173 لم يعملوا خيرا قط هؤلاء عتقاء الله الذين أ دخلهم الجنة بغير عمل عملوه. فقالوا: إذا لم يكن لهم عمل خير قط فما الذي بقي معهم؟ والجواب –كما يزعمون- أنه بقي معهم التصديق فقط ونفعهم دون النظر في العمل، لأن حقيقة الإيمان –كما يزعمون- لم تتوقف على العمل. ومن الشبهات التي تعلق بها المرجئة أيضا على أن العمل ليس من الإيمان قولهم: إن الكفر ضد الإيمان فحيثما ثبت الكفر نفي الإيمان، والعكس. ومنها ما جاء في نصوص كثيرة فيها عطف العمل على الإيمان. ومن أدلة الأحناف على أن الإيمان قول واعتقاد فقط، وأن الأعمال ليست داخلة فيه وإنما هي شرائع الإسلام فإذا عمل معصية نقص من شرائع الإسلام وليس من التصديق بالإسلام – من أدلتهم على ذلك قولهم: إن الإيمان في اللغة المقصود به التصديق فقط، والعمل بالجوارح لا يسمى تصديقا فليس من الإيمان. لو كانت الأعمال من الإيمان والتوحيد لو جب الحكم بعدم الإيمان لمن ضيع شيئا من الأعمال، وفي ذلك يقول أبو حنيفة في كتابه الوصية: ثم العمل غير الإيمان، والإيما ن غير العمل، بدليل أن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل من المؤمن ولا يجوز أن يقال يرتفع عنه الإيمان، فإن الحائض ترتفع عنها الصلاة، ولا يجوز أن يقال: ارتفع عنها الإيمان، إلى غير ذلك من النصوص التي استدل بها المرجئة عموما والأحناف بخصوصهم، والتي فهموا منها ما يدل على صحة مذهبهم، ثم نتج عن صنيعهم هذا تضارب الأدلة في مدلولاتها -أمامهم- لعدم وقوفهم على ما تقتضيه من الفهم السليم الذي هدى الله إليه أهل السنة، بل ذهبت كل طائفة من طوائف المرجئة الكثيرة إلى الاستدلال لما تزعمه بنصوص قد لا تستدل بها الطوائف الأخرى.
عدد الصفحات ٧٩٩174 قال ابن أبي العز الحنفي: "فمن أدلة الأصحاب لأبي حنيفة رحمة الله: أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، قال تعالى برا عن إخوة يوسف: وما أنت بمؤمن لنا(1) أي بمصدق لنا، ومنهم من أدعى إجماع أهل اللغة على ذلك، ثم هذا المعنى اللغوي - وهو التصديق بالقلب-هو الواجب على العبد حقا لله، وهو أن يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله، فمن صدق الرسول فيما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى. والإقرار شرط إجراء أحكام الإسلام في الدنيا، هذا على أحد القولين كما تقدم. ولأنه ضد الكفر وهو الت كذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما، وقوله: إ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (2 )يدل على أن القلب هو موضع الإيمان لا اللسان، ولأنه لو كان مركب من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه، ولأن العمل قد عطف على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة، قال الله تعا { :لى(3)،وغيرها في مواضع من القرآن" (4.) الرد على أدلة المرجئة والواقع أن تلك النصوص التي تقدمت في استدلال المرجئة على إخراج العمل عن حقيقة الإيمان لا يسلم لهم فهمهم لها من أنها على إخراج الأعمال الظاهرة عن أعمال القلب، فإن إيمان القلب وإن كان الأساس وعليه الاعتماد الأول ولكن لا ينفي هذا أثر إيمان القلب يظهر على الجوارح بل هو الحق، والنصوص كما هو الواضح منها لا تدل على تصديق القلب وحده، وإنما تدل على أن الإيمان له دلالات لا تتضح إلا بالأعمال الظاهرة، والذين أحجموا عن إدخال الأعمال الظاهرة في حقيقة الإيمان نتج عن ذلك تساهل عندهم في الحكم حتى على الفجار الذي لا شك في ظهور فجورهم. فتجد منهم من لا يكفر بالأعمال الظاهرة حتى وإن كانت توحي بكفر صاحبها علانية، فهم لا يجرءون على تكفيره حتى يتأكدوا من مصداقية قلبه بالإيمان، لأنه لو صدق بشعائر الإ سلام فلا يكفر مهما عمل إلا إذا ارتفع التصديق عن قلبه ف هنا يجرءون على تكفيره. (1) سورة يوسف 17 (2) سورة النحل 106 (3) سورة البقرة 25. (4) شرح الطحاوية ص 319.
