144 6- احتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير ما فعل النغير قال: لو كان صيدها حراما ما جاز حبس الطير، وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل. 7- قال أحمد: من صاد من الحل ثم أدخلهالمدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور. لكن لا يرد ذلك على الحنفية، لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم . 8- احتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد، ولو كان قطع شجرها حر اما ما فعله صلى الله عليه وسلم. وتعقب بأن ذلك كان في أول الهجرة كما سيأتي واضحا في أول المغازي، وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من خيبر. 9- قال الطحاوي: يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها كما روى ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هدم آطام المدينة" فإنها من زينة المدينة فلما انقطعت الهجرة زال ذلك، وما قاله ليس بواضح لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل. 10- قال ابن قدامة: يحرم صيد المدينة وقطع شجر ها وبه قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة لا يحرم . 11- قال المهلب: في حديث أنس دلالة على أن المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح كمن يغرس بستانا مثلا فلا يمتنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر يضر بقاؤه. 12- قال: وقيل بل فيه دلالة على أن النهي إنما يتوجه إلى ما أنبته الله من الشجر مما لا صنع للآدمي فيه، كما حمل عليه النهي عن قطع شجر مكة. وعلى هذا يحمل قطع صلى الله عليه وسلم النخل وجعله قبلة المسجد ولا يلزم منه النسخ المذكور. 13- في الحديث جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلا لة فيه على لعن الفاسق المعين. 14- فيه أن المحدث والمؤوى للمحدث في الإثم سواء 15- قال عياض: واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر، والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله. 16- قال عياض: والمراد باللعن هنا ا لعذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر، وليس هو كلعن الكافر .
عدد الصفحات ٧٨٢145 الحديث الثاني 1869- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللََِّّ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللََِّّ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَ عِيدٍ الْمَقْبُرِي ِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حُر ِمَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْ الْمَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي قَالَ وَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَ ةَ قَدْ خَ رَجْتُمْ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ" فوائد الحديث : 1- قوله: "وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بنى حارثة" في رواية الإسماعيلي: "ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحرة" أي في الجانب المرتفع منها، وبنو حارثة بمهملة ومثلثة بطن مشهور من الأوس، وهو حارثة ابن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وكان بنو حارثة في الجاهلية وبنو عبد الأشهل في دار واحدة، ثم وقعت بينهم الحرب فانهزمت بنو حارثة إلى خيبر فسكنوها، ثم اصطلحوا فرجع بنو حارثة فلم ينزلوا في دار بني عبد الأشهل وسكنوا في دارهم هذه وه ي غربي مشهد حمزة. 2- في هذا الحديث جواز الجزم بما يغلب على الظن، وا ذا تبين أن اليقين على خلافه رجع عنه. الحديث الثالث : 1870- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الت يْمِي ِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِي ٍ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلاَّ كِتَابُ اللََِّّ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنْ النَّ بِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللََِّّ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ وَقَالَ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ فَمَ نْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللََِّّ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللََِّّ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ قَالَ أَبُو عَبْد اللََِّّ عَدْلٌ فِدَاءٌ" فوائد الحديث : 1- في الإسناد ثلاثة من التابعين كوفيون في نسق . 2- قوله: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" بفتح أولهما، واختلف في تفسيرهما فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري، وعن الحسن البصري بالعكس، وعن الأصمعي الصرف التوبة والعدل الفدية .
