17 ألفاظ النصوص بالتأويل لتوافق رغبا م وأهوائهم .. وآيات القرآن في ارتباط الكوارث الكونية بالمعاصي والذنوب .. وآيات القرآن في ترتيب جدول أولويات النهضة بين التوحيد والإيمان والفرائض والفضيلة وإعداد القوة المدنية .. الخ الخ فبالله عليكم قولي لي ماذا سيتبقى -بعد ذلك- من أطلال الانحرافات الفكرية المعاصرة ؟! حين يقرأ الشاب المسلم –الباحث عن الحق - مثل هذه الآيات فإنه ليس أمام " خطاب فكري" يستطيع التخلص منه عبر مخرج "الاختلاف في وجهة النظر" .. بل هو أمام " خطاب الله" مباشرة .. فإما الانصياع وإما النفاق الفكري .. ولاتسويات أو حلول وسط أمام أوام ر ملك الملوك سبحانه وتعالى .. لنجتهد فقط في حمريض وتأليب العقل المسلم المعاصر على الإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، في تجرد معرفي صادق للبحث عن الحقيقة .. وصدقوني سنتفاجأ كثيراً بالنتائج .. قراءة واحدة صادقة لكتاب الله .. تصنع في العقل المسلم مالاتصنع ه كل المطولات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي .. قراءة واحدة صادقة لكتاب الله .. كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأساً على عقب .. هذا القرآن حين يقرر المسلم أن يقرأه بـ"تجرد" .. فإنه لايمكن أن يخرج منه بمثل مادخل عليه .. هذا القرآن ي قلب شخصيتك ومعاييرك وموازينك وحميتك وغيرتك وصيغة علاقتك بالعالم والعلوم والمعارف والتاري ..
عدد الصفحات ١٧18 وخصوصاً .. إذا وضع القارئ بين عينيه أن هذا القرآن ليس مجرد "معلومات" يتعامل معها ببرود فكري .. بل هو "رسالة" حممل قضية ودويا .. وإن من أكثر الأمور لفتاً للانتباه في هذا القرآن العظيم .. هي ماحكاه الله عن انفعال الأنبياء بالقرآن انفعالا وجدانيا وعاطفيا عميقاً .. خذ مثلاً .. لما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى: {النَّبِي ِينَ مِنْ ذُر ِيَّةِ آدَمَ وَمَِِّنْ حََْلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُر ِيَّةِ إِبـْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمَِِّنْ هَدَيـْنَا وَاجْتـَبـَيـْنَا إِذَا تـُتـْلَى عَلَيْهِمْ آيََتُ الرَّحَْْنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [58] يا ألله .. هذه الآية تصور "جنس الأنبياء" لا بعضهم .. فانظر بالله عليك كيف يبلغ اتصالهم بـ"كلام الله" مبلغ الخرور إلى الأرض ودموعهم تذرف بكاءً وتأثراً .. أي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟! ويصف تعالى مشهداً آخر يأسر خيال القارئ، حين يصور أهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى: {83 ] ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعا {عِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يََْشَوْنَ رَبـَّهُمْ ثَُُّ تَلِينُ جُلُودُهُُْوَقـُلُوبـُهُمْ إلى ذِكْرِ اللََِّّ على أية حال .. لو أفلحنا في إقناع الشاب المسلم بالإقبال على القرآن بالتدبر الصادق المتجرد للبحث عن الحق .. فاعتبروا أن "الدور المعرفي" تقريب اً انتهى .. وبقيت مرحلة الإيمان
عدد الصفحات ١٨19 .. فمن كان معه إيمان وخوف من الله فسيحمله على الانقياد والانصياع لله سبحانه .. ومن أرخى لهواه العنان .. فسيتخبط في شُعب النفاق الفكري .. حيث سيبدأ في أن يعلن على الملأ –كما يعلن غيره- أنه "يحترم ضوابط الشريعة" .. لكنه في دخي لة نفسه يدرك أن كل مايقوله مخالف للقرآن ..! بقي الاستثناء الوحيد هاهنا .. وهو أنني أقول أن من كانت نفسيته المعرفية سوية .. أعني أنها تنظر في "جوهر البرهان" وليس في "شكليات الخطاب" فلن يحتاج إلا لقراءة القرآن بتجرد .. أما من كان يعاني من عاهات في شخصي ته الفكرية .. بحيث أنه يقدم وهج الديكور اللغوي على جوهر البرهان .. فهذا النوع المريض من الناس قد يحتاج فعلاً بعض الكتابات الفكرية التي تخدعه ببعض الطلاء التسويقي .. كما قال الامام ابن تيمية في حادثة مشابهة في كتابه "الرد على المنطقيين" : (وبعض الناس: يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل فِ الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لَ تفرح نفسه به..، فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم، أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لَ يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات) ختاماً .. أعطوني ختمة واحدة بتجرد .. أعطيكم مسلماً سنياً سلفياً حنيفاً .. ودعو عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة ..