عدد الصفحات ٨٠٠175 وهذه نتيجة طبيعية بالنسبة لهم بعد أن أغفلوا ارتباط الأعمال بإيمان القلب والحق أن الفعل المكفر يكفر به صاحبه إذا كان الفعل نفسه يوحي الشرع في الكتاب أو السنة أو إجماع علماء الأمة بكفر فاعله، إذ لو لم يكفر قلبه أولا لما كفرت جوارحه، فمن سب الله أو رسوله أو فضل القوانين الوضعية على الشرعية الإسلامية وقدمها عليها أو غير ذلك من الأمور المعلومة من دين الإسلام بالضرورة -فإنه لا يحتاج لتكفيره إلى مساءلته هل هو مصدق بالإيمان أم لا، لأن فعله شاهد عليه بعدم التصديق، أو أن تصديقه مثل تصديق إبليس بربه وباليوم الآخر، فهل نفعه ذلك؟ فكذلك هؤلاء، إلا أن يأتي أحدهم بمخرج له في ذلك معتقدا صحته. قال شيخ الإسلام –رحمة الله - عنهم: "فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي، قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكل م بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر - ليس هو كفر في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على كفره، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله موحدا له مؤ منا به، فإذا أقيمت عليه الحجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنا وظاهرا قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطني، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك" (1.) ومن استند منهم إلى إخراج الأعمال عن حقيقة الإيمان بما استنبطه مما جاء في القرآن الكر من إسناد الإيمان إلى القلب فقط، كقول الله تعا القلوب(2.) وقوله تعا{(3.) وقوله تعا(4 .) وقوله تعا(5.) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين منزلة الإيمان وضده من القلب، من استند منهم إ ذلك فقد أخطأ الفهم، فليس المراد م نها إخراج العمل وإغفاله عن إيمان القلب، فإن من أنكر (1) انظرمجموع الفتاوي 7/557. (2) سورة الحج 32. (3) سورة ق 33. (4) سورة الحديد 16. (5) سورة البقرة 10.
عدد الصفحات ٨٠١176 تلازم الأعمال الظاهرة بأعمال القلوب وقال: إن الإيمان هو المعرفة فقط فهو جهمي، وكذا من قال: إنه التصديق فقط مثل الأشاعرة فقد تجهم، إذ لا فرق بين دعوى المعرفة ودعوى التصديق فقط-وكلاهما من دون عمل، وما ذكره بعض الأشاعرة من التفريق بينهما فإنه نصرة لمذهبهم فإن كلتا الطائفتين تلتقي على إخراج الأعمال عن حقيقة الإيمان، فيبقى النزاع في التفرقة بين المعرفة والتصديق المجرد عن العمل غير واضح، فإن المعرفة والتصديق موضعهما القلب، والعمل الظاهر دليل ذلك ولازم له. وقد كفر أئمة العلم من قال بقول جهم: إن الإيمان هو التصديق فقط. فظهر أن تلك الآيات لا تدل على نفي دخول الأعمال في حقيقة الإيمان، بل غاية ما فيها التركيز على أهمية الإيمان القلبي الذي بدوره يثمر الإيمان بالقيام بأعمال الشرع الظاهرة، أو أنها أسندت إلى القلوب باعتبار أنها هي المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. وأما ما استدل به المرجئة من النصوص التي تدل على أن من اجتنب الشرك دخل الجنة -سواء كانت تلك النصوص من القرآن الكر يم أو من السنة النبوية فإن الجواب على ذلك: "إن هذه النصوص تفيد أن من لم يقع في الشرك مع التوبة والقيام بأمر الله والانتهاء عن نهيه - أن الله يغفر له الذنوب التي هي دون الشرك، فإذا مات على بعض الذنوب يرجى له المغفرة ابتداء، أو يعاقبه الله بذنبه ثم يدخله الجنة، كما هو مذهب السلف في أهل الذنوب حسب ما تفيده النصوص من الكتاب والسنة. كما أنه لا يقع من شخص عرف التوحيد وأخلص لربه أنه لا يأتي بالأعمال الأخرى التي أوجبها الإسلام، بحيث يكتفي بابتعاده عن الشرك ثم يركن إلى ذلك لدخوله الجنة، فاتضح أن هذه الآيات لا تدل عن إغفال العمل والاقتصار على المعرفة أو التصديق بالقلب أن هذه الآيات لا تدل على إغفال العمل والاقتصار على المعرفة أو القلب كما يرى المرجئة، بل هي واردة في حكم من مات تائبا أو لم تكن عليه معاص، أو كانت عليه معاص ومات على التوحيد، بحيث كان آخر كلامه في الدنيا: لا إله إلا الله".
