التفسير الأصولي لآيات القرآن الكريم بحث مقدم للمشاركة في مؤتمر تفسير القرآن الكريم بجامعة ميلاريا بماليزيا في الفترة من 14 إلى15 _4 _2014م إعداد الدكتور/ خالد الهادي الفلاح أستاذ أصول الفقه الإسلامي المشارك بكلية الآداب جامعة الزاوية
عدد الصفحات ١2 مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدلله رب العالدتُ ، والصلاة والسلاـ على أشرؼ الأنبياء والدرسلتُ وبعد : فإف علم أصوؿ الفقو الذي يعتٌ باستنباط الأحكاـ الشرعية من أدلتها التفصيلية ، علم جليل ، ولو أهميتو الكبرى في ىذا المجاؿ ، وىو الذي يحافظ على نضارة الشريعة وصلاحيتها لكل زماف ومكاف . وقد استدؿ ىؤلاء العلماء بآيات القرآف الكريم وىم يؤسسوف ىذا العلم لإقناع العلماء وطلبة العلم بأصالتو وشرفو ، ومعلوـ أف كثتَا من جزئياتو وفروعو كانت لزل اتفاؽ بتُ العلماء , وجزئيات وفروع أخرى كانت لزل خلاؼ بينهم .. الأمر الذ ي دفعهم لضرورة الاستدلاؿ بكتاب الله وآياتو الباىرة للدلالة على وجهات النظر الدختلفة فإذا سلّم العلماء بحجية القرآف والسنة والإجماع فإف بعضهم لم يسلم بحجية القياس والكثتَ منهم لم يسلّم بحجية الاستحساف والاستصحاب والدصالح الدرسلة والعرؼ وشرع من قبلنا وعمل أ ىل الددينة ... وىكذا في دراسة مباحث الحكم الشرعي والمحكوـ فيو وعليو وفي طرؽ استنباط الأحكاـ الشرعية ودلالات الألفاظ وغتَىا من مباحث علم الأصوؿ ، فكاف الدعوؿ عليو في كثتَ من الأحياف تفستَ آيات القرآف والاستشهاد بها في ىذه الدواضع للدلالة على ىذه الأحكاـ . ولأهمية ىذا الدوضوع وارتباطو بالمحور الأوؿ من لزاور ىذا الدؤتمر الدوقر شرعت في البحث في ىذا الجانب متبعا الدنهج الاستقرائي التحليلي للوقوؼ على أقواؿ الدفسرين والأصوليتُ وإلقاء الضوء عليها ، وبياف أوجو الدلالة فيها ,وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث بعد الدق دمة وىي الدبحث الأوؿ / الاستدلاؿ بالقرآف وتفستَه في حجية القرآف الكريم . الدبحث الثاني / الاستدلاؿ بالقرآف وتفستَه في حج ية السنة النبوية . الدبحث الثالث / الاستدلاؿ بالقرآف وتفستَه في حجية الإجماع .
عدد الصفحات ٢3 الدبحث الرابع / الاستدلاؿ بالقرآف وتفستَه في حجية القياس . وما كاف فيو من صواب فمن الله وما كاف فيو من خطأ فمتٍ وأستغفر الله منو ,والله الدستعاف وعليو التكلاف . المبحث الأول: الآيات الدستدؿ بها على حجية القرآف: استدؿ العلماء والدفسروف بكثتَ من آيات القرآف الكريم على حجيتو، وعلى أ نو كتاب أنزؿ للتشريع ، والأخذ بأحكامو الدستنبطة من آياتو، لكي لا يقوؿ قائل إنو نزؿ فقط للإعجاز . "إف الكتاب قد تقرر أنو كلية الشريعة، وعمدة الدلة وينبوع الحكمة وآية الرسالة، ونور الأبصار، وإنو لا طريق إلى الله سواه، ولا لصاة بغتَه، ولا تمسّك بشيء يخالفو"1.ومن أبرز ىذه الآياتمايلي : المطلب الأول قاؿ تعالى: يَا أَيػُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّوَ وَأَطِيعُوا الرَّسُوؿَ وَأُولِ الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِفْ تػَنَازَعْتُمْ فيِ شَيْءٍ فػَرُدُّوهُ إِلىَ اللَّوِ وَالرَّسُوؿِ إِفْ كُنْتُمْ تػُؤْمِنُوفَ بِاللَّوِ وَالْيػَوْـِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيػْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59]. فهذه الآية تدؿ على الأخذ بكتاب ا والعمل بو بقولو "أطيعوا الله"، وبقولو "فردوه إلى الله" ، وىذا ما ذكره العلماء في تفستَ ىذه الآية 2. فطاعة الله سبحانو وتعالى والرد إليو ىي باتباع كتابو والعمل بما فيو، ولذا أجمع الأصوليوف والفقهاء والدفسروف على أف كتاب ا لله ىو أوؿ الدصادر الدتفق عليها، وأصل الأدلة التي يرجع إليها ، ولا ينظر إلى ما سواه من الأدلة إلا بعد النظر و البحث في آياتو، وتفحّص كلماتو. قاؿ ابن العربي: "قاؿ علماؤنا ردوه إلى كتاب الله ، فإذا لم جددوه فإلى سنة رسوؿ الله "3 . 1 - الشاط3 /200. 2 - ينظر تفستَ القرآف العظيم لابن كث 1/492 الدكتبة القيمة ، والجامع لأحكاـ القرآف ، القرط 5/261- 262 مطبعة دار الشاـ للتًاث بتَوت لبناف 3 - أحكاـ القرآف لابن العر 1/574دار الكتب العلمية بتَوت لبناف
