المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية

علي محمد الصلابي

صفحة ١ من ٩

ٔ بسم الله الرحمن الرحٌم المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعٌنه، ونستهدٌه، ونستؽفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سٌبات أعمالنا، ومن ٌهده الله فلب مضل له، ومن ٌضلل فلب هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرٌك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال تعالى: " ٌَا أٌَُّهَا الَّذٌِنَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " (آل عمران ، آٌة : ٕٓٔ). وقال تعالى: " ٌَا أٌَُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثٌِرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلٌَْكُمْ رَقٌِبًا" (النساء ، آٌة : ٔ). وقال تعالى : " ٌَا أٌَُّهَا الَّذٌِنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَوْ لاً سَدٌِدًا * ٌُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وٌََؽْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن ٌُطِعْ اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظٌِمًا " (الأحزاب ، آٌة : ٓ ـ ٔ). ٌا رب لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضٌت، ولك الحمد بعد الرضى. أما بعد: فهذا الكتاب ٌتحدث عن الإٌمان بالقرآن الكرٌم والكتب السماوٌة، وهو من ضمن سلسلة أركان الإٌمان، وقد قمت بتقسٌمه إلى مباحث: المبحث الأول: وقد تحدثت فٌه عن القرآن الكرٌم لؽة واصطلبحاً . وفً المبحث الثانً: تكلمت فٌه عن عظمة القرآن وأسمابه وصفاته. ومن أسماء القرآن الكرٌم، الفرقان والبرهان، والحق والنبؤ العظٌم، والبلبغ، والروح والموعظة، والشفاء، وأحسن الحدٌث. وذكر المولى عز وجل أوصافاً عدٌدة للقرآن الكرٌم منها: الحكٌم، والعزٌز، والكرٌم والمجٌد، والعظٌم، والبشٌر والنذٌر. وفً المبحث الثالث: أشرت إلى خصابص القرآن الكرٌم والتً من أهمها كونه كتاب إلهً، ومحفوظ ومعجز، ومبٌن ومٌسر، وكتاب هداٌة، وكتاب الإنسانٌة كلها والزمن كله، ونزل بؤرقى اللؽات وأجمعها، ومهٌمن على الكتب السماوٌة السابقة.

عدد الصفحات ٢

ٕ وفً المبحث الرابع : تكلمت عن مقاصد القرآن الكرٌم والتً من أهم ها، تصحٌح العقابد والنصورات، وتزكٌة النفس البشرٌة، وعبادة الله وتقواه، وإقامة العدل بٌن الناس، الشورى، الحرٌة، رفع الحرج، تقرٌر كرامة الإنسان بالأخلبق والفضابل وتقرٌر حقوق الإنسان، كحق الحٌاة والحرٌة والمساواة والعدالة، وحق الفرد فً محاكمة عادلة، حق الحماٌة من تعسؾ السلطة، وحق الفرد فً حماٌة عرضه وسمعته، حق اللجوء، وحقوق الأقلٌات، وحق المشاركة فً الحٌاة العامة، وحق الدعوة والبلبغ والحقوق الاقتصادٌة، وحق الملكٌة، وحق العامل وحق الفرد فً كفاٌته من مقومات الحٌاة، وتؤكٌد حقوق الضعفاء، ومن مقاصد القرآن الكرٌم، تكوٌن الأسرة الصالحة، وإنصاؾ المرأة وتحرٌرها من ظلم الجاهلٌة، وبناء الأمة الشهٌدة على الناس، والسماحة والرحمة، والوفاء بالعهود والعقود. وفً المبحث الخامس: جمع القرآن وكتابته وقد بٌنت المراحل التً مرَّ بها المشروع الحضاري فً جمع القرآن الكرٌم وكتابته من عهد النبً صلى الله علٌه وسلم إلى عهد عثمان بن عفان رضً الله عنه. وفً المبحث السادس : كان الحدٌث عن الكتب السماوٌة كصحؾ إبراهٌم، والتوراة والإنجٌل، والزبور، ووجوب الإٌمان بها وأهمٌة ذلك وما تعرضت له من التحرٌؾ، ونسخ القرآن الكرٌم للكتب التً سبقته. هذا وقد انتهٌت من هذا الكتاب ٌوم الخمٌس فً الساعة السادسة إلا ربع مساءً بتارٌخ ٕٗ شعبان ٖٔٗٔهـ ٘/8/ٕٓٔٓم. والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسؤله سبحانه وتعالى أن ٌتقبل هذا العمل وٌشرح صدور العباد للبنتفاع به وٌبارك فٌه بمنه وكرمه وجوده قال تعالى: " مَا ٌَفْتَحِ اللهَُّ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَة فَلبَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا ٌُمْسِكْ فَلبَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزٌِزُ الْحَكٌِمُ " (فاطر ، آٌة : ٕ). ولا ٌسعنً فً نهاٌة هذ ا الكتاب إلا أن أقؾ بقلب خاشع من ٌب أمام خالقً العظٌم وإلهً الكرٌم، معترفاً بفضله وكرمه وجوده متبرباً من حولً وقوتً، ملتجباً إلٌه فً كل حركاتً وسكناتً وحٌاتً ومماتً، فالله هو خالقً هو المتفضل، وربً الكرٌم هو المعٌن، وإلهً العظٌم هو الموفق، فلو تخلى عنً ووكلنً إلى عقلً ونفسً لتبلد منً العقل، ولؽابت الذاكرة، ولٌبست الأصابع ولجفت العواطؾ، ولتحجرت المشاعر، ولعجز القلم عن البٌان، اللهم بصرنً بما ٌرضٌك واشرح له صدري وجنبنً اللهم ما لا ٌرضٌك وأصرفه عن قلبً وتفكٌري، وأسؤلك بؤسمابك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل عملً لوجهك خالصاً، ولعبادك نافعاً، وأن تثٌبنً على كل حرؾ كتبته وتجعله فً مٌزان حسناتً وأن تثٌب أخوانً الذٌن أعانونً على إتمام هذا الجهد الذي لولاك ما كان له وجود ولا انتشار بٌن الناس، ونرجو من كل مسلم ٌطلع على هذا