عدد الصفحات ٨٠٢177 وما فهموه من قو ل الرسول صلى الله عليه وسلم:"التقوى ها هنا" بأن الإيمان والكفر محلهما القلب، ولا عبرة بعمل جارح - فهو فهم غير سديد من جهة نفي دخول الأعمال الظاهرة إذا لم تثمر القيام بأعمال الإيمان الظاهرة فهي ليست تقوى صحيحة. وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن الإيمان هو مجرد التصديق و الإقرار بالقلب فقط دون أن يرى أثر ذلك في الأعمال كلها. وقد جرهم إلى هذا الفهم أمر لم يتقبلوه وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرة يعبر عن الإيمان بأعمال القلب ومرة بأعمال الجوارح ومرة بكليهما، فمن وقف على جانب دون آخر من هذه المراتب فقد قصر ولم يلتزم الحق واختلط الأمر عليه، وأما حديث الجارية الذي استدل به المرجئة على مذهبهم أن ترك العمل لا ينافي الإيمان، فإن المراد من شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالإيمان-أي الإيمان الظاهر- الذي تجري بموجبة الأحكام الدنيوية لا الإيمان الحقيقي الكامل. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن إيمان هذه الجارية ليس مثل إيمان كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة السابقين، وإنما أراد الإيمان الظاهر الذي يميز المسلم عن الكافر ابتداء في المعاملات الدنيوية، ولو أن الرسول صلى الله عليه وسلم اكتفى بسؤالها عن الإيمان فقط بأن قال لها: هل أنت مؤمنة وسكت لكان فيه نظر للمرجئة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم سألها عن أشياء أخرى فقد قال لها: "أتشهدين أن لا إله إلا الله. قالت: نعم. قال: أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أعتقها"(1.) وهذه كلها من أعمال الإيمان الباطنة والظاهرة أيضا . قال شيخ الإسلام عن تمسك المرجئة بهذا الحديث: "وهذا لا حجة فيه، لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة" (2). فظهر أن هذه الأسئلة يريد الرسول صلى الله عليه وسلم من ورائها معرفة منزلة هذه الجارية من أحكام الإسلام، وهل (1) الموطأ ص666. (2) انظر: مجموع الفتاوي 7/209-416.
عدد الصفحات ٨٠٣178 تستحق أن يطلق عليها اسم الإيمان أم لا. وليس المقصود أنها بلغت في إيمانها إلى حد إيمانه أو إيمان كبار أصحابه. وعلى الفرض أن الجار ية قالت للرسول صلى الله عليه وسلم أنا مؤمنة بكل شرائع الإسلام بمعنى مصدقة بها، ولكني لا أرى فرضية الصلاة والزكاة والصوم وغير ذلك من شرائع الإسلام. أي لا أرى لزوم عملها بالجوارح على أنها حقيقة الإيمان، بل تطلق عليه مجازا ، فهل كان صدر الرسول صلى الله عليه و سلم سينشرح منها ويأمر مولاها بعتقها ويشهد لها بالإيمان (1.) وأما حديث شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم في أولئك فالجواب عنه: أنه لابد من النظر إلى الأحاديث الكثيرة التي صرحت بأنها من أهل الإيمان وعليهم أثر السجود الذي هو عبارة عن عمل الصلاة وأن الجهنميين يعرفون بذلك. وفي بعض الروايات أن المؤمنين يشفعون فيمن عرفوه بأنه من أهل الإيمان والعمل في الدنيا، وهذا لا يمنع أن فيه جماعة من الناس لهم أعمال لا يعلم بها إلا الله أخرجهم الله بسببها من النار، حيث ظهرت عليهم علامات إيمانهم وأعمالهم التي قدموها. وقوله: "لم يعملوا خيرا قط" لا ينفي العمل مطلقا بل قد يكون لهم عمل وإن كان قليلا إلى جانب إيمانهم وحسناتهم الأخرى فينفعهم ذلك، وهذا مثل أن تقول لشخص: أنت ما عملت شيئا بعد إتمامه للعمل الذي هو فيه، فإنك لا تنفي وجود عمل ما، ولكن حيث كان العمل غير كامل ولا دقيق ولا يع تبر به-ولو من وجهة نظرك - اعتبرته في عداد من لم يعمل شيئا وهو أسلوب من أساليب العرب في كلامهم. ثم إن هؤلاء معهم إيمان وعمل، ولولا ذلك لكانوا كسائر الكفار والمشركين يخلدون في النار، فلا مزية لخروجهم م نها إلا ذلك، وربما أ ن الله أخرجهم أو أدخلهم الجنة لعزمهم على العمل ومباشرتهم الدخول فيه كما حصل لبعضهم حين أسلم صادقا لصا ثم دخل المعركة فقتل فشهد الرسول صلى الله عليه وسلم له بالجنة، مع أنه لم يظهر منه إلا حسن قبوله للإسلام ودخوله (1) انظر لمزيد التفصيل: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ص 519، 526.
