69 قال الألوسي الجمع الغفير من أن ما بين اللوحين الآن موافق لما في اللوح من القرآن، وحاشا أن يهمل ﷺ أمر القرآن وهو نور نبوته وبرهان شريعته، فلا بدَّ إما من التصريح بمواضع الآي والسور وإما من الرمز إليهم بذلك، وإجماع الصحابة في المآل على هذا الترتيب وعدولهم عما كان أولاً من بعضهم على غيره من الأساليب وهم الذين لا تلين قناتهم لباطل، ولا يصدهم عن اتباع الحق لومة لائم ولا قول قائل أقوى دليل .)1(على أنهم وجدوا ما أفادهم علماً، ولم يدع عندهم خيالاً ولا وهماً الله) أما حديث يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ قَالَ: إني عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي 4 عنها إِذْ جَاءَهَا عراقيٌّ فَقَالَ: أيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ؟! قَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ. قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آي السُّوَرِ). هذه القصة وقعت بعد ترتيب القرآن الذي أجمعت الأمة عليه وأرسل أولاً: عنه المصاحف للأمصار، بدليل أن الذي حدَّث به عن عائشة هو اللهعثمان رضي يوسف بن ماهك، وقد كان عند عائشة عند مجيء ذلك العراقي، ويوسف تابعي لم يدرك زمان إرسال عثمان للمصاحف، قال ابن حجر : كأن قصة هذا العراقي كانت قبل أن يرسل )2(فإنه يقرأ غير مؤلف ). 27/1 روح المعاني )1( هو:إسماعيل بن عمر بن كثير الإمام الفقيه المحدث، أبو الفداء عماد الدين، حافظ، ومفسر، مؤرخ، )2( ). انظر: معجمهـ 744فقيه، صاحب )،.445/1)، والدرر الكامنة198المحدثين للذهبي (ص
عدد الصفحات ٤٩70 عثمان المصحف إلى الآفاق كذا قال، وفيه نظر فإن يوسف بن ماهَك لم يدرك زمان إرسال عثمان المصاحف إلى الآفاق فقد ذكر المزي أن روايته عن أبي بن كعب مرسلة، وأبي عاش بعد إرسال المصاحف على الصحيح، وقد صرح يوسف في هذا الحديث أنه كان عند عائشة حين سألها هذا العراقي، والذي يظهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه كما سيأتي بيانه بعد الباب الذي يلي هذا، فكان تأليف مصحفه مغايراً لتأليف مصحف عثمان، ولا شك أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره، فلهذا أطلق العراقي أنه غير .)1(مؤلف سؤاله لعائشة الظاهر أنه كان فيما يتعلق بترتيب السور وتأليفها، كما قال ثانياً: ابن حجر . وليس ترتيب الآيات، لأن ترتيب الآيات لا يمكن أن )2(يضرك أيه قرأت قبل تقول له عائشة: (وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ) لحرمة ذلك بالإجماع كما سبق بيانه، وقد بينت له بأن قراءة سورة قبل سورة لا يقع عليه ضرر أو محظور شرعي فهو يفيد أنها لا ترى القراءة على ترتيب المصحف أمراً لازماً، وهو الصحيح، وليس الحديث عن ترتيب السور في المصحف. « ثالثاً قولها له لقوله في آخر الحديث ). 41 - 39/9 انظر: فتح الباري )1( .)41 - 39/9 انظر: فتح الباري )2(
عدد الصفحات ٥٠71 سورة كذا مثلاً كذا كذا آية الأولى كذا الثانية. وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري، وقد اعتنى أئمة القرَّاء بجمع ذلك اللهوبيان الخلاف فيه، والأول أظهر ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين، و .)1(أعلم ) أما دعواهم أنه لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي ﷺ لظهر وفشا ونُقِلَ 5 مثلُه، وأن في العلم بعدم ذلك النقل دليلاً على عدم التوقيف فيجاب بأن عدم النقل ليس دليلاً على عدم وجود النص، بل إن إجماع الصحابة على هذا الترتيب دليلٌ على وجود النص بالتوقيف؛ لأنهم لا يُجمعون على خلاف ، وقد جاءت الروايات الصحيحة عن ترتيب القرآن بما يرجح أن إجماعهم قام )2(السنة على السنة، والأدلة التي أوردها من يقول إن إجماعهم تمَّ عن اجتهاد فهي إما واهية من حيث السند، أو خالية من وجوه الاستدلال في محل النزاع كما سبق بيان ذلك. ) وأما الفريق الثالث القائل بالتفصيل، فيجاب بنفس الأجوبة، إذ لم يأت 6 بدليل جديد، كما يَرِدُ عليهم أيضاً أنَّ العلم بتوقيف البعض يدل على التوقيف في الكل، إذ لو علم الصحابة التوقيف لَما فاتَهم أن يسألوا عن كل سورة بعينها، والنبي وحاشاهم - مقصرين في حفظ القرآن.– ﷺ حَيٌّ بين أظهرهم، وإلا لكانوا وخلاصة القول بأن ترتيب السور توقيفي من النبي ﷺ، والقرآن الكريم روعي في نزوله منجماً نشأة الدعوة الإسلامية وتطورها، والأحداث العظيمة التي مرت بها بصورة جعلت القرآن يلامس ذلك الواقع خطوة خطوة، يقدِّم له الدواء المناسب )، والإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة 27/1)، وروح المعاني 32/9 انظر: فتح الباري )1( .)73/1)، وكتاب جمع القرآن179/1القرآن ). 322 انظر: الرسالة للإمام الشافعي (ص )2(
عدد الصفحات ٥١72 في كل مرحلة، حتى تم تشييد صرح الإسلام في صورة جمعت من الحكم ما يفوق عقول الخلق إدراكها، ثم رتب في آياته وسوره بعد اكتمال نزوله لحكم ومعجزات وجوانب أخرى غير التي روعيت عند نزوله، وهو ترتيب آخر يحمل من الحكم والروعة والجمال بما جعله طوداً شامخاً للأجيال أن تحيط بكُنْهِه؛ ولذلك من لا يرى توقيف الترتيب أو من لا يرى في اختلاف الترتيبين حكم ومعجزات فقد المنير، والذين أقبلوا على تدبر ذلك بعد إقرار اللهحرم نفسه من بعض أنوار كتاب بالتوقيف وتيقنوا من وجود حكم في ذلك جاءوا إلينا بالعجيب الذي يبهج النفوس ويمتع العقول، فسبحانه العليم الحكيم، ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلاف الهدف المقصود من كلا الترتيبين إقناع بعقيدة، وطريقة تبشير وإنذار، ودحض كامل لمنطق الإلحاد، وهو في ترتيبه المصحفي أسلوب حياة، وبناء حضارة، ودستور للعالم كله، محيط بكل صغيرة وكبيرة من حاجاته ومطالبه، أحكم ترتيبه من هذه الوجهة، ليكون هداية للمؤمنين... ولو أنه جُمِعَ ورُتِّبَ على حسب ترتيب نزوله لفهم بعض الناس أن آياته خاصة بحوادثها، أو أنه حلول وقتية للمشكلات التي كانت على عهد الرسول ﷺ فحسب، تعالى يريد كتابه عاماً خالداً لا يختص بعصر دون عصر، ولا بقوم دون قوم، اللهو لذلك اقتضت الحكمة أن يرتب ترتيباً يحقق هذا العموم، وهذا الخلود، ويبتعد عن .)1(الترتيب الزمني الذي نزل به، لحكمةٍ كانت مناسبة حين نزوله ). 4،3/1 المناسبات د. سامي عطا حسن )1(
عدد الصفحات ٥٢73 المبحث الثالث حكم التزام ترتيب السور حكم الالتزام بترتيب السور ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: في كتابة المصاحف: التزام الترتيب الذي عليه المصاحف العثمانية، المبدوءة بسورة الفاتحة المختومة بسورة الناس؛ بحيث تكون كل سورة في موضعها من المصحف عند كتابة القرآن الكريم من الأمور الواجبة التي تحرم مخالفتها؛ وذلك للآتي: ) لأنه من خلال ما سبق من دراسة مستوفاة ظهر لنا يقيناً أن ترتيب السور توقيفي 1 من النبي ﷺ عن جبريل عليه السلام عن رب العزة ) لأنه مما أجمعت عليه الصحابة، وإجماعهم حجة ملزمة لمن جاء بعدهم إلى 2 يوم الدين؛ فإنَّ إجماعهم تمَّ عن علم تام، ونحن مأمورون باتباع الصحابة منهيون عن مخالفتهم، قال تعالى: ﴿ .]100[ عنه، واتباعه مماالله) لأنه مما فعله وأقرَّه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي 3 أمر به الوحي كما جاء ذلك في حديث العِرْباض بن سارية وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثاتِ .)1(الأُمُورِ، فإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ )، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه 2676)، والترمذي برقم4607 رواه أبو داود برقم )1( .)17182)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، وأحمد في المسند برقم42برقم
عدد الصفحات ٥٣74 الحديث على أن لهم سنة يجب « :)1( قال شيخ الإسلام ابن تيمية .)2(اتباعها ) لأنه مما مضت عليه الأمة والتزمته في قرونها الماضية ولم يخالف في ذلك 4 واحد من علمائها وفضلائها ) لأن مخالفتهم تفتح باب فتنة لا يقفل في الأمة، ويمس من قداسة القرآن وكرامته 5 .)3(وعظمته ومنزلته ) لأن ترتيبه بغير هذا الترتيب الذي عليه المصاحف غير ممكن كترتيبه حسب 6 النزول كما يدعو لذلك بعض الجهلاء؛ لأن السورة لم تكن تنزل في الغالب جملة واحدة بل قد يمتد نزول السورة الواحدة أزيد من عشر سنوات كسورة البقرة، كما لم تكن تنزل آيات من سورة ثانية أو ثالثة إلا بعد أن يكتمل بناء السورة السابقة، ولم تصحَّ روايات قاطعة في ترتيب جميع سور القرآن وآياته، فكيف يمكن أن يتم ترتيبه مع ذلك حسب النزول. قال القاضي أبو بكر نظم السور على المكي والمدني لم يدر أين يضع الفاتحة لاختلافهم في موضع نزولها ويضطر إلى تأخير الآية في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى .)4(رأس الأربعين، ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به القسم الثاني: ترتيب السور في الصلاة والتلاوة: أما ترتيب السور في التلاوة فهذه فيها تفصيل: هو: شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين بن تيمية، من بحور العلم وأوعيته، )1( .)520/1). انظر: طبقات الحفاظ للسيوطيهـ728توفي سنة ). 410،409،396/13 مجموع الفتاوى )2( .)358/1 مناهل العرفان )3( .)329/1 البرهان في علوم القرآن للزركشي )4(
عدد الصفحات ٥٤75 )1( أن ترتيب السور في التلاوة ليس واجباً إنما هو مندوب. قال النووي الأول: في كتابه التبيان ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب، وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها ﴾حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة ﴿ يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة. قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد المشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة ﴾،يقرأ في الأولى سورة (السجدة) وفي الثانية ﴿ ﴾، وركعتي سنة الفجر في وصلاة العيد في الأولى (ق) وفي الثانية ﴿ ﴾، وركعات الوتر في الأولى ﴾ وفي الثانية ﴿الأولى ﴿ ﴾ ﴾، وفي الثالث ﴿﴾ وفي الثانية ﴿ ﴿ والمعوذتين، ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جاز، فقد جاءت بذلك آثار كثيرة، وقد قرأ عمر بن الخطاب عنه في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي الثانية بيوسف، وقد كره اللهرضي جماعة مخالفة ترتيب المصحف، وروى ابن أبي داود عن الحسن: أنه كان يكره أن .)2(يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف أنه لو خالف ذلك الترتيب من حيث الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى الثاني: أو خالف الترتيب فقرأ سورة قبلها جاز فقد جاءت بذلك الأحاديث والآثار الكثيرة، عنه قَالَاللهمن ذلك حديث حذيفة رضي هو: يحيى بن شرف بن مُري الشافعي النووي، الإمام الفقيه الحافظ، صاحب التصانيف المباركة )1( ). انظر: طبقات الشافعية هـ676ومنها ). 395/8الكبرى ). 37/1 التبيان في آداب حملة القرآن للنووي )2(