عدد الصفحات ٣

ٖ الكتاب ألا ٌنسى العبد الفقٌر، إلى عفو ربه ومؽفرته ورحمته ورضوانه من دعابه. قال تعالى: " رَبِّ أَوْزِعْنًِ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتًِ أَنْعَمْتَ عَلًََّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنًِ بِرَحْمَتِكَ فًِ عِبَادِكَ الصَّالِحٌِنَ " (النمل ، آٌة : 1.) وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى : " رَبَّنَا اؼْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذٌِنَ سَبَقُونَا بِالإٌِْمَ انِ وَلاَ تَجْعَلْ فًِ قُلُوبِنَا ؼِلبًّ لِّلَّذٌِنَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَإُوؾ رَّحٌِم " (الحشر ، آٌة : ٓٔ). {سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، استؽفرك وأتوب إلٌك} علً محمد محمد الصَّلبَّبً ؼفر الله له ولوالدٌه ولجمٌع المسلمٌن info@alsallab.comMail: www.alsallab.comWebsite.

عدد الصفحات ٤

ٗ الإٌمان بالقرآن الكرٌم والكتب السماوٌة المبحث الأول: القرآن لغة واصطلاحا : أولا ــ القرآن لغة: اتفق أهل العلم رحمهم الله على أن لفظ "قرآن" اسم ولٌس بفعل ولا حرؾ، لكنهم اختلفوا فٌه من جهة الاشتقاق أو عدمه، ومن جهة كونه مهموزاً أو ؼٌر مهموز ومن جهة كونه مصدراً أو وصفاً على أقوال عدة تجمل فٌما ٌؤتًٔ: القول الأول: إنه "اسم علم ؼٌر منقول" وضع من أوّل الأمر علماً على الكلبم المنزَّ ل على محمد صلى الله علٌه وسلم، وهو اسم جامد ؼٌر مهموز، مثل التوراة والإنجٌل، وهذا القول مروي عن جماعة من العلماء منهم: الشافعً، وابن كثٌر وؼٌرهما رحمهم الله جمٌعاً . وقد نقل ابن منظور أن الشافعً رحمه الله كان ٌقول : القرآن اسم، ولٌس بمهموز، ولم ٌإخذ من قرأتُ ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجٌلٕ. القول الثانً والثالث: هم القابلون بؤن لفظ القرآن "مهموز"ٖ فقد اختلفوا على رأٌن: ـ أن القرآن : مصدر "قرأ" بمعنى: " تلب" كالرجحان والؽفران، ثم نُقل من المصدر وجُعل اسماً للكلبم المنزَّ ل على نبٌنا محمد صلى الله علٌه وسلم. وٌشهد له قوله تعالى:" فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " (القٌامة، آٌة : 8 )أي: قراءته. وقول حسان بن ثابت ٌرثً عثمان رضً الله عنه: ضحّوا بؤشمط عنوان السجود به ٌُقطّعُ اللٌل تسبٌحاً وقرآناً أي: قراءةٔ. ٔ معجم مقاٌٌس اللؽة (ٕ/ ٙ)، المصباح المنٌر صـ 1، لسان العرب(ٔ/ 8 ـٖٔٔ). ٕ لسان العرب (ٔ/ 8) مادة"قرأ". ٖ معنى مهموز: أن الهمزة فً لفظ "القرآن أصلٌة" من "قرأ".

عدد الصفحات ٥

٘ ـ أن القرآن: وصؾ على وزن فعلبن مشتق من "القُرْء " بمعنى الجمع، ومنه: قرأ الماء فً الحوض إذا جمعه، " وقرأت الشًء قرآناً " : جمعته وضممت بعضه إلى بعضٕ. وسمً القرآن قرآناً، لأنه جمع القصَصَ، والأمر والنهً والوعد والوعٌد، والآٌات والسور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالؽفران والكفرانٖ. القولان الرابع والخامس : هم القابلون بؤن لفظ القرآن "ؼٌر مهموز " لكنهم اختلفوا فً أصل اشتقاقه على قولٌن: ـ أنه مشتق من "قَرنْتُ الشًء بالشًء" إذا ضَممت أحدهما إلى الآخر. قالوا: فسُمًّ القرآن به : لِقِران السُور والآٌات والحروؾ فٌه، ومنه فسُمّىَ الجمع بٌن الحج والعمرة فً إحرام واحد قرانٗ. ـ أنه مشتق من "القرابن" جمع قرٌنة، لأن آٌاته ٌُصدّق بعضها بعضاً وٌُشبه بعضها بعضاً ٘. وٌظهر ـ والله أعلم ـ أن أرجح هذه الأقوال هو القول الثانً، لِقُرب اشتقاقه من كلمة القرآن لفظاً ومعنى. وأصبح لفظ القرآن ـ بعد ذلك ـ : علماً على الكتاب المنزلٙ. ثانٌا : القرآن فً الإصطلاح: وقد ذكر العلماء رحمهم الله للقرآن الكرٌم تعرٌفاً اصطلبحٌاً ٌُقرّب معناه وٌمٌزه عن ؼٌره، فعرّفوه بؤنه: كلبم الله المنزل على نبٌّه محمد صلى الله علٌه وسلم، المعجز بلفظه، المتعبد بتلبوته المكتوب ف ً المصاحؾ المنقول بالتواتر0. ٔ عظمة القرآن الكرٌم، محمود الدوسري صـ 0. ٕ لسان العرب (ٔ/ 8.) ٖ عظمة القرآن الكرٌم صـ 0، ومن القابلٌن بهذا القول الزجاج. ٗ البرهان فً علوم القرآن (ٔ/ 08 )للزركشً. ٘ الإتقان فً علوم القرآن صـ 0 للسٌوطً. ٙ عظمة القرآن الكرٌم صـ 1. 0 عظمة القرآن الكرٌم صـ1.