عدد الصفحات ٨٠٤179 المعركة، ولكن الله اطلع على إيمانه القوي وأوله بذله نفسه للقتل مع المسلم سبيل نصرة الإسلام، ولقصر وقته عن أداء الواجبات الأخرى فغفر الله له. وكقصة الرجل الذي قتل مائة نفس ثم تداركته رحمة الله فدخل الجنة، ومثله ما وقع للرجل الذي أوصى أن يحرق بعد موته فغفر الله له، فمثل هؤلاء في عزمهم وقوة إيمانهم كمثل الذي عمل، وفرق بين من له ر غبة وعزم على العمل وبين من تركه اتكالا وتكاسلا . وأما احتجاجهم بقولهم: إن الكفر ضد الإيمان فحينما ثبت الكفر انتفى الإيمان والعكس. فإنه يقال لهم: إطلاق القول بأن كل كفر هو ضد الإيمان ويخرج من الملة مطلقا ليس صحيحا على إطلاقه هكذا إلا عند الخوارج في حكمهم على أصحاب المعاصي بالكفر المخرج من الملة، فإن الإيمان درجات، وهو اسم مشترك يقع على معان كثيرة، منها ما يكون الكفر ضدا له، كأن يعتقد الكفر ويعمل به ويدعو إليه فكفره اعتقادي وهو ضد الإيمان ولا نزاع في هذا. ومنها ما يكون الفسق ضدا له لا الكفر، كترك بعض الأ عمال المفروضة مع الاعتراف بوجوبها. ومنها ما يكون الترك ضدا له لا الكفر ولا الفسق، كترك بعض الأعمال التي هي تطوع إذ لا يصح تسمية التارك لها كافرا ولا فاسقا وإنما يسمى تاركا ومفرطا في حق نفسه لعدم قيامه بتلك الأعمال التي تزيد في إيمانه (1). وقد يطلق السلف التسمية بالكفر على بعض من يعمل أعملا جاء الشرع بإطلاق الكفر عليها ولكنهم يسمونه كفرا عمليا لا اعتقاديا حتى تقام الحجة على صاحبه، كالذنوب التي وردت النصوص بإطلاق الكفر على أهلها، كالزنا والسرقة وشرب الخمر في حق من لم يجحد النصوص الواردة في تحريمها قبل إقامة الحجة عليه ببيانها، فإن السلف يطلقون عليه الكفر تمشيا مع النصوص، ثم يفصلون بعد ذلك فإذا استحلها ولم يعترف بوجوبها وردَّ النصوص فهو كافر كفرا اعتقاديا ظاهرا وباطنا . وأما ما استدلوا به من ورود نصوص كثيرة فيها عطف العمل على الإيمان، وأن المعطوف والمعطوف عليه بينهما مغايرة وفرق وإلا لما عطف عليه، فالواقع أن النصوص كما يتضح منها، (1) انظر: الفصل لابن حزم 3/212.