عدد الصفحات ٧٨٣146 3- قال عياض: معناه لا يقبل قبول رضا وا ن قبل قبول جزاء، وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما، وقد يكون معنى الفدية أنه لا يجد يوم القيامة فدى يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري. 4- في الحديث رد لما تدعيه الشيعة بأنه كان عند علي وآل بيته من النبي صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة أعلمه بها سرا تشتمل على كثير من قواعد الدين وأمور الإمارة. 5- فيه جواز كتابة العلم 2 - باب فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنههَا تَنْفِي النهاسَ الحديث الأول : 1871- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللََِّّ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ" فوائد الحديث : 1- الإسناد كله مدنيون إلا شيخ البخاري 2- قوله: "أمرت بقرية" أي أمرني ربي بالهجرة إليها أو سكناها فالأول محمول على أنه قاله بمكة، والثاني على أنه قاله بالمدينة. 3- قوله: "تأكل القرى" أي تغلبهم، وكنى بالأكل عن الغلبة لأن الآكل غالب على المأكول. ووقع في "موطأ ابن وهب" : قلت لمالك ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى. 4- قال ابن بطال فقال: معناه يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم. قال: وهذا من فصيح الكلام. تقول العرب: أكلنا بلد كذا إذا ظهروا عليها. وسبقه الخطابي إلى معنى ذلك أيضا. 5- قال النووي: ذكروا في معناه وجهين، أحدهما هذا والآخر أن أكلها وميرتها من القرى المفتتحة وا ليها تساق غنائمها. 6- قال ابن المنير في الحاشية: يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها . 7- قال ابن المنير: وقد سميت مكة أم القرى، قال: والمذكور للمدينة أبلغ منه لأن الأمومة تنمحي إذا وجدت ما هي له أم، لكن يكون حق الأم أظهر وفضلها أكثر. 8- قوله: "يقولون يثرب وهي المدينة" أي أن بعض المنافقين يسميها يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة.
عدد الصفحات ٧٨٤147 9- قوله: "يقولون يثرب وهي المدينة" فهمبعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين. وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رفعه: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة" وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب" . 10- قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة 11- قال عيسى بن دينار: وسبب هذه الكراهة لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملا مة، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح. 12- ذكر أبو إسحاق الزجاج في مختصره وأبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" أنها سميت يثرب باسم يثرب بن قانية ابن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن نوح لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر فسميت به، وسقط بعض الأسماء من كلام البكري. 13- قوله: "كما ينفي الكير" المشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ. قال ابن التين: وقيل الكير هو الزق والحان وت هو الكور. وقال صاحب "المحكم" : الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد. 14- الخبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي وسخه الذي تخرجه النار، والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده. ونسبة التم ييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز بها. 15- استدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد 16- قال المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها، ولأنها تنفي الخبث .
عدد الصفحات ٧٨٥148 5- باب من رغب عن المدينة الحديث الأول : 1874- حدثناأبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العواف - يريد عو افي السباع والطير - وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما" فوائد الحديث : 1- قال القرطبي تبعا لعياض :قد وجد ذلك حيث صارت معدن الخلافة ومقصد الناس وملجأهم ، وحملت إليها خيرات الأرض وصارت من أعمر البلاد ، فلما انتقلت الخلافة عنها إلى الشام ثم إلى العراق وتغلبت عليها الأعراب تعاورتها الفتن وخلت من أهلها فقصدتها عوافي الطير والسباع . 2- قالابن الجوزي : اجتمع في العوافي شيئان : أحدهما أنها طالبة لأقواتها من قولك عفوت فلانا أعفوه فأنا عاف ، والجمع عفاة ، أي : أتيت أطلب معروفه ، والثاني من العفاء وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به ، فإن الطير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه . 3- قال النووي: المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ، ويؤيده قصة الراعيين ، فقد وقع عند مسلم بلفظ : " ثم يحشر راعيان " وفي البخاري أنهما آخر من يحشر . 4- المهلب: في هذا الحديث أن المدينة تسكن إلى يوم القيامة ، وا ن خلت في بعض الأوقات لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة . 5- قوله"وآخر من يحشر راعيان من مزينة "هذا يحتمل أن يكون حديثا آخر مستقلا لا تعلق له بالذي قبله ، ويحتمل أن يكون من تتمة الحديث الذي قبله ، وعلى هذين الاحتمالين يترتب الاختلاف الذي حكيته عن القرطبي والنووي ، والثاني أظهر كما قال النووي . 6- قال النووي:الصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش ، قال : وقد يكون وحشا بمعنى وحوش ،وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان وجمعه وح وش ، وقد يعبر بواحده عن جمعه . 7- حكي عنابن المرابط أن معناه أن غنم الراعيين المذكورين تصير وحوشا ، إما بأن تنقلب ذاتها ، وا ما أن تتوحش وتنفر منهما ، وعلى هذا فالضمير في يجدانها يعود على الغنم والظاهر خلافه . قال النووي :الصواب الأول . وقال القرطبي :القدرة صالحة لذلك . انتهى .