عدد الصفحات ٦

ٙ

عدد الصفحات ٧

0 المبحث الثانً: عظمة القرآن واسماؤه وصفاته: أولا : عظمة القرآن الكرٌم: تحدث المولى عز وجل فً كتابه عن عظمة القرآن الكرٌم ومن خلبل آٌاته الحكٌمة نبٌن هذه العظمة وإلٌك التفصٌل: 1ـ ثناء الله على كتابه: أثنى الله تعالى على كتابه العزٌز فً آٌات كثٌرة مما ٌدل على عظمته كما وصفه "بالعظٌم" فً قوله تعالى:" وَلَقَدْ آتٌَْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانًِ وَالْقُرْآنَ الْعَظٌِمَ " (الحجر ، آٌة : 80.) ووصفه بالأحكام فً قوله تعالى: " الَر كِتَاب أُحْكِمَتْ آٌَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكٌِم خَبٌِر " (هود ، آٌة : ٔ). وذكر هٌمنته على الكتب السابقة فً قوله تعالى: " وَأَنزَلْنَا إِلٌَْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بٌَْنَ ٌَدٌَْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهٌَْمِنًا عَلٌَْهِ " (المابدة ، آٌة : 8.) وهذا الكتاب هو المهٌمن الحافظ لمقاصد الكتب المنزلة قبله، الشاهد المإتمن على ما جاء فٌها ٌُقِرُّ الصحٌح فٌها وٌُصحّح الخطؤ. ووصفه فً أم الكتاب بؤنه "علًُّ حكٌم" فً قوله: وَإِنَّهُ فًِ أُمِّ الْكِتَابِ لَدٌَْنَا لَعَلًِ حَكٌِم " (الزخرؾ ، آٌة : ٗ). فهذه شهادة من الله تعالى بعلو شؤن القرآن وحكمته، ولا رٌب أن من عظمة القرآن أنه "علًُّ " فً محله، وشرفه، وقدره، فهو عال على جمٌع كتب الله تعالى، بسبب كونه معجزاً باقٌاً على وجه الدهرٔ. ومعنى الحكٌم: المنظوم نظماً متقناً لا ٌعترٌه أي خلل فً أي وجه من الوجوه، فهو حكٌم فً ذاته حاكم على ؼٌره. والقرآن "حكٌم" كذلك فٌما ٌشتمل من الأوامر والنواهً، والأخبار، ولٌس فٌه حكم مخالؾ للحكمة والعدل والمٌزان. ومن ثناء الله تعالى على القرآن أن وصفه فً ثلبث سور بؤنه "كتاب مبارك". ــ قال تعالى: "وَهَـذَا كِتَاب أَنزَلْنَاهُ مُبَارَك مُّصَدِّقُ الَّذِي بٌَْنَ ٌَدٌَْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذٌِنَ ٌُإْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ٌُإْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلبَتِهِمْ ٌُحَافِظُونَ " (الأنعام ، آٌة : ٕ). ــ وقال تعالى : " وَهَـذَا كِتَاب أَنزَلْنَاهُ مُبَارَك فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّ كُمْ تُرْحَمُونَ " (الأنعام ، آٌة : ٘٘ٔ). ٔ التفسٌر الكبٌر (0 /0.)

عدد الصفحات ٨

8 ــ وقال تعالى: " وَهَذَا ذِكْر مُّبَارَك أَنزَلْنَاهُ أَفَؤَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ " (الأنبٌاء ، آٌة : ٓ٘). وبركة هذا الكتاب تمتد إلى ٌوم القٌامة وعطاإه نام لا ٌنفذ .. ٌواكب الحٌاة بهذا العطاء، ثم ٌؤتً شفٌعاً لأصحابهٔ. 2 ـ عظمة مُنَزِّلِهِ سبحانه وتعالى: العظٌم: ذو العظمة والجلبل فً ملكه وسلطانه عز وجل، والعظمة صفة من صفات الله، لا ٌقوم لها خلق والله تعالى خلق بٌن الخلق عظمة ٌعظم بها بعضهم بعضاً، فمن الناس من ٌعظم لمال، ومنهم من ٌعظم لفضل، ومنهم ٌعظم لعلم، ومنهم من ٌعظم لسلطان، ومنهم من ٌعظم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما ٌعظم بمعنى دون معنى، والله عز وجل ٌعظم فً الأحوال كلها، فٌنبؽً لمن عرؾ حق عظمة الله ألا ٌتكلم بكلمة ٌكرهها الله، ولا ٌرتكب معصٌة لا ٌرضاها الله، إذ هو القابم على كل نفس بما كسبتٕ. فالله تعالى هو العظٌم المطلق، لأنه عظٌم فً ذاته وأسمابه وصفاته كلها، فلب ٌجوز قصر عظمته فً شًء دون شًء منها، لأن ذلك تحكم لم ٌؤذن به اللهٖ. فمن عظمته تعالى : أنه لا ٌَشُقُّ علٌه أن ٌحفظ السماوات السبع والأرضٌن السبع، ومن فٌها، وما فٌها، كما قال تعالى: " وَلاَ ٌَإُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلًُِّ الْعَظٌِمُ " (البقرة ، آٌة : ٕ٘٘). وتتجلى عظمة القرآن العظٌم فً عظمة مُنزِّله جل جلبله، وٌتضح ذلك جلٌاً فً عدة آٌات منها: ــ قوله تعالى: " الم * تَنزٌِلُ الْكِتَابِ لاَ رٌَْبَ فٌِهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمٌِنَ * أَمْ ٌَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ " (السجدة ، آٌة : ٔ ـ ٖ). ــ وقوله تعالى: " حم * تَنزٌِلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهَِّ الْعَزٌِزِ الْعَلٌِمِ " (الجاثٌة ، الأحقاؾ ، آٌة : ٔ ـ ٕ). 3 ـ فضل من نزل القرآن: نوه الله تعالى بشؤن من نزل بالقرآن على رسولنا محمد صلى الله علٌه وسلم، وهو جبرٌل علٌه السلبم، أمٌن الوحً الالهً، وذكر فضله فً عدة آٌات منها: قال تعالى :" قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لٌُِثَبِّتَ الَّذٌِنَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمٌِنَ "النحل ، آٌة : ٕٓٔ). ٔ عظمة القرآن الكرٌم صـ1. ٕ النهج الأسمى فً شرح أسماء الله الحسنى، محمد بن حمد (ٔ / ٕ٘ٙ). ٖ عظمة القرآن الكرٌم صـٓٙ.