عدد الصفحات ٨٠٥180 أحيانا يرد فيها ذكر الإيمان في حالة العطف بمعنى الدين وذلك في حال إطلاق الإيمان وحده، فإنه يدخل فيه الأعمال، فإذا أطلق لفظ الإيمان فقط تبادر إلى الذهن أن المقصود بذلك الإيمان القلبي وعمل الجوارح والنطق باللسان ولا يفهم منه التصديق فقط أو الإقرار فقط إلا عند المرجئة، حيث تكلفوا دعوى وقوع ذلك. وأما في حال ذكر الإيمان والعمل معا فلا مغايرة بينهما في الحكم الذي ذكر لهم، بل يكون ذلك من جنس عطف الخاص على العام مثل قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (1). فإن الصلاة الوسطى من ضمن بقية الصلوات وإنما أفردت بالذكر الخاص بعد الذكر العام لمزيد العناية والاهتمام بها، وأحيانا إذا ذكر العمل الصالح والإيمان معا يكون المقصود بذلك إظهار وتوكيد حقيقة الإيمان بالعمل الصالح، إذ لا يكون العمل صالحا مقبولا إلا بعد إيمان صاحبه، فذكر الإيمان والعمل معا من باب التوكيد أو عطف الخاص على العام. والحاصل أن الإيمان المطلق يستلزم الأعمال كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية (2). وأما ما استدل به احناف من أن الإيمان في اللغة المقصود به التصديق، والعمل لا يسمى تصديقا فيقال لهم: إنه لم يسم التصديق بالقلب دون التصديق باللسان والعمل إيمانا في اللغة، ولم يعرف عن العرب أنهم يحكمون للشخص بالتصديق والإيمان بشيء صدقه بقلبه ثم أعلن التكذيب به بلسانه، كذلك لم يعرف في اللغة أن التصديق باللسان فقط دون التصديق بالقلب يعتبر إيمانا . إذا فلا يسمى مؤمنا بالشيء إلا إذا توافق التصديق بالقلب واللسان معا ونتج عنهما حصول أثر ذلك وهو العمل. ويرد على من ذهب مذهب الإمام أبى حنيفة في إخراج العمل عن الإيمان، واستدل باللغة على أن الإيمان هو التصديق – يرد عليهم بما ذهبوا إليه هم أيضا من عدم جواز إطلاق الإيمان على الشخص إلا إذا صدق بالله عز وجل وبرسوله، وبكل ما جاء به القرآن والبعث والجنة والنار والصلاة والزكاة، وغير ذلك. (1) سورة البقرة : 238 (2) انظر : مجموع الفتاوى 7/160-161
عدد الصفحات ٨٠٦181 ومعلوم أن هذا الإيمان قد اشتمل على أعمال، فكيف يحق لهم بعد ذلك عدم اعتبار اعمال من الإيمان، وهم يشترطون لثبوت إيمان الشخص ما ذكر. ويقال لهم أيضا : لو كان ما تقولون صحيحا من أن الإيمان هو التصديق فقط – لوجب أن يطلق اسم الإيمان على كل من صدق بشيء ثم كذب بلوازمه، فقد أخبر الله بأن قوما يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض الرسل ومع ذلك سماهم الله كفار ا مع تصديقهم بالله. قال تعالى: إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسوله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبي لا * أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا (1). فهؤلاء مصدقون بالله وبرسوله، لولا أ نهم يريدون أن يأخذوا من كل ديانة ما يوافق هواهم. نعم إن أصل الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب واللسان معا بأي شيء كان إلا أن الله عز وجل وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أوقع لفظة الإيمان على العقد بالقلب لأشياء محدودة صوصة معروفة لا على العقد لكل شيء. وأوقعها أيضا سبحانه على الإقرار باللسان بتلك الأشياء خاصة لا بما سواها. وأوقعها أيضا على أعمال الجوارح لكل ما هو طاعة له تعالى فقط. والله عز وجل هو خالق اللغة وأهلها، فلا يجوز لأحد الفة الله عز وجل فيما أنزله وحكم به والتعلل باللغة في دفع الحق. وقد أنزل في القرآن أن الأعمال من الإيمان قال تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم(2). ومعلوم أن التصديق بالشيء حقيقة لا يقع إلا إذا وجد التصديق الكامل بذلك الشيء وازداد فيه رغبة وعملا. فالمصدق بالله تعالى و بأنبيائه و بما جاء عن الله تعالي هو الذي صدق بذلك ظاهرا وباطنا فصح وصفه بالتصديق. والآية فيها الأخبار بزيادة الإ يمان لا بالتصديق فإنه قد حصل في قلوب المؤمنين، والزيادة هنا هي ما يحصل من الزيادة بالأعمال والتقرب بها إلى الله تعالى. (1) سورة النساء 150،151 (2) سورة الفتح 4