عدد الصفحات ١٩20 الرسالة الثالثة: كنت أظنه ظاهرة جديدة .. سمعته يلوم المقاومة ويتهكم بها بأنهم لو كانوا عقلاء وسمعوا نصيحتنا والتزموا الصمت لما وقع عليهم القتل والذبح .. فظننت أن مثل هذه المواقف إنما هي من الانتكاسات المعاصرة التي لاسابق لها .. حتى قرأت قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا لإِِخْوَانِِِمْ وَقـَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونََ مَا قُتِلُوا) ورأيت عدداً من المتثيقفين يردد شعارات الوطنية ويقول أن غزة شأن فلسطيني لسنا مسؤولين عنه، بل يجب أن نركز ثروتنا وطاقتنا في الشأن السعودي فقط، نحن سعوديون أولاً، فتوهمت أن هذا التذرع بالوطنية للتنصل من المسؤولية الدينية في دعم المقاومة إنما هي انحراف معاصر.. حتى قرأت قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنـْهُمْ يََ أَهْلَ يـَثْرِبَ لََ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) ورأيت كاتباً آخر يلوّح بأن اختيار المقاومة فصل الشتاء القارس للتصعيد السياسي جريمة تجعل المسؤولية مسؤوليتها في ضخامة الأضرار .. فظننت أن هذا التعلل بالفصول الأربعة في التهرب عن نصرة المقاومة إنما هو تقليعة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَقَالُوا لَ تـَنْفِرُوا فِِ الَْْر ِ قُلْ نََرُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يـَفْقَهُونَ)
عدد الصفحات ٢٠21 ورأيت كاتباً آخر ينهرالمحتاجين في غزة، ويعلن في عنوان مقاله بكل فجاجة فيقول (وإذا تبرعنا فهل ستشكرون؟!) فتوهمت أن هذه المنة والأذية وتطلّب الامتنان والتقدير إنما هي مستوى قياسي جديد في التبذل الأخلاقي .. حتى قرأت قوله تعالى: (قـَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيـْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يـَتـْبـَعُهَا أَذًى وَاللََُّّ غَنيٌِّ حَلِيمٌ * يََ أَيـُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لََ تـُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ باِلْمَن ِ وَالأَْذَى كَالَّذِي يـُنْفِقُ مَالَهُ رِئََءَ النَّاسِ) وسمعت أحد نظرائه يعتذر ويبرر ويقول: نحن ليس لدينا مشكلة في التبرع للإسلام، ول كن ليس لهؤلاء الفلسطينيين والإخوانيين والحمساويين القذرين، ففرق كبير بين الاسلام وأتباعه، فالاسلام مقدس أما أتباعه فهم للأسف بشرٌ منحطون، فظننت أن هذا تفصيلاً جديداً في التبرع.. حتى قرأت قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يـَقُولُونَ لََ تـُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْ دَ رَسُولِ اللََِّّ حَتََّّ يـَنـْفَضُّوا) ولطالما سمعت الليبراليين في وطني يتعللون في رفض الأحكام الشرعية والإصرار على تبديلها بحجة المخاطر الأمنية، فيقولون لك هذه الأحكام الشرعية ستسبب لنا إحراجات أمنية كبيرة مع العالم فيجب تبديلها ومحوها وتغييرها، ويشنعون على كل من همس بمثل هذه الأحكام بشماعة المخاطر الأمنية، فكنت أتوهم أن التذرع بالمخاطر الأمنية لرفض الشريعة إنما هي موضة سبتمبرية .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نـَتَّبِعِ الُْْدَى مَعَكَ نـُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)
