الدبلوماسيّة في ضوء السنة النبوية دراسة موضوعيّة نهاد يوسف شكري الثلاثيني
عدد الصفحات ١Summary of research In this research, the researcher clarifies the m eaning of diplomacy and how the Prophet’s sunna formed the Islamic diplomacy depending on abig number of the Prophet’s sayings (hadiths) selected from many books of sunna. In addition, the researcher clarifies the manners of diplomatic negotiations and discussions, and that the negotiations are deeply rooted in Islam. Then, the researcher focuses on the Prophet’s diplomacy in coping with diplomatic problems and their impacts on both the individual and the society. Finally, the researcher ends up with aconcl usion of the main results and recommendat . ملخص البحث تقوم فكرة هذا البحث على تجلية موضوع (الدبلوماسية) في ضوء السنة النبوية اعتماداً على مجموعة كبيرة من الأحاديث منتقاة من كتب السنة يتم من خلالها توضيح معنى (الدبلوماسية) ، وكيف صاغت السنة الشخصية الإسلامية الدبلوماسية، ثم استعرض البحث دور السنة النبوية في تنظيم العلاقات الدبلوماسية، وبينت فيه أدب الحوار والنقاش الدبلوماسي، وأن الحوار أصل من أصول ديننا ، كما تعرضت للسياسة النبوية في معالجة الأزمات الدبلوماسية، ثم تعرضت للآثار المترتبة على النفس البشرية والمجتمع، وانهيت بخاتمة شملت أهم النتائج والتوصيات.
عدد الصفحات ٢إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. إن العلاقات الدبلوماسية من الأمور التي شرعها الإسلام وحث عليها، وهي نوع من العلاقات التي يتم من خلالها تحقيق أسس التعامل الراقي والمرموق بين المجتمعات وشعوب العالم الآخر، فهذا الأساس وهذه الآداب لها أصول في السنة ال نبوية المطهرة، وفي المنظومة الأخلاقية الإسلامية، (فالدبلوماسية) في الإسلام إنما تمثل فكرة متقدمة، تتجاوز مجرد التعاون بين الناس متعدية إلى تأصيل سياسة التعاون والتفاهم بين المجتمعات الأخرى من غير المسلمين، فتفرض نفسها في أوقات معينة أو أمكنة بعينها، وتستمد (الدبلوماسية) مبدأها والأصول القائمة عليها من الإسلام مقرر الشرعية، القائم على مبدأ المصالح المتبادلة بين الناس في المجتمعات، فالإنسان في التصور الإسلامي، لا يعيش مستقلا بنفسه، منعزلاً عن غيره وإنما هو في حركة يتبادل فيها مع المجتمعات الأخرى ما تقرره المصلحة العليا للدولة، المتعلق بأمور الحياة، والعلاقات الخارجية مع المجتمعات والدول في هذا العالم الفسيح . وهذا ما سأقف عليه من خلال هذا البحث المستل من رسالتي في الدكتوراه الموسومة بـ (التطور الحضاري للشعوب في ضوء السنة النبوية) إن شاء الله تعالى، وذلك من خلال جمع الأحاديث الواردة في السنة النبوية، التي لها علاقة (بالدبلوماسية)، ودراستها دراسة موضوعية حتى تعم الفائدة بإذنه تعالى. والبحث يتكون من مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة. أولا : المقدمة وتشتمل على : 1- أهمية البحث وأسباب اختياره: تكمن أهمية البحث وأسباب اختياره في النقاط التالية: أ - إبراز اهتمام السنة النبوية بالآداب والمعاملات الإنسانية. ب - جمع الروايات التي تحث على (الدبلوماسية) ودراستها دراسة موضوعية. ت - الدور الكبير في تطوير العلاقات (الدبلوماسية) في كافة المحافل والمؤتمرات. ث - بيان سمحة الإسلام، ومعالجته للأزمات بطريقة (دبلوماسية) دون اللجوء إلى القوة أو العنف. ج - إثراء المكتبة الحديثية. 2- منهج البحث وطبيعة الدراسة فيه: سلك الباحث منهج الحديث الموضوعي في بحثه المتعلق بالدبلوماسية في السنة النبوية، وبيان الجوانب تحليلية والاستنتاجية وحسب ما تقتضيه طبيعة الموضوع، وتفرضه حاجة البحث، كل ذلك وضعته تحت عنوان من فقه الحديث، أما المنهج من حيث: أ- الترجمة للرواة:
عدد الصفحات ٣عدم الترجمة للرواة، فقط أكتفي بذكر علة الراوي إن وجدت عند الحكم على الحديث. ب- التخريج: 1- إذا وجد الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، اكتفي بتخريجه منهما أو من أحدهما. 2-الإشارة إلى المقارنة بين ألفاظ متن الحديث. ت- بيان درجة الحديث: 1- إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما لا يذكر الحكم عليه لأنه معروف سلفاً، وذلك للإجماع على تلقي كتابيهما بالقبول . 2- إن وجد حكم مرضي على الحديث- في غير الصحيحين- من أقوال العلماء القدامى أذكره ، وإن لم يوجد اجتهد في الحكم عليه حسب القواعد المتبعة لدى علماء هذا الفن. *الدراسات السابقة : لم يقف الباحث على أي من الأبحاث ذات العلاقة الموضوعية من الجانب الحديثي فيما يتعلق بموضوع البحث (الدبلوماسية) ، لكن وجدت عدة مؤلفات تتحدث بشكل عام عن (الدبلوماسية) في الإسلام، منها : 1- الدبلوماسية في الشريعة الإسلامية دراسة تحليلية، محمد صالح حديد، ماجستير دراسات دولية، مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية العدد/ 4. 2- الدبلوماسية بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، أحمد سالم عمر، دار النفائس- عمان الطبعة الأولى: 1421ه. 3- الأمن الدبلوماسي في الإسلام، الدكتور محمد إبراهيم أبو جريبان، كلية الأميرة رحمة الجامعية، جامعة البلقاء التطبيقية السلط - عمان . 4- الدبلوماسية والبروتكول بين التقاليد الإسلامية والمجتمع الحديث، الدكتورة نادية إبراهيم أحمد، كلية الإعلام جامعة أم درمان الإسلامية السودان، مجلة دراسات دعوية العدد 11، في رجب 1431ه. ثانياا : التمهيد وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الدبلوماسية لغة واصطلاحاً . المطلب الثاني: تعريف (الدبلوماسية) في الإسلام. ثالثاا : المباحث وتشتمل على: المبحث الأول: السنة النبوية ودورها في تكوين الشخصية الدبلوماسية. وفيه مطلبان : المطلب الأول : الحِلمُ والأناة وسعة الأُفق. المطلب الثاني : مظهر الشخصية الدبلوماسية.