عدد الصفحات ٨٠٧182 فإن أساس التصديق لا يتبعض في الشيئ الواحد و إن كان الناس يتفاضلون فيه؛ لأنه لو تبعض لكان صاحبه شاكا . فلو أن شخصا صدق بالقرآن كله إلا آية واحدة لما كان مؤمنا بالقرآن ولكان تصديقه مشابها لتصديق بعض أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم وكفرهم بذلك، كالموشكانية والعيسوية من يهود أصفهان الذين صدقوا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو نبي الله حقا ولكنه إلى العرب خاصة لا إليهم، ولكان أيضا مشابها لتصديق إبليس بربه، وهو مع ذلك كافرا بلا خلاف لد في النار لم ينفعه تصديقه ومعرفته بربه دون الإذعان الكامل لما أمر الله واجتناب ما نهي عنه قولا وعملا واعتقادا . ولشيخ الإسلام ردود مطولة في إبطال تعلق المرجئة بقوله تعالى: وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق – على أن الإيمان هو التصديق، والعمل خارج عن التصديق، وفي أن الإيمان هو التصديق في اللغة وفي الشرع أيضا (1)، ثم إن إطلاق الإيمان على الأعمال أو اعمال على الإيمان أمر مقرر عند السلف وثابت لا يمارون في صحته لورود ذلك في نصوص كثيرة. فالجهاد والصوم والصلاة وغيرها من الإيمان،كما أنهم يسمون الإيمان عملا لما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور"(2). وقال الأوزاعي: "لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيل الإيمان والقول إلا بالعمل، و يستقيل الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل"(3). فالصلاة مثلا من أعمال الجوارح، وقد قال تعا وما كان الله ليضيع إيمانكم (4) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، لا كما ذهب إليه المرجئة من أن المعنى أي تصديقكم بالنبي صلى الله عليه وسلم والدين. (1) انظر7/289-297 من مجموع الفتاوى (2) أخرجه البخاري 1/77. (3) انظر : مجموع الفتاوى 7/296. (4) سورة البقرة 143.
عدد الصفحات ٨٠٨183 قال شيخ الإسلام: وحقيقة ا لأمر أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا … فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أ و، العمل كان دالا على الباطن فقط. … وإن أُفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف النصوص. وأما إذا قُرن اسم الإسلام والإيمان كما في قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا (1) وقوله تعا فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين (2) فقد يراد بالإسلام الأعمال الظاهرة (3)، أي والإيمان ا عمال الباطنة، وهذا هو مذهب السلف أما الإيمان أخص من الإسلام. وأما استدلالهم بقولهم: لو كان العمل يسمى إيمانا لكان من ضيع منه شيئا فقد الإيمان كله، فلا يكون مؤمنا أو لا يقال له مؤمن. يقال لهم: إن هذا الاستدلال تحكم وخروج عن ما يقتضيه الحق، فلا يجوز أن نسمى الشخص مؤمنا ولا كافرا إلا بنص واضح عن الله أو عن رسوله، فمن سماه الله مؤمنا نسميه مؤمنا ، ومن سماه كافرا نسميه كافرا ، بل نقول:أن من ضيع شيئا من ما أمر بالإيمان به فقد ضيع بعض الإيمان ولم يضيع الكل، فلا يخرج عن الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه بالكلية(4). وأما بالنسبة لارتفاع العمل عن الحائض وعدم ارتفاع الإيمان عنها فإن هذا الاستدلال غير صواب، ذلك أنها في حالة ارتفاع العمل عنها لم يكن من قبلها، وإنما ذلك من قبل خالقه، وهي في تلك الحال في حكم العامل؛ ولهذا لا يتوجه إليها الذنب بترك الصلاة والصوم في تلك الحال وهى لا زالت على الإيمان والعمل لم تخرج بتركهما في تلك الحال عن الإ يمان ولا عن مواصلة العمل فإن تلك الفترة الطارئة لا تجعلها في عداد من خرج عن الإيمان وضيع العمل لك ي يصدق عليها ترك الإيمان بسبب ترك العمل كما استدل هؤلاء. وأما ما ذهب إليه المرجئة من أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، كما أن التصديق لا يزيد ولا ينقص، فهو قول من أبطل الأقوال وهو قياس على أمر غير مسلم، فالتصديق لا يصح لهم ما (1) سورة الحجرات 14. (2) سورة الذاريات 35 ،36. (3) انظر : مجموع الفتاوى 7/575،576 بتصرف (4) انظر : الفصل لابن حزم 3/191.