عدد الصفحات ٢١22 ورأيت كثيراً من الكتّاب ا لخائضين في تبديل الأحكام الشرعية إذا أنكر عليه العاملون للإسلام، ونهوه عن تبديل الأحكام الشرعية، وساقوا له نصوص الوحي في وجوب التمسك بها، يترك مناقشة الأدلة الشرعية ويلوذ باتهام المنكرين عليه بأنهم طلاب سلطة وطموحات سياسية، وأن دفاعهم ضد تبديل الشريعة ليس دفاعاً عقائدياً بل مجرد غطاء للمضمر المصلحي.. فظننت أن اتهام الرافضين للتبديل بأنهم مصلحيون إنما هي تهمة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يـُبَد ِلُوا كَلاَمَ اللََِّّ قُلْ لَنْ تـَتَّبِعُونََ كَذَلِكُمْ قَالَ اللََُّّ مِنْ قـَبْلُ فَسَيـَقُولُونَ بَلْ تََْسُدُونـَنَا) ولطالما لاحظت في النصوص الشرعية بعض المواضع الملتبسة على القارئ، إما لإشكالية ثبوت أو إشكالية دلالة، فكنت أدعها وأتمسك بالنصوص الواضحة الظاهرة، حتى رأيت ثلة جديدة من الكتّاب تتطلب هذه المواضع الملتبسة وتنقب عنها وتجمعها، وتستغلها في توهين التمسك بالأحكام الواضحة الظاهرة، فكنت أتعجب من جهودهم في تتبع المتشابه واستغلاله لتصديع المحكم والتمتع بفتنة الناس في دينهم، وكنت أظن أن هذه ظاهرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى: (فأَمَّا الَّذِينَ فِِ قـُلُوبِِِمْ زَيْغٌ فـَيـَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتـْنَةِ)
عدد الصفحات ٢٢23 وكنت أرى مجموعة من الكتاب يتطلبون الاختلاف والمفارقة عن عامة المتدينين، بل تشعر أحياناً أن معيارهم في إصابة الحق هو "مخالفة المطاوعة"، فيصعب عليهم اتباع الحكم الشرعي الذي يجمعهم بعامة المتدينين، لما امتلأ في قلوبهم من الغرور والزهو الزائف، بل بعضهم إذا أراد الاحتجاج على رد مفهوم معين قال لك: ومافرق كلامك عن كلام دراويش الصحوة؟! فصار المعيار (المفارقة) وليس (البرهان)، فكنت أتعجب كيف يتورط الانسان بترك الشريعة لأجل مخالفة من يزدريهم فقط؟! وكنت أتوهم ذلك أمراً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَُْمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنـُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ) بل لقد رأيت عدداً من كبار المثقفين الذين يكتبون في "إعادة قراءة التراث" ينادي بكل صراحة في عدد من كتاباته ومحاضراته بضرورة الاستفاد ة من التراث الاسلامي، فإن وافق المفاهيم الحديثة استعملناه في تأصيلها، وإن خالف المفاهيم الحديثة تجاوزناه. بمعنى أن العلاقة مع النص صارت علاقة مشروطة، السمع والطاعة إن جاءت بما نريده فقط، فكنت أتصور أن هذه انتهازية معاصرة .. حتى قرأت قوله تعالى: (يَُر ِفُو نَ الْكَلِمَ مِنْ بـَعْدِ مَوَاضِعِهِ يـَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لََْ تـُؤْتـَوْهُ فَاحْذَرُوا) ورأيت شريحة أخرى لايرفضون الشريعة كلها، ويعلنون الالتزام بها، لكنهم يريدون أن يتوسطوا بين المتدينين الذين يأخذون الاسلام كله وبين العلما نيين الذي يرفضون الشريعة جملة، ويرى أن هذا من سبيل الوسطية والاعتدال بين الفريقين، فكنت أتعجب من هذا الفهم للوسطية!