عدد الصفحات ٣4 وىكذا قاؿ الأصوليوف في كتبهم إف الدقصود بطاعة الله تعالى والرد إليو عند التنازع إنما ىو العمل بكتابو، والرجوع إليو عند الاختلاؼ 1 . المطلب الثاني: 1- وقاؿ تعا وَأَفِ احْكُمْ بػَيػْنػَهُمْ بمَِا أَنػْزَؿَ اللَّوُ وَلاَ تػَتَّبِعْ أَىْوَاءَىُمْ وَاحْذَرْىُمْ أَفْ يػَفْتِنُوؾَ عَنْ بػَعْضِ مَا أَنػْزَؿَ اللَّوُ إِلَيْكَ [الدائدة: 49] قاؿ القرط : "أي بحكم الله الذي أنزلو في كتابو "2 . وىذا واضح بتُّ حيث إف الأمر موجّو للن أف يحكم بما أنزؿ ا ، ومعلوـ أف ما أنزلو الله عليو إنما ىو كتابو العزيز فيحكم بو في حياتو والعلماء بعد لشاتو وىذا ما كاف يفعلو حيث كاف يرد إ كتاب الله ويشتَ إليو كما في حديث الرُّبَيع بنت معوِّذ لدا حكم بتطبيق القصاص عليها لدا كسرت سن امرأة فقاؿ: " كتاب الله القصاص" مشتَا إلى قولو تعالى: وَالسِّن بِالسِّنِّ [الدائدة: 45]، عفا أولياء الدرأة 3 . 2- قاؿ تعاوَمَنْ لمَْ يحَْكُمْ بمَِا أَنػْزَؿَ اللَّوُ فَأُولَئِكَ ىُمُ الْكَافِرُوفَ [الدائدة: 44] ، وقولو تعا فَأُولَئِكَ ىُمُ الظَّالِمُوفَ [الدائدة: 45]، وقولو تعافَأُولَئِكَ ىُمُ الْفَاسِقُوفَ [الدائدة: 47] . قاؿ القرط : "أنزلت كلها في الكفار ، وقيل فيو إضمار، أي: ومن لم يحكم بما أنزؿ الله رداً للقرآف وجحداً لقوؿ الرسوؿ فهو كافر , قالو ابن عباس ولراىد"4 . المطلب الثالث: 1- قاؿ تعا إِنَّا أَنػْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَْقِّ لِتَحْكُمَ بػَتَُْ النَّاسِ بمَِا أَرَاؾَ اللَّوُ [النساء: 105] . فهذه الآية تدؿ بدلالة الدنطوؽ وبظاىر النص على أف الله سبحانو وتعالى إنما أنزؿ الكتاب وىو القرآف الكريم على نبيو ليحكم بو بتُ الناس ويطبق أحكامو و يبتُ لذم ما فيو من الأوامر والنواىي. قاؿ القرطبي –رحمو الله -: "في ىذه الآية تشريف للنبي وتكريم وتعظيم وتفويض إليو وتقويم أيضاً على الجادة في الحكم... "1 . 1 - الرسالة ، الإماـ الشافعي80 ، الإحكاـ في أصوؿ الأحكاـ ، الآمدي1/198 . 2 - القرط6/212، وابن كث 2/64 . 3 - رواه البخاري 9/209 باب الصلح في الدية ح2504 -4 الجامع لأحكاـ القرآف 6/190، ابن كث 2/59 .
عدد الصفحات ٤5 وقاؿ أيضامعناه على قوانتُ الشرع إمّا بوحي ونص أو بنظر جارٍ على سنن الوحي، وىذا أصل في القياس و ىو يدؿ على أف النبي إذا رأى شيئا أصاب ، لأف الله تعالى أراه ذلك وقد ضمن الله تعالى لأنبيائو العصمة... "2 . ومن خلاؿ ما ذكره القرطبي فإف الآية ليس فيها دلالة على حجية الكتاب فحسب، بل فيها دلالة أيضا على حجية السنة ، وعصمة النبي وىذا كلُّو بدلالة الدنطوؽ ، وأما الدفهوـ فإنو يدؿّ على حجية القياس أيضا؛ إذ إفّ الاجتهاد في الأحكاـ يكوف القياس على رأسو، والحكم بتُ الناس إذا أراد صاحبو التوفيق و السداد فإنو أوؿ ما يبدأ بالقياس. ولذا قاؿ ابن كثتَ –رحمو الله -: "احتج بو من ذىب من علماء الأصوؿ إلى أنو كاف لو أف يحكم بالاجتهاد بهذه الآية"3. وقد استدؿ علماء الأصوؿ بهذه الآية على حجية القرآف الكريم؛ لأف الأمر الذي ورد في الآية جاء صريحا في وجوب العمل بو والاحتكاـ إليو 4 . 2- قاؿ تعافَإِذَا قػَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قػُرْآنَوُ . ثمَُّ إِفَّ عَلَيػْنَا بػَيَانَوُ [القيامة: 18، 19]. أمرت ىذه الآية باتباع القرآف ، والاتباع معناه : العمل بما فيو وتطبيق أحكامو والابتعاد عن كل ما نهى عنو، قاؿ ابن العربي: "انتهى النظر في ىذه الآية بقوـ من الفقهاء منهم قتادة إلى أف يقولوا في قولو: ثمُ إِفَّ عَلَيػْنَا بػَيَانَوُ أي: تفصيل أحكامو وتمييز حلالو من حرامو... ، وىذا وإف لم يشهد لو مساؽ الآية فلا ينفيو عمومها..."5 . وقاؿ قتادة فَاتَّبِعْ قػُرْآنَوُ أي: فاتبع شرائعو وأحكامو ثمُ إِفَّ عَلَيػْنَا بػَيَانَوُ أي: تفستَ ما فيو من الحدود والحلاؿ والحراـ ..."6. وىذا الدعتٌ الذيذكره قتادة وغتَه لا يتنافى مع الدعتٌ الآخر الذي ذكره ابن عباس أف رسوؿ الله كاف إذا نزؿ عليو القرآف يحرؾ بو لسان و يريد أف يحفظو فأنزؿ الله عليو : لاَ تَُُرِّؾْ بِوِ لِسَانَكَ لِتػَعْجَلَ بِوِ . إِفَّ عَلَيػْنَا جمَْعَوُ وَقػُرْآنَوُ [القيامة: 16، 17 ]اديث رواه التًمذي وقاؿ : حسن صحيح ، وروى مسلم قريباً من معناه. 1 - الجامع لأحكاـ القرآف 5/375 . 2 - نفس الدصدر5/376 . 3 - تفستَ القرآف العظيم 1/522 . -4 الوسيط في أصوؿ الفقو الإسلامي ، د. عمر مولود عبد الحميد85 5 - أحكاـ القرآف لابن العر 4/350 . 6 - الجامع لأحكاـ القرآف 19/106.