عدد الصفحات ٨٠٩184 زعموه فيه من أنه لا يتفاضل الناس فيه، بل يتفاضلون تفاضلا ظاهرا في التصديق بقضايا تمر بالناس يوميا في حياتهم، فضلا عن تصديق بقضايا المغيبات من أخبار اليوم الآخر والجنة والنار وأسماء الله وصفاته، فمن زعم أن تصديق أقل الناس إيمانا بالله مثل تصديق أكمل الناس إيمانا به بتلك الأمور المغيبة – فلا شك في بطلان قوله بما لا يحتاج إلى سرد الأ دلة عليهم. وأما زيادة الإيمان ونقصانه فيكفي في ثبوته إخبار الله عز وجل بذلك في كتابه الكريم وإخبار نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة بما لا يخفى على طلاب العلم معرفته، فإن أدلته واضحة تمام الوضوح، ومعتقد السلف فيه من أوضح الأ مور، وهو الاعتقاد الجازم أن الإيمان يزيد وينقص في قلب كل شخص. وكل إنسان يلمس هذا من نفسه ولا ينكره إلا مكابر، على أنه بعد ثبوت ذلك في كتاب الله وفي سنة نبيه وفي إجماع علماء السلف – بعد ثبوت هذا كله لا يحق لمسلم أن يتشكك في ذلك، بل يجب الإيمان والجزم به. وينبغي التنبيه إلى أمر هام، وهو وجود عدة أحاديث كلها موضوعة يذكر فيها أن الإيمان في القلب فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ونضيف هنا ما ذ كره العلماء من أنه كلما عثرت على حديث من هذا النوع فهو مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم ومن هذا يقول ابن القيم رحمه الله: "وكل حديث فيه أن الإ يمام لا يزيد ولا ينقص فكذب تلق" (1) ومن تلك الأحاديث حديث: "من قال: الإيمان يزيد وينقص فقد خرج من أمر الله، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فليس له في الإسلام نصيب"، قال الشوكاني: رواه محمد بن تميم، وهو واضعه (2). ومنها الحديث المروي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا : "من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف أولئك أعدا ء الرحمن فارقوا دين الله تعالى واستحلوا الكفر وخاصموا الله، طهر الله الأرض منهم ألا فلا صلاة لهم ألا فلا زكاة لهم ألا فلا صوم لهم ألا فلا حج لهم ألا فلا دين لهم، هم براء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول (1) المنار المنيف ص119. (2) الفوائد المجموعة في احاديث الموضوعة ص453.
عدد الصفحات ٨١٠185 الله صلى الله عليه وسلم بريء منهم"، وقال السيوط ي: موضوع، آفته الطالقاني كذاب خبيث من المرجئة كان يضع الحديث لمذهبه (1). ومثله أيضا الحديث المروى عن أبى هريرة رضي الله عنه أن وفد ثقيف جاءوا إلى النبي صلى عليه وسلم فسألوه عن الإيمان هل يزيد وينقص فقال: "لا، زيادته كفر ونقصانه شرك" وهو حديث موضوع وضعه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي وهو من رؤساء المرجئة. قال السيوطي نقلا عن الحاكم: "اسناده فيه مظلمات، والحديث باطل والذي تولى كبره أبو مطيع"(2). وكأن الذين وضعوا أمثال هذه الأحاديث كانوا يجهلون أو يتجاهلون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قول الله تعالى: فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (3)، وآيات أخرى كثيرة تثبت زيادة الإيمان، فكيف ينفي الرسول صلى الله عليه وسلم ما أثبته الله في القرآن. لأن ما قبل الزيادة – كما هو معروف – قبل النقصان، وقول المرجئة بعدم زيادته ونقصانه إنما حملهم على ذلك زعمهم أن التصديق شيء واحد، وبالتالي فهو لا يختلف حسب مفهومهم ولا يتفاضل الناس فيه. * * * * * * * * * * * * * * (1) اللالئ المصنوعة1/40. (2) المصدر السابق1/38. وانظر كلام ابن أبي العز على هذا الحديث في شرح الط حاوية ص 325. (3) سورة التوبة 124.