عدد الصفحات ٤المبحث الثاني: المجالس في السنة النبوية وعلاقتها بالدبلوماسية. وفيه ثلاثة مطالب : المطلب الأول : أداء تحية أثناء الدخول إلى المجالس. المطلب الثاني : آداب الجلوس في المجالس. المطلب الثالث : آداب المشاركة في النقاش والحوار. المبحث الثالث: الأزمات الدبلوماسية وسبل علاجها. وفيه ثلاثة مطالب : المطلب الأول : التخلق بالرفق والأناة. المطلب الثاني : المعالجة والتوجيه حسب الحال والمقام. المطلب الثالث : تغليب الحكمة على العاطفة في إدارة الأزمات. رابعاا : الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات. التمهيد: أولا : تعريف (الدبلوماسية) في اللغة والصطلاح. - تعريف (الدبلوماسية) في اللغة: كلمة دبلوماسية كلمة لاتينية الأصل، استخدم مصطلح (الدبلوماسية) كما هو في أصله، وأصبح متداولاً بين الدول العربية، إلا أن العرب عملوا بمفهومها منذ القدم، على أنها قيم ومبادئ إنسانية تقوم على أساسها علاقات حسنة بين القبائل أو دول الجوار. - تعريف (الدبلوماسية) في الصطلاح: يعرف رجال القانون الدولي (الدبلوماسية) على أنها "فن وعلم إدارة العلاقات الدولية"(1) وهذا يعني الانضباط والتنظيم الذي ينم عن رغبة الدولة في بناء علاقات دولية، ترقى إلى مستوى التمثيل الرسمي المتبادل مع الدول الأخرى . ثانيا: تعريف (الدبلوماسية) في الموسوعة البريطانية. عرفتها الموسوعة البريطانية "بأنها فن إدارة المفاوضات الدولية."(2) ثالثاا: تعريف (الدبلوماسية) في الإسلام. "هي مجموعة القواعد والأحكام التي تتفق مع الشريعة الإسلامية، والتي تعبر عن رغبة الدولة في تعاملها مع غيرها من الدول بما يحقق مصلحتها في جميع الأحوال والظروف."(3) 1 )انظر: المدخل إلى القانون الدولي وقت السلم، محمد عزيز شكري، ص: 321 . 2 )انظر: النظم الإسلامية د.ماهر السوسي، د.أحمد شويدح، د.زياد مقداد، مكتبة آفاق، الطبعة السادسة،2111م. 3 )انظر: مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية المجلد 24، العدد الاول لسنة2111، بحث الأمن الدبلوماسي في الإسلامي للدكتور: محمد إبراهيم أبو جريبان، ص:811 .
عدد الصفحات ٥ولهذا فلا يمانع شرعنا الحنيف من فتح علاقات سياسية واقتصادية ودبلوماسية، وغيرها من العلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، التي لا تدين بشريعة الإسلام، بشرط عدم المس بالقواعد والأصول العقائدية في الإسلام. المبحث الأول: السنة النبوية ودورها في تكوين الشخصية الدبلوماسية. لقد عني الإسلام بالإنسان عنايته بالجوانب الأخرى للحياة، فاهتمامه بالجانب الروحاني للإنسان، من حيث المعتقدات والعبادات، والتصورات الفكرية للغيبيات، لم يغفل معها اهتمامه بالجوانب المادية للإنسان وبناء شخصيته على أسس صحيحة. يقول الدكتور سهيل الفتلاوي : " من المصادر المهمة التي ساهمت في تكوين شخصية النبي هي التربية التي حظي بها والتي كانت انعكاساً للوضع الاجتماعي والسياسي القائم في مكة.. ومن المؤكد أن نشأة النبي محمد ونسبه الشريف، قد ساهمتا في تكوين هذه الشخصية الفذة بالشكل الذي أهلته لأداء المهمة المكلف بها."(4) فنخبة المجتمع ممن ظهرت فيهم علامات النبوغ والإبداع في سن مبكرة، هي الفئة المستهدفة في كل الدول المتقدمة، لاحتوائهم في مؤسساتها الخاصة، وتنشئتهم على السياسات التي تقوم عليها الدولة، ولذلك تسخر لهم الكفاءات ال خاصة بهم لتربيتهم على مختلف العلوم واللغات، إلى جانب ترويضهم على الصبر والعمل في مختلف البيئات الاجتماعية، ليتميزوا بالقدرة والتفوق في التأثير على الآخرين دون التأثر بهم، وقد كان للسنة النبوية دور أصيل في تطوير وبناء هذه الشخصية على أساس إسلامي، انطلاقاً من القرآن والسنة . أولا : القرآن الكريم. يعد القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع الإسلامي، لأنه كما قال تعالى : (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )(فصلت: ٤٢( وهو الرسالة السماوية الخاتمة التي ما تركت من شيء إلا وبينته تفصيلاً أو إجمالاً . " وقد جاءت القواعد (الدبلوماسية) في القرآن بحق النبي على ثلاث أنواع : الأول: قواعد (دبلوماسية) جاءت بحق النبي ، ولكنها تعد تشريعاً لجميع المسلمين. الثاني: ما جاء للمسلمين بصورة عامة، فإنه يشمل النبي من باب أولى كقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النابِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاا غَلِيظاا ) (الأحزاب:07 .)الثالث: ما جاء للنبي خاصة، فهي قواعد(دبلوماسية) خاصة به . (يَا أَيُّهَا النابِيُّ إِناا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداا وَمُبَشِّراا وَنَذِيراا ﴿٤٢﴾ وَدَاعِياا إِلَى اللاـهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاا مُّنِيراا )(الأحزاب:54-54")(5) ثانياا: السنة النبوية. 4 )انظر: دبلوماسية النبي دراسة مقارنة بالقانون الدولي المعاصر، للدكتور: سهيل حسين الفتلاوي، طبعة دار الفكر العربي- بيروت، الطبعة الأولى:2111م، ص: 22. 5 )انظر: دبلوماسية النبي ، ص: 31 .
