المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدبلوماسية في ضوء السنة النبوية

نهاد يوسف شكري الثلاثيني

صفحة ٢ من ٢

والرفق في سياسة الرد على الأحقاد والضغائن والمكائد الصادرة عن العدو، فمثل هذه المواقف تهيج النفوس، وتأجج الغضب للرد ولانتصار، فيأتي التوجيه النبوي فيروض النفس، لتحافظ على سكونها، وعلاقاتها مع الناس، فيصدر منها الرد اللائق الذي لا يجرح مشاعر الناس ولا ينال منهم . المطلب الثاني: المعالجة والتوجيه حسب الحال والمقام. لقد جبل الإنسان على الأنس والتأنيس والتيسير، وتكره التنفير والتعسير، فالأصل عند مواجهة الأزمات وعلاجها، أن تكون وسائل التيسير والتبشير، واللطف واللين هي سيدة الموقف في التوجيه والإرشاد، ولا يُخرج عن هذا الأصل إلا لمصلحةٍ راجحة، فقد كان النبي يراعي جميع أحوال الناس، فيخاطبهم ويعاملهم بما يناسب أحوالهم من غير انتقاص لقدرهم أو مقامهم. فالدبلوماسي رجل التصق بشخصيته الذوق الرفيع، والأدب الجم، والذكاء الباهر، والحكمة المتواضعة، آداب نادى بها الإسلام، وربى النبي أصحابه الكرام رضوان الله عليهم، والسفراء الذين بعث بهم إلى الملوك. والمتفحص لسيرته  يجد أنه واجه الأزمات الطارئة، بكل حكمة وروية، بطريقة دبلوماسية محببة للنفس، والأمثلة على ذلك كثيرة منها : 1- معالجته لمن أصابه الكرب أو مصيبة الموت. لهذا التوجيه التربوي النبوي أحاديث كثيرة في أبواب السنة، أكتفي بالحديث التالي: قال البخاري: حَدا ثَنَا آدَمُ، حَداثَنَا شُعْبَةُ، حَداثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : مَرا النابِيُّ  بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ : "اتاقِي اللَّاَ وَاصْبِرِي " قَالَتْ : إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِناكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْ رِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا : إِناهُ النابِيُّ ، فَأَتَتْ بَابَ النابِي ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَواابِينَ، فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ : "إِنامَا الصابْرُ عِنْدَ الصادْمَةِ الأُولَى "(30) من فقه الحديث: لقد أمر النبي المرأة التي أصابها الحزن، بتقوى الله عز وجل، بأسلوب (دبلوماسي) فيه مواساة، ومشاطر لحزنها، ولذلك لم يؤاخذها على ردِّها، مراعاة لحالها التي كانت عليها. قال ابن حجر: "قال الطيبي : صدر هذا الجواب منه عن قولها:(لم أعرفك) على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار؛ فإني لا أغضب لغير الله، وانظري لنفسك ."(31) 2- معالجته لحالة الغضب. الغضب ضد الرضا، وهو شيءٌ يداخل القلب، يُفْقِدُ الإنسان السيطرة على تصرفاته، ومنه ما هو مطبقٌ يذهب بالسمع والبصر، فالتعامل مع المغضب يحتاج إلى حكمة وروية، وإلى مجانبة ما يهيج الغضب، وقد كان تعامل النبي مع المغضب أحسن التعامل وأكمله، ومثاله: 30 )أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، ح: 1213،انظر: صحيح البخاري، (2/27 )، ومسلم في كتاب الجنائز، باب: في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، ح:3124، انظر: صحيح مسلم، (2/832. ) 31 )انظر: فتح الباري، (3/141.)

عدد الصفحات ١٧

قال مسلم: حَداثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَداثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، حَداثَنَا الأَْعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التايْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ : قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ : كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَماا لِي بِالساوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتاا مِنْ خَلْفِي، "اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ "، فَلَمْ أَفْهَمِ الصاوْتَ مِنَ الْغَضَبِ، قَالَ : فَلَماا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَِّ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ : "اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، اعْ لَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ "، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ الساوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ : " اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، أَنا اللََّ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلاَمِ "، قَالَ : فَقُلْتُ : لَ أَضْرِبُ مَمْلُوكاا بَعْدَهُ أَبَداا .(32) من فقه الحديث: الحديث يدلل على الخلق الكريم للنبي في تعامله مع الناس، فهذا المغضب لم يعاتب حال ثورة غضبه، ولم يسأله  عن سبب فعله، لكنه تعامل معه بأدب المربي، وتوجيه المعلم في كيفية معالجة الأزمات والتوترات النفسية، مكتفياً  بتذكيره بقدرة الله عليه، ولم يزد على ذلك، مما جعل الصحابي أبا مسعود  أن يعاهد على الإقلاع عن الذنب، وألا يعود إليه أبداً. 2- معالجته للألفاظ والكلمات الجارحة. لا يسلم (الدبلوماسي) من سماع ما لا يحب من خصمه أثناء المحاورة والنقاش، فالدبلوماسي الموفق الذي قد هيأ نفسه لذلك، فلا تستخف به عبارة نابية، أو كلمة جارحة، بل هو في جميع الأحوال رابط الجأش، وإذا تملكه الغضب لم يزد عن قول الحق ولا يظلم. قال البخاري: حَداثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الراحْمَنِ، أَنا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيا ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّاِ  وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْماا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّاِ اعْدِلْ، فَقَالَ : "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْ تَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ ".. الحديث (33) من فقه الحديث: تناول الحديث قضية من أخطر القضايا التي مرت بها الأمة الإسلامية، فقد نبأ النبي  بظهور فرقة من المسلمين، تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، مبيناً أوصافهم التي انطبقت على الخوارج، التي كفرت بإمارة علي ، حين رضي بالتحكيم بعد صفين، فأحلوا دمه ودم من والاه من المسلمين، هذه الفرقة امتداد لجماعة من بني تميم جاءوا إلى النبي  وهو يقسم الغنائم على المسلمين، فلما أعطاهم منها تقالُّوها فقال أحدهم يقال له ذو الخويصرة : (يا رسول الله اعدل) وفي رواية للإمام أحمد (اتق الله)، دلالة، تجرد من الأدب بحضرة النبي ، يستوجب العقاب ـــ فقد استأذن عمر أن يضرب عنقه ـــــ أما رسول فلم يوجه له سوى كلمات تخر لها الجبال هدا " وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ " إنها أخلاق النبوة لتعليم الأمة، وتوجيهها لاختيار الأسلوب الامثل لمعالجة الموتورين في المجتمع، وذلك بعدم الالتفات إلى تراهاتهم التي تعبر عن الجهل وسوء الأخلاق . 32 )أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده، ح: 1847،انظر: صحيح مسلم، (3/1211 . ) 33 )أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب: علامات النبوة.. ،ح: 3811 انظر: صحيح البخاري، (4/211)، ومسلم. في كتاب الزكاة، باب: ذكر الخوارج ،ح:1184، انظر: صحيح مسلم، (2/244)