عدد الصفحات ٥6 فالآية تتضمن الدعنيتُ وأكثر، والأدؿّ فيها على الدعتٌ ا لذي سيقت من أجلو ىو قولو تعالى: ثمُ إِفَّ عَلَيػْنَا بػَيَانَوُ فإنو يدؿ حسب ظاىره على وعد الله تعالى ببياف معاني القرآف وأحكامو حتى يتم تطبيقها من قبل القارئتُ لو الحافظتُ لآياتو، وم ع أف حفظ القرآف مطلوب ومرغب فيو ، إلا أف العمل بأحكامو وتطبيق ما جاء بو ىو الأولى والأوجب على الدسلمتُ . وقد استدؿ علماء الأصوؿ بهذه الآية على حجية الكتاب، وأوردوىا للدلالة على أنو أوؿ مصادر التشريع الإسلامي 1 . المطلب الرابع قاؿ تعالى: وَنػَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبػْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [89] في القرآف الكريم ما يحتاجو الدسلم لدعرفة دين الله عز وجل، وأنو احتوى على العلوـ الكثتَة الدالة على الإيداف بالله وملائكتو وكتبو ورسلو واليوـ الآخر والقدر ختَه وشره، وأحكاـ العبادات والدعاملات والأخلاؽ وغتَىا. وىذا لا ينفي حجية السنة والإجماع وغتَىا من الدصادر الأخرى؛ إذ كوف القرآف تبيانا لكلِّ شيء لا يعتٍ أف غتَه وىو السنة ليست تبيانا، قاؿ ابن مسعود: "قد بتُّ لنا في ىذا القرآف كلّ شيء، وقاؿ: لراىد كل حلاؿ وكل حراـ، وقوؿ ابن مسعود أعمّ وأشمل، فإف القرآف اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلاؿ وحراـ، وما الناس إليو لزتاجوف في أمر دنياىم ودينهم ومعاشهم ومعادىم..."2. وقاؿ القرط مَا فػَرَّطْنَا فيِ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [38] القرآف، أي: ما تركنا شيئا من أم ر الدين إلا وقد دللنا عليو في القرآف، إمّا دلالة مبيّنة مشروحة، وإما لرملة يتلقى بيانها من الرسوؿ أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب... فأجملَ في ىذه الآية وآية النحل ما لم ينصّ عليو لشا لم يذكره فصدؽَ خبر الله بأنو ما فرّط في الكتاب من شيء إ لا ذكره، إمّا تفصيلا وإمّا تأصيلاً، وقاؿ: الْيػَوْـَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتيِ [3]3 . 1 - ينظر كتاب الدق دمة في الأصوؿ لأبي الحسن بن القصار الدالكي 41 . 2 - تفستَ القرآف العظيم 2/564. 3 - الجامع لأحكاـ القرآف 6/420، وأيضا10/164تفستَ سورة النحل
عدد الصفحات ٦7 واستدؿ علماء الأصوؿ على حجية القرآف بهاتتُ الآيتتُ ومن ىؤلاء ابن القصّار الدالكي في مقدمتو فقاؿ: " مَا فػَرَّطْنَا فيِ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ فلم يفرط فيو في شي من أمور الدين؛ بل جعلو تبيانا لكل شيء وشفاء وىدى"1. وقد بتُّ الدكتور يوسف القرضاوي معتٌ "تبيانا لكل شيء" فقاؿ: "الدراد بهذه الكلية ما يتعلق بالأصوؿ والقواعد الكلية التي يقوـ عليها بنياف الدين في عقيدتو وشريعتو، وم ن ىذه الأصوؿ أف الرسوؿ مبتُِّ لدا أنزؿ إليو، وبعبارة أخرى أف السنة مبينة للقرآف 2 . وقريب منها في الدعتٌ قولو تعا ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيوِ ىُدًى لِلْمُتَّقِتَُ [2 .] فإنهّا دلت على أفّ القرآف فيو ما يكفل للمسلمتُ الذداية والصح، وطالدا أنّو بهذا الوصف فينبغي تطبيق أحكامو وتُكيمو بتُ الدسلمتُ، ولذا استدؿّ بها بعض علماء الأصوؿ للدّلالة على حجّية القرآف الكريم 3. المطلب الخامس ومن الآيات التي يستدؿ بها على حجية القرآف الآيات الدالة على الإعجاز التي تُدى الله سبحانو بها العالدتُ و أعجز بها الثقلتُ فأقرّوا بعجزىم وتنبهوا لحقيقة القرآف وأنو كلاـ الله تعالى، وىذه الآيات ىي: أ- قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّوِ ىُوَ أَىْدَى مِنػْهُمَا أَتَّبِعْوُ إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِتَُ [49.] ب- فػَلْيَأْتُوا بحَِدِيثٍ مِثْلِوِ إِف كَانُوا صَادِقِتَُ [34.] ج- قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِْنْسُ وَالجِْنُّ عَلَى أَفْ يَأْتُوا بمِِثْلِ ىَذَا الْقُرْآفِ لاَ يَأْتُوفَ بمِِثْلِوِ وَلَوْ كَ افَ بػَعْضُهُمْ لِبػَعْضٍ ظَهِتًَا [88] وإمعانا في التحدي وإظهارا لعجز الدخلوقتُ عن ا تياف بمثل كلاـ الخالق، فقد تنزؿ الله –سبحانو وتعالى- معهم في التحدي وقبل منهم أف يأتوا بعشر سور مثل سور القرآف فعجزوا ثم تُداىم أف يأتوا بسورة واحدة فعجزوا. قاؿ تعالى: أَـْ يػَقُولُوفَ افػْتػَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِوِ مُفْتػَرَيَاتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُوفِ اللَّوِ إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِتَُ [13.] 1 - الدقدمة في الأصوؿ لابن القصار الدالكي41 . 2 - الدرجعية العليا في الإسلاـ للقرآف والسنة 83 . 3 - الدقدمة في الأصوؿ41.