عدد الصفحات ٩

1 وقال تعالى: " وَإِنَّهُ لَتَنزٌِلُ رَبِّ الْعَالَمٌِنَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَْمٌِنُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرٌِنَ " ( الشعراء ، آٌة : ٕ ـ ٗ). وقد وصؾ الله تعالى جبرٌل علٌه السلبم بخمس صفات فً قوله تعالى: "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرٌِم * ذِي قُوَّة عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكٌِن * مُطَاع ثَمَّ أَمٌِن " (التكوٌر ، آٌة : 1 ـٕٔ). وهذه الصفات الخمس تتضمن تزكٌة سند القرآن العظٌم وأنه سماع نبٌنا محمد صلى الله علٌه وسلم من جبرٌل علٌه السلبم، وسماع جبرٌل الأمٌن من رب العالمٌن، فناهٌك بهذا السند علواً وجلبلةٔ. 4 ـ القرآن تنزٌل رب العالمٌن: قال تعالى: " وَإِنَّهُ لَتَنزٌِلُ رَبِّ الْعَالَمٌِنَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَْمٌِنُ " )الشعراء ، آٌة : ٕ ـ ٖ). وقال تعالى: " إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فًِ لٌَْلَةِ الْقَدْرِ " (القدر ، آٌة : ٔ). وفٌه ضمٌر العظمة وإسناد الانزال إلٌه تشرٌؾ عظٌم للقرآنٕ. فمن عظمة القرآن أنه نزل من الله تعالى وحده لا من ؼٌره، لنفع الناس وهداٌتهم، فاجتمعت فً القرآن العظٌم فضابل منها: ــ أنه أفضل الكتب السماوٌة. ــ نزل به أفضل الرسل وأقواهم، الأمٌن على وحً الله تعالى. ــ نزل على أفضل الخلق محمد صلى الله علٌه وسلم. ــ نزل لأفضل أمة أخرجت للناس. ــ نزل بؤفضل الألسنة وأفصحها، وأوسعها، وهو اللسان العربً المبٌنٖ. 5 ـ القرآن مستقٌم لٌس فٌه عوج: قال تعالى: " الْحَمْدُ للهَِِّ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ ٌَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قٌَِّمًا" (الكهؾ ، آٌة : ٔ ـ ٕ). ونفً العوج عن القرآن له عدة أوجه، منها: الأول: نفً التناقض عن آٌاته، كما قال تعالى: " وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ ؼٌَْرِ اللهِّ لَوَجَدُواْ فٌِهِ اخْتِلبَفًا كَثٌِرًا" (النساء ، آٌة : ٕ). الثانً: إن كل ما ذكر الله تعالى فً القرآن من التوحٌد والنبوة والأحكام والتكالٌؾ وهو حق وصدق ولا خلل فً شًء منه البتةٗ. وأخبر تعالى كذلك عن القرآن أنه لٌس فٌه تضاد، ولا اختلبؾ ولا عٌب من العٌوب التً فً كلبم البشر، فقال تعالى: " قُرآنًا عَرَبًٌِّا ؼٌَْرَ ذِي عِوَج " (الزمر ٔ عظمة القرآن صـٖ. ٕ التحرٌر والتنوٌر، الطاهر بن عاشور (ٖٓ / ٕٓٗ). ٖ تفسٌر السعدي (ٖ / ٘). ٗ التفسٌر الكبٌر للرازي (ٕٔ / ٗٙ).