عدد الصفحات ١٨

5- معالجته لمن وقع في الظلم. سيطرة (الدبلوماسي) على نفسه في حال توجيه شتيمة أو إساءة في موقف بقصد أو بغير قصد، تجعلها أقدر على إيصال الرسالة المكلف بها بطريقة دبلوماسية راقية تبهر من حوله، ممن يستعديه بابتذال كلمات تحمل الشتيمة أو حركات أو إجراءات تهدف إلى إضعافه بجره إلى الانتقام والتشفي والرد بالمثل. فرسول الله  خير قدوة في التعامل مع من أساء إليه، وكان قادراً على إنفاذ العقاب بحقهم، فمن أبرز الروايات الواردة في عفوه وصفحه عمن آذوه وأخرجوه من دياره، ما فعله  بأهل مكة يوم أن دخلها فاتحاً في التاسع عشر من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، حيث آمن من لم يحمل سلاحه ودخل داره، أو المسجد الحرام أو دار أبي سفيان . قال مسلم: حَداثَنِي عَبْدُ اللَِّ بْنُ عَبْدِ الراحْمَنِ الداارِمِيُّ، حَداثَنَا يَحْيَى بْنُ حَساانَ، حَداثَنَا حَماادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللَِّ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ : وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْ نِ أَبِي سُفْيَانَ، وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِناا يَصْنَعُ طَعَاماا يَوْماا لأَِصْحَابِهِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي، فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، الْيَوْمُ نَوْبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى الْمَنْزِلِ وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا، فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَداثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَِّ  حَتاى يُدْرِكَ طَعَامُنَا، فَقَالَ :"... قَالَ رَسُولُ اللَِّ " :مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلاَحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ .. "(34) من فقه الحديث: يشير الحديث إلى الأحداث التي وقعت في غزوة فتح مكة، منها، طلب أبو سفيان ــــ زعيم مكة ــــ من رسول  حينما رأى قوة جيشه عندما وقف مع العباس ينظر إلى الكتائب وهي تمر عليه متجهة إلى مكة، أن يرحم أهلها، فأجابه النبي  قائلاً: (مَنْ دَخَلَ دَ ارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلاَحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ ) فأي عظمة هذه في التعامل مع مكة التي سامته وأصحابه سوء العذاب، فقد اضطروهم للهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة المنورة، هرباً بدين الله تعالى من قمع قريش وبطشها، التي هي اليوم تقف ذليلة بين يدي رسول الله تطلب الأمن والرحمة، فيعطيها النبي  ذلك من غير ململة أو تردد. إنها قمة الأخلاق في التعامل مع المسيئين له، بل الذين أجرموا في حقه ، وحق أصحابه رضوان الله عليهم، ليعلم الأمة دروساً في الصفح والعفو عند المقدرة ، فهو درس لكل الدبلوماسيين والسياسيين من حكام وأمراء، بتغليب جانب الحكمة على جانب الثأر الشخصي والانتقام للذات . المطلب الثالث: تغليب الحكمة على العاطفة في إدارة الأزمات. لا شك أن الأزمات بين الدول تأخذ حيزاً كبيراً من التفكير والتدبير لدى المختصين أصحاب القرار، بهدف نزع فتيل التوتر ومعالجة الأزمة في إطار سياسي ودبلوماسي يحفظ لكل دولة ماء وجهها، للوصول إلى تفاهمات مرضية للجميع. 34 )أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: فتح مكة،ح:1211،انظر: صحيح مسلم، (3/1412 )

