[ اسم الشركة [ آيات التحذير في القرآن تأليف : فهد بن صالح بن شايع النفيسة حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الا لمن أراد طبعه لتوزيعه مجانا بعد أخذ أذن خطي من المؤلف [ عنوان الشركة
عدد الصفحات ١2 مقدمة الحمد للذي حذرنا نفسه فقال : }وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَإِّلََ اللّه الْمَصِّيح { ] آل عمرن : 28 [وقال تعا في موضع آخر من القرآ ن :} وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَاللّهح رَؤحوفح بِِّلْعِّبَاد { ] آل عمران : 30 [ .والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي حث أمته على فضائل الأخلاق وحذرهم من سيئها وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بِحسان الَ يوم الدين.أما بعد : فان الله تعالَ قد ربى المؤمنين في القرآن على الخصال الحميدة التي يكون بها الفوز في الدنيا والظفر في الآخرة ولأن القرآ ن مثاني, حذر هم من الأخلاق الدنيئة التي تكون بها خسارة الدنيا والآ خرة فكانت تربية القرآن أكمل تربية لأ نها من الرب الذي خلق الناس فهو عز وجل أعلم بمصالح العباد من العباد أ نفسهم, وأعلم بما سيؤؤلون اليه في الدنيا والآخرة . والحذر يجب أن يكون من ك ل شئ يُتمل أن يكون مصدرا للخطر و أول مايجب الحذر منه أمراض القلب وهي أمراض الشهوات والشبهات . تتبعت الآيات التي ورد فيها ( الحذر ) في القرآ ن فوجدتها في عشرين موضعا في تصاريف مختلفة كلها تربي في المسلمين الحذر من أعداء مختلفين سأذ كرها بِذن الله وننظر اليها نظرة تدبر مع ذكر أمثلة وكيفية التح رز من الوقوع فيما حذر الله منه و از الة ماقد يقع عند البعض من سوء فهم لبعض الآيات. و لا يعني التعامل بحذر مع من حذرنا الله منهم أن نكون شكاكين بمن حو لنا, فالحذر مما حذرنا الله منه أسلوب تربوي قرآني رفيع حتى نعيش بسلام ونبتعد عن مواطن الفتن والشبهات ونرقى بِنفسنا . ونتخذ الحذر مماحذرنا منه أ سلوب حياة وتعايش مع الآخرين. والمقصود من التحذير هو الهداية الَ الطريق المستقيم وتقويم سلوكنا البشري ح تى نسي في الاتجاه الصحيح الذي أراده الله تعالَ لنا الذي فيه سلامتنا في الدارين .وتتضح رحمة الله تعالَ لنا من التحذير في القرآن من أعداء مختلفين لأن الله تعالَ مطلع على كل شي بخلاف الناس الذين لا يعلمون في الغالب أعدائهم الحقيقين فقد نظن صديقا عدوا و قد نرى عدوا صديقا. كما حذر الله تعالَ الرسول و المؤمنين عن المنافقين بأنهم هم العدو الحقيقي لهم فيجب الحذر منهم }هحمح الْعَدحوُّ فَاحْذَرْهحمْ قَات َلَهحمح اللّهح أَنَّه ي حؤْفَكحونَ { ]المنافقون4 [ وكذلك الشيطان وهو العدو ا ول للانسان . قال تعالَ : }إِّنه الشهيْطَانَ لَكحمْ عَدحوٌّ فَاتَّهِّذحوهح عَدحوًّا إِّنَّهَا يَدْعحو حِّزْبَهح لِّيَكحونحوا مِّنْ أَصْحَابِّ ا لسهعِّيِّ { ]فاطر6 [ فالانسان يعيش في معترك هذه الدنيا وفي نصب ومشقة وكدح . قال تعالَ : }لَقَدْ خَلَقْنَا الِّْْنسَانَ فيِّ كَبَد { ] البلد4 [ وقال عز وجل : }ياَ أَي ُّهَا الِّْْنسَانح إِّنهكَ كَادِّحٌ إِّلََ رَبهِّكَ كَدْحًا فَمحلاَقِّيه { ] الانشقاق6 [ فالانسان يُتاج الَ من يُذره من أعدائه فيسلم منهم ومن شرورهم وهنا تتجلى رحمة الله بعباده و ارادته تعالَ لهم الخي وسلوك طريق السلامة . كانت فكرة هذا الكتاب أ ني حضرت في ثاني ايام رمضان من عام 1433 للهجرة في مسجد ( سراقة بن مالك ) درسا في تأمل آيات من القرآن الكريم لفضيلة الشيخ الدكتور / عقيل بن سالم الشمري - حفظه الله - مدير الدعوة و والارشاد بحفر الباطن تحدث فيه عن بعض الآ يات التي تتحدث عن تحذير الله تعالَ من نفسه في قوله تعالَ::}وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَإِّلََ اللّه الْمَصِّيح ] { آل عمرن : 28 [ وغيها من ايات التي فيها تحذير من الله تعالَ لنا ,فوقع في نفسي أن أجمع الآيات التي ورد ت فيها مادة (حذر) في القرآ ن والنظر اليها نظر تدبر واستخراج مافيها من الفوائد والكنوز و الدروس والعبر التي لولا ذكر الله لها لما عرفناها . فهو مأجور ان شاء الله لكونه سببا في تأليف هذا الكتاب فالدال على الخي كفاعله .