عدد الصفحات ٦وهي مصدر الثاني للتشريع، فهي ثابته، فمنها قطعي الثبوت كالمتواتر، ومنها المقبول المحتج به كالصحيح بقسميه والحسن، فمن اعتقد أنها قابلة للقبول والرد فيما ثبت منها، فهو مرتد بإجماع جمهور العلماء لثبوت ذلك من القرآن والسنة والإجماع. قال تعالى : (ماا أَفَاءَ اللاـهُ عَلَىٰ رَ سُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلاـهِ وَلِلراسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السابِيلِ كَيْ لَ يَكُونَ دُولَةا بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الراسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتا قُوا اللاـهَ إِنا اللاـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر:0 ) فالأقوال والأفعال الصادرة عن رسول تعد تشريعاً للأمة، يجب تلقيها وتعلمها لتطبيقها واقعاً علمياً في الحياة، فهناك أحاديث كثيرة بينت أسلوبه وطريقة معاملته مع أصحابه، وكذا الرسل، إلى أسلوب ه مع رؤساء القبائل، ومراسلاته للملوك والأمراء، كلها وسائل تربوية وتشريعية لبناء الشخصية الإسلامية بطريقة (دبلوماسية)على أصول شرعية صحيحة. المطلب الأول: الحِلمُ والأناة وسعة الأُفق. منظومة الأخلاق التي تنادي بها الدول المتحضرة في العصر الحديث، ترفع مستوى تمثليها الدبلوماسي في المؤسسات الدولية، بالإضافة إلى إسهامها بشكل فاعل في إدارة العلاقات الدولية وصناعة القرار، الذي يحفظ الأمن والاستقرار السياسي لشعوب العالم الحر. فالإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان أصل وبسط الأمن والسلم بين الناس، على أصول أخلاقية وعقائدية لم تكن نتاج عقل بشري، أو موروث خرافي، بل هو نظام متكامل نزل من الله تبارك وتعالى للناس كافة. ويكفينا من بحر سيرة النبي العطرة التي ملأ شذاها الفياح الآفاق، أن نقتدي بعظيم أخلاقه، وجميل صبره، وسعة صدره ، وقوة إيمانه بنصر ربه، يوم لاقى ما لاقى من أهل الطائف . قال البخاري: حَداثَنَا عَبْدُ اللَّاِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ : حَداثَنِي عُرْوَةُ، أَنا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّاُ عَنْهَا، زَوْجَ النابِيِّ ، حَداثَتْهُ أَ ناهَا قَالَتْ لِلنابِيِّ :هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدا مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ : " لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدا مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَ بْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثاعَالِبِ (6) فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلاتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ، فَنَادَانِي فَقَالَ : إِنا اللَّاَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلامَ عَلَيا، ثُما قَالَ : يَا مُحَمادُ، فَقَالَ، ذَ لِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ 6 )قرن الثعالب: هُوَ اسْمُ موضعٍ يُحرِم مِنْهُ أَهْلُ نَجْد . وَكَثِيرٌ ممَّن لاَ يَعْرف يَفْتَح رَاءَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالسُّكُونِ . انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر(4/44.)