عدد الصفحات ٢٣24 كيف تكون الوسطية هي التوسط بين الإسلاميين والعلمانيين؟! .. وكنت أتوهم هذا فهماً جديداً لمعنى الوسطية .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَيـَقُولُونَ نـُؤْمِنُ بِبـَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبـَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يـَتَّخِذُوا بـَينَْ ذَلِكَ سَبِيلا) ولطالما التقيت بعدد من المتثيقفين تمتد أمسياتهم الفكرية إلى آخر ساعات الليل.. فإذا أقحم أحد الحضور نصوصاً شرعية تضايقوا وتبرموا وانقبضت وجوههم، ولمزوا المتحدث بأن مقصوده المزايدة ورغبة الهيمنة.. فإذا ذكرت أسماء الأعلام الغربية الرنانة ابتهجوا وانبلجت أسارير وجوههم واستزادوا المتحدث .. فكنت أتوهم ذلك سلوكاً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللََُّّ وَحْدَهُ اشَْْأَزَّتْ قـُلُوبُ الَّذِينَ لََ يـُؤْمِنُو نَ باِلآَْخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتـَبْشِرُونَ) ورأيت شريحة أخرى تعلن الالتزام بالشريعة والإيمان بها، وأنها المقدس، وأنها عظيمة، لكن هؤلاء في كل دعوتهم وعملهم وخطابهم وكتاباتهم إنما يتحاك مون للثقافة الغربية والقوانين الغربية والدول الغربية .. فكنت أتعجب كيف يدعي الإيمان بالشريعة ويتظاهر بتعظيمها وهو لايتحاكم إليها؟! لم لايصرح ويكشف مرجعيته الحقيقية؟! وكنت أتصور أن هذا تناقض معاصر .. حتى قرأت قوله تعالى: (أَلََْ تـَرَ إِلىَ الَّذِينَ يـَزْعُ مُونَ أَنـَّهُمْ آَمَنُوا بَِِا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قـَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يـَتَحَاكَمُوا إِلىَ الطَّاغُوتِ)
عدد الصفحات ٢٤25 ورأيت طائفة من مثقفي إعادة قراءة التراث يبثون الارتيابات والتوجسات حول السنة النبوية، حيث يرون أن أحاديث الرسول كلها ليست تشر يع، وإنما هي أمور تلقفها النبي من عصره ورددها، فكنت أظن هذا التنقص لمقام الرسول فكرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى: (ومِنـْهُمُ الَّذِينَ يـُؤْذُونَ النَّبَِِّ وَيـَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) وشهدت عدداً من الكتّاب الشباب لازالت خصومتهم مع المتدينين تتجارى بهم، حتى بلغت بهم أن تورطوا في مقالات مليئة بمحادة النصوص ومشاقة الوحي. كل ذلك بدافع النكاية والمناكفة ومغاضبة المتدينين وإغاظتهم فقط، فكنت أتساءل بدهشة: كيف ينسى المرء ربه لأجل أن يسخر بخصمه فقط؟! وكنت أفترض أن هذه آثار صراعية جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى: (إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يـَقُولُونَ رَبـَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَْْنَا وَأَنْتَ خَيـْرُ الرَّاحِِْينَ * فَاتَََّذْتمُُوهُمْ سِخْرِيًَّ حَتََّّ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنـْتُمْ مِنـْهُمْ تَضْحَكُونَ) ورأيت طائفة من المثقفين يبالغون ويغالون في تعظيم القرآن، وقداسة القرآن، وشمولية القرآن، بصورة انبهارية لايقولها مفسروا أهل السنة أنفسهم! فكنت أتساءل مالمغزى ياترى لهذه التوقير
