أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 49 فصل: ترك الأخذ عن منتقصي الأئمة وكان يحيى بن يحيى الليثي جمع مسائل، سأل عنها أش هب وابن نافع وغيرهما من أصحاب مالك، وكتبها عنهم . فعرضها على ابن القاسم، ليرى فيها مذهبه، فجعل ابن القاسم ينتقص عليهم، فلما رأى يحيى ذلك طوى كتابه، و أدخله في كمه. فقال له ابن القاسم : «ما بالك؟ فقال: إن هؤلاء لهم علي حق كحقك، وقد كتبت عنهم ، ولم أرد أن أعر ض بهم إلى الوقوع فيهم، فإذا كان هذا، فلا حاجة لي بذلك»«1». وقال الحافظ ابن عساكر تاريخه في ترجمة شيخه العبدري : «سمعته يقول ذات يوم وقد جرى ذكر مالك بن أنس – رحمه الله - : جلف جاف . وقرأت عليه بعض كتاب الأموال لأبي عبيد فقال وقد مر قول لأبي عبيد: ما كان إلا حمارً ا مغفلاً لا يعرف الفقه. وحكي لي عنه أنه قال في إبراهيم النخعي: أعور سوء ... فقلت له: إلى كم نحتمل منك سوء الأدب؟!، إنما نحترمك ما احترمت الأئمة، فإذا أطلقت القول فيهم فما نحترمك، وهاجرته، ولم أتمم عليه كتاب الأموال»« ». وذكر الخطيب في ترجمة إسحاق بن إسماعيل الطالقاني أن الإمام أحمد سئل عن إسحاق بن إسماعيل فقال: ما أعلم إلا خيرً ا، إلا أنه ثم حمل عليه بكلمة ذكرها وقال: بلغني أنه يذكر عبدالرحمن بن مهدى وفلانً ا وما أعجب هذا، ثم قال وهو مغتاظ: مالك أنت؟ ويلك - ونحو هذا - ولذكر الأئمة»«7». «1» ترتيب المدارك«1/71 ». « » تاريخ دمشق« 7/30». «7» تاريخ بغداد«3/777»، تهذيب الكمال « / 10».
عدد الصفحات ٤٩أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 51 فصل: في بيان طبقات الناس قال الشوكاني في ترجمة علي بن قاسم حنش المتوفى سنة 1 11هـ: ومن محاسن كلامه الذي سمعته منه: «الناس على طبقات ثلاثفالطبقة العالية: العلماء الأكابر، وهم يعرفون الحق والباطل، وإن اختلفوا لم ينشأ عن اختلافهم الفتن ؛ لعلمهم بما عند بعضهم بعضً ا، والطبقة السافلة: عامة على الفطرة لا ينفرون عن الحق، وهم أتباع من يقتدون به، إن كان محقا ا كانوا مثله، وإن كان مبطلاً كانوا كذلك، والطبقة المتوسطة: هي منشأ الشر، وأصل الفتن، الناشئة في الدين، وهم الذين لم يمعنوا في العلم حتى يرتقوا إلى رتبة الطبقة الأولى ، ولا تركوه حتى يكونوا من أهل الطبقة السافلة، فإنهم إذا رأوا أحدً ا من أهل الطبقة العليا يقول ما لا يعرفونه مما يخالف عقائدهم التي أوقعهم فيها القصور، فوَّ قوا إليه سهام الترقيع، ونسبوه إلى كل قول شنيع، وغيروا فطر أهل الطبقة السفلى عن قبول الحق بتمويهات باطلة، فعند ذلك تقوم الفتن الدينية على ساق. هذا معنى كلامه الذى سمعناه منه، وقد صدق فإن من تأمل ذلك وجده كذلك»«1». «1 »البدر الطالع «1/ 37».
عدد الصفحات ٥٠أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 51 فصلالنهي عن تتبع زلات العلماء أو ذكرها قال سلمة بن شبيب : «قلت لأحمد بن حنبل : طلبت عفان في منزلك فقالوا : خرج، فخرجت أسأل عنه الَيران فقالوا : توجه في هذا الوجه ، حتى انتهيت إلى مقبر ة، وإذا هو جالس يقرأ على قبر ابنة أخي ذي الرئاستين «1»فنزلت عليه وقلت: سوءةً لك، فقال: يا هذا الخبز الخبز«أي الحاجة»، فقلت: لا أشبع الله بطنك، قال: فقال لي أحمد: لا تذكرنَّ هذا فإنه قد قام في المحنة « »مقامًا محمودً ا عليه، أو نحو هذا من الكلام»«7». وجاء رجل إلى ابن هرمز يسأله عن بول الحمار ، فقال ابن هرمز: «نجس، قال: فإن ربيعة لا يرى به بأسً ا، فقال ابن هرمز: لا عليك أن لا تذكر مساوئ ربيعة، فلربما تكلمنا في المسألة فخالفنا فيها ربيعة، ثم لعلنا نرجع إلى قوله بعد سنة»« ». فتتبع زلات العلماء وأخطاءهم وبثها يدل دلالة واضحة على أن فاعل ذلك مريض النفس، سيء الطوية، إذ إن العصمة لا تكون إلا للأنبياء، وكل عمل لا بد له من خطأ ونقص، فالكمال لله وحده. «1» هو الفضل بن سهل لقب بذلك لأنه تقلد الوزارة والحرب. « » محنة امتحان العلماء في القول بخلق القرآن. «7» المعرفة والتاريخ« /131». « » المعرفة والتاريخ«1/33 ».
عدد الصفحات ٥١أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 52 فصلأدب السلف في المناظرة كان السلف رحمهم الله يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة، ومناصحة وصدق وإخلاص، لا رياء فيها ولا سمعة، يبغون الحق لا غيره، ويحرصون على بقاء الألفة والمحبة والأخوة، وهمهم موافقة الصواب أكثر من ظهور أقوالهم. يقول الإمام الشافعي :«ما ناظرت أحدًا إلا قلت : اللهم أجرِ الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته»«1» . وقالالزعفراني: سمعت الشافعي يقول: «ما ناظرت أحدًا فأردت بمناظرتي إياه غير الله، ولا أردت الَدال، وذلك أنه بلغني أن من ناظر أخاه في العلم، وكان مناظرته إياه يريد الغلبة أحبط الله له عمل سبعين سنة»« » . ولما دخل حاتم الأصم بغداد – وهو من أهل بلخ – اجتمع عليه أهل بغداد فقالوا له: «يا أبا عبد الرحمن، أنت رجل عجمي، وليس يكلمك أحد إلا قطعته، فبمَ؟ قال : معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي. قالوا: أي شيء هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن له إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه . فبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال : سبحان الله ما أعق له من رجل!»«7». قال يونس بن عبد الأع: «ناظرت الشافعي يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال لي: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا، وإن لم نتفق في مسألة»« ». «1» آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم الرازي«ص/1 ». « » تاريخ دمشق«1/ 31». «7» تاريخ بغداد«1/ 73». « » تاريخ دمشق« 1/70 ».
عدد الصفحات ٥٢أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 53 وبهذا ينتهي الكتاب، وكان الفراغ من إعادة النظر فيه لتجهيزه للطبعة الثانية في الثامن عشر من جمادى الأولى عام ألف وأربعمائة وخمسة وثلاثين للهجرة، ولله الحمد والمنة في الأولى والآخرة، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
عدد الصفحات ٥٣