عدد الصفحات ٢3 ومن بِب الاعتراف بِلفضل لأهله أجد لزاما علي أن أعترف بِلفضل لله تعالَ أولا , ثم لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله رحمة واسعة – فقد تعلمت منه كيفية استنباط الفوائد من الآيات بكثرة الاستماع اليه - - رحمه الله - وهو يستنبط الفوائد عند شرح الآ يات فنمت عندي ملكة الاستنباط فرحمه الله رحمة واسعة على ماقدمه من علم وخدمة للاسلام والمسلمين طيلة سني حياته فقد وهب كل وقته وجهده للعلم تدريسا وتأليفا وافتاء فأجزل له المثوبة. الباعث على تأليف هذا الكتاب يتلخص في الاتي : 1- تحذير المسلمين من اعدا ء الذين ذكرهم الله تعالَ في القر آن , فكثي منا غافل يُتاج الَ من يذكره كما قال تعالَ :( وَذَكهِّرْ فَإِّنه الذهِّكْرَى تَنفَعح الْمحؤْمِّنِّينَ ) ( الذاريات : 55 ) 2- تحذير من تعرض الَ أحد اعداء الذين ذكرهم الله في القرآ ن بكيفية الانتباه و التعامل مع عدوه . 3- تعليم المسلمين عما في الآيات التي فيها التحذير من أعدائهم من العبر والدروس . 4- تعريف المسلمين بأعدائهم الحقيقين الذين ذكرهم الله تعالَ في ال قرا آن كالمنافقين فربما اختلط الأ عداء والأصدقاء عند البعض فظن العدو صديقا والعكس . 5- لم أجد من ألف في هذا الموضوع – على حسب علمي القاصر – الا متعبة بنت خالد بن صحن المطيي في رسالة ماجستي نوقشت في جامعة الأمية نورة في الرياض بعنوان ( الحذر في القران وأ هميته في حياة المسلمين ) و رسالة ماجستي قدمت الَ جامعة بِبل في العراق ,فأحببت أن أجمع ماتفرق في كتب أ هل العلم حول ماكتب عن الحذر ليسهل على من أراد مراجعة ماكتب حول الحذر في القران . الحذر في اللغة يدل على التحرز من الوقوع في المحذور . قال ابن فارس : ( الحاء والذال والراء ا صل واحد في التحرز والتيقظ وهو من التحرز و التيقظ يقال :حذر يُذر حذرا ورجل حذر وحذور وحذريان : متيقظ متحرز وحذار بمعنى احذر ) ( 1 ) وأخذ الحذر من الشي تعبي مجازي , قال ابن عاشور رحمه الله : ( لأن أخذ الحذر مجاز , إذ حقيقة الأخذ التناول , وهو مجاز في التلبس بِلشيء و الثبات عليه . ) ( 2 ) ...................................................... (1 ) معجم مقاييس اللغة ( ص235 ) (2 ) التحرير والتوير 2 /186(
عدد الصفحات ٣4 الآية اولى }أَوْ كَصَيهِّب مهِّنَ السهمَاء فِّيهِّ ظحلحمَاتٌ وَرَعْدٌ وَب َرْقٌ يجَْعَلحونَ أَصْابِّعَهحمْ فيِّ آذَانهِِّّم مهِّنَ الصه وَاعِّقِّ حَذَرَ الْمَوْتِّ واللّهح مححِّيطٌ بِِّلْكافِّرِّينَ { ] البقرة 19 [ قوله تعا} فِّيهِّ ظحلحمَاتٌ وَرَعْدٌ وَب َرْقٌ { تأخر المبتدأ وما عطف عليه و هو ( ظلمات ورعد وبرق ) وجوبِ لأنه نكرة و لا يجوز الابتداء بها وعليه قول بِن مالك في ألفيته : ولا يج وز الابت دا بِلن ك رة ما لم تفد كعند زيد نَّرة وتقدم الخبر وجوبِ لأ نه جار ومجرور كما عقده في الخلاصة : و نحو عندي درهم ولي وطر ملت زم في ه تقدم الخبر يحذرنا الله عز وجل في هذه