33 لم حمسم خياراتها بعد .. وأتساءل عن موقف العاملين للإسلام منها .. حتى قرأت قوله تعالى: (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يََْمَنُوكُمْ وَيََْ مَنُوا قـَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلىَ الْفِتـْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) وكنت ألاحظ أن بعض الأخيار يرخي أذنه إلى هؤلاء المحرفين ويستمع لهم، لكن استماعه مع الوقت يتحول من استماع فضول إلى استماع تأثر .. فتتشوش الأمور عنده وتهتز قناعاته.. فيطوح به ذلك الاستماع إلى غيوم الفتنة .. كما قال تعالى: (يـَبـْغُونَكُمُ الْفِتـْنَةَ وَفِيكُمْ سَََّاعُونَ لَُْمْ) وكثير من الأخيار يبقى يتلظى بنيران الحيرة، فلا هو استطاع أن يحسم خياراته .. ولا هو استطاع أن يوقف سيل التساؤلات .. ويصبح انتماؤه كغصن عذبته تقلبات ا لرياح .. فلاهو استلقى على أحد جانبيه .. ولا هو انكسر فاستراح .. ومن جرب عذابات الحيرة والشكوك والارتيابات عرف أنها أكثر ألماً من الضلال ذاته.. ولذلك قال تعالى: (مُذَبْذَبِينَ بـَينَْ ذَلِكَ لََ إِلىَ هَؤُلََءِ وَلََ إِلىَ هَؤُلََءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللََُّّ فـَلَنْ تََِدَ لَهُ سَبِيلاً)
عدد الصفحات ٣٣34 حين رأيت هذه الأمثلة السابقة كلها وغيرها كثير كثير .. لايمكن الإطالة بذكره .. علمت بالضبط ماذا يعني أن القرآن تبيان لكل شئ.. حينها وحينها فقط .. أدركت شيئاً من أسرار قوله تعالى: (وَنـَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبـْيَانًَ لِكُل ِ شَيْءٍ) .. أمثال مضروبة في القرآن فيها الإجابة عن كل شئ في حياتك .. من شعائرك ومعاملاتك إلى دقائق الصراعات الفكرية والسياسية .. دع عنك المظاهر والرسوم .. ورفرف بين أمثلة القرآن .. وتأمل المعنى المشترك بين (المثل القرآني) و (الصو رة المعاصرة) وستنكشف لك سجف الحقائق .. صدق القائل سبحانه: (وَلَقَدْ ضَرَبـْنَا لِلنَّاسِ فِِ هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُل ِ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يـَتَذَكَّرُونَ) من كل مثل .. من كل مثل ..
عدد الصفحات ٣٤35 الرسالة الرابعة: جوابات القـرآن ** أثار انتباهي زمناً أن كل الشباب المبتدئين في الثقافة والذين يتبجحون بأفكار مخالفة للقرآن أنك حين تقترب من أحدهم وتبدأ في مناقشته يتكشف لك داخل صدره بالون الغرور المنتف .. والزهو المزيف بأنه مطلع ويعرف مصطلحات معقدة بين مجموعة من الجهلة .. الحقيقة أنني لم أستطع أن أربط بين (الغرور) و (الضلال عن آيات الوحي) .. لم يدر في خلدي أن فقاعة الغرور تلك هي التي عصبت عينيه عن إبصار برهانية آيات الوحي .. وحين مررت هذه الأيام بآية في كتاب الله، ارتبطت أمامي أطراف الصورة من جديد .. كم اندهشت حين اكتشفت عبر القرآن أن المريض بخيلاء الثقافة يعا قبه الله بأن يحجب عنه برهانية أنوار الوحي .. قال الحق تبارك وتعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيََتَِِ الَّذِينَ يـَتَكَبـَّرُونَ فِِ الأَْرْضِ بِغَيرِْ الَْْق ِ، وَإِنْ يـَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَ يـُؤْمِنُوا بَِِ ا ) الأعراف (146) ** كنت مرة في صالون ثقافي شه شرق الرياض، كان ينظمه أسبوعياً أحد الوجهاء/الأدباء، وفي أحد التعقيبات استلم هذا الوجيه/الأديب اللاقط وانهمر يلمز خطاب أهل السنة والجماعة بأنه خطاب مبني على الكراهية، وأخذ يندد بخطاب الكراهية، وثقافة الكراهية، بكل حجة ممكنة .. إحدى تلك الحجج التي كررها أكث ر من مرة، ولفتت انتباهي، بل وفكرت فيها طويلاً، هي قوله (لماذا نكره من يختلف عنا دينياً، هم لم يختاروا أفكارهم إلا