عدد الصفحات ١٩

والسياسة الحكيمة هي المرجعية التي تستند عليها الدولة في إطار المصالحة وإنهاء الأزمة، وإن كانت لا ترضي بعض الأطراف أحياناً، فإن المصلحة العليا للدولة مقدمة على أي مصلحة أخرى، بهدف تحقيق الأمن والسلم للمواطن والدولة على حد سواء. (فالدبلوماسي) شخصية مثقفة متعلمة جرى تدريبه وتأهيله لهذا المستوى سنوات عديدة، ولذلك تكون الدولة على ثقة كبيرة بقدرة ممثليها الدبلوماسيين على متا بعة أعمالهم بقدرات عالية، ومعالجة الأزمات الطارئة وفق سياسة دولته، فيحقق أهدافه دون تنازلات أو اشتراطات محرجة للدولة، والنبي  أول من تعامل مع قريش بهذه السياسة الحكيمة التي سجلت في نهاية المطاف انتصاراً عظمياً، حين أجبرها النبي على توقيع صلح الحديبية، معترفة بدولة الإسلام . لقد علم النبي  في الحديبية، انه لن يكمل المسير إلى مكة لأداء العمرة، فأمر المسلمين بنصب خيامهم، وحثهم على الصبر والاحتساب إلى أن يجعل الله لهم مخرجاً، وكان يهدف النبي بمكوثه في الحديبية وعدم العودة إلى المدينة، إجبار قريش وإلجائها إلى خيار الاستسلام لا الحرب التي باتت غير قادرة على خوضها بعد معركة الأحزاب، فقد نجح الني  بسياسته الحكيمة الثاقبة لجر قريش لرفع الراية البيضاء، والتوقيع على معاهدة الصلح التي صبت كافة بنودها لصالح المسلمين والدولة الإسلامية. قال البخاري: حَداثَنَا عَبْدُ اللَّاِ بْنُ مُحَمادٍ، حَداثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَداثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، حَداثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : حَداثَنِي أَبُو وَائِلٍ، قَالَ : كُناا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَقَالَ : أَيُّهَ ا النااسُ اتاهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِناا كُناا مَعَ رَسُولِ اللَّاِ  يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطاابِ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّاِ، أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟ فَقَالَ : "بَ لَى". فَقَالَ : أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الجَناةِ وَقَتْلاَهُمْ فِي الناارِ؟ قَالَ : "بَلَى"، قَالَ : فَعَلاَمَ نُعْطِي الدانِياةَ فِي دِينِنَا، أَنَرْجِعُ وَلَماا يَحْكُمِ اللَّاُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ : "يَا ابْنَ الخَطاابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّاِ ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّاُ أَبَداا"، فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنابِيِّ ، فَقَالَ : إِناهُ رَسُولُ اللَّاِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّاُ أَبَداا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّاِ  عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّاِ، أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ : "نَعَمْ "(35). من فقه الحديث: الحديث فيه من العبر والعظات الكثير مما يفيد منها السياسيون والدبلوماسيون، وذلك من خلال ما وطده النبي من فقه في السياسة الشرعية والعلاقة مع الأعداء، فالمتتبع لأحداث السيرة يجد أن العلاقة بين النبي  وقريش بعد الهجرة ما كانت إلا حرباً ضروساً، فجاءت الحديبية لتقلب المعادلة إلى صراع سياسي دبلوماسي، فكان ذلك تطوراً جديداً في مسيرة الدولة الإسلامية الناشئة . لقد فشل (الدبلوماسيون) من قريش في إقناع النبي  بالعدول عن المسير إلى مكة، وذلك من خلال ثبات النبي  وأصحابه على الموقف، وإبداء الحزم والعزيمة والقوة في تنفيذ ما يريد، كما لم تكن لعواطف المسلمين الراغبين في المضي إلى مكة، كنقاش عمر  لرسول 35 )أخرجه البخاري في كتاب الجزية، باب: إثم من عاهد ثم غدر، ح:3112، انظر: صحيح البخاري، (3/113)،ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية في الحديبية، ح:1214، انظر: صحيح مسلم، (3/1411 .)

عدد الصفحات ٢٠

 أثر في تغيير الموقف لكونه مسألة عقائدية، غير قابلة لأخذ أو الرد، لأنه كان بأمر الله تعالى وإرادته . يقول الدكتور محمد صادق عفيفي: " وتعتبر هذه السابقة من المبادئ التي اتخذ منها المسلمون نموذجاً يحتذى به في حالة إبرام معاهدات السلام مع الأعداء مادام ذلك يخدم مصالح الدول الإسلامية، ومن هنا غدت نظرية المعاهدة في الأعراف الحديثة جزءاً من النظرية الإسلامية في قيام العلاقات الدولية."(36) الخلاصة: لقد اتخذ النبي  من التدابير والإجراءات التي تكفل قيام علاقات حميدة بين الأشخاص خاصة أو بين الدول عموماً، فقد كان تعامله  مع أصحابه عملاً تأصيلياً لمفاهم(الدبلوماسية) في العصر الحالي، حين راعي أحوال الناس ومقاماتهم، فكان بمثابة العلاج الناجع والبلسم الشافي لأزماتهم ومشاكلهم التي تعترض حياتهم. الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج والتوصيات. أولا : نتائج البحث : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فإن هذا البحث قد توصل بفضل الله إلى عدة نقاط نجملها فيما يلي: 1. بيان معنى الدبلوماسية وأنها من المصطلحات السياسية المعاصرة وتعني الحوار الهادئ البناء للوصول إلى نتيجة بناءة. 2. أن الدبلوماسية جائزة في الإسلام بحيث لا يتعارض مع أسس العقيدة الإسلامية. 3. أن الإسلام سباق في صقل شخصية الإنسان المسلم الدبلوماسية وتمثل ذلك من خلال حوار جعفر رضي الله عنه للنجاشي ومدافعته عن المسلمين. 4. أسس الحوار والنقاش في السنة النبوية وكيفية التعامل مع العدو وغيره وذلك من خلال المكاتبات والرسائل إلى الملوك والأمراء. 4. الناس منازلهم حتى ولو كانوا أعداء طالما لم يعتدوا على المسلمين بقولهم أيها الملك. 8. وضعت الأسس العريضة للساسة وصناع القرار في فن التعامل مع الغير. 2. أن الدبلوماسية لها آثار محمودة على المجتمع والدولة، وذلك بلجب الأمن لها وتجنيبها ويلات الحروب. 8. ثانياا: التوصيات: 7. إطلاق حملات توعية داخل المجتمع الفلسطيني وذلك عبر المؤسسات الدينية للتعرف على معنى الدبلوماسية وكيف أن الإسلام كان سباقاً في ذلك. 1- لا بد من توثيق المعاهدات الدبلوماسية في كتاب مختوم. 2- تخصيص يوماً دراسياً لتعريف الناس عن كيفية صياغة الشخصية(الدبلوماسية) في ضوء السنة النبوية. 36 )انظر: المجتمع الإسلامي والعلاقات الدولية ، للدكتور: محمد الصادق عفيقي، مؤسسة الخانجي – القاهرة، ص: 232 .