عدد الصفحات ٧الأَخْشَبَيْنِ؟ (7) فَقَالَ النابِي :بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّاُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّاَ وَحْدَهُ، لَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاا ."(8) من فقه الحديث: لم تعرف الدنيا رجلاً أعظم خلقاً من رسول الله في التعامل مع خصومه الذي تمكن منهم باقتدار، ألا يعد هذا عند من يتشدقون (بالدبلوماسية) أعلى وأسمى معانيها، ألا يعلمون أن الله تعالى أنزل قوله: (وَإِناكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(القلم:4 .)بحق نبيه بعد رفضه الثأر لنفسه، وإنزال العقاب بالطائف التي فعلت به ما فعالت . مما يدلل على أنه كان المؤسس الأول للمبادئ التي تُبنى عليها مفاهيم وأخلاق التعامل مع الأعداء وغيرهم (الدبلوماسية). وقد مارس جيل النخبة من الصحابة رضوان الله عليهم العمل السياسي (والدبلوماسي) بأعلى مستوياته بإتقان وإبداع، فهذا جعفر بن أبي طالب يعننه النبي أميراً على مهاجري الحبشة في السنة الخامسة من البعثة، ليحاور النجاشي بأسلوب مهذب رفيع المستوى، يليق بمقام الملوك والأكابر، أذهل دهاقنة قريش وسادتهم. قال البخاري: حَداثَنَا مُحَمادُ بْنُ العَلاَءِ، حَداثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَداثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّاِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، بَلَغَنَا مَخْرَجُ النابِي وَنَحْنُ بِاليَمَنِ فَرَكِبْنَا سَفِينَةا، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى الناجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتاى قَدِمْنَا، فَوَافَقْنَا النابِيا حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النابِي " :لَكُمْ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ السافِينَةِ هِجْرَتَانِ "(9) من فقه الحديث: لقد أختار النبي رجلاً حليماً ذو فصاحة وبيان، حافظاً متقناً لكتاب الله، ممثلاً للدعوة الإسلامية في بلاد الحبشة، لا يخشى في الله لومة لائم، فكان نعم السفير، ونعم القائد الذي قهر أعتى رجلين بعثتهما قريش لإرجاع مهاجري الحبشة إلى مكة ليسوموهم سوء العذاب، ولكن الحق الذي تجلى على لسان جعفر جعل النجاشي يبكي ويطرد سفراء قريش. قال ابن هشام : " قال جعفر : أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَْصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَْرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ .. فَلَ مَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إلَى بِلاَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لاَ نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ... فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ : "كهيعص" .. فَبَكَى وَاللهََِّ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُّوا مَصَاحِفَهُمْ، 7 )الأخشبين: الجَبَلاَنِ الْمُطِيفَانِ بِمَكَّةَ، وهُمَا أَبُو قُبَيْس والأحْمَرُ، وَهُوَ جَبَلٌ مُشْرِفٌ وَجْهُهُ عَلَى قُعَيْقِعَان . والأَْخْشَبُ كُلُّ جَبَلٍ خَشِنٍ غَلِيظِ الْحِجَارَةِ .انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (2/32.) 8 )أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب : إذا قال أحدكم آمين و الملائكة في السماء ..،ح:3231،انظر: صحيح البخاري، (4/114 )، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب : ما لقي النبي من أذى المشركين ..، ح : 1274 .انظر: صحيح مسلم (4/1748 ) 9 )أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب: هجرة الحبشة، ح:3128، انظر: صحيح البخاري، (4/41 .)ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: فضل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس رضي الله عنهم، ح:2413،
عدد الصفحات ٨حِينَ سَمِعُوا مَا تَلاَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ النَّجَاشِيُّ : إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَ ى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا ." (10) فالشخصية الدبلوماسية، يجب أن تتمتع بمواصفات متميزة، تجعله أقدر على القيام بما يكلف من مهام أمام الجهات الرسمية، كالمظهر الشخصي، والذكاء والحلم والأناة وسعة الأفق. المطب الثاني: مظهر الشخصية الدبلوماسية. إن المظهر اللائق والأنيق له دور كبير في نجاح المهام المطلوبة من الشخصية الدبلوماسية ، فإن أحسن اختياره الاحسن الملابس وأبهاها، واعتناءه بمظهره الخارجي بما يناسب الظروف والأحوال التي سيعمل فيها، فإن مستوى نجاحه وقبوله مرتبط بحرصه على الظهور بالمظهر اللائق الذي يمثل المناصب العليا في الدولة. " فالمظهر الخارجي للدبلوماسي ضروري من جهتين: الأولى أنه يمثل انعكاساً حضارياً للبلد الذي يمثله وطبيعة معيشته، والثانية أنه يدل على مدى الاحترام الذي يحمله المرسل للمرسل إليه لأنه اختار شخصاً يليق به."(11) قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّـهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذََٰلِكَ نُفَصِّلُ الآْيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )(الأعراف:32. ) والسنة النبوية المطهرة مليئة بالأحاديث التي تدعو المسلمين عامة، وأصحاب المهمات (السفراء والرسل) خاصة إلى الاهتمام بمظهرهم الخارجي، من غير إسراف أو خيلاء . انطلقت مواكب رسل رسول الله تحمل بشائر وأنوار الهداية، من خلال رسائل وخطابات مختومة بختمه وكانت تلك الرسائل تحمل حرص النبي على إسلام هؤلاء الملوك، وإبلاغ دعوته إليهم . روى الإمام مسلم عن يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَْعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ : «أَنا نَبِيا اللَِّ صَلاى اللَُّ عَلَيْهِ وَسَلامَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى الناجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَباارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَِّ تَعَالَى » (12.) توجه سفراء الرسول بالرسائل إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس عظيم القبط في مصر، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى هرقل عظيم الروم، وإلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وغيرهم من ملوك وأمراء .. وكان اختيار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لسفرائه قائما على مواصفات رباهم عليها، فكانوا يتحلون بالعلم والفصاحة، والصبر والشجاعة، والحكمة وحسن التصرف، وحسن المظهر . 