عدد الصفحات ٥٥76 الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِى رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ . وقد )1(يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً روى البخاري تعليقاً عن الأحنف: أنه قرأ في الأولى بالكهف، وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذكر أنه صلى مع عمر بن الخطاب الصبح بهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن تكون مرتبة على حسب الترتيب الموقوف عليه في المصحف، بل إنما يجب تأليف سوره في الرسم والخط خاصة، ولا يعلم أن أحداً منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يحلُّ لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة ولا الحج قبل عنها للذي سألها: لا يضرك أيه قرأت قبل، اللهالكهف، ألا ترى قول عائشة رضي وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير .)2(السورة التي تليها تعليم القرآن للصبيان وغيرهم من آخر المصحف إلى أوله فقد قال الثالث: ، وقد جاء في )3( أعلماللهالنووي عنهما - جَمَعْتُ اللهصحيح البخاري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي ، وهذا )4(ِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا الْمُحْكَمُ؟ قَالَ: الْمُفَصَّلُ اللهالْمُحْكَمَ في عَهْدِ رَسُولِ يبين هدي النبي ﷺ في تعليم الصبيان من المفصل. ). 17 تقدمه تخريجه (ص )1( .)61/1 تفسير القرطبي )2( .)37/1 التبيان في آداب حملة القرآن )3( .)5036 رواه البخاري في صحيحه كتاب: فضائل القرآن، باب: تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ برقم )4(
عدد الصفحات ٥٦77 الخاتمة وقد اشتملت على نتائج البحث وتوصياته التي خلصت إليها هذه الدراسة: أ - نتائج البحث: من خلال تلك الدراسة توصل الباحث إلى النتائج التالية: ) موضوع ترتيب السور الخلاف فيه قديم، وقد نسب كل قول من المذاهب 1 الثلاثة إلى الجمهور، والذي توصل إليه الباحث واطمأنت إليه نفسه بعد تحقيق وتحرير أن ترتيب سور القرآن توقيفي من النبي ﷺ، سمعه الصحابة من النبي اللهﷺ بهذا الترتيب، وجمعت عليه المصاحف في عهد أبي بكر وعثمان رضي عنهما، وليس هو من الأمور الاجتهادية؛ وذلك لأنه لو تمَّ باجتهاد لنقل إلينا على أي أسس بني ذلك الاجتهاد، إذ إن أمر الاجتهاد دائماً يلحق فيه النظير بالنظير، ولا تجد تعليلاً واضحاً تحمل عليه الاجتهاد لا من حيث النزول، ولا من حيث الطول، ولا من حيث الأشباه والنظائر في فواتح السورة، ولا غير ذلك، كما أن الصحابة الذين حرصوا على اتباع أثر الرسول ﷺ في كلِّ شيء ولم يبدلوا تبديلاً عما كان عليه لم يكن لهم مخالفة صورة ما سمعوا عنه، وهذا هو الأحرى عنهم، وقد جاءت الأدلة التي تؤكد أنهم جمعوه على وفق ما اللهبهم رضي سمعوه عن النبي ﷺ، والذي استدل به الفريق الثاني والثالث ليس لهم دليل يثبت المخالفة للترتيب النبوي إلا حديث عثمان الذي جاء ذكر الاجتهاد فيه في سورتي الأنفال والتوبة، وبعد الدراسة والنظر بَيّنّا ما في الحديث من ضعف يسقط الاستدلال به من حيث السند في وجه تعارضه مع الأدلة الصحيحة، وكذلك ما فيه من تناقض واضطراب يسقط الاستدلال به من حيث المتن إن صح كما ذكر ذلك ابن عطية.