عدد الصفحات ٣٥36 لأنهم يرون أنها هي الصواب، هل يعقل أن يعرف المرء أن فكرة ما غير صواب ومع ذلك يتبناها؟ هل يعقل أن يضر المرء نفسه؟ ) .. وتكررت العبارة الأخيرة ك ثيرا (هل يعقل أن يختار أن يضر المرء نفسه؟ هل يعقل أن يختار أن يضر المرء نفسه؟) .. ثم بعد فترة مررت بآية في كتاب الله هزتني هزاً .. وأخذ سؤال ذلك الوجيه/الأديب يتصدع أمام عيني وينثال كثيباً مهيلاً .. آية في كتاب الله كشفت كيف يعرف المرء الحق أكثر مما يعرف و لده .. ومع ذلك يختار الضلالة .. هل هناك أشد من معرفة الإنسان ولده الذي من صلبه؟ ومع ذلك قد يصل الانسان إلى مثل هذه المعرفة في الوعي بالمطلوب شرعاً لكنه يقرر بمحض إرادته اختيار الباطل بسبب هواه .. قال تعالى: (الَّذِينَ آتـَيـْنَاهُمُ الْكِتَابَ يـَعْرِفُونَهُ كَمَا يـَعْرِفُونَ أَبـْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنـْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الَْْقَّ وَهُمْ يـَعْلَمُونَ) البقرة (146) ** ثمة طائفة من الناس ليس لهم جهود في الاحتساب ومدافعة الباطل وأهله، ولكنهم مقرون بتقصيرهم منكسرون لله إزاء استغراقهم وانهماكهم بشؤو نهم المعيشية عن نصرة دين الله، ومحبون وموالون لأولئك المحتسبين الذين يجاهدون المنكرات الشرعية ويضحون بوقتهم ومالهم وراحتهم .. فالفريق الثاني ما أقربه إلى الأول ببركة مبدأ "المرء مع من أحب" .. ولكن ثمة فريق ثالث من الناس لم يكتفوا بقعودهم وتقصيرهم في الاحتساب والدعوة .. بل زادوا على ذلك بأن امتهنوا التثبيط والتخذيل وتشجيع التثاقل إلى الأرض، لاتراهم في أي منكر من المنكرات، وإنما تراهم يتصيدون الشبهات والشذوذات يصدون بها الدعاة عن حميتهم وغيرتهم .. وهذا الفريق الثالث توعده الله بخطاب مخيف حين يقول الله عنهم: (قَدْ يـَعْلَمُ اللََُّّ الْمُعَو ِقِينَ مِنْكُمْ) الأحزاب (18)
عدد الصفحات ٣٦37 ** تمر بالمرء آيات كثيرة بين ثنايا المصحف تعظم من شأن الأنبياء .. وتملأ قلب المؤمن إجلالاً لهم وتوقيراً لمنازلهم .. ولكن ثمة آية واحدة ذكر الله فيها موسى عليه السلام .. لا أدري لماذا يقشع ر بدني حين أمر بها .. أعرف أن موسى هو الرجل الثالث في ميزان الله بين مليارات البشرية جمعاء في كل تاريخها الطويل .. لكن هذه الآية بلغت من الدلالة على عظمة موسى ماينخلع له قلبي حين أمر بها .. قد يذكر الله صفة عظيمة من صفات نبي .. وهذا لاشك منقبة جليلة .. لكن أن يذكر الله سبحانه وتعالى عن نفسه شيئاً يخص هذا الشخص بعينه، ويذكره بمثل هذه اللغة المليئة بمعاني الفرادة .. فهذا مالم أستطع أن أتمالك نفسي كل مامررت بها .. يقول تعالى عن موسى عليه السلام: (وَاصْطَنـَعْتُكَ لِنـَفْسِي) طه (41) ** حين تكون "العلاقة الزوجية" على مايرام فإن الرياح تجري بما تشتهي السفن .. لكن حين تتأزم العلاقة الزوجية وتصل إلى عنق الزجاجة .. ويصبح الطلاق هو الزلزال الوشيك فإن "التقوى وخوف الله" تكون غالباً في أضعف حالاتها .. إن أيام الشجار التي تسبق الطلاق تكون غالباً مليئة بالفجور في الخص ومة .. ولذلك ما أكثر ماشدني ولفت انتباهي آيتين متتاليتين في كتاب الله حمدثتا عن أحكام الطلاق .. فبرغم أن الآيتين مكرستين لأحكام الطلاق إلا أن الله سبحانه ذكّر الزوجين فيها بمراعاة "حدود الله" ستة مرات .. في آيتين فقط مخصصتين لأحكام الطلاق ومع ذلك يؤكد ربنا مراعاة " حدود الله" ستة مرات! .. أي إشارة لتأكيد هذا الموضوع أكثر من ذلك .. بالله عليك أقرأ هاتين الآيتين بترسّل .. وانظر كيف يختار الله الموضع الذي يعيد فيه التأكيد على "حدود الله" .. يقول تعالى:
عدد الصفحات ٣٧38 (الطَّلاقُ مَرَّتََنِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بَِِعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِ يحٌ بِِِحْسَانٍ ۖ وَلََ يَُِلُّ لَكُمْ أَنْ تََْخُذُوا مَِِّا آتـَيـْتُمُوهُنَّ شَيـْئًا إِلَ أَنْ يَََافَا أَلََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللََِّّ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَ يُقِيمَا حُدُودَ اللََِّّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افـْتَدَتْ بِهِ ۖ تِلْكَ حُدُودُ اللََِّّ فَلا تـَعْتَدُوهَا ۖ وَمَنْ يـَتـَعَدَّ حُدُودَ اللََِّّ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ** فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تََِلُّ لَهُ مِنْ بـَعْدُ حَتََّّٰ تـَنْكِحَ زَوْجًا غَيـْرَهُ ۖ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يـَتـَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِ يمَا حُدُودَ اللََِّّ ۖ وَتِلْكَ حُدُودُ اللََِّّ يـُبـَي ِنـُهَا لِقَوْمٍ يـَعْلَمُونَ) البقرة (229-230) ** حين يطالع المرء المقالات والمذاهب المنحرفة التي رواها القرآن عن خصوم الرسل، وح يطالع المرء –أيضاً - موسوعات فن "الملل والنحل" فإنه يلاحظ ظاهرة ح ادة الوضوح لايمكن بتاتاً أن تعبر بين عينيه دون أن يحدق فيها .. بل لقد سمعت الكثير من المراقبين لايمل من تكرار تساؤله عن هذه الظاهرة .. ألا وهي ظاهرة ( إعادة إنتاج الَنحراف) .. فالكثير الكثير من الظواهر الفكرية المنحرفة عن مبادئ الوحي حين حملل جوهرها تجد أنه ا فكرة قديمة أكل عليها الدهر وشرب .. صحيح أن هناك تجديد وتغيرات في شكل الصياغة والمكياج اللغوي، لكن جوهر الفكرة المنحرفة فيه تشابه هائل مثير للدهشة .. إنها أشبه بتدوير النفايات من جديد (Recycling) ، فالشكل الخارجي مختلف لكن المادة هي المادة! .. خذ مثلاً: المفكر العلماني المعروف محمد أركون كتب عدة دراسات يلمز القرآن بأنه أسطوري البنية بسبب الوسط الثقافي الذي تشكلت فيه تصورات محمد .. يتصور أن هذه نظرية جديدة! برغم أن الله ساق عن مشركي قريش ذات النظرية (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) .. وهؤلاء هم الليبراليون في أيام غزة صاروا يرددون بأن المقاومة "لو كانوا عقلاء وسمعوا نصيحتنا والتزموا الصمت لما وقع عليهم القتل والذبح" .. برغم أن الله ساق هذه المقالة
عدد الصفحات ٣٨39 عن المنافقين حين قالوا (الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ماقتلوا، قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) .. بل كان بعض السلف يرى أن آية (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) تكررت في مشهد انحراف فلاسفة الإسلام عن الوحي غرورا بعلومهم العقلية! .. وشواهد هذه الحالة التي يرى المرء فيها المذاهب المنحرفة في القرآن يعاد إنتاجها مع بعض التحسينات الشكلية كثيرة جداً، حتى كان بعض السلف إذا رأى بدعة يتصور بعض الناس أنها جديدة يقول (لكل قوم وارث) أي أن هذه لها أصول قديمة فلاجديد! المهم ليس ماسبق كله .. المهم أنني كنت أتصور أن هذه الملاحظة هي مجرد فرضية في قراءة تاري الملل وال نحل، وليس هناك استقراء واضح يؤكد كونها فعلاً ظاهرة تاريخية .. ولكم كانت دهشتي في غايتها حين وقفت على آية عظيمة تشرح هذا القانون التاريخي الذي تعيد فيه الانحرافات إنتاج ذاتها، وتبدد وهمي السابق أنها مجرد ملاحظة عابرة يبديها بعض المختصين .. يقول الحق تبارك و تعالى: (مَا يـُقَالُ لَكَ إِلَ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قـَبْلِكَ ) فصلت (43) ** من الأمور اللافتة للانتباه أن هذا القرآن العظيم برغم كونه هدى وشفاء وبيان ونور وحجة وبرهان الخ الخ .. إلا أنه من الغريب فعلاً أنه ليس كل الناس ينتفعون بهذا الهدى والبيان! وطالما ثار في ذهني تساؤل غريب: مادام أن هذا القرآن هدى وبيان لم لم يهتد به الناس جميعاً؟ بل كنت أرى ظاهرة وأحمرز من التصريح بها خوفاً من أكون انتهكت هذا الوصف القرآني، حيث كنت أرى بكل وضوح خلال تاريخنا أن كثيراً من المنتسبين للمعرفة يتورطون في حمريف وجحد بعض معاني القرآن لتوافق ثقافة المنتصر (حمريف الغيبيات لتوافق الثقافة
عدد الصفحات ٣٩40 اليونانية، وحمريف التشريعات لتوافق الثقافة الغربية) .. فبكل صراحة كنت أقول في نفسي هؤلاء لما قرءوا القرآن لم يهتدوا، بل ولم يخِفّ ضلالهم، وإنما زاد ضلالهم، فبعد أن كان ضلالاً بسيطاً ، صاراً ضلالاً مركباً، لكنني كنت أتخوف من أن أصارح نفسي بمثل هذه النتيجة، وأتوقف كثيراً أمامها، وأعود للتساؤل: هل يمكن أن يقرأ الإنسان القرآن ويزداد ضلالاً؟ .. وبعد مدة وقفت على الجواب في القرآن، وكشف الحق تبارك وتعالى عن هذه الظاهرة بكل وضوح، حيث أوضح أن القرآن لبعض الناس زيادة هدى، ولبعض الناس زيادة ضلال بسبب أهوائهم، تأمل بالله عليك كيف يصف القرآن حال الناس عند نزول سورة جديدة من سور القرآن: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنـْهُمْ مَنْ يـَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فـَزَادَتـْهُمْ إِيمَانًَ وَهُمْ يَسْتـَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِِ قـُلُوبِِِمْ مَرَضٌ فـَزَادَتـْهُمْ رِجْسًا إِلىَ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ 124-125] ** إذا كان الله سبحانه وتعالى عاتب سيد الخلق عليه الصلاة والسلام بسبب أنه تصدى لبعض النافذين يريد هدايتهم، لما يرجوا من هداية من ورائهم بهم، وانشغل عن أحد الضعفاء، من باب موازنة المكتسبات الدعوية .. ومع ذلك عاتبه الله في آيات تتلى إلى يوم القيامة .. فكيف –بالله عليكم- برجل منتسب إلى المشيخة يؤول آيات القرآن ليستحوذ على إعجاب الإعلام وصناع القرار! يقول تعالى في واحد من أعظم دروس الدعوة: (أَمَّا مَنِ اسْتـَغْنىَٰ * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىٰ) عبس ( 5-6)
عدد الصفحات ٤٠41 ** كثير من المتثيقفين المعاصرين يصورون أي خطاب ديني يعظم من قيمة حياء المرأة" على أنه خطاب ذكوري متسلط يريد إضعاف الم رأة ليستولي عليها، فهم يريدون المرأة أن تتحدث علناً كما يتحدث الرجال لأنه في نظرهم مقتضى المساواة .. يا ألله لاتدري كم شعرت بالأسى لهؤلاء المساكين وأنا أقرأ تصوير القرآن لحياء فتاة مدين .. ذلك التصوير الذي يحمل تثميناً ضمنياً .. يقول تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِ حْدَاهَُُا تمَْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) القصص ( 25) -كلما عظم شأن الرسالة عظم شأن ناقلها، فأي رسالة أعظم من أن يكون المتكلم بها رب العالمين، ونزل بها من السماء سيد الملائكة، واستقبلها على الأرض قلب سيد البشر: (وَإِنَّهُ لَتـَنْزِيلُ رَب ِ الْعَالَمِينَ ، نـَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَىٰ قـَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 192- 194] ولذلك فإن كل من نقل هذه الرسالة القرآنية وبثها في الناس فقد تشرف بارتباطه بهذه السلسله، ألا ترى النبي في الصحيح يقول (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). -إذا كان الله نهى نبيه عن مقاطعة القرآن بالقرآن، فكيف بمن يقاطع القرآن بأمر الدنيا، (وَلَ تـَعْجَلْ باِلْقُرْآنِ مِنْ قـَبْلِ أَنْ يـُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ 114]
عدد الصفحات ٤١42 -تختلف طرائق الدعاة في تذكير الناس، فبعضهم يستعمل القصص والأمثال، وبعضهم بذكر الأهوال، وبعضهم بالأصوات الزاجرة، وأشرف من ذلك كله إيقاظ القلوب بالقرآن، ألا ترى الله يقول عن نبيه (قُلْ إِنَََّّا أُنْذِرُكُمْ باِلْوَحْيِ45] -ما قرأت هذه الآية إلا شعرت بالخجل من جنس بني آدم، كيف عبر عن غيرنا بالعموم وع عنا بالجزء : ( أَلََْ تـَرَ أَنَّ اللَََّّ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِِ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِِ الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالِْْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ 18] -حين يكون مع المبدأ شئ من حظ النفس يُقبِل الكثيرون، وحين يكون مع المبدأ شئ من الكلفة يكثر التعلل والتنصل، ألا ترى الله تعالى يقول (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَتـَّبـَعُوكَ وَلَٰكِنْ بـَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ 42 ]وهذا مايفسر للمراقب: لماذا في وقت نفوذ الدعوات ينتسب لها الرسالي والنفعي، وفي فترات الضعف يتساقط النفعيون؟! -إذا عمر القلب بإرادة وجه الله والدار الآخرة استكثر أدنى تقدير يبديه من حوله تجاهه، فتراه ممتناً لأبسط اهتمام تبذله زوجته له، وخجولاً من أقل توقير يبديه أقرانه تجاهه، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف (إِنَََّّا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللََِّّ لَنُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَشُكُورًا9] وإذا شحن القلب بحظوظ النفس استقل كل حشمة يحيطه من حوله بها، ويتطلب فيمن حوله أن لاتنقطع إشادتهم وتنويههم بما قام به، لذا تراه دائم التذمر والنقمة ولم ز من حوله بجحد
عدد الصفحات ٤٢43 فضائله، وينسى أنه يعمل العمل لنفع نفسه أصلاً، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف(يمَُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَتمَُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللََُّّ يمَُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ 17] -لو فتشت في خفايا كثير من النفوس لوجدت تصورات مطمورة بأن هذه الأمم الغربية قوة لاتقهر، بل لقد صرح بذلك كثير من "أهل الأهواء الفكرية" فرددوا في كتاباتهم مصطلح "المعجزة الغربية" بما يحمله من إيحاءات الاستسلام وتأبيد الهزيمة .. ولأن العليم الخبير سبحانه يعلم مايتسرب إلى النفوس من هذه التصورات فقد نبه سبحانه لذلك مسبقاً فقال (لَ تََْسَبَََّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِِ الأَرْضِ 57] -في سورة النور ذكر الله ثمان آيات متصلة كلها في تعظيم الَنقياد للوحي" (الآيات 47- 54) ، ثم أعقبها بآية عنالَستخلاف والتمكين" (55) ، فكأن هذا–والله أعلم- إشارة إلى أن التمكين ثمرة الانقياد. -يكثر في كتابات أهل الأهواء الفكرية أنهم حين يستعرضون أصحاب المكتشفات العلمية أو الأعمال الإنسانية أن يجزموا بأن هذه الشخصيات في الجنة حتى وإن لم يؤمنوا بنبوة محمد، وتراهم يقولون "كيف يكون هؤلاء في النار وقد نفعوا البشرية جمعاء؟!" ، فلست أدري كيف