عدد الصفحات ١٠

ٓٔ ، آٌة : 8)، أي: لٌس فٌه خلل ولا نقص بوجه من الوجوه، لا فً ألفاظه، ولا فً معانٌه، وهذا ٌستلزم كمال اعتداله واستقامتهٔ. فقد وصؾ الله تعالى كتابه العزٌز بؤوصاؾ عظٌمة تدل على أنه كامل من جمٌع الوجوه، وعظٌم بكل ما تعبر عنه الكلمات منها: ـ نفًُ العوج عنه : وهذا ٌقتضً أنه لٌس فً أخباره كذب، ولا فً أوامره ونواهٌه ظلم ولا عبث. ـ إثبات أنه مستقٌم مقٌم: فالقرآن العظٌم مستقٌم فً ذاته، مقٌم للنفوس على جادّة الصوّاب واثبات الاستقامة ٌقتضً أنه لا ٌُخبرُ ولا ٌؤمر إلا بؤجلّ الاخبارات، وهً الأخبار التً تملؤ القلوب معرفة وإٌماناً وعقلبً، كالإخبار بؤسماء الله وصفاته وأفعاله، والإخبار بالؽٌوب المتقدمة والمتؤخرة، وأن أوامره ونواهٌه، تزكً النفوس وتطهرها وتنمٌّها وتكمّلها لاشتمالها على كمال العدل والقسط، والإخلبص، والعبودٌة لله رب العالمٌن، وحده لا شرٌك له، فحقٌق بكتاب موصوؾ بما ذُكر، أن ٌَحمد الله تعالى نفسه على إنزالهٕ، وٌنفً العوج عن القرآن الكرٌم وإثبات استقامته تتجلى عظمته وعلّو شؤنه، ومنزلته عند اللهٖ. 6ـ خشوع الجبال وتصدُّعها: قال تعالى:" لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَّرَأٌَْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشٌَْةِ اللهَِّ " (الحشر، آٌة : ٕٔ) أي: لا تّعظ الجبل وتصدّع صخره من شدّة تؤثره من خشٌة الله، ففً هذا: بٌان حقٌقة تؤثٌر القرآن وفعالٌته فً المخلوقات، ولو كانت جبلبً أشم، وحجراً أصمٗ، وضُرب التصدّع مثلبً لشدة الانفعال والتؤثر، لأن منتهى تؤثر الأجسام الصلبة أن تنشق وتتصدّع ولا ٌحصل ذلك بسهولة. والخشوع: هو التّطؤطإ والرّكوع، أي: لرأٌته ٌنزل أعلبه إلى الأرض. والتصدع: التشقق، أي لتزلزل وتشقق من خوؾ الله تعالى٘. ولا شك أن هذا تعظٌم لشؤن القرآن، وتمثٌل لعلوّ قدره وشدّة تؤثٌره فً النفوس، لما فٌه من بالػ المواعظ والزواجر، ولما اشتمل علٌه من الوعد الحقّ والوعٌد الأكٌد، فإذا كان الجبل فً ؼلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن ـ كما فهمتموه ـ لخشع وتصدّع من خوؾ الله تعالى، فكٌؾ ٌلٌق بكم أٌُّها البشر ألاّ تلٌن قلوبكم وتخشع وتتصدّع من خشٌة الله، وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبّرتم كتابه ٙ، والمقصود من إٌراد الآٌة : إبراز عظمة القرآن الكرٌم، والحث على تؤمل مواعظة الجلٌلة، إذ لا عذر لأحد فً ذلك، وأداء حق الله تعالى فً تعظٌم ٔ تفسٌر ابن كثٌر (ٗ / ٖ٘)، تفسٌر السعدي (ٔ / ٖٕ ـ ٕٗ). ٕ عظمة القرآن الكرٌم صـ ٓ. ٖ المصدر نفسه صـ ٓ. ٗ أضواء البٌان (8 /ٙ). ٘ التحرٌر والتنوٌر (8 /ٗٓٔ). ٙ تفسٌر ابن كثٌر (ٗ/ ٖٖٗ ـ ٖٗٗ).

عدد الصفحات ١١

ٔٔ كتابه، وتوبٌخ من لا ٌحترم هذا القرآن العظٌم، وفٌه كذلك تمثٌل وتخٌٌل لعلوِّ شؤن القرآن وقوة تؤثٌر ما فٌه من المواعظٔ 7ــ انقٌاد الجمادات لعظمة القرآن: قال تعالى :" وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سٌُِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى " (الرعد، آٌة : ٖٔ). فهذا شرط جوابه محذوؾ، والمراد منه: تعظٌم شؤن القرآن العظٌم. والمعنى: ولو أن قرآناً سٌُرت به الجبال عن مقارّها وزُعزعت عن مضاجعها أو قُطعّت به الأرض حتى تتصدّع وتتزاٌل قطعاً، أو كُلم به الموتى فتسمع وتجٌب لكان هذا القرآن لكونه ؼاٌة فً التذكٌر ونهاٌة فً التخوٌؾٕ. والمقصود: بٌان عظم شؤن القرآن العظٌم، وفساد رأي الكفرة، حٌث لم ٌقدّروا قدره العلً، ولم ٌعدّوه من قبٌل الآٌات فاقترحوا ؼٌره، مما أُوتً موسى وعٌسى علٌهما السلبم .. فالمعنى :" لَوْ أَنَّ قُرْآنًا سٌُِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ " أي: بإنزاله أو بتلبوته علٌها، وزعزعت عن مقارها كما فُعل ذلك بالطور لموسى علٌه الصلبة والسلبم " أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ " أي: شققت وجُعلت أنهاراً وعٌوناً، كما فعل بالحجر حٌن ضربه علٌه السلبم بعصاه أو جعلت قطعاً متصدّعة أو " أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى " أي: بعد ما أحٌٌت بقراءته علٌها، كما أُحٌت لعٌسى علٌه السلبم، لكان هذا القرآن لكونه الؽاٌة القصوى فً الانطواء على عجابب آثار قدرة الله تعالى وهٌبتهٖ. 8ـ تحدي الإنس والجن بالقرآن: من مظاهر عظمة القرآن وعلو شؤنه، أن الله تعالى تحدّى الإنس والجنَّ أن ٌؤتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله أو بسورة مثلهٗ. قال تعالى:" قُل لَّبِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن ٌَؤْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ ٌَؤْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهٌِرًا" (الإسراء، آٌة : 88.) وقال تعالى:" أَمْ ٌَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَؤْتُواْ بِعَشْرِ سُوَر مِّثْلِهِ مُفْتَرٌََات وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِّ إِن كُنتُمْ صَادِقٌِنَ * فَإِن لَّمْ ٌَسْتَجٌِبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِّ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ " (هود، آٌة : ٖٔ ـ ٗٔ). ومع ذلك كله، ما ثابوا إلى رشدهم، وما وجدوا ما ٌتكلمون به فعادوا لما نهوا عنه وقالوا:" أختلقه محمد عمداً "، فاستدرجهم الله تعالى من حٌث لا ٌعلمون ووصل بهم إلى ؼاٌة التّبكٌت والخذلان وتحدّاهم أن ٌؤتوا بسورة مثل القرآن فعجزوا. قال تعالى:" أَمْ ٌَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَؤْتُواْ بِسُورَة مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِّ إِن كُنتُمْ صَادِقٌِنَ " (ٌونس، آٌة : 8.) ٔ تفسٌر أبً السعود (8 /ٖٖٕ) زاد المسٌر (8 /ٕٕٗ). ٕ الكشاؾ للزمخشري (ٕ/ 18)، عظمة القرآن صـٕ. ٖ تفسٌر أبً السعود (٘/ ٕٔ ـ ٕٕ). ٗ عظمة القرآن الكرٌم صـ ٖ.