عدد الصفحات ٥٧78 ) القول بالتوقيف هو قول جمهور العلماء منهم: أبو جعفر النحاس، وابن 2 الحصار، وأبو عمر الداني، والكِرْمانيّ، والبغوي، وابن الزبير، والطيبي، وبدر الدين الزركشي، وولي الدين المَلَوي، وأبو بكر الأنباري القاضي أبو بكر بن الطيب في أحد قوليه، ومال إليه ابن حجر في الفتح بعد أن قال بالتوقيف ما عدا الأنفال والتوبة ذكر في موضع آخر أنه توقيفي إذ قال ترتيب المصحف كان توقيفياً ذكر حديث وفد بني ثقيف. ثم قال: فهذا يدل . )1(على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي ﷺ وانتصر إليه من المعاصرين عدد من العلماء، خلافاً لمن نسب القول الثاني والثالث إلى الجمهور، ولأن الذين قالوا بالاجتهاد في الغالب لم يثبتوا على قول واحد، وليسوا على فهم واحد في الاجتهاد فمالك رأيه اجتهاد قائم على دليل غير صريح، والباقلاني له أكثر من قول، والبيهقي وابن العربي والسيوطي يرون أنه توقيفي ما عدا سورتي الأنفال وبراءة، ولم يقطع ابن عطية بشيء في ما رتب بالاجتهاد. ) الالتزام بهذا الترتيب في كتابة المصاحف من الأمور الواجبة على الأمة تحرم 3 مخالفته، وقد رجح من خلال هذا البحث أنه توقيفي، وهو مما أجمعت عليه عنه؛ ولأنه يفتح باب فتنة في الأمة، ويمس من اللهالأمة في عهد عثمان رضي قداسة هذا الكتاب، ولا يمكن أن يتم ترتيبه على أي كيفية أخرى لعدم وجود أدلة عليه، وهي دعوات باطلة لا تخرج إلا من عقول فارغة أو صاحب نية خبيثة، كما أن الالتزام بهذا الترتيب في التلاوة والصلاة من الأمور المندوبة وتجوز مخالفته، كما تجوز مخالفته في التعليم كالبداية بقصار المفصل. ). 54/9 فتح الباري )1(
عدد الصفحات ٥٨79 ) القول بالتوقيف لترتيب السور يدعو إلى التمسك به والتشديد في المحافظة 4 عليه، ويجعل كلَّ ما يتعلق بالقرآن متواتراً عن النبي ﷺ تلاوة ورسماً وترتيباً، مما يترتب عليه الصيانة الكاملة للقرآن من التحريف والتبديل بين جيل وجيل. ) هذا الترتيب التوقيفي للقرآن الكريم يحمل من الأسرار والمزايا والحكم الشيء 5 الكثير الذي لا تتصور العقول كنهه، ولن تستطيع أن تسبر أغواره، وسيظل طوداً شامخاً أمام العلماء ما بقي هذا الكتاب بين أيديهم، وسيظل موضوع المناسبات بين السور من الموضوعات التي تظهر قدرات العلماء في النظر والتأمل، ويبرهن على عظمة هذا الكتاب المجيد الذي قالت عنه الجن: ﴿ * .]2 – 1[﴾ ب - توصيات البحث: ومن خلال النتائج السابقة التي توصل إليها الباحث يوصي بما يلي: ) إظهار قوة القول الذي يقول بتوقيف الرسم، وبيان ضعف الأقوال الأخرى 1 بين أبناء الأمة؛ لما يدخله من شكوك حول تأليف القرآن الذي هو وجه من أوجه إعجازه، وما يمكن أن يفتحه القول بالاجتهاد من منافذ للفتنة ، فتجد الأصوات التي تنادي بتغيير ترتيب المصحف اللهوالطعن في كتاب مستنداً لدعواها. ) العناية الكبيرة بالمناسبات بين السور، ومواصلة تلك الجهود العظيمة التي بدأ 2 مشوارها بعض السلف وما زال العلماء كلَّ يومٍ يقدِّمون لنا من الأسرار الباهرة والحكم الناضرة بما يبهج العقول ويسكن النفوس لكلام العزيز الحكيم.