عدد الصفحات ٤٣44 يتجرأ هؤلاء على حمدي حكم الله الذي اشترط الإيمان بنبوة محمد (وَمَا مَنـَعَهُمْ أَنْ تـُقْبَلَ مِنـْهُمْ نـَفَقَاتـُهُمْ إِلَ أَنـَّهُمْ كَفَرُوا باِللََِّّ وَبِرَسُولِهِ54] -مروجوا الشهوات لايقتصر ضررهم على أنفسهم كما يتصور البعض، بل يورطون أقوامهم معهم إذا أتاحوا الفرصة لهم، ألا ترى الله يقول (أَلََْ تـَرَ إِلىَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللََِّّ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قـَوْمَهُمْ دَارَ الْبـَوَارِ28] -مارأيت أحداً من ا ادلين في دين الله بلامخزون علمي إلا وأدهشني كيف يلوي عنقه استكباراً إذا واجهته الأدلة التي حمرج جدله، وقد أشار القرآن لهذه العلاقة فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يجَُادِلُ فِِ اللََِّّ بِغَيرِْ عِلْمٍ وَلَ هُدًى وَلَ كِتَابٍ مُنِير، ثََنَِِ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللََِّّ) [8-9] -لايحصل العلم بلقاء عابر، وإنما بملازمة ومتابعة العلماء، ألا ترى موسى يقول للخضر (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تـُعَل ِمَنِ مَِِّا عُل ِمْتَ رُشْدًا 66] -أي بشاعة للتقصير في بر الوالدين أكثر من كون الله جعله جريمة "جبروت" فقال عن عيسى (وَبـَرًّا بِوَالِدَتِِ وَلََْ يجَْعَلْنيِ جَبَّارًا شَقِيًّا) وقال عن يحي (وَبـَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلََْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [32،14]
عدد الصفحات ٤٤45 الرسالة الخامسة: ملاحظات قرآنية -فحوى المذهب الإنساني أن "الإنسان فوق العقائد" وقد تولى رب العالمين بنفسه الرد على ذلك بأوجز عبارة فقال: ( والفتنة أشد من القتل) البقرة 191. -من أدق المبادئ العقلية للتحليل والتقييم أن الأمور لا تقاس بالنظر المجرد لموجباتها فقط، بل بحصيلة توازنات الموجب والمعارض، فإذا وجد موجب ان أحدهما أقوى من الآخر، لكن الموجب الأقوى عارضه مانع أضعفه، فإنا نقدم الموجب الأضعف اعتباراً بالمحصلة النهائية. وقد نبه القرآن على هذه القاعدة العقلية في قوله تعالى: ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) البقرة 263. ولقد تأملت كثيراً من اعتراضات المعا صرين على ما توهموه تناقضاً في فقه السلف، فرأيته بسبب أن السلف ينظرون للمسائل باعتبار الصورة المركبة، وهؤلاء ينتقون آحاد الموجبات، أو آحاد الموانع. -حين تهم بالنفقة، ثم تغل يدك خشية الفقر؛ فاعلم أن الشيطان قد نفذ المهمة: "الشيطان يعدكم الفقر " البقرة 268.
عدد الصفحات ٤٥46 -يعمد بعض المتثيقفين إلى استخدام لغة شرعية لتمرير قضايا غير شرعية، وهذه اللعبة اللسانية حيلة كتابية قديمة، قال تعالى: "وإن فريقاً منهم يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب" آل عمران 78. -حتى لو سلم الداعية من الضرر الجسدي من أعداء الدعوة، فلن يسلم من الأذى المعنوي: "لن يضروكم إلَ أذى" آل عمران 111. -موت أئمة الدين يورث الوهن في نفوس الضعفاء فتكثر ظاهرة الانقلاب على الأعقاب، وقد شاهدنا ذلك في عصرنا بعد موت الكبار، فإذا كان الله حذرنا من ذلك بعد موت أعظم أئمة الدين فكيف بمن دونه: "وما محمد إلَ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم" آل عمران 144. -الخطاب السلمي يدعونا للتخلي عن بعض الأحكام العقدية ليسود الوئام الوطني، برغم أن التخلي عن شيء من الشريعة يستنزل العقوبة الإلهية بانشار البغضاء: "فنسوا حظاً مِا ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء" المائدة 14. -أي إشارة إلى خصوصية تلاوة القرآن في رمضان أكثر دلالة من كون الله تعالى اختار هذا الشهر بعينه ليكون توقيت أول لحظة تشهد نزول القرآن العظيم من السماء إلى الأرض: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن" البقرة 185.
عدد الصفحات ٤٦