عدد الصفحات ٧8 وقاؿ تعاوَإِف كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ لشَِّا نػَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِوِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِن دُوفِ اللَّوِ إِفْ كُنتُمْ صَادِقِتَُ . فَ إِف لمَْ تػَفْعَلُوا وَلَن تػَفْعَلُوا فَاتػَّقُوا النَّارَ الَّتيِ وَقُودُىَا النَّاسُ وَالحِْجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [23،24.] فهذه الآيات كلّها دلَّت على إعجاز القرآف وأنو الدعجزة الكبرى للن وأوجو إعجازه عديدة كما ذكر العلماء، فمنها إخباره بالأمور الغيبية في الداضي والحاضر والدستقبل، ومنها تشريعاتو الدفصَّلة بألفاظ موجزة دقيقة، ومنها روعة تأثتَه في النفوس وجمعو للكثتَ من الدعارؼ والعلوـ، وخلوّه من التناقض، وجماؿ تصويره وفصاحة ألفاظو وبلاغتها العالية... 1. وىذه الآيات التي تكرر فيها ال تحدي أعجزت الدتحدي منهم أف يأتي بسورة واحدة ولذم أف يستعينوا بمن شاءوا من الشهداء والأعواف وذكر لذم بأنهم لن يفعلوا لعجزىم، وىذا تُفيز لذم ليحاولوا فعل الدطلوب وختم أكثر ىذه الآيات إِف كُنتُمْ صَادِقِتَُ ومع ىذا كلّو لم يستطع أحد أف يتحدّى القرآف فثبت أنو من عند الله وأنو كلامو 2 . وقاؿ الشيخ ابن عاشور: "وفي ىذه الآية وَإِف كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ إثارة لحماسهم إذ عرّض بعدـ صدقهم فتتوفر دواعيهم على الدعارضة " 3 . وإذا كاف عجزىم تُقق عن الإتياف بسورة واحدة، فمن باب أولى أف يعجزوا عن الإتياف بمثل القرآف، ومعلوـ أف السورة تطلق على أقل سور القرآف عددا كسورة الكوثر الدكونة من ثلاث آيات. وجيء بػ"إف" الشرطية؛ لأف القصد إظهار ىذا الشرط في صورة القادر مبالغة في توفتَ دواعيهم على الدعارضة بطريق الدلاينة والتحريض واستقصاء لذم في إمكانها وذلك من استنزاؿ طائر الخصم وقيد لأوابد مكابرتو ولرادلة لو بالتي ىي أحسن 4 . وإذا قاـ التحدي وسلم من الدعارضة و ثبت العجز واستسلم الخصم بلساف حالو أو مقالو ثبت أنو كلاـ الله وكتابو العزيز الذي أخبر عنو أنو أنزلو لذداية الناس، وإرشادىم إلى الطريق الدستقيم، فعليو العمل بآياتو وتطبيق أحكامو. وقد استدؿ علماء الأصوؿ بهذه الآيات على حجية القرآف ، وأنو كتاب الله وكلامو الذي أنزلو ليكوف تشريعا للعباد 5 . - 1 الوسيط في أصوؿ الفقو الإسلامي48 وما بعدىا 2 - تفستَ الطبري1/378. 3 - التحرير والتنوير1/166 . 4 - نفسو1/167. 5 - الدقدمة في الأصوؿ41 ، الوسيط في اصوؿ الفقو47، أصوؿ الفقو ،وىبة الزحيلي 24.
عدد الصفحات ٨9 المبحث الثاني _ايات المستدل بها على ججية السةة: دلت العديد من الآيات القرآنية على حجّية السنة النبوية وأنها كالقرآف في الاحتجاج بها والاستدلاؿ على الأحكاـ الشرعية الدختلفة ، فلا فرؽ بتُ أحكاـ الشريعة الثابتة بالقرآف أو السنة ؛ لأف كلا منهما وحي من عند الله سبحانو وتعالى, ومن أبرز الآيات الدالة على ذلك ما يلي: المطلب الأول: 1- قاؿ تعا : يَا أَيػُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّوَ وَأَطِيعُوا الرَّسُوؿَ وَأُولِ الأَْمْرِ مِنكُمْ [النساء: 59] . وقد سبق الاستدلاؿ بهذه الآية على حجية القرآف الكريم وىي تدؿ أيضا على حجية السنة النبوية ؛ لأنها أمرت بطاعة الرسوؿ ، وطاعتو واجبة علينا حياً وميتاً . وقد ذكر الدفسروف لذذه الآية أف الدقصود بالرد إلى الرسوؿ ىو الرجوع إلى سنتو التي أمر بروايتها ونشرىا وتبليغها للناس 1 . قاؿ لراىد وقتادة والسدي والأعمش وميموف بن مهراف: " فردّوه إلى كتاب الله وسؤاؿ رسولو في حياتو وإلى سنتو بعد وفاتو2. وقد استدؿ علماء الأصوؿ ذه الآية على حجية ا لسنة النبوية ، وأنها الدصدر الثاني بعد القرآف الكريم، قاؿ الشيخ عبد الوىاب خلاّؼ بعد أف ساؽ لرموعة من الآ يات الآمرة بطاعة الرسوؿ واتباعو ، ومن ضمنها ىذه الآية . قاؿ: "فهذه الآيات تدؿّ باجتماعها وتساندىا دلالة قاطعة على أف الله يوجب اتباع الرسوؿ فيما شرعو "3. وذكر ذلك أيضا وىبة الزحيلي فقاؿ : ىذه الآيات ولضوىا تدؿ دلالة قاطعة على وجوب اتباع الرسوؿ في سنتو، وسنتو الصحيحة ىي الواجبة الاتباع لاغتَىا 4 . وقاؿ د. يوسف القرضاوي : " فأما القرآف فقد أوجب على الدسلمتُ طاعة الرسوؿ بجوار طاعة ا تعالى، قاؿ تعالى: يَا أَيػُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّوَ وَأَطِيعُوا الرَّسُوؿَ وَأُولِ الأَْمْرِ مِنكُمْ [النساء: 59 .] المطلب الثاني: 1 - أحكاـ القرآف لابن العر 1/574 . 2 - البحر المحيط لأبي حياف التوحيدي 4/175 . 3 - علم أصوؿ الفقو ، عبد الوىاب خلاّؼ38. 4 - أصوؿ الفقو ، وىبة الزحيلي 36 .