عدد الصفحات ١٢

ٕٔ ولما بهت الذٌن كفروا، ولم ٌستسلموا صاروا كالذي ٌتخبطه الشٌطان من المسَّ، مرة ٌقولون استهزاء :" لَوْ نَشَاء لَقُ لْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطٌِرُ الأوَّلٌِنَ " (الأنفال، آٌة : ٖٔ). وأخرى ٌقولون عابثٌن :" ابْتِ بِقُرْآن ؼٌَْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ " (ٌونس، آٌة : ٘ٔ). وصار أمرهم على ما ٌقول الله العظٌم :" بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ ٌُحٌِطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا ٌَؤْتِهِمْ تَؤْوٌِلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذٌِنَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كٌَْؾَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمٌِنَ " (ٌونس، آٌة : 1)ٔ. فهذا القرآن العظٌم لٌس ألفاظاً وعبارات ٌحاول الإنس والجن أن ٌحاكوها، كلب وربً، إنه كلبم الله تعالى الذي تحدى به الخلق كلهم، فقال عز وجل من قابل حكٌم:" قُل لَّبِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن ٌَؤْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ ٌَؤْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهٌِرًا" (الإسراء، آٌة : 88.) فهذا تنوٌه بشرؾ القرآن وعظمته وهذه الآٌة ونحوها تُسمىّ آٌات التحدي، وهو تعجٌز الخلق أن ٌؤتوا بمثل هذا القرآن الكرٌم أو سورة منهٕ. وكٌؾ ٌقدر المخلوق من تراب أن ٌكون كلبمه ككلبم ربّ العالمٌن، أم كٌؾ ٌقدر الناقص الفقٌر من كل الوجوه أن ٌؤتً بكلبم ككلبم الكامل، الذي له الكمال المطلق،والؽنى الواسع من جمٌع الوجوه، هذا لٌس فً الإمكان ولا فً قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة بؤنواع الكلبم، إذا وزن هذا القرآن العظٌم بؽٌره من كلبم البلؽاء ظهر له الفرق العظٌمٖ. فعظمة القرآن وعلو شؤنه لا تجعل للخَلْق من إنس وجِنّ مطمعاً فً الإتٌان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهٌراً ٗ. ثانٌا : أسماء القرآن الكرٌم: للقرآن الكرٌم أسماء عظٌمة من أهمها: 1ـ الفرقان: سمّى الله تعالى القرآن فرقاناً فً أربع آٌات فً كتابه المبارك وهً: ـ قوله:" تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لٌَِكُونَ لِلْعَالَمٌِنَ نَذٌِرًا" (الفرقان، آٌة : ٔ). ـ وقال تعالى:" وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ " (آل عمران، آٌة : ٗ). ـ وقال تعالى:" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فٌِهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبٌَِّنَات مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ " (البقرة، آٌة : ٘). ٔ المصدر نفسه صـ ٘. ٕ عظمة القرآن الكرٌم صـ ٙ. ٖ المصدر نفسه صـ 00. ٗ المصدر نفسه صـ 00.

عدد الصفحات ١٣

ٖٔ ـ وقال تعالى :" وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنزٌِلبً " (الإسراء، آٌة : ٙٓٔ). وذكر المفسرون فً سبب تسمٌة القرآن بالفرقان أقوال منها: ـ سُمً بذلك لأن نزوله كان متفرقاً أنزله تعالى فً نٌؾ وعشرٌن سنة، فً حٌن أن سابر الكتب نزلت جملة واحدةٔ. ـ سُمً بذلك، لأنه ٌفرق بٌن الحق والباطل، والحلبل والحرام، والمجمل والمبٌن، والخٌر والشر، والهدى والضلبل، والؽً والرشاد، والسعادة والشقاوة، والمإمنٌن والكافرٌن والصادقٌن والكاذبٌن، والعادلٌن والظالمٌن وبه سُمً عمر بن الخطاب رضً الله عنه الفاروق، وقد بٌن ابن عاشور رحمه الله سبب تسمٌة القرآن بالفرقان بقوله: ووجه تسمٌته الفرقان أنه امتاز عن بقٌة الكتب السماوٌة بكثرة ما فٌه من بٌان التفرقة بٌن الحق والباطل، فإن القرآن ٌعضد هدٌه بالدلابل والأمثال ونحوها، وحسبُك ما اشتمل علٌه من بٌان التوحٌد وصفات الله مما لا تجد مثله فً التوراة والإنجٌل، كقوله تعالى:" لٌَْسَ كَمِثْلِهِ شًَْء " (الشورى، آٌة : ٔٔ)ٕ. وقٌل الفرقان هو النجاة، سُمً بذلك، لأن الخلق فً ظلمات الضلبلات، وبالقرآن وجدوا النجاة وعلٌه حمل المفسرون قوله تعالى:" وَإِذْ آتٌَْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " (البقرة، آٌة : ٖ٘)ٖ. وسواء كانت تسمٌة القرآن العظٌم بالفرقان، لأن نزوله كان متفرقاً فً نٌؾ وعشرٌن سنة بٌنما سابر كتب الله تعالى نزلت جملة واحدة، أو سُمً بذلك، لأنه ٌفرق بٌن الحق والباطل، أو لأن فٌه نجاة من ظلمات الضلبلات، فهذا الاختلبؾ فً التنوع ٌدل دلالة صرٌحة على عظمة القرآن، ورفعة منزلته عند الله تعالى، وعلو شؤنهٗ. 2ـ البرهان: سمىّ الله القرآن برهاناً فً آٌة واحدة فً كتابه العزٌز، وهً قوله تعالى:"ٌَا أٌَُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَان مِّن رَّبِّكُمْ " (النساء، آٌة : ٗ). ٔ عظمة القرآن الكرٌم صـ ٕ٘ٔ. ٕ المصدر نفسه صـ ٖ٘ٔ. ٖ المصدر نفسه صـ ٗ٘ٔ. ٗ المصدر نفسه