عدد الصفحات ٢٥26 المفاجئ للقرآن؟ فماعهدت القوم نصوصيين! وإذا بهم يتخذون هذه المغالاة في التوقير مجرد مقدمة لينفذوا من خلالها لنفي السنة واغتيالها .. فيجعلون قداسة الله ذريعة لإنكار نصوص رسول الله .. فظننت هذا المدخل المخاتل شيئاً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَََّّ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنـْزَلَ اللََُّّ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) ورأيت عدداً من الكتّ اب يذكرون ماكان عليه أهل منطقتهم من رقص الرجال والنساء سوياً بكل نقاء وطهارة وصفاء نية، حتى جاءت الصحوة التي لوثت ذلك الصفاء ومنعت تلك المظاهر، فإذا قلت له: ولكن رقص الرجال والنساء سوياً لون من الفواحش التي نهى الله ورسوله عنها. فيستمر يحتج عليك بالماضي ا لذي دمرته الصحوة! .. فكنت أتوهم هذا التفكير الساذج لون جديد من التفكير .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَإِذَا فـَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنََ عَلَيـْهَا آَباَءَنََ) وقرأت لعددٍ من المثقفين الذين يعلنون احترامهم لمرجعية الوحي ومفاهيم القرآن والسنة، لكنه كلما عرض له مفهوم شرعي رده وشنع عليه، فإذا ساءله الناس عن ذلك؟ قال لهم: أنا ليس لدي مشكلة مع "النص"، وإنما مشكلتي مع "تسييس النص"، وهذه الخطابات الدينية كلها خطابات باحثة عن السيطرة.. فصار يتعلل في رد كل حقيقة شرعية بتهمة التسييس وقذف العاملين للاسلام بالبحث عن الهيمنة والنفوذ!. فكنت أعتقد أن اتهام العاملين للاسلام بذلك بهدف التخلص من كلفة الانقياد إنما هي فكرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى: (قالُوا أَجِئـْتـَنَا لِتـَلْفِتـَنَا عَمَّا وَجَدْنََ عَلَيْهِ آَباَءَنََ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبِْْيََءُ فِِ الأَْرْضِ )
عدد الصفحات ٢٦27 وسمعت مرة من بعض الليبراليين حنقه الشديد على ابن باز وابن عثيمين، وكان يقول فيهما كلاماً لايقوله المرء في أخس المجرمين، فسألته: ولماذا لاتصرح بذلك؟ ولماذا تستتر بمثل هذا الموقف المتشنج ضدهما؟ فقال لي بكل صراحة: لولا نفوذهم الاجتماعي لأشعلتها عليهم.. فظننت أن ذلك حالة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَلَوْلَ رَهْطُكَ لَرَجمَْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيـْنَا بِعَزِيزٍ) ورأيت كثيراً من المتثيقفين يفاضل بين الناس على أساس معيار مادي بحت، فالكافر العالم خير من المؤمن الجاهل، والكافر الثري خير من المؤمن الف قير، وكنت أتوهم أن هذا المعيار المادي فكرة جديدة لم تنبه إليها النصوص، حتى قرأت قوله تعالى: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيـْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) وتلاحظ أنه حين تثور في المجتمع مسألة شرعية جهادية أو قضائية أو حسبوية أو دعوية أو غيرها فإن كثير اً من الكتّاب يتصدر للفتيا فيها وهو لم يبحثها أصلاً، ويذيع فتواه وينشرها، وينسب رأيه للشريعة بلا تردد، والاجتهاد في الشريعة ليس محصوراً على عرق أو نسب، وإنما هو مقيد بشروط علمية كغيره من التخصصات، فكنت أتعجب من تسابق هؤلاء الكتّاب على الفتيا دون علم.. فلاهم درسوا النصوص، ولا سألوا من يحسن الاستنباط منها، وكنت أظن ذلك شيئاً جديداً حتى قرأت قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَْمْنِ أَوِ الخَْوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلىَ الرَّسُولِ وَإِلىَ أُولِِ الأَْمْ رِ مِنـْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتـَنْبِطُونَهُ مِنـْهُمْ)