عدد الصفحات ٩01 قاؿ تعا: مَنْ يُطِعِ الرَّسُوؿَ فػَقَدْ أَطَاعَ اللَّوَ [النساء: 80]. ىذه الآية بينت بوضوح أف طاعة الرسوؿ كطاعة ا سبحانو وتعالى ، وىو أمر يفهمو كل ذي لبٍّ ، لأنو إذا علم وأيقن أف لزمدا رسوؿ من الله بعثو لتبليغ رسالة الإسلاـ فينبغي أف تكوف نتيجة ىذا العلم طاعتو وامتثاؿ أوامره واجتناب نواىيو لأنها أوامر الله تعالى ونواىيو الذي ارتضاه رسولا وأوجد فيو الصفات اللازمة للرسل الكراـ ، ولا ينبغي لأحد بعد ىذا أف يفرؽ بتُ كتاب الله وسنة رسولو من حيث الدلالة على الأحكاـ الشرعية فكلها وحي من الله تعالى . قاؿ ابن كثتَ يخبر تعالى عن عبده ورسولو لزمد بأف من أطاعو فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله ، وما ذاؾ إلا لأنو ما ينطق عن الذوى إف ىو إلا وحي يوحى 1 . وىذا الدعتٌ مذكور في آيات عديدة من القرآف الكريم منها قولو تعا : وَمَنْ يُطِعِ اللَّوَ وَالرَّسُوؿَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنػْعَمَ اللَّوُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّتَُ وَالصِّدِّيقِتَُ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالحِِتَُ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: 69]. حيث بتُّ ىنا الأجر والثواب الدتًتب على طاعة الله ورسولو فهذا مآؿ أىل الطاعة دخوؿ الجنة ومرافقة أفضل الناس عند الله سبحانو وتعالى وىم الأنبياء ثم من بعدىم في الرتبة وىم الصدّ يقوف ثم الشهداء ثم الصالحوف. ومثلها قولو تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّوَ وَأَطِيعُوا الرَّسُوؿَ وَاحْذَرُوا [الدائدة: 92]. فإنها أمرت صراحة بطاعة الرسوؿ وقولو تعاوَمَنْ يػَعْصِ اللَّوَ وَرَسُولَوُ وَيػَتػَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْوُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَوُ عَذَابٌ مُهِتٌُ [النساء: 14]. فهذه الآية حذرت من معصية الرسوؿ وبينت مصتَ من يفعل ذلك وىو العذاب الأليم ودخوؿ جهنم وبئس الدصتَ؛ وإذا كانت ىذه عقوبة الدعصية فلاشك أف عكسها وىو الطاعة واجب ولازـ إذ لا يكوف عقاب وعذاب إلا على ترؾ واجب أمر الله سبحانو بو ، ومثل ىذه الآية قولو تعالى: يَا أَيػُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّوَ وَرَسُولَوُ وَلاَ تػَوَلَّوْا عَنْوُ وَأَنػْتُمْ تَسْمَعُوفَ. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سََِعْنَا وَىُمْ لاَ يَسْمَعُوفَ [الأنفاؿ: 20- 21]،وقولو تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّوَ وَرَسُولَوُ وَيخَْشَ اللَّوَ وَيػَتػَّقْوِ فَأُولَئِكَ ىُمُ الْفَائِزُوفَ [النور: 52]،وقو لو تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّوَ وَأَطِيعُوا الرَّسُوؿَ فَإِفْ تػَوَلَّوْا فَإِنمََّا عَلَيْوِ مَا حمُِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حمُِّلْتُمْ وَإِفْ تُطِيعُوهُ تػَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُوؿِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِتُُ [النور: 54] . 1 - تفستَ القرآف العظيم 1/502
عدد الصفحات ١٠00 وىذه الآيات كلها كسابقتها تدؿ دلالة قطعية على وجوب طاعة رسوؿ ا ، وىي بهذا تدؿ على وجوب الأخذ بالسنة النبوية والعمل بها وقد استدؿ علماء الأصوؿ بها على ىذا الأمر 1 . وقد أكد الن على ىذا الدعتٌ في أحاديث كثتَة أكتفي منها بحديث واحد يدؿ دلالة قطعية على نفس الدعتٌ الدذكور في ىذه الآيات ؛ وىو قولو " :من أطاعتٌ فقد أطاع الله ومن عصا فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمتَ فقد أطاعتٍ ، ومن عصى الأمتَ فقد عصاني " 2. وقد استدؿ بالآيات الدذكورة علماء الأصوؿ للدلالة على حجية السنة النبوية وردّوا بها على كل جاحد ومعاند من ىؤلاء الإماـ الشافعي في الرسالة 3 . وقاؿ ابن حزـ " وجدناه تعالى قد أوجب طاعة ىذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأوؿ الذي ىو القرآف ، ولا فرؽ ، قاؿ تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسوؿ ، فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصوؿ الثلاثة التي ألزمنا طاعتها ىذه الآية الجامعة لجميع الشرائع أولذا عن آخرىا ، وفي قولو تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله فهذا أصل وىو القرآف الكريم ثم قاؿ تعا : وأطيعوا الرسوؿ ، فهذا ثاف وىو الخبر عن رسوؿ ا ...4. المطلب الثالث: 1- قاؿ تعا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يػُؤْمِنُوفَ حَتىَّ يحَُكِّمُوؾَ فِيمَا شَجَرَ بػَيػْنػَهُمْ ثمَُّ لاَ يََِدُوا فيِ أَنػْفُسِهِمْ حَرَجًا لشَِّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65]. ىذه الآية أوجبت الاحتكاـ إلى رسوؿ ا وذلك بالرجوع إليو في حياتو وإلى سنتو بعد لشاتو ، ونفت الإيداف عن كل من يتكبر عن ذلك ويعرض عنو واشتًطت أف يكوف ذلك الاحتكاـ بالرضا التاـ والتسليم الكامل النابع من الإيداف واليقتُ بأفّ ما جاء بو لزمد ىو الحق من عند الله تعا، قاؿ ابن الجوزي: " لا يكونوف مؤمنتُ حتى يحكموؾ "5. 1 - الرسالة ، للشافعي81، والإحكاـ لابن حزـ1/97،السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي60 . 2 - البخاري 10/114ح2957باب يقاتل من وراء ا ماـ ويتقى بو ومسلم9/346ح1835باب وجوب طاعة الأمراء في غتَ معصية. . 3 - الرسالة81-84 . 4 - الإحكاـ في أصوؿ الأحكاـ لابن حزـ1/93 . 5 - زاد الدستَ ، ابن الجوزي 2/58.
عدد الصفحات ١١02 وقاؿ ابن حزـ :" ىذه كافية لدن عقل وحذر وآمن بالله واليوـ الآخر ، وأيقن أف ىذا رسولو فالختَة عند الدؤمن والدؤمنة فيما اختاره الله ورسولو، وفي الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيو الذي قاؿ فيهما: (تركت فيكم ما إف تمسكتم بو لن تضلوا أبدا كت اب الله وسنة رسولو ) "1. قاؿ الرازي : "ليس لدؤمن ولا مؤمنة أف يكوف لو اختيار عند حكم الله ورسولو، فما أمر الله ىو الدتبع، وما أراد النبي ىو الحق، ومن خا لفهما في شيء فقد ضل ضلالا مبينا ؛ لأف الله ىو الدقصد، والنبي ىو الذادي الدوصل2. وقاؿ ابن حزـ –رحمو الله – ىذه الآية كافية من عند رب العالدتُ في أنو ليس لنا اختيار عند ورود أمر الله تعالى وأمر رسولو –صلى الله عليو وسلم- وأنو من ختَ نفسو في التزاـ أو ترؾ أو في الرجوع إلى قوؿ قائل دوف رسوؿ الله فقد عصى الله بنص ىذه الآية3 . 2- قاؿ تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوؿُ فَخُذُوهُ وَمَا نػَهَاكُمْ عَنْوُ فَانػْتػَهُوا [الحشر: 7] . قاؿ ابن جريج وغتَه وما أتاكم من طاعتي فافعلوه، و ما نهاكم عنو من معصيتي فاجتنبوه"4. وقاؿ الدهدوي: ىذا يوجب أف كل ما أمر بو الن أمر من الله تعا وقد استدؿ الصحابة والعلماء بهذه الآية على ضرورة الأخذ بسنة النبي والعمل بها واعتبارىا من الشرع الحنيف كالقرآف في الاحتجاج والعمل، منهم عبد الله بن مسعود والحكم بن عمتَ –رضي الله عنهما – وكذلك الإماـ الشافعي ؛ قاؿ عبد الرحمن بن زيد لقي ابن مسعود رجلا لزرم ا وعليو ثيابو فقاؿ لو :انزع عنك ىذا ، فقاؿ الرجل أتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله تعالى ؟ قاؿ نعم ، وما أتاكم الرسوؿ فخذوه وما نهاكم عنو فانتهوا... ، ذكر ىذا وغتَه القرطبي في تفستَه 5. وقاؿ الآمدي مستدلا بهذه الآية وموضحا لدعتٌ الإتياف فيها : ( وفعلو من جملة ما يأتي بو فكاف الأخذ بو واجبا 6 . العهد عهد ربّو تعالى إليو ووصيتو عز وجل الواردة عليو7. 1 - رواه البيهقي10/114,والحاكم في الدستدرؾ1/307ح291 ,والدار قط10/407باب الدرأة تقتل إذا ارتدت . 2 - مفاتيح الغيب ، لزمد بن عمر الرازي 12/353 . 3 - الإحكاـ ، لابن حزـ1/17. 4 - الجامع لأحكاـ القرآف 18/17. 5 - اامع لأحكاـ القرآف القرطبي 18/17 6 - الإحكاـ ، الآمدي1/162، والبرىاف ، لإماـ الحرمتُ الجوي1/184، والسنة ومكانتها للسباعي60 . 7 - الإحكاـ ، لابن حزـ1/95، والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي د. مصطفى السباعي59.