الآية أن نكون مثل المنافقين الذين شبههم في هذا المثل . والمثل عرفه الراغب بقوله : ( والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره نحو قولهم : الصيف ضيعت اللبن فان هذا القول يشبه قولك : أ هملت وقت الامكان أمرك )(1.) والله تعالى ضرب الأمثال في القرآن لتقريب المراد الى الأذهان فيحصل به المقصود وهو الفهم ثم امتثال الأمر أو اجتناب النهي أو الترغيب أو الترهيب ( 2 .)قال تعا}مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِِ وُعِدَ الجمُت َّقُونَ فِيهَا أَنجَ ارٌ م ِن مَّاء غَيْجِ آسِنٍ وَأَنجَارٌ مِن لَّبنٍَ لََّّج ي َت َغَيَّْج طَعجمُهُ وَأَنجَارٌ م ِنج خََجرٍ لَّذَّةٍ ل ِلشَّارِبِينَ وَأَنجَ ارٌ م ِنج عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلهَُمج فِيهَا مِن كُل ِ الثَّمَرَاتِ وَمَغجفِرَةٌ م ِن رَّبه ِِمج كَمَنج هُوَ خَالِدٌ فيِ النَّارِ وَسُقُوا مَاء حََِيمًا ف َقَطَّعَ أَمجعَاءهُمج { ] محمد15 [ وفي موضع اخر من القران }مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِِ وُعِدَ الجمُت َّقُونَ تََجرِي مِن تََجتِهَا الأَنجَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلجكَ عُقجبَ الَّذِينَ ات َّقَواج وَّعُقجبَ ا لجكَافِرِينَ النَّارُ { ] الرعد36 [ ضرب الله تعالى في هذين الآيتين مثلعن الْنة ليقرب لنا صورة الْنة بأشياء محسوسة معلومة لنا في الدنيا لأن الْنة ليس فيها شيء من الدنيا الا الأسماء فقط كم قاله ابن عباس - رضي الله عنه -. فخمر الدنيا ليس كخمر الآخرة , وعسل الدنيا ليس كعسل الآ خرة, ولبن الدنيا ليس كلبن الآخرة .قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي : "ي َقُولُ اللّ ُ عَز وَجَل : أَعجدَدجتُ لِعِبَادِيَ الص الحِِينَ مَا لاَ عَينجٌ رَأَتج, وَلاَ أُذُنٌ سمَِعَتج, وَ لاَ خَطَرَ عَلَى ق َلجبِ بَشَرٍ ذُخجر اً. ب َلجهَ مَا أَطجلَعَكُمُ اللّ ُ عَلَيهِ".ثمُ ق َرَأَ مَا أُخجفِ يَ لهَُمج مِنج ق ُر ةِ أَعجينُ { (3 . )قال النووي– رحَه الله - : (فأما بله فبفتح الباء الموحدة وإسكان اللام ومعناها دع عنك ما أطلعكم عليه فالذي لَّ يطلعكم عليه أعظم, و كأنه أضرب عنه استقلالاً له في جنب ما لَّ يطلع عليه) (4 ).وأخرجه ا لبخاري بلفظ ( قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين : ما لا عين رأت , و لا أذن سمعت , و لا خطر على قلب بشر ) (5 . ) .................................................................... (1 ) المفردات في غريب القرآن ( ص 462 ( )2 ) توسع الماوردي في الكم على أمثال القر آن في كتابه ( أمثال القران ) وابن القيم في ( الأمثال في القر آن الكريم ) وجمع الشيخ أبو أويس الكردي الأمثال الموجودة في كتب ابن القيم في كتاب أسماه ( الْامع في أمثال القر آن ) ( 3 ) أخرجه مسلم برقم ( 2824 ) (4) شرح مسلم 2 /299 ) (5 ) الحديث برقم7498 (
