة عسيرة على التصديق. فقط براعته وبراعة محاميه ..سوف تنقذه من الإعدام لتنقله إلى مستشفى الأمراض العقلية. تقدم نحو الأضواء في بطء… تـــمـــت
عدد الصفحات ٣٢١