10 )انظر: السيرة النبوية، لعبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، مطبعة شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر،الطبعة: الثانية، 1324هـ- 1744 م(1/334 )والروايات في سيرة ابن هشام تحمل على القبول، وإن كانت عن ابن اسحاق لتغليب الاستئناس بها . 11 )انظر: دبلوماسية النبي محمد ، ص:23 . 12 )أخرجه مسلم في كتابالجهاد والسير، باب: كتب النبي إلى الملوك والكفار يدعوهم إلى الله عز وجل(3/1372. )
عدد الصفحات ٩فاختار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دحية الكلبي ، وأرسله إلى هرقل عظيم الروم . يقول ابن حجر في الإصابة عن دحية : " كان يُضرب به المثل في حسن الصورة ". وكان دحية ـ مع حسن مظهره ـ فارسا ماهرا، وعليما بالروم .. "( 13) وقال البخاري تحت كتاب اللباس، باب: قَوْلِ اللَّاِ تَعَالَى : (قُلْ مَنْ حَرامَ زِينَةَ اللَّاِ الاتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ) ( الأعراف: 22 )وَقَالَ النابِي " :كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَداقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَ مَخِيلَةٍ " وَقَالَ ابْنُ عَبااسٍ " :كُلْ مَا شِئْتَ، وَالبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَ انِ : سَرَفٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ "(14) . وأورد تحت الباب قال: حَداثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَداثَنَا زُهَيْرٌ، حَداثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّاِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النابِي قَالَ: "مَنْ جَرا ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْ ظُرِ اللَّاُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّاِ، إِنا أَحَدَ شِقايْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي، إِلا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ النابِيُّ " :لَسْتَ مِمانْ يَصْنَعُهُ خُيَلاَءَ ". فالحديث يفيد عدم الحرج في تخير الثياب والملابس الراقية والجميلة، بشرط إلا يخالط ذلك كبر أو رياء، لأن الأصل في الأشياء الحل ما لم يأت الشرع بتحريمه. المبحث الثاني: المجالس في السنة النبوية وعلاقتها بالدبلوماسية . تباينت دول العالم اليوم في العادات والتقاليد التي تؤثر في بروتوكولاتها الرسمية، والتي تعبر عن حضارتها وثقافتها ونظامها السياسي في الحكم، فقد تلتقي مع دول أخرى وتتشابه في نظامها البروتوكولي لاستقبال الوفود وكبار رجال الدولة، وقد تستقل بأنظمة وبروتوكولات خاصة بها دون غيرها من دول العالم. والإسلام في هذا المجال لم يتأخر عن ركب الحضارة في استقبال الوفود والسفراء، فقد كانت هذه النظم البروتوكولية محل اهتمام الشريعة الإسلامية صاحبة الحضارة المتميزة في التعامل مع الآخرين انطلاقاً من الإسلام. المطلب الأول: أداء تحية أثناء الدخول إلى المجالس. يتم اختيار الرجل الدبلوماسي بناءً على مواص فات خاصة به، يتميز بها على غيره من الناس، لكونه شخصية مهمة معدة لمقابلة كبار المسئولين في الدولة، بهدف تحقيق المهام التي أرسل من أجلها، الأمر الذي يتطلب منه أن يتصرف بأخلاق وآداب الرجل الدبلوماسي ليعكس الآداب الحضارية لدولته من جهة، ويتقرب بها إلى المسئولين فيفرح قلوبهم ويسرهم من جهة أخرى. فأول آداب الدخول على الناس في مجالسهم هي أداء تحية الإسلام "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" كما أن رد السلام حق من جملة الحقوق التي أوجبها النبي على أمته، لأنها أصل في بناء المجتمع وتماسكه على الحب وعمل الخير كالبيت الواحد، فإن كان هذا حال السلام بحق المسلم العادي في المجتمع، فهو بحق المسلم الدبلوماسي أدعى وأولى للانتباه إليه، وتحري العمل به 13 )انظر الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر(2/321. ) 14 )انظر: صحيح البخاري ، (2/141 .)
عدد الصفحات ١٠قال البخاري: حَداثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَداثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ، قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَ رِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ: " أَمَرَنَا النابِيُّ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ : أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدااعِي، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ، وَرَدِّ السالاَمِ ...الحديث"(15) وفي رواية قال: حَداثَنَا مُحَمادٌ، حَداثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنا أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّاِ يَقُولُ: " حَ قُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السالاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الداعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ ." (16) من فقه الحديث: يشير الحديثان السابقان إلى بعض الحقوق المترتبة على المسلم تجاه أخيه المسلم، وكل من الحديثين يبين أن رد السلام حق يتوجب على المسلمين العمل به، لما فيه من الحكم العظيمة والأخلاق الكريمة النبيلة، التي إن فشت في المجتمع أصبح مجتمعاً مترابطاً متحاباً . يقول ابن حجر في قضية الابتداء في السلام والرد عليه: "وَقَدْ نقل ابن عَبْدِ الْبَرِّ الإِْ جْمَاعَ عَلَى أَنَّ الاِبْتِدَاءَ بِالسَّلاَمِ سُنَّةٌ وَلَكِنْ فِي كَلاَمِ الْمَازِرِيِّ مَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ كَذَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ وَقَدْ رَاجَعْتُ كَلاَمَ الْمَازِرِيِّ وَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ ابْتِ دَاءُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ وَرَدُّهُ وَاجِبٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مِنْ عِبَادَاتِ الْكِفَايَةِ ."