عدد الصفحات ١٤

ٗٔ فهذا خطاب لكل أصحاب الملل، الٌهود والنصارى والمشركٌن وؼٌرهم، أن الله تعالى أقام بهذا القرآن الحجة علٌهم تُبرهن لهم بطلبن ما هم علٌه من الدٌن المنسوخ، وهذه الحجة تشمل الأدلة العقلٌة والنقلٌة والآٌات الآفاقٌة، كما قال تعالى:" سَنُرٌِهِمْ آٌَاتِنَا فًِ الآْفَاقِ وَفًِ أَنفُسِهِمْ حَتَّى ٌَتَبٌََّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " (فصلت، آٌة : ٖ٘). بل كفى بالقرآن العظٌم ـ وحده ـ برهاناً على صدق الرسول صلى الله علٌه وسلم فً دعوى الرسالةٔ. فالقرآن برهان من الله لعباده، أقام به الحجة علٌهم وأظهر من خلبله أوضح الدلالات وأقواها على موضوعاته ومعانٌه وحقابقه فً العقٌدة والحٌاة وكلُّ من تعامل مع أدلة القرآن فً ٌُسرها ووضحها وتؤثر قلبه وعقله بها، وقارنها بالأدلة والبراهٌن والأقٌسة أوجدتها العقول البشرٌة وقررتها وبٌنتها كل من فعل ذلك ٌُدرك طرفاً من البرهان القرآنً وٌسره ووضوحهٕ. وتتجلى عظمة القرآن الكرٌم ومنزلته العالٌة من خلبل تسمٌته بالبرهان ذلك لأن الله تعالى أقام به الحُجة على عباده، تُبرهن لهم بطلبن ما هم فٌه من الدٌن المنسوخ، وهً حُجة متنوعة فً الاستدلال لتستوعبها عقول البشر على اختلبؾ فهومهم وثقافاتهم، وهذا من رحمة الله تعالى وحكمتهٖ. 3ـ الحق: سمّى الله تعالى القرآن حقاً فً مواضع عِدّة من كتابه، نؤخذ منها ما له صلة بموضوعنا وهً: ـ قوله تعالى:" وَإِنَّهُ لَحَقُّ الٌَْقٌِنِ " (الحاقة، آٌة : ٔ٘). أي: وإن القرآن لكونه من عند الله حق فلب رٌب فٌه ولا ٌتطرق إلٌه شكٗ. ـ وقال تعالى:" بَلْ نَقْذِؾُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فٌََدْمَؽُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق " (الأنبٌاء، آٌة : 8.) والقذؾ: الرّمً، أي نرمً بالحق على الباطل "فٌدمؽه" أي: ٌقهره وٌهلكه. وأصل الدمػ: شجُّ الرأس حتى ٌبلػ الدماغ، ومنه الدّامؽة، والحق هنا القرآن، والباطل الشٌطان فً قول مجاهد٘. ـ وقال تعالى:" وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلٌَْكُم بِوَكٌِل " (الأنعام، آٌة : ٙٙ). والضمٌر فً قوله "به" عابد على القرآن الذي فٌه تصرٌؾ الآٌاتٙ. وقوله تعالى:" وَهُوَ الْحَقُّ " جملة اعتراضٌة تتضمن شهادة الله بؤن هذا القرآن المنزَّ ل على هذا النبً الكرٌم صلى الله علٌه وسلم هو الحق من اللهٔ. ٔ فتح القدٌر (ٔ/ ٕٗ٘)، أضواء البٌان (0 /01 ـٓ). ٕ مفاتٌح للتعامل مع القرآن صـ ٖٗ. ٖ عظمة القرآن الكرٌم صـ ٙ٘ٔ. ٗ فتح القدٌر للشوكانً (٘/ ٔٓٗ). ٘ تفسٌر القرطبً (ٔٔ/ ٘). ٙ تفسٌر الثعالبً (ٔ/ 1.)