عدد الصفحات ٤5 قال ابن عاشور– رحَه الله -: (فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الْمال والزينة, وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات, وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يرك ِبها الخيال من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسمُوعات مثل الأنار من عسل أو خَر أو لبن, ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ , ومثل الأشجار من زبرجد , والأزهار من ياقوت , وتراب من مسك وعنبر , فكل ذ لك قليل في جانب ما أعد لهم في الْنة من هذه الموصوفات ولا تبلغه صفات الواصفين لأن منتهى الصفة محصور فيما تنتهي إليه دلالات اللغات مما يخطر على قلوب البشر, فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «و لا خطر على قلب بشر » (1 ) وهذا كقولهم في تعظيم شيء : هذا لا ي علمه إلا الله.) (2 ) والأمثال التِ في القرآن لا يعقلها الا العالمون}وَتِلجكَ الأجَمجثَالُ نَضجرِبهَُا لِلنَّاسِ وَمَا ي َعجقِلُهَا إِلاَّ الجعَالِمُونَ { ]العنكبوت43 [ وذكر تعالى في موضع آخر أن الأمثال تضرب للناس من أجل التفكر }وَتِلجكَ الأجَمجثَالُ نَضجرِبهَُا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمج ي َت َفَكَّرُونَ ] { الحشر21 [. وذكر ابن الْوزي في المدهش أن الأمثال في القرآن ثلاثة و أاربعون مثلا ثم سردها كاملة . قال الزمخشري – رحَه الله- : ( ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر - شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد ..…ولَّ يضربوا مثلاً ولارأوه أهلا للتسييْ ولا جديراً بالتداول والقبول إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثم حوفظ عليه وحَى من التغييْ.)(3.)ضرب الله تعالى هذا المثل بعد أن بين صفات المنافقين في سورة البقرة كاظهارهم خلاف مايبطنون كما في قوله : } وَمِّنَ النهاسِّ مَن ي َقحولح آمَنها بِِّللّهِّ وَبِِّلْي َوْمِّ الآخِّر وَمَا هحم بمِّحؤْمِّنِّينَ { ]البقرة8 [ ومخادعتهم لله و الذين آمنوا كما في قوله : }يُحَادِّعحونَ اللّهَ وَالهذِّينَ آمَنحوا وَمَا يَُْدَعحونَ إِّلاه أَنفحسَهحم وَمَا يَشْعحرحونَ { ] البقرة9 [ و أن في قلوبهم مرضا كما في قوله :} فيِّ ق حلحوبهِِّّم مهرَضٌ ف َزَادَهحمح اللّهح مَرَضاً وَلهَحم عَذَابٌ أَلِّيمٌ بمَِّا كَانحوا يَ كْذِّبحونَ { ] البقرة10 [ وادعائهم الاصلاحكما في قوله :} وَإِّذَا قِّيلَ لهَحمْ لاَ ت حفْسِّدحواْ فيِّ الأَرْضِّ قَالحواْ إِّنَّهَا نحَْنح محصْلِّححون { ] البقرة11[. فتقرير الله أنم مفسدون بقوله :} أَلا إِّنههحمْ هحمح الْمحفْسِّدحونَ وَلَكِّن لاه يَشْعح رحونَ { ] البقرة12 [ ثم دعوتهم الى الايمان فيْفضونه لأنم لايريدون أن يكونوا كالسفهاء فيأتي توكيد الله بأ نم سفها ء} وَإِّذَا قِّيلَ لهَحمْ آمِّنحواْ كَمَا آمَنَ النهاسح قَالحواْ أَن حؤْمِّنح كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِّنههحمْ هحمح السُّفَهَاء وَلَكِّ ن لاه ي َعْلَمحونَ { ] البقرة13[فيفضح الله تعالى نفاقهمنم يظهرون خلاف مايبطنون }وَإِّذَا لَقحواْ الهذِّينَ آمَنحواْ قَالحواْ آمَنها وَإِّذَا خَلَوْاْ إِّلََ شَيَاطِّينِّهِّمْ قَالحواْ إِّناه مَعَكْمْ إِّنَّهَا نحَْنح محسْت َهْزِّ ؤحونَ { ]البقرة14 [ ................................................................ (1 )الحديث عند مسلم برقم 2422 ( )2 )التحرير والتنوير ( 21 /229 – 230( (3) الكشاف1 /66 ) فكانت النتيجة أن عاقبهم الله بجنس عملهم فاستهزأ بهم كما استهزأوا بدين الله وعباده المؤمنين و ز ادهم في فجورهم وطغيانم لما علم تعالى أنم لايريدون الاصلاح فهم كمن بذل نفائس ماله ليشتري الشقاء بالسعادة
عدد الصفحات ٥هم الله بجنس عملهم فاستهزأ بهم كما استهزأوا بدين الله وعباده المؤمنين و ز ادهم في فجورهم وطغيانم لما علم تعالى أنم لايريدون الاصلاح فهم كمن بذل نفائس ماله ليشتري الشقاء بالسعادة فخسر في تَارته } اللّهح يَسْت َهْزِّىءح بهِِّّمْ وَيََحدُّهحمْ فيِّ طحغْيَانهِِّّمْ ي َعْمَهحونَ * أحوْلَئِّكَ الهذِّينَ اشْترَحوحاْ الضهلاَلَ ةَ بِِّلهْحدَى فَمَا رَبحَِّت تجهَِّارَتهححمْ وَمَا كَانحواْ محهْتَدِّينَ { ] البقرة15 – 16 [. وبين تعالى في مواضع أخرى من القرآن كثيْا من صفاتهم
عدد الصفحات ٥6 كحيْتهم وتذبذبهم واضطرابهم}مُّذَبجذَبِينَ بَينجَ ذَلِكَ لاَ إِلىَ هَؤُلاء وَلاَ إِلىَ هَؤُلاء وَمَن يُضجلِ لِ اللّ ُ ف َلَن تََِدَ لَهُ سَبِيلا { ] النساء143 شبه الله تعافي هذه الآية حال المنافقين بمن أصابه صيب وهو – المطر – مصحوبا بظلمات وهي ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر ثم تبعه رعد وهو – الصوت المسموع من السحاب ,فبرق وهو النور الذي يلمع في السحاب , فيعمد الى وضع أصابعه في أذنيه حتى لا يسمع صوت الصواعق وهي ,نار تاتي من البرق , فيهلك. فشبه الله تعالى الاسلام بالمطر لأن القلوب تَيا بالاسلام كما تَيى الأ رض بالمطر وشبه تعالى النفاق بالظلمات لأن قلب المنافق ليس فيه نور يبصر به الحق فهو مظلم. وشبه تعالى أحكام الاسلام ومافيه من وعيد بالرعد الذي يقرع الأ ذان .وشبه تعالى ما في القرآن من وعد بالبرق الذي يضئ الأرض ( 1 . ) والمع:أن المنافقين يبذلون كل مايستطيعون من جهد لتجنب سماع الوعيد الذي هو كالصواعق لهم والذي أنزله الله في القرآن وبما يظهرونه من نفاق فهم كمن يدخل أصابعه في أذنيه حال سماع صوت الصواعق لأن آيات الوعيد تقرع الأذان كما يقرع صوت الصاقعة الأ ذن بالصوت القوي . وهذا يدل على ضعفهم وخوفهم وهم مع كل محاولاتهم وبذلهم كل جهد يقدرون عليه لا ينجون من عذاب الله لأن الله تعالى بعد أن ذ كر حال المنافقين,ختم الآية بقوله: ( والله محيط بالكافرين ) فالاحاطة تعني هلاكهم .