عدد الصفحات ٨١١186 الفصل الثامن مذهب أهل السنة في تعريف الإيمان مذهب أهل السنة المتمسكين بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم السائرين علي وفق ما كان عليه المصطفي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم في أسماء الله وصفاته، وفي مجانبة البدع وأهلها – مذهبهم في الإيمان أنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي". هذا هو منهجهم واعتقادهم في الإيمان. أن العمل داخل في حقيقة الإيمان وأنه لا إيمان بدون عمل، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية حسب ما حل بالقلب من ذلك. وهذا هو الواضح من النصوص الكثيرة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، إلا أنه قد تختلف تعبيرات أهل السنة عن حقيقة الإيمان فيعرفونه بصيغ تلفة (1)، ولكن القصد واحد، وهو إدخال العمل في حقيقة الإيمان كما يدل عليه كلام الله تعالي وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنه قوله تعالي في بيان جملة من صفات المتقين أهل الإيمان: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والم لائكة والكتاب والنبيين وآتى المال علي حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابريان في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (2.) وقال تعالي مبينا الخصال التي يكون بها الشخص مؤمنا إذا طبقها على نفسه وعمل بما دلت عليه: قدأفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون2) والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون 4) والذين هم لفروجهم حافظون 5) إلا علي أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغي وراء ذلك فأولئك هم العادون 7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ( 8) والذين هم علي صلواتهم يحافظون9) أولئك هم الوارثون ( 10 ) (1) مثل قولهم: هو عمل وقول ونية، أو هو قول وعمل واتباع السنة، أو هو قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، أو هو إقرار وعمل، أو تصديق وعمل. أنظر : مجموع الفتاوى 7/ 170. (2) سورة البقرة 177.
عدد الصفحات ٨١٢187 الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (1)، وقال تعا إنما المؤمنون الذين آمنوا ورسوله ثم لم يرتابوا وجا هدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون(2). وهذه الآيات واضحة الدلالة علي مذهب أهل السنة في حقيقة الإيمان المكون من القول والعمل والاعتقاد. وهي حجة على من فرق في الإيمان بين الاعتقاد والعمل، أو غالط في بعض تعريفات السلف للإيمان. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله – في بيان أقوال السلف حقيقة الإيمان:"ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقول و ن: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية: وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. وكل هذا صحيح فإذا قالوا: قول وعمل؛ فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعا ، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام"(3). وقال أيضا : "والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل الجوارح والقلب، ومن أرا د الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية. قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع فلان كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة ". وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل وإنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال ولكن كان مقصودههم الرد علي المرجئة الذين جعلوه قولا فقط. فقالوا: بل هو قول وعمل والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة"(4). (1) سورة المؤمنون 1-11. (2) سورة الحجرات 15. (3) مجموع الفتاوى 7/170. (4) مجموع الفتاوى 7/ 170
عدد الصفحات ٨١٣188 واستدل أهل السنة على ما يذهبون إليه من دخول العمل في مسمى الإيمان بأحاديث كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (1) وقولهصلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان، أتدر ون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم"(2). وقولهصلى الله عليه وسلم:"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخيارهم خيارهم لنسائهم"(3) وأحاديث أخرى كثيرة جعل فيها العمل من الإيمان وعلى هذا مضى السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم. وعليه أيضا مضى علماء الإسلام، ومنهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد، حيث فسروا الإيمان بأنه التصديق والقول والعمل، وأنه يقبل الزيادة ويقبل النقص، وأن أهله يتفاوتون فيه. ومما ينبغي فهمه أن السلف حينما يعرفون الإيمان بأنه قول وعمل؛ لا يقصدون أ ن الإيمان قول باللسان وعمل بالجوارح دون النظر إلي إيمان القلب وتصديقه وعمله، فإن السلف ما كانوا يريدون ألفاظ اللسان وحركات الجوارح مجردة عن عمل القلب وتصديقه الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله وجميع شرائع الإسلام. فإن السلف يعتبرون إيمان القلب أمرا أساسيا في الإيمان وصلاح العمل، و إنما لم يصرحوا به لظهوره، إذ إنهم لم يتصوروا أن تلك الثلاثة الأمور في التعريف بالإيمان منفصلة عن بعضها. وحينما يعرف السلف الإيمان بأنه الإقرار والتصديق أو تصديق وعمل، لا يريدون من التصديق مجرد التصديق بالخبر فقط دون الالتفات إلي ثم رة التصديق وهو الإذعان والامتثال للأمر، الذي (1) أخرجه البخاري 1/ 51، ومسلم واللفظ له1 /210 (2) أخرجه البخاري 1/ 129 في مواضع من صحيحه، ومسلم1 /154 (3) الإمام أحمد في المسند2 /250
عدد الصفحات ٨١٤