عدد الصفحات ٥٩80 ) التصدي لأي دعوة تنادي بمخالفة هذا الترتيب، مع بيان ما فيها من ضعف 3 وهوى وانحراف ) السعي الجاد من قبل الباحثين لتحقيق كثير من مباحث علوم القرآن التي في 4 عز وجل، خاصة وقد جاءت الكتابات في هذااللهخدمتها خدمة مباشرة لكتاب العلم وتحرير مباحثه متأخرة.
عدد الصفحات ٦٠81 فهرس المراجع ) القرآن الكريم. 1 ) إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، لأحمد بن أبي بكر بن إسماعيل 2 البوصيري، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن سعيد، وأبو إسحاق السيد بن ).هـ1419إسماعيل. ط: دار الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ) إتقان البرهان في علوم القرآن، لفضل حسن عباس. ط: دار الفرقان، عمان 3 م1997الأردن، الطبعة الأولى ) الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، 4 تحقيق مركز البحوث والدراسات بمكتبة نزار مصطفى الباز. ط: مكتبة نزار م).1996 - هـ1417مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى بن العربي، تحقيق محمد الله) أحكام القرآن، لابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد 5 عبد القادر عطا. ط: دار الفكر للطباعة، بيروت، بدون ) أسرار ترتيب القرآن، لعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي أبو الفضل، 6 القاهرة، بدون تاريخ– تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، الناشر: دار الاعتصام ) الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره، للدكتور محمد أحمد 7 م1979 - هـ1399يوسف القاسم، الطبعة الأولى ) الأعلام، لخير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي، 8 م1997ط: دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية عشر ) الإمام البقاعي ومناهجه في تأويل بلاغة القرآن، لمحمود توفيق محمد سعد 9 أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف ).هـ1424)،1شبين الكوم، ط: مكتبة وهبة، القاهرة، ط
عدد الصفحات ٦١82 ) إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ، لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي 10 ابن حجر العسقلاني، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان، ط: دار الكتب م).1986 - هـ1406)،2العلمية، بيروت، ط ) بحر العلوم، لنصر بن محمد بن أحمد أبو الليث السمرقندي، تحقيق د. محمود 11 مطرجي، ط: دار الفكر، بيروت، بدون ) البحر المحيط في التفسير، لمحمد بن يوسف أبو حيان الأندلسي، طبعة 12 م1992 - هـ1412جديدة بعناية زهير جعيد، ط: دار الفكر، بيروت ) البداية والنهاية، لإسماعيل بن عمر بن كثير، ط: مكتبة المعارف، بيروت، 13 بدون تاريخ ) البرهان في تناسب سور القرآن، لأحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، تحقيق 14 د. سعيد بن جمعة الفلاح، طبعة: دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة الأولى ).هـ1428( الزركشي، تحقيق الله) البرهان في علوم القرآن، لمحمد بن بهادر بن عبد 15 .)هـ1391محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار المعرفة، بيروت، ط ، الله) البرهان في متشابه القرآن، لمحمود الكرماني، تحقيق: أحمد خلف 16 .)هـ1417)،2ط: دار صادر، بيروت، ط ) بصائر ذوي التّمييز في لطائف الكتاب العزيز، لمجد الدين محمد بن يعقوب 17 الفيروزابادي، تحقيق الأستاذ محمد على النجار، ط: المكتبة العلمية، بيروت، الطبعة بدون تاريخ. ) البيان في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره، للدكتور 18 سليمان بن صالح القرعاوي، والدكتور محمد بن علي الحسن، ط: مكتبة م).1994 - هـ1415) الثانية2الظلال، الأحساء، السعودية، ط