عدد الصفحات ١٢03 وقريب من ىذه الآية في بعض الدعاني قوؿ الله تبارؾ وتعا : وَمَا كَافَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّوُ وَرَسُولُوُ أَمْرًا أَفْ يَكُوفَ لذَُمُ الخِْيػَرَةُ مِنْ أَمْرِىِمْ وَمَنْ يػَعْصِ اللَّوَ وَرَسُولَوُ فػَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا [الأحزاب : 36]. المطلب الرابع 1- قاؿ تعا قُلْ إِفْ كُنْتُمْ تُُِبُّوفَ اللَّوَ فَاتَّبِعُونيِ يحُْبِبْكُمُ اللَّوُ وَيػَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم [ عمراف 31]1. فمن زعم أنو يحب الله س بحانو ويطيعو ويتقرب إليو ويسعى إلى مرضاتو ويرغب أف يكوف من عباده؛ بل ويفخر بعبوديتو لله سبحانو و يسعى إلى مقاـ ا لولاية والقرب من الله عز وجل، فإفّ لو طريقاً واحداً لا ثاني لو وىو اتباع لزمد فيما جاء بو وعدـ لسالفتو فيما أمر أو نهى، وعدـ إحداث أو ابتداع أشياء من الدين لم يأت بها لزمد في القرآف والسنة 2- وقاؿ تعا فػَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يخَُالِفُوفَ عَنْ أَمْرِهِ أَفْ تُصِيبػَهُمْ فِتػْنَةٌ أَوْ يُصِيبػَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [63.] لقد بينت الآية السابقة أف لزبة الله الحقيقية تكوف باتباع الن وىذه الآية تؤكد على ىذا الأمر بتحذير الناس من لسالفة النبي وأف عقوبة ذلك الفتنةُ في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة؛ وفي ىذا دعوة إلى عدـ لسالفتو . وقاؿ ابن حزـ في معرض الاستشهاد بهذه الآية: "ومن جاءه خبر عن رسوؿ ا يقِرُّ أنّو صحيح... ثم ترؾ مثلو في ىذا الدكاف لقياس أو لقوؿ فلاف وفلاف فقد خالف أمر الله وأمر رسولو واستحق الفتنة والعذاب الأليم"2. 3- قاؿ تعا يَا أَيػُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّوِ وَلِلرَّسُوؿِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يحُْيِيكُمْ [24] عند دعوتو في حياتو، وإلى سنتو بعد لشاتو، قاؿ البيضاوي في تفستَه: "بالطاعة إِذَا دَعَاكُمْ وحّد الضمتَ فيو لدا سبق، ولأف دعوة الله تسمع من الرسوؿ..." 3. 1- الدرجعية العليا في الإسلاـ للقرآف والسنة. د.القرضاوي ص 64 . 2- الإحكاـ. ابن حزـ1/98. 3- أنوار التنزيل وأسرار التأويل. عبد الله بن عمر البيضاوي2/380 .
عدد الصفحات ١٣04 وقد استدؿّ العلماء بهذه الآية كسابقاتها على حجية السنّة النبوية، وأنها الدصدر الثاني بعد كتاب الله العزيز 1. المطلب الخامس 1- قاؿ تعا لَقَدْ كَافَ لَكُمْ فيِ رَسُوؿِ اللَّوِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَافَ يػَرْجُو اللَّوَ وَالْيػَوْـَ الآْخِرَ وَذَكَرَ اللَّوَ كَثِتًَا [21.] قاؿ القرط "الأسوة القدوة، والأسوة ما يتأسى بو، أي: يتعزّى بو، فيُقتدى بو في جميع أ فعالو، ويتعزى بو في جميع أحوالو ؛ فلقد شُجّ وجهُو، وكُسرت رباعيتو، وقُتل عم و، وجاع بطنو..."2. فالآية تدؿ إذف على أف الن قدوتنا وأسوتنا في كل شيء، ولا شكّ أف الاقتداء بو إنما يكوف باتباع سنّتو، والاىتداء بطريقتو . وقد استدؿّ علماء الأصوؿ بهذه الآية على حجيّة السنة وعلى أفّ "ما لم تعلم صفتو من أفعاؿ الن أنو يحُمل على الوجوب في حقّنا وحقّو ؛ لأنو الأحوط...، وىذا ىو الذي ذىب إليو مالك، والأبهري، وابن القصار...، ولذذا القوؿ أدلة متعددة منها قولو تعالى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوؿُ فَخُذُوهُ [7]:لَقَدْ كَافَ لَكُمْ فيِ رَسُوؿِ اللَّوِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [21" ]3 . 2- قاؿ تعا وَمَا يػَنْطِقُ عَنِ الذَْوَى . إِفْ ىُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [3،4] الآيتاف بيّنتا أف الن معصوـ عن الخطأ، ولا يتكلّم بهواه كسائر الناس؛ بل يتكلّم بالوحي من الله سبحانو، إما قرآنا وىو كلاـ الله عز وجل، أو سنة وىو ما كاف لفظو من الرسوؿ ومعناه من ا تعالى، وبعض العلماء يسمي السنّة الوحيَ الخفيَّ، والقرآف الوحيَ الجليَّ، قاؿ القرطبي: "وقد يحتج بهذه الآية من لا يَُوِّز لرسوؿ الله الاجتهاد في الحوادث، وفيها أيضاً دلالة على أف السنة كالوحي الدنزَّؿ في العمل..."4. 1- الوسيط في أصوؿ الفقو الإسلامي. د.عمر مولود. ص93 . 2- الجامع لأحكاـ القرآف. القرط 14/155 . 3- الجواىر الثمينة في بياف أدلة عالم الددينة. حسن لزمد الدشاط. ص159 . 4- الجامع لأحكاـ القرآف. القرط 17/85 .