(17) وخلاصة القول: الابتداء بالسلام أمر جاءت به السنة النبوية لإشعاره الجالسين بالتقدير والأمن، لأن معنى السلام هو السلامة، أي سلام الله ملازم لك، وأقله قول السلام عليكم. فالمبعوث الدبلوماسي واجب عليه التحلي بهذا الأدب، فإذا ما قدم على مجلس فليبادر بإلقاء السلام على جميع الجالسين في المجلس، فإذا جلس بعد ذلك فما عليه إلا أن يرد السلام. المطلب الثاني: آداب الجلوس في المجالس. من المتعارف عليه دولياً أن مقاعد الزعماء والرؤساء لها مكان مخصص ومعروف، يأتي دائماً في صدارة المحافل والمؤتمرات واللقاءات على أعلى المستويات، وهو نظام دولي معروف تعمل بمقتضاه الدولة، وكذا البعثات الدبلوماسية أو الوفود الوزارية وغيرها من الشخصيات الاعتبارية رفيعة المستوى، فكل شخصية لها مقعد خاص بها يقع من حيث الترتيب والتنظيم حسب موقع ومكانة الشخصية في الدولة. فدبلوماسي وسفراء الدول تخصص لهم مقاعد معروفه ومحددة، لا يجوز تجاوزها لئلا يقع الحرج أو الانتقاص من قدر الشخص، وفي الغالب تكون إشارة على المقعد كاسمه أو رمزه أو علم دولته وما إلى ذلك من إشارات تهدف لضبط المجلس وتنظيمه بطريقة لائقة كل حسب مكانته وموقعه. 15 )أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز، ح:1237، انظر: صحيح البخاري، (2/21 . )ومسلم، في كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضية، ح:2188، انظر: صحيح مسلم، (3/1834 )انظر: صحيح البخاري، (2/21 . ) 16 )أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز، ح:1241، انظر: صحيح البخاري، (2/21 )ومسلم في كتاب السلام، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام، ح:2182، انظر: صحيح مسلم، (4/1214 . ) 17 )انظر: فتح الباري، (11/4 . )
عدد الصفحات ١١في الغالب يقوم المسئولون عن تنظيم أماكن الجلوس في المؤتمرات والندوات واللقاءات بإشعار الدبلوماسي بمكان جلوسه، تراعى فيه إجراءات خاصة لمنع التمايز أو الفرقة بين الدبلوماسيين بحيث لا يفضل أحدهم على الآخر. ويحدد الوقت الذي يجب أن يحضر فيه والوقت الذي سيغادر فيه، وقد تدون الأسماء على المقاعد لكي لا يكون هناك التباساً في عملية الجلوس. (18) والسنة النبوية تذخر بهذه الآداب والأخلاقيات للمجالس الرسمية والشعبية وحلقات العلم، فالتوجيهات النبوية المتعلقة بالموضوع كثيرة منها عل سبيل المثال: قال البخاري: حَداثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّاُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ : أَنا رَسُولَ اللَّاِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِياةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَ زْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ : حَتاى مَرا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّاِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّاِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلاَطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَاليَهُودِ وَالمُسْلِ مِينَ، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللَّاِ بْنُ رَوَاحَةَ فَلَماا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدااباةِ، خَمارَ عَبْدُ اللَّاِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُما قَالَ : لَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلامَ رَسُولُ اللَّاِ عَلَيْهِمْ، ثُما وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّاِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّاِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ : أَيُّهَا المَرْءُ إِناهُ لَ أَحْسَنَ مِماا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقّاا فَلاَ تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْ دُ اللَّاِ بْنُ رَوَاحَةَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّاِ فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَإِناا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبا المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ، حَتاى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النابِيُّ يُخَفِّضُهُمْ حَتاى سَكَنُوا، ثُ ما رَكِبَ النابِيُّ دَاباتَهُ فَسَارَ حَتاى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ .. الحديث"(19). من فقه الحديث: يعد هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي شملت أكثر من جانب في بناء الشخصية الدبلوماسية، وذلك على النحو التالي: الأول: إن طبيعة المجالس التي غشيها النبي وهو في طريقه إلى بيت سعد بن عبادة كانت تمثل أطيافاً رفيعة المستوى لمواطني المدينة بقيادة عبد لله بن أبي بن سلول المرشح الوحيد يومها لقيادة وزعامة المدينة، وبعبارة أخرى كان يمثل مجلس الأمة (ليثرب) . الثاني: التداخل الاجتماعي في أوساط المجتمع وعد م الانحسار أو الانكماش في وقت ذروة العمل الدعوي والنشاط التنظيمي، فقد رأينا أن عدداً من المسلمين وعلى رأسهم عبد الله بن رواحة موجودين في هذا المجلس الذي يرأسه عبد الله بن أبي بن سلول وكان يومها على الكفر. الثالث: نزول النبي عن دابته وإلقاء السلام على منفي المجلس، يدلل على أدب من الآداب التي يجب أن يتخلق بها الدبلوماسي عند دخوله القاعة أو المجلس كما بينت في الفرع السابق . 18 )انظر: دبلوماسية محمد ، ص:127. 19 )أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: " ولتسمعن من الذي أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا آذىً كثيراً .. الآية(آل عمران:118 )ح:4488، انظر: صحيح البخاري، (8/37)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: في دعاء النبي إلى..ح:1271انظر: صحيح مسلم، (3/1422 .)