عدد الصفحات ٦٢83 ) تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، 19 لأبي الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي، تحقيق: الترزي، وحجازي، م).1965والطحاوي، والعزباوي، ط: مطبعة حكومة الكويت، عام ) تاريخ أسماء الثقات، المؤلف: لعمر بن أحمد أبو حفص الواعظ، تحقيق: 20 هـ1404الكويت، الطبعة الأولى،– صبحي السامرائي، الناشر: الدار السلفية م).1984 – ) تاريخ القرآن الكريم وغرائب رسمه وحكمه، لمحمد طاهر عبد القادر 21 م1953الكردي، ط: مصطفى الحلبي، الطبعة الثانية البخاري الجعفي، الله) التاريخ الكبير، لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد 22 تحقيق: السيد هاشم الندوي، الناشر: دار الفكر، بيروت، بدون ) التبيان في آداب حملة القرآن، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، حققه 23 وعلق عليه محمد الحجار، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية م).1990 - هـ1410( ) تذكرة الحفاظ، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبى، دراسة وتحقيق: زكريا 24 م1998 - هـ1419( )1عميرات، ط: دار الكتب العلمية بيروت، ط ) التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن محمد الغرناطي الكلبي، ط: 25 م1983 - هـ1403دار الكتاب العربي، بيروت. الطبعة الرابعة، سنة ) تفسير التحرير والتنوير، للإمام محمد بن الطاهر عاشور، ط: دار سحنون، 26 تونس، بدون ) تقريب التهذيب، للعلامة أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني 27 الشافعي، تحقيق: محمد عوامة، ط: دار الرشيد، سوريا، الطبعة الأولى، م).1986 – هـ1406(
عدد الصفحات ٦٣84 ) تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، 28 م1984 – هـ1404الناشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ) الثقات، لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، تحقيق: السيد 29 م1975 – هـ1395شرف الدين أحمد، الناشر: دار الفكر، الطبعة الأولى، ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن 30 .)هـ1405خالد الطبري، ط: دار الفكر، بيروت ) الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تحقيق محمد 31 إبراهيم الخناويِّ ومحمود وحامد عثمان، ط: دار الحديث، القاهرة، طبعة م).2002 - هـ1423( ) الجرح والتعديل، لعبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد 32 الرازي التميمي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، م).1952( ) جمع القرآن الكريم حفظاً وكتابةً، أ. د. علي بن سليمان العبيد، مصدر 33 .httb://www.al-islam.comالكتاب: موقع الإسلام ).هـ1345) جمهرة اللغة، لابن دريد، ط: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية 34 ) الحديث في علوم القرآن والحديث، للشيخ حسن أيوب، ط: دار السلام، 35 م2002 - هـ1422القاهرة، الطبعة الأولى ) دراسات في علوم القرآن للأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن بن سليمان 36 م2000 - هـ1421الرومي، مكتبة التوبة، الرياض، الطبعة التاسعة ) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لشهاب الدين أحمد بن علي بن محمد 37 ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عبد المعين ضان، ط: مجلس دائرة م).1972 - هـ1392)،2المعارف العثمانية، حيدر أباد، ط
عدد الصفحات ٦٤