عدد الصفحات ٧٨٦149 الحديث الثاني 1874- حدثناعبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن سفيان بن أبي زهير رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . وتفتح الشأم فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ". فوائد الحديث : 1- في الإسناد صحابي عن صحابي وتابعي عن تابعي ؛ لأن هشاما قد لقي بعض الصحابة . 2- قوله"تفتح اليمن" قال ابن عبد البر وغيره : افتتحت اليمن في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أيام أبي بكر ، وافتتحت الشام بعدها ، والعراق بعدها . 3- في هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، فقد وقع على وفقما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ترتيبه ، ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء ، ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرا لهم . 4- فيه فضل المدينة على البلاد المذكورة ، وهو أمر مجمع عليه . 5- فيه دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض 6- لم يختلف العلماء في أن للمدينة فضلا على غيرها ، وا نما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة . 7- بفتح أوله وضم الموحدة وبكسرها من بس يبس . قال أبو عبيد :معناه يسوقون دوابهم ، والبس سوق الإبل ، تقول : بس بس ، عند السوق وا رادة السرعة . 8- قال الداودي :معناه يزجرون دوابهم فيبسون ما يطئونه من الأرض من شدة السير فيصير غبارا ، قال تعالى : وبست الجبال بسا أي : سالت سيلا ، وقيل : معناه سارت سيرا . 9- قال ابن القاسم :البس المبالغة في الفت ومنه قيل : للدقيق المصنوع بالدهن : بسيس ، وأنكر ذلك النووي وقال : إنه ضعيف أو باطل . 10- قالابن عبد البر :وقيل : معنى " يبسون " يسألون عن البلاد ويستقرئون أخبارها ليسيروا إليها ، قال : وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة . 11- قالابن عبد البر :وروي " يبسون " بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي من أبس إبساسا ، ومعناه يزينون لأهلهم البلد التي يقصدونها ، وأصل الإبساس للتي تحلب حتى تدر
عدد الصفحات ٧٨٧150 باللبن ، وهو أن يجري يده على وجهها وصفحة عنقها كأنه يزين لها ذلك ويحسنه لها ، وا لى هذا ذهب ابن وهب . 12- قال النووي :الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة . قلت : ويؤيده رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام عن عروة في هذا الحديث بلفظ : " تفتح الشام ، فيخرج الناس من المدينة إليها يبسون ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ". 6 - باب الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ الحديث الأول : 1876- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ حَدَّثَنِ ي عُبَيْدُ اللََِّّ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّ ةُ إِلَى جُحْرِهَا" فوائد الحديث : 1- قال الداودي: كان هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والقرن الذي كان منهم والذين يلونهم والذين يلونهم خاصة. 2- قال القرطبي: فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة وسلامتهم من البدع وأن عملهم حجة كما رواه مالك. وهذا إن سلم اختص بعصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن وانتشار الصحابة في البلاد ولا سيما في أواخر المائة الثانية وهلم جرا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك.