عدد الصفحات ١٢الرابع: احترام قيادة المجلس وذلك بالامتناع عن الحديث؛ والمغادرة بلطف وأدب، بعد الدعوة إلى الله ، والتدخل بطريقة لبقة، لفض المنازعات التي نشبت بين الناس . ومن الآداب النبوية كذلك، اختيار الأماكن والمواقع التي تليق بالمجالس واللقاءات والمناقشات الرسمية، كمجالس السياسيين والدبلوماسيين ونحوهم، فقد أمر النبي بتجنب الأماكن العامة والمفتوحة، كالشوارع والساحات العامة . قال البخاري: حَداثَنَ ا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَداثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ، عَنِ النابِي قَالَ: "إِيااكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ "، فَقَالُوا : مَا لَنَا بُد ، إِنامَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَداثُ فِيهَا، قَالَ : " فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطارِيقَ حَقاهَا "، قَالُوا : وَمَا حَقُّ الطارِيقِ؟ قَالَ : " غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السالاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْ يٌ عَنِ المُنْكَرِ " (20). من فقه الحديث: يرشدنا الحديث إلى آداب رفيعة، يتوجب على المسلم الانتباه إليها جيدا، والحرص على تطبيقها واقعاً عملياً، فيه مجموعة آداب لعامة الناس وخاصتهم، فعامة الناس يتجمهرون على نواصي الطرقات، أو الجلوس في بعض البيوت المفتوحة على الطريق، للتناول أطراف الحديث في مواضيع شتى، وهذه العادة كانت موجودة عند العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، إلا أنها بدأت بالتلاشي بعد التطور الحضاري والعمراني للشعوب العربية من خلال الغزو الشرس للفضائيات ووسائل الإعلام والانترنت معظم البيوت، مما أدى إلى الحد بشكل كبير من هذه العادات. أما على صعيد الدبلوماسيين، فإن الأمر مختلف تماماً، إذ يتوجب عليهم أخذ الأمر بتجنب ذلك على سبيل التكليف والواجب، لحساسية الموضوعات التي تثار في هذه المجالس. إن تنظيم المجالس الدبلوماسية وتزينها بالآداب الإسلامية، جعل من الحضارة الإسلامية المنارة الرائدة في التوجيه، والتعليم الأخلاقي والأدبي، لمؤسسات العمل السياسي والدبلوماسي في دول العالم الشرقي والغربي، فهذا سبق حضاري للإسلام، للسنة النبوية الدور البارز والفاعل فيه. المطلب الثالث: آداب المشاركة في النقاش والحوار. لقد فاضت ال سنة النبوية المطهرة بالتوجيهات والإرشادات المتعلقة بآداب الحوار والكلام وطريقته، ومقامه وضوابطه وغيرها من التوجيهات التي من شأنها رفع مستوى الوعي في طريقة الحوار والخطاب وما يجب الخوض فيه. والمتحدثون من العلماء والكتاب في ذلك كثير، لا يتسع المجال هنا لإيراد أقوالهم، لكني أكتفي بما ذكره أبو حامد الغزلي في كتابه الإحياء عن اللسان وخطره، حيث يقول: " له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان، سيق به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطره إلى البوار.. وقد تساهل 20 )أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغضب، باب: أفنية الدور والجلوس فيها، ح:2484، انظر: صحيح البخاري، (3/132 . ) ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب : النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقها، ح :2121، انظر : صحيح مسلم، (3/1824. )
عدد الصفحات ١٣الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله، وإنه أعظم آله الشيطان في استغواء الإنسان."(21) (فالدبلوماسي) يجب أن يحتاط في الكلام أكثر من غيره، لأن كلامه محسوب عليه سواء كان كلاماً رسمياً ــــ خطاب في مؤتمر أو بيان صحفي ونحوه ـــ أو كان كلاماً يعبر عن شخصيته ورغبته، أو ما يجول في نفسه، فهو في النهاية يمثل دولة ذات حضارة وقيم وأخلاق. أما آداب الحوار التي يجب أن يتحلى بها الدبلوماسي فهي كثيرة منها: 1- ترك الفضول من القول. تظل الكلمة متألقة ذات نفوذ في نفوس السامعين، إذا عرف المتكلمُ قدرها، وأوقعها موقعها اللائق بها، ولم يبتذلها حتى تصبح لغواً لا يعرف قدرها. فقد جعل النبي إمساك الإنسان لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه، دليلاً على حسن إسلامه، وقد تكاثرت الوصايا النبوية الدالة على ضبط اللسان والتحرز من إطلاقه، وهذه الوصايا يراد فيما يراد منها، ترك الفضول من القول الذي لا حاجة له؛ فإن اللسان من أكثر الجوارح استجابة للوقوع في الزلل. قال البخاري : حَداثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ : حَداثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّاِ بْنِ أَبِي السافَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشاعْ بِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّاِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّاُ عَنْهُمَا، عَنِ النابِيِّ قَالَ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّاُ عَنْهُ ."(22) من فقه الحديث: المجتمع النظيف من القيل والقال، ومن التعدي على حرمات وحقوق الغير، مجتمع سليم آمن، راق في علاقاته الحضارية والأخلاقية التي تربى عليها في الإسلام. قال الحافظ ابن رجب: "هذا يدل على أنَّ كفَّ اللسانِ وضبطَه وحبسَه، هو أصل الخير كلِه، وأن من ملك لسانه فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه."(23) فالدبلوماسي يجب أن لا يكون فضولياً ولا ثرثاراً، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، فهي ليست من أخلاق الإسلام، بل أخلاق مذمومة على المسلم الترفع عنها، وتجنب الوقوع فيها. 2- ترك التكلف في الفصاحة. هذا الدين مبناه على اليسر والسماحة، ومجانبة التكلف والتنطع، لما يجلبه من إدبار الناس عن المتكلف، ولما يورثه ذلك من إعجاب المتكلف بنفسه، فالأولى بالشخص الدبلوماسي أن يتجنب عبارات التكلف أثناء حديثه ومناقشاته، حتى لا يشعر السامع بالملل والامتعاض. 21 )انظر: إحياء علوم الدين، (3/138 . ) 22 )أخرجه البخاري في كتاب أمور الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ح: 11،انظر: صحيح البخاري، (1/11)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، ح: 41، وأبو داود(22 )في كتاب الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت؟ ح:2411، انظر: صحيح مسلم، (1/84) 23 )انظر: جامع العلوم والحكم، ص :224.