عدد الصفحات ١٥

٘ٔ والمعنى " وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ " أي: بالقرآن الذي جبتم به، والهدى والبٌان، " قَوْمُكَ " ٌعنً قرٌشاً، " وَهُوَ الْحَقُّ " أي: الذي لٌس وراءه حق، " قُل لَّسْتُ عَلٌَْكُم بِوَكٌِل " أي: لستُ علٌكم بحفٌظ، ولست بموكل بكمٕ. ـ قوله تعالى:" وَمَن ٌَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلبَ تَكُ فًِ مِرٌَْة مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ ٌُإْمِنُونَ " (هود، آٌة : 0.) قوله تعالى:" وَمَن ٌَكْفُرْ بِهِ " أي: بالقرآن ولم ٌُصدق بتلك الشواهد الحقة. وقوله" فَلبَ تَكُ فًِ مِرٌَْة مِّنْهُ " أي: فً شك من أمر القرآن وكونه من عند الله عز وجلٖ. وفٌه تعرٌض بؽٌره صلى الله علٌه وسلم، لأنه معصوم عن الشك فً القرآنٗ. وقوله تعالى:" إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ " أي: القرآن حق من الله تعالى لا مرٌة ولا شك فٌه. وقوله تعالى:" وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ ٌُإْمِنُونَ " أي: إما جهلبً منهم وضلبلاً، وإما ظلماً وعناداً وبؽٌاً وإلا فمن قصده حسناً، وفهمه مستقٌماً، فلببد أن ٌإمن به، لأنه ٌرى ما ٌدعوه إلى الإٌمان من كل وجه٘. ـ وقال تعالى:" قُلْ إِنَّ رَبًِّ ٌَقْذِؾُ بِالْحَقِّ عَلبَّمُ الْؽٌُُوبِ * قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا ٌُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا ٌُعٌِدُ " (سبؤ، آٌة : 8 ـ1.) وقوله تعالى:" قُلْ جَاء الْحَقُّ " أي: وهو الإسلبم والقرآنٙ، فهذا القرآن العظٌم الذي جاء به النبً صلى الله علٌه وسلم هو الحق: الحق القوي الذي ٌقذؾ به الله تعالى، فمن ذا ٌقؾ للحق الذي ٌقذؾ به الله تعالى؟ وكؤنما الحق قذٌفة تصدع وتخرق وتنفذ ولا ٌقؾ لها أحد فً طرٌق، ٌقذؾ بها الله تعالى علبّم الؽٌوب، فهو ٌقذؾ ب ها عن علم، وٌوجهها على علم، ولا ٌخفى علٌه هدؾ، ولا تؽٌب عنه ؼاٌة، فالطرٌق أمامه تعالى مكشوؾ لٌس فٌه ستور0. ومن خلبل تسمٌة القرآن الكرٌم باسم الحق تبرز عظمته ومنزلته العالٌة، فلببد أن ٌإمن الناس لهذا الحق الأوحد وٌستجٌبوا له، لأن مصدره هو الإله الأوحد جلّ جلبله8. 4ـ النبأ العظٌم: قال تعالى:" قُلْ هُوَ نَبَؤ عَظٌِم * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ " (ص، آٌة : 0 ـ8.) أي: خبر عظٌم وشؤن بلٌػ، وهو إرسال الله إٌاي إلٌكم " أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ " أي: ؼافلون. فً قوله عزّ وجلّ " قُلْ هُوَ نَبَؤ عَظٌِم " ٌعنً: القرآنٔ. ٔ أضواء البٌان (0 /ٕٙٗ). ٕ تفسٌر ابن كثٌر (ٖ/ ٖ٘ٔ). ٖ تفسٌر أبً السعود (ٗ/ ٘). ٗ فتح القدٌر، للشوكانً (ٕ/ 88.) ٘ تفسٌر السعدي (ٕ/ 1.) ٙ زاد المسٌر (ٙ/ ٙٙٗ). 0 فً ظلبل القرآن(٘/ ٘ٔ). 8 عظمة القرآن الكرٌم صـٔٙٔ.

عدد الصفحات ١٦

ٙٔ وقال تعالى:" عَمَّ ٌَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظٌِمِ " (النبؤ، آٌة : ٔ ـ ٕ). ولاشك بؤن القرآن نبؤ عظٌم، فمنذ إٌجاد البشرٌة، وتكوٌنها، ما رأت ولا سمعت بمثل هذا القرآن العظٌم فهو عظٌم فً اسلوبه، وعظٌم ف ً روعته، وعظٌم فً معناه، وعظٌم فً جمال تركٌبه، وعظٌم فً وعده ووعٌده وعظٌم فً أحكامه، وعظٌم فً أمره ونهٌه، وعظٌم فً أخباره وقصصه وأمثالهٕ. 5ـ البلاغ: قال تعالى:" هَـذَا بَلبَغ لِّلنَّاسِ وَلٌُِنذَرُواْ بِهِ " (إبراهٌم، آٌة : ٕ٘). فلما بٌن البٌان المبٌن فً هذا القرآن قال فً مدحه " هَـذَا بَلبَغ لِّلنَّاسِ " أي: ٌتبلؽون به وٌتزودون إلى الوصول إلى أعلى المقامات، وأفضل الكرامات لما اشتمل علٌه من الأصول والفروع وجمٌع العلوم التً ٌحتاجها العباد "وَلٌُِنذَرُواْ بِهِ " لما فٌه من الترهٌب من أعمال الشر وما أعد الله لأهلها من العقابٖ. 6ـ الروح: قال تعالى:" وَكَذَلِكَ أَوْحٌَْنَا إِلٌَْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإٌِْمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا" (الشورى، آٌة : ٕ٘). والمعنى " وَكَذَلِكَ " حٌن أوحٌنا إلى الرسل قبلك " أَوْحٌَْنَا إِلٌَْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا " وهو: هذا القرآن العظٌم، سمّاه روحاً، لأن الروح ٌحٌا به الجسد، والقرآن تحٌا به القلوب والأرواح، وتحٌا به مصالح الدنٌا والدٌن، لما فٌه من الخٌر الكثٌر وهو محض منة الله على رسوله وعباده المإمنٌن، من ؼٌر سبب منهم، ولهذا قال تعالى:" مَا كُنتَ تَدْرِي " أي: قبل نزوله علٌك "مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإٌِْمَانُ " أي: لٌس عندك علم بؤخبار الكتب السابقة، ولا إٌمان وعمل بالشرابع الإلهٌة بل كنت أمٌاً لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الروح الذي " جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا" ٌستضٌبون به فً ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردٌة، وٌعرفون به الحقابق، وٌهتدون به إلى الصراط المستقٌمٗ. 7ـ الموعظة: قال تعالى:" ٌَا أٌَُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَة مِّن رَّبِّكُمْ " (ٌونس، آٌة : 0.) ٌعنً: القرآن ٌتعظ به من قرأه وعرؾ معناه، ٌا أٌها الناس قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملٌة، الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها المرؼبة فً المحاسن والزاجرة عن المقابح. قد جاءكم كتاب جامع لكل المواعظ أو الوصاٌا الحسنة التً تُصلح الأخلبق والأعمال وتزجر عن الفواحش، وتشفً الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد ٔ تفسٌر ابن كثٌر (ٗ/ ٖٗ). ٕ عظمة القرآن الكرٌم صـ ٕٙٔ. ٖ تفسٌر السعدي (ٔ/ 8.) ٗ المصدر نفسه (ٗ/ ٖٗٗ ـ ٖ٘ٗ).

عدد الصفحات ١٧