عدد الصفحات ٧٨٨151 8 - باب آطَامِ الْمَدِينَةِ الحديث الأول : 1878- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللََِّّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَا لَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِ ن ِي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ" تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِي ِ فوائد الحديث : 1- قوله " آطَامِ الْمَدِينَةِ"جمع أطم بضمتين ، وهي الحصون التي تبنى بالحجارة ، وقيل : هو كل بيت مربع م سطح ، والآطام جمع قلة وجمع الكثرة أطوم ، والواحدة أطمة كأكمة . 2- فيه علامة من علامات النبوة لإخباره بما سيكون ، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان وهلم جرا ، ولا سيما يوم الحرة . 3- الرؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم أو رؤية العين بأن تكون الفتن مثلت له حتى رآها ، كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلي . باب الحديث الأول : 1885- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللََِّّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ عَنْ النَّ بِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ " تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ يُونُسَ فوائد الحديث : 1- استدل به عن تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة، لكن يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق. وأما من ناقض ذلك بأنه يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة لقوله في الحديث الآخر "اللهم بارك لنا في شامنا" وأعادها ثلاثا فقد تعقب بأن التأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب. 2- قال ابن حزم: لا حجة في حديث الباب لهم لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة. ورده عياض بأن البركة أعم من أن تكون في أمور الدين أو الدنيا، لأنها
عدد الصفحات ٧٨٩152 بمعنى النماء والزيادة، فأما في الأمور الدينية فلما يتعلق بها من حق الله تعالى من الزكاة والكفارات ولا سيما في وقوع البركة في الصاع والمد. 3- قال النووي: الظاهر أن البركة حصلت في نفس المكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها. 4- قال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها في كل حين ولكل شخص . 12-باب الحديث الأول : 1888- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللََِّّ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ عَنْ النَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَ لَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" فوائد الحديث : 1- فيه إشارة إلى الترغيب في سكنى المدينة 2- فيه كراهته - صلى الله عليه وسلم - أن تعرى المدينة ، أي : تصير خالية . 3- نقل ابن زبالة أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعا . وقيل : أربع وخمسون وسدس . وقيل : خمسون إلا ثلثي ذراع ، وهو الآن كذلك ، فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار . 4- استدل به على أن المدينة أفضل من مكة ؛ لأنه أثبت التي بين البيت والمنبر من ا لجنة . الحديث الثاني : 1889- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْ هَا قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَ لْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَ خْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ
عدد الصفحات ٧٩٠153 الْوَبَاءِ ثُمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ حَب ِبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُب ِنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَد اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُد ِنَا وَصَح ِحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَ ا إِلَى الْجُحْفَةِ قَالَتْ وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللََِّّ. قَالَتْ فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نجلاً تعني ماءً آجناً . فوائد الحديث : 1- فيهدعاؤه - صلى الله عليه وسلم - للمدينة بقوله : اللهم صححها وفي ذلك إشارة إلى الترغيب في سكناها . 2- فيه كراهته - صلى الله عليه وسلم - أن تعرى المدينة ، أي : تصير خالية . 3- قوله" قالت " يعني :عائشة ، والقائل عروة فهو متصل . 4- قولها" يجري نجلا ، تعني ماء آجنا " هو من تفسير الراوي عنها ، وغرضها بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة ؛ لأن الماء الذي هذه صفته يحدث عنده المرض ، وقيل: النجل النز بنون وزاي . 5- قالابن فارس : النجل - بفتحتين - سعة العين ، وليس هو المراد هنا . 6- قال ابن السكيت: النجل العين حين تظهر وينبع عين الماء . وقال الحربي : نجلا ؛ أي : واس عا ، ومنه عين نجلاء أي : واسعة ، وقيل : هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء . 7- قوله" تعني ماء آجنا " أي : متغيرا ، قال عياض :هو خطأ ممن فسره ؛ فليس المراد هنا الماء المتغير . قلت : وليس كما قال، فإن عائشة قالت ذلك في مقام التعليل لكون المدينة كانت وبيئة ، ولا شك أن النجل إذا فسر بكونه الماء الحاصل من النز فهو بصدد أن يتغير ، وا ذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة . الحديث الثالث : 1890- حدثنايحيى بن بكير حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه قال اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم . وقال ابن زريع عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة بنت عمر رضي الله عنهما قالت سمعت عمر... نحوه وقال هشام عن زيد عن أبيه عن حفصة: سمعت عمر رضي الله عنه . فوائد الحديث :
عدد الصفحات ٧٩١154 1- فيهكراهته - صلى الله عليه وسلم - أن تعرى المدينة ، أي : تصير خالية . 2- فذكر ابن سعد سبب دعائه بذلك ، وهو ما أخرجه بإسناد صحيح عن عوف بن مالك أنه رأى رؤيا فيها أن عمر شهيد مستشهد ، فقال لما قصها عليه : أنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب ، لست أغزو والناس حولي . ثم قال : بلى ، يأتي بها الله إن شاء . تم ولله الحمد وا لمنة كتاب فضائل المدينة
عدد الصفحات ٧٩٢