قال في البحر المحيط عند تفسيْه قوله تعالى : }وَأححِّيطَ بِّثَمَرِّه ]{ الكهف42 [:( وهو عبارةعن الاهلاك أاصله من أحاط به العدو, وهو استدارته من جوانبه ومتى أحاط به ملكه واستو لى عليه ثم استعملت في كل هلاك . قال ابن عطية : الاحاطة كناية عن عموم العذاب والفساد انتهى ) ( 2 ) فالله محيط بهم من كل جانب فلم يبق لهم طريق ينفذون اليه ليخرجوا من دائرة العذاب . ومنه قول الشاعر : أحطنا بهم حتى اذا ما تيقن وا بما قد رأوا مالوا جميعا الى السلم ............................................................ ( 1 ) نشرت مجلة البحوث الاسلامية التِ تصدرها الرئاسة العامة للبحوث في عددها( 98 )بحثا قيما للشيخ الدكتو ر ( محمد بن عبد الله السحيم ) بعنوان ( الدلالات العقدية للماء في القران) ذكر فيه ضرب المثل بالماء في القران وانواعه بتوسع كما ورد في هذه الاية الكريمة فليْاجع . ( 2 ) البحر المحيط ( 6 /123 )
عدد الصفحات ٦7 والمعنى استطعنا التغلب على أعدائنا بالاحاطة بهم من كل جانب فلم يبق لهم طريق يهربون منه . هذا من الأمثال التِ ضربها الله تعالى في القرآن وهي تشبيه شي بشئ من أجل تقريب الأمر الى الأفهام بشيء محسوس فيكون أكثر وضوحا وتصو را الى العقل. ولا يعقل الأمثال الا من تأمل وتدبر الآ يات فيحصل على مقصود الله تعالى من ضرب هذا المثل. قال تعالى:( وَتِّلْكَ الأَْمْثَالح نَضْرِّبهحَا لِّلنهاسِّ وَمَا ي َعْقِّلح هَا إِّلاه الْعَالِّمحونَ ) ( العنبكوت : 43 ).والمقصود من المثل الحث على الشئ او التنفيْ منهوفي السنة نظائر كثيْة . ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم الأمثال من أجل تقريب الفهم للمخاطبين كالذي جاء يسال عن مولود أ سود ولد له فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم مثلا باختلاف ألوان الابل وأن ابنه الأسود ربما نزعه عرق كما يكون في الابل . يستفاد من هذه الآية عدة فوائد منها : 1- تَذيرالله تعالى من الاعراض عن دين الله لأن من أ عرض و تولى فان عذاب الله محيط به كما أ حاط بهؤلاء المنافقين المذكورين في هذه الآ ية . 2- قسوة وغلظة قلوب المنافقن قلوبهم لَّ تتأثر أو تلن بسماع آ يات الله التِ تتلى عليهم بكر ة وأصيلا. 3- تقريب ما أراد الله تعالى ابلاغنا عنه بضرب الأمثال بالمحسوسات لأنه أقرب الى الأفهام وهذا من أساليب القرآن وفصاحته وبلاغته . 4- ان النفاق يتولد عنه عذاب نفسي بانشغال القلب والفكر و هذا يبين فضيلة الايمان الحقيقي لأنه يتولد عنه الراحة}الَّذِينَ آمَنُواج وَتَطجمَئِنُّ ق ُلُوبهُُم بِذِكجرِ اللّ ِ أَلاَ بِذِكجرِ اللّ ِ تَطجمَئِنُّ الجقُلُوبُ { ] الرعد28 [ 5- ان المنافقين جبناء لأنم يظنون أنم سيهلكون اذا سمعوا شيئا كالرعد أ و أبصروا شيئا كالبرق .
عدد الصفحات ٧8 اية الثانية قال تعالى :} وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ { ] البقرة 235[ في هذه الآية الكريمة حث من الله تعالى على مراقبته في السر و العلن لأنه عز وجل يعلم السر وأخفى , يعلم مانظهر و مانبطن , وفيها معنى التهديد و الوعيد بألا