عدد الصفحات ١٤قال مسلم: حَداثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَداثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَا ثٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الأَْحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَِّ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَِّ " :هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ "(24) قَالَهَا ثَلاَثاا . (25) 2- العناية بطريقة الكلام وحسن البيان. إن طريقة كلام الدبلوماسي في خطابه أو مناقشاته، وبيان عباراته، من أنجع الوسائل لإظهار الحق والترغيب فيه، فهو يستحوذ على القلوب ويأخذ بمجامعها، وكم من حق خبا نوره وتلاشى أثره في النفوس؛ لسوء تعبير صاحبه، وكم من باطل راج وشاع بين الناس؛ لفصاح ة قائله وحسن بيانه. قال البخاري: حَداثَنَا عَبْدُ اللَّاِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّاِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّاُ عَنْهُمَا : أَناهُ قَدِمَ رَجُلاَنِ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النااسُ لِبَيَ انِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّاِ " :إِنا مِنَ البَيَانِ لَسِحْراا، أَوْ : إِنا بَعْضَ البَيَانِ لَسِحْرٌ . "(26) من فقه الحديث: قد ينجح (الدبلوماسي) في إيصال فكرته إلى قلوب الناس، من خلال نبره حديثه وانتقاءه للكلمات ذات الأثر الفعال في النفوس، يستجيش بفصاحتها وحسن بيانها العواطف والمشاعر والشجون، وقد يفشل إن لم يحسن الحديث بلغة فصيحة، فيضطرب صوته فيزهد الناس عن السماع له. قال الإمام الخطابي: " البيان اثنان: أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر ما دخلته الصنعة، بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب، وعلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته، ويصرفه عن وجهه، فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحق فيُمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم ."(27) المبحث الثالث: الأزمات الدبلوماسية وسبل علاجها .. الفطرة الإنسانية مجبولة على الهدوء والأناة في التعاملات الثنائية بين البشر، والإنسان بطبعه يبحث عما يسعده وتقر به نفسه، ويتجنب المتاعب والأزمات في شتى مجالات الحياة . ولكن ليس كل ما يتمنى الإنسان يجده بين يديه محققاً، فقد يأتي زمان تتغير فيه الأمور والأحوال، فما عليه إلا أن يستعد لهذا الزمان، ليتعامل معه بما أوتي من علم وحكمة وحلم. فالشخص (الدبلوماسي) يتمتع بموقع رفيع المستوى، محاط بالاحترام والإجلال والخدمة في جميع المجالات، في الدولة المضيفة له، لكن قد تطرأ تغييرات مفاجئة، تمس بالعلاقات الثنائية 24 )المتنطعون: هُمُ المُتعَمِّقون المُغالون فِي الْكَلاَمِ، المتكلِّمون بأقْصَى حُلوقهم . مَأْخُوذٌ مِنَ النِّطَعِ، وَهُوَ الغارُ الأعْلى مِنَ الفَم، ثُمَّ استُعْمِل فِي كُلِّ تَعَمُّق، قَوْلاً وَفِعْلاً .. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير(4/24 . ) 25 )أخرجه مسلم في كتاب العلم ، باب هلك المتنطعون ح:2821، انظر:صحيح مسلم(4/2144. ) 26 )أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب إن من البيان سحرا، ح:4228،انظر: صحيح البخاري، (2/131 ) 27 )انظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق د. محمد بن سعد آل سعود، دار مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، الطبعة الأولى سنة: 1417هـ،(2/112. )
عدد الصفحات ١٥بين البلدين، مما ينعكس سلباً على العلاقات الدبلوماسية التي تتأثر بها الصلاحيات، والإمكانيات الممنوحة للدبلوماسيين. ولذا كان للسنة النبوية دوراً أصيلاً في تربية السفراء والرسل على تحمل الصعاب، وتجلد الصبر، والتحلي بأخلاق الإسلام في مواجهة الأزمات وعلاجها (دبلوماسياً ) من أهمها: المطلب الأول: التخلق بالرفق والأناة. الرفق جماع الخير كله، ما خالط شيئاً إلا وأفاض عليه جمالاً وبهاءً، فالدبلوماسي مهما كان متحرياً في ألفاظه، وروعة أدبه، فليس في مأمن من سماع ما لا يحب من سيء القول ورديئه، من أشخاص يستهدفون الإساءة إليه، والتغليظ في وجهه، حقداً وحنقاً على دولته. ولهذا نبه النبي إلى أهمية تخلق السفراء والرسل بخلق الرفق والأناة والهدوء النفسي في مواجهة الأزمات، وعدم التسرع بالغضب أو التقول بما لا يليق بمقام السفراء والرسل . قال مسلم: حَداثَنَا عُبَيْدُ اللَِّ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَداثَنَا أَبِي، حَداثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمِقْدَامِ وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النابِيِّ ، عَنِ النابِي ، قَالَ: "إِنا الرِّفْقَ لَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ."(28) من فقه الحديث: الحديث فيه مدح وذم، وتحبيب وترهيب، أما المدح والتحبيب فهو في الرفق ، تاج الأمور كلها، وزينة المعاملة الطيبة وجمالها وتاج رأسها، فإن أعظم الزينة أجملها وأعلاها كتاج الرأس، فخلق الرفق هو تاج الأخلاق التي يتخلق بها المسلم، أما الذم والترهيب، في تحذيره من التسرع والغضب والتوتر، وردة الفعل من غير اتزان، فإن ذلك يوسم الأعمال بالنقص والعيب، فتشمئز منه النفس وتأباه . ولذلك هذا الخلق إن لم يتحلى به الدبلوماسي في كافة تصرفاته مع المسئولين وأصحاب القرار، قد يعرضه سوء تصرفه وتسرعه إ لى الوقوع في الأخطاء ربما تكون كارثية على شخصيته ودولته التي يمثلها في هذا القطر أو ذاك. قال البخاري : حَداثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّاِ، حَداثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَ نا عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّاُ عَنْهَا زَوْجَ النابِيِّ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّاِ ، فَقَالُوا: الساامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ : وَعَلَيْكُمُ الساامُ وَاللاعْنَةُ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُو لُ اللَّاِ " :مَهْلاا يَا عَائِشَةُ، إِنا اللَّاَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ " فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّاِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّاِ صَلاى اللَُّ عَلَيْهِ وَسَلامَ : " قَدْ قُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ ."(29) من فقه الحديث: في الحديث أعظم معاني الدبلوماسية في التعامل مع الطرف الآخر الذي يضمر الحقد والحسد والبغضاء ويظهرها بصورة خفية، فالنبي الذي علمه ربه يرشد الأمة بأسلوب الحكمة والأناة 28 )أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل الرفق، ح: 2474، انظر: صحيح مسلم ، (4/2114. ) 29 )أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: الرفق في الأمر كله ، ح:8124.، انظر: صحيح البخاري، (1/12)، ومسلم في كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام...ح:2184، انظر: صحيح مسلم، (4/1218. )
عدد الصفحات ١٦