عدد الصفحات ٢٧28 وكنت أسمع هؤلاء المتثيقفين إذا أرادوا أن يحقروا أحداً سموه بـ"الواعظ" تقليلاً لشأنه، وهذا التحقير بهذا الوصف فرع عن كونهم يرون المواعظ أحط مراتب الخطاب وأنقصها قيمة، فتسرب إلى ذهني هذا التحقير للمواعظ بشكل غير مباشر، وصرت م ثلهم أعتقد أن المواعظ لاتليق بالخطاب الراقي، حتى رأيت الله تعالى وصف كتبه السماوية بأنها "موعظة" فعلمت أنه من المحال أن يختار الله لأعظم كتبه أحط الأوصاف! فسمى القرآن موعظة فقال (هَذَا بـَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) وسمى التوراة م وعظة فقال (وَكَتـَبـْنَا لَهُ فِِ الأَلْوَاحِ مِنْ كُل ِ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتـَفْصِيلا) وسمى الإنجيل موعظة فقال (وَمُصَد ِقًا لِمَا بـَينَْ يَدَيْهِ مِنَ التـَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) ولطالما كنت أتوهم أن الاحتجاج على "صحة المبدأ بقوة أتباعه" إنما هي طريقة جديدة ساذجة في التفكير، وأن الناس كانت تدرك أن الحق لاصلة له بالقوة، حتى قرأت قوله تعالى: (فأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبـَرُوا فِِ الأَْرْضِ بِغَيرِْ الَْْق ِ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قـُوَّةً؟ ) ولطالما كنت أتوهم –أيضاً - أن الاحتجاج على "بطلان المبدأ بضعف أتباعه" إنما هي طريقة جديدة ساذجة في التفكير .. حتى قرأت قوله تعالى: (قَالُوا أَنـُؤْمِنُ لَكَ وَاتـَّبـَعَكَ الأَْرْذَلُونَ)
عدد الصفحات ٢٨29 وكنت ألاحظ بعض المتثيقفين يستكبر عن الإنصات للخطاب الشرعي، وإذا عرض له شئ من ذلك، تظاهر باستكبار أنه لايفهم ماذا يقول هذا؟ وربما أخفى كبرياءه في سؤال استعلائي يقول فيه: ماذا يقول هذا الشي ؟! وكنت أظن أن مثل هذه الأساليب الاستعلائية أساليب جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى (وَمِنـْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتََّّ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِ ينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا؟) تلاحظ أن كثيراً من المتثيقفين حين تنقل لهم في أصل شرعي كبير تواطؤ أقوال أئمة الإسلام الكبار كفقهاء أصحاب رسول الله، ومفتي التابعين، وأئمة الأمصار المتبوعين، يقول لك: هؤلاء كلهم بشر، حتى لو تتابعوا على أصل مع ين فإنه لايلزمني، قلت له: هذا يلزم عليه أنهم كلهم ضلوا في أصل كبير من أصول الاسلام، فيقول لك: هذه لوازم لست معنياً بالتفكير فيها، ويبقى أنهم "بشر" .. ويتطور الأمر سوءاً عند بعضهم فلايقبل مروياتهم ولافقههم بحجة أنهم "بشر" .. فكنت ألاحظ كثرة تردادهم لبشرية ا لسلف لبرهنة عدم حجية ماتتابعوا عليه نقلاً أو فقهاً .. وكنت أتوهم أن التذرع بالبشرية لرفض الانقياد للشريعة شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى: (فـَقَالُوا أَبَشَرٌ يـَهْدُونـَنَا)
عدد الصفحات ٢٩30 في منتديات وصوالين المتثيقفين تتفاجأ بكثير من العلمانيين الجذريين الذين لايعول ون على حاكمية الشريعة في دقيق ولا جليل، وإذا كتبوا في منتديات الانترنت بالاسم المستعار رأيتهم علمانيين جلدين، لكنهم إذا كتبوا للناس بأسمائهم الصريحة في الصحافة أكثروا من ذكر "مع مراعاة ضوابط الشريعة" ، والاستفادة من الفكر الغربي بـ"ما لايعارض الشريعة"، ونح و هذه العبارات. ولطالما وقفت متأملاً هذا (النفاق الفكري) .. فكنت أتعجب منهم كثيراً كيف يبيتون مالا يرضاه الله من العلمنة ورفض حاكمية الشريعة، فإذا كتبوا للناس أظهروا احترام الشريعة ومراعاتها؟! .. وكنت أظن هذه الحالة شأناً جديداً حتى قرأت قوله تعالى: (يسْ تَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلََ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللََِّّ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يـُبـَي ِتُونَ مَا لََ يـَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) وكنت حين أرى متثيقفاً من أصحاب (النفاق الفكري) الذين يسرون في صوالينهم ومنتدياتهم الانترنتية بالعلمانية ويتظاهرون في الصحافة بمرا عاة ضوابط الشريعة أقول في نفسي: هل من المعقول أن يكون يخشى من حمية الناس لدينهم أكثر من خشيته وخوفه من الله رب الناس؟ فرأيت الله تعالى يقول: (لأََنـْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِِ صُدُورِهِمْ مِنَ اللََِّّ) وكثير من المفكرين العرب اليوم يقرر بكل صراحة بأن ال قضية الفكرية في أكثرها (لعبة لسانية) أو بمعنى آخر (مهارة لغوية) .. بمعنى أن القضية هي تبديل ألفاظ فقط.. ولذلك ترى الليبراليين عندنا يحرفون النصوص حمت شعار (إعادة القراءة) ، ويبدلون أحكام الشريعة حمت
عدد الصفحات ٣٠31 شعار (تجديد الخطاب الديني) ، ويدخلون المحرمات حمت شعار (الانفتاح) ، ويلغون الحواجز الشرعية بين الجنسين حمت شعار (المساواة) ، ويهيجون أهل البدع لنشر بدعهم حمت شعار (الحقوق الوطنية) ، وهكذا .. ثم يجمعون هذا الإفساد كله حمت شعار (حقبة الاصلاح) و (عهد الإصلاح الميمون) و (ملك الإصلاح) الخ! فكنت أتوهم أن هذا التلاعب اللغوي شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَُْمْ لََ تـُفْسِدُوا فِِ الأَْرْضِ قَالُوا إِنَََّّا نحَْنُ مُصْلِحُونَ) ورأيت طائفة من الناس ليسوا بعلمانيين ولا شهوانيين، ولكن غالب وقتهم هو التهكم وانتقاص العاملين للإسلام، فيحصون النقير والقطمير على العاملين للإسلام ويشنعون عليهم بأقل أخطائهم، ولايبصرون الأفاعي في عيون العلمانيين والشهوانيين، بل تجدهم في مجالسهم في غاية اللطف واللين معهم، فكنت أتعجب ممن يمضي عمره في الرقابة على المصلحين وهو لم يقدم شيئاً، ويتلطف للعلمانيين ومروجي الشهوات، وكنت أظن انتقاص جهود العاملين للاسلام سلوك معاصر حتى قرأت قوله تعالى: (الَّذِينَ يـَلْمِزُونَ الْمُطَّو ِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِِ الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَ يجَِدُونَ إِلََ جُهْدَهُمْ فـَيَسْخَرُونَ مِنـْهُمْ)
عدد الصفحات ٣١32 بل إن بعض الأخيار في أنفسهم يجادل عنالعلمانيين، ويبرر لهم، ويبحث عن التسويغات لأقوالهم، بحجة طلب هدايتهم، في الوقت الذي يتشنج فيه ضد أخطاء المحتسبين .. فكنت أظن افتراق المؤمنين في الموقف من المفسدين إنما هو شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِِ الْمُنَافِقِينَ فِئـَتـَينِْ وَاللََُّّ أَرْكَسَهُمْ بَِِا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تـَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللََُّّ) ورأيت آخرين يشاركون في العمل الإسلامي والأنشطة الدعوية، ولكنه شديد التذمر والشكاية، وإذا تأملت محل تذمره ومحل رضاه؛ اكتشفت أنه ليس مبنياً على أساس عقدي رسالي، بل هو مبني ع لى "حظ النفس"، فإذا كان التصرف الدعوي يراعي حظوظه الشخصية رأيته متبنياًًً مدافعاًًً، وإذا كان التصرف الدعوي ليس له فيه حظ ولاتشريف رأيت نياحته لاتنتهي .. فكنت أظن هذا الانتماء الدعوي المشروط على أساس حظ النفس إنما هو شئ جديد .. حتى قرأت قوله تعالى: (مِنـْهُمْ مَنْ يـَلْمِزُكَ فِِ الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنـْهَا رَضُوا وَإِنْ لََْ يـُعْطَوْا مِنـْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) وتجد بعض الناس لم يستطع أن يحسم خياراته وسط معركة العقيدة والشريعة والفضيلة هذه .. بل هو يحب أن يكسب العلمانيين ويحب أن يكسب العاملين للإسلام .. ولايحب أن يكون في أحد الكفتين.. وهو صادق في محبته لكلا الطرفين .. فكنت أتعجب من هذه الشريحة التي
عدد الصفحات ٣٢