عدد الصفحات ١٤05 وقاؿ ابن حزـ: " فصحّ لنا بذلك أف الوحي ينقسم من الله عز وجلّ إلى رسولو على قسم أحدهما: وحيٌ متلوٌّ مؤلَّف تأليفاً معجزَ النظاـ وىو القرآف، والثاني: وحيٌ مرويٌّ منقوؿٌ غتَ مؤلّف ولا معج ز النظاـ ولا متلوٌّ، لكنو مقروءٌ وىو الخبر الوارد عن رسوؿ الله "...1. وفي ىذا الدعتٌ قوؿ الله تعا قُلْ إِنمََّا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [45] إنذار الن يكوف بالوحي، وستَة الن بيّنت أف الن كاف ينذر بالقرآف وبكلامو وىو سنّتُو، وىذا دليل على أنها نوع من أنواع الوحي. وقد استدؿ العلماء على حجية السنة ومكانتها من القرآف الكريم، منهم: ابن حزـ، وابن القصّار2، وغتَىم من العلماء. 3- قاؿ تعاوَأَنػْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبػَتَُِّ لِلنَّاسِ مَا نػُزِّؿَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يػَتػَفَكَّرُوفَ [44] ىذه الآية لضت منحىً آخر؛ حيث دلّت على أهمية السنّة، وأحاديث الن لبياف معتٌ القرآف الذي أنزلو الله للناس "ما نػُزّؿَ إِلَيهِمْ" ومعلوـ أفّ القرآف إنمّا أُنزؿ ليُفهم ويطبّق، ولا شك أفّ بيانو، وتوضيحو ىو السبيل إلى تطبيق أحكامو، وأف النبي ىو من اختاره الله واصطفاه للقياـ بهذا الأمر، "وقد أخبر الله في كتابو الكريم عن مهمة الرسوؿ بالنسبة للقرآف أنّو مبتٌُّ لو، وموضّحٌ لدراميو وآياتو"3 . وقريب من ىذه الآية قوؿ الله تعا وَمَا أَنػْزَلْنَا عَلَ يْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبػَتَُِّ لذَُمُ الَّذِي اخْتػَلَفُوا فِيوِ وَىُدًى وَرَحمَْةً لِقَوْـٍ يػُؤْمِنُوفَ [64]وَمَا عَلَى الرَّسُوؿِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِتُُ [54 .] فدورُه ليس لررّد البلاغ؛ بل البلاغ الدبتُ الذي يوضحللناس أحكاـ دينهم، أصولو وفروعو. وإذا كاف الأمر بالبياف للنبي واضح وجليٌّ في القرآف، فلا شكّ أفّ ىذا الأمر يدؿّ على أهمية ىذا البياف ومكانتو، ينبغي أف تكوف عظيمة عند الناس كاىتمامهم وتعظيمهم لكتاب الله عز وجل؛ إذ كلاهما من الله تعالى. المبحث الثالث: الآيات المستدل بها على ججية الإجماع. الإجماع ىو ثالث الأدلة الدتفق عليها بعد الكتاب والسنّة، وىو قطعي الدلالة يفيد اليقتُ، وقد دلت الكثتَ من الآيات القرآنية على حجيّتو، كما يلي 1- الإحكاـ. ابن حزـ1/93. -2 الدقدمة. أبو الحسن القصّار. ص41. 3- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. د. السباعي. ص59.
عدد الصفحات ١٥06 المطلب الأول قاؿ تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُوؿَ مِنْ بػَعْدِ مَا تػَبػَتََُّ لَوُ الذُْدَى وَيػَتَّبِعْ غَيػْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِتَُ نػُوَلِّوِ مَا تػَوَلىَّ وَنُصْلِوِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِتًَا [115 .] فهذه الآية توعدت من يخالف الن ويخالف إجماع أمتو بالعذاب الشديد، قاؿ ابن كثتَ: "أي ومن سلك غتَ طريق الشريعة التي جاء بها الرسوؿ فصار في شقٍّ والشرع في شقٍّ، وذلك عن عَمْد منو بعدما ظهر لو الحقّ وتبتُّ لو واتّضح لو. وقولو: وَيػَتَّبِعْ غَيػْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِتَُ ىذا ملازـ للصفة الأولى، ولكن قد تكوف الدخالفة لنص الشارع، وقد تكوف لدا أجمعت عليو الأمة المحمدية فيما عُلم اتفاقهم عليو تُقيقاً، فإنو قد ضُمِنت لذم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لذم وتعظيما لنبيهم"1. وقد استدؿ علماء الأصوؿ بهذه الآية على حجية الإجماع من وجه الأول: أف الله توعّد من اتبع غتَ سبيل الدؤمنتُ بدخوؿ النار، وىذا لا يكوف إلا بفعل لزرّـ، فدؿّ على أفّ اتباع سبيلهم أمر واجب. الثاني: أف الله جمع بتُ مشاقّة الرسوؿ وبتُ اتباع سبيل غتَ الدؤمنتُ، ولاشك أفّ الأوؿ حراـ، فكذلك الدعطوؼ عليو، وىو اتباع غتَ سبيل الدؤمنتُ وترؾ جماعتهم، فدؿّ على وجوب ىذا الأمر، وىو حجّية إجماع الدسلمتُ وعصمتهم من الخطأ حاؿ الاجتماع2 . المطلب الثاني قاؿ تعالى: يَا أَيػُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّوَ وَأَطِيعُوا الرَّسُوؿَ وَأُولِ الأَْمْرِ مِنْكُمْ [59.] عرفنا عند الاستدلاؿ على حجّيّة الكتاب والسنّة أفّ ىذه الآية دلّت بصراحة على وجوب الرجوع إليهما، وأخذ الأحكاـ منهما، والاحتكاـ إليهما عند التنازع... وىي كذلك تدؿّ على الإجماع، وأنو مصدر من مصادر التشريع الدتّفق عليها؛ حيث أمر الله سبحانو في ىذ ه الآية بطاعة أول الأمر، وأولو الأمر ىم العلماء، وقيل: الأمراء، وىي تشمل الاثنتُ، ففي الأحكاـ الشرعية يكوف الع الم ىو ول الأمر الذي جدب طاعتو والرجوع إليو، وفي الأحكاـ الأخرى يكوف الأمتَ أو الحاكم ىو ول الأمر...، وقد يَمع الحاكم بتُ الإمارة والعلم، 1- تفستَ ابن كث 1/527 . 2- انظر: الإحكاـ. الآمدي1/183، والوسيط في أصوؿ الفقو الإسلامي ص128، والوجيز في أصوؿ الفقو د.عبد الكريم زيداف ص 184، وأصوؿ الفقو. وىبة الزحيلي 48.
عدد الصفحات ١٦