عدد الصفحات ٢١

3- نوصي طلبة العلم بأن يقوموا بدراسة موضوع (الدبلوماسية) في ضوء السنة النبوية، والتوسع في البحث للوصول إلى إصدار كتاب بهذا الخصوص يؤصل لمثل هذا السياسات من خلال الحضارة الإسلامية . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المصادر والمراجع 1- القرآن الكريم. 2- إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي(المتوفى: 414هـ) مطبعة: دار المعرفة – بيروت. 3- أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق د. محمد بن سعد آل سعود، مطبعة: دار مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، الطبعة الأولى سنة: 1417هـ. 4- جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، مطبعة: مؤسسة الرسالة، طبعة: 1422هـ- 2111م. 4- الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه المعروف بصحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المتوفي سنة 244هـ، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، طبعة دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) الطبعة: الأولى، 1422هـ. 8- دبلوماسية النبي  دراسة مقارنة بالقانون الدولي المعاصر، للدكتور : سهيل حسين الفتلاوي، طبعة دار الفكر العربي- بيروت، الطبعة الأولى:2111م،.

عدد الصفحات ٢٢

2- سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت. 1- سنن الترمذي، حمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى، تحقيق: بشار عواد معروف، مطبعة: دار الغرب الإسلامي – بيروت، طبعة:1771م. 7- السيرة النبوية، لعبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ، تحقيق : مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، مطبعة شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1324هـ. 11- العلاقات الخارجية في دولة الخلافة، للدكتور: عارف خليل أبو عيد، مطبعة دار الأرقم، الطبعة الثانية:1771 . 11- فتح الباري في شرح صحيح البخاري أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، مطبعة دار المعرفة - بيروت 1327هـ. 12- المجتمع الإسلامي والعلاقات الدولية، للدكتور: محمد الصادق عفيقي، مؤسسة الخانجي – القاهرة. 13- مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية المجلد24، العدد الاول لسنة2111، بحث الأمن الدبلوماسي في الإسلام للدكتور: محمد إبراهيم أبو جريبان. 14- مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية المجلد24، العدد الاول لسنة2111، بحث الأمن الدبلوماسي في الإسلامي للدكتور: محمد إبراهيم أبو جريبان. 14- المدخل إلى القانون الدولي وقت السلم، محمد عزيز شكري. 18- مسند الإمام أحمد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبلبن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط -عادل مرشد، وآخرون، مطبعة: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 2111 م. 12- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة 281 هـ. مطبعة: دار الجيل. 11- النظم الإسلامية، د .ماهر السوسي، د .أحمد شويدح، د .زياد مقداد، مطبعة : مكتبة آفاق، الطبعة السادسة،2111م. 17- النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: 818هـ)، تحقيق طا هر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، مطبعة : المكتبة العلمية – بيروت، طبعة:1377هـ-172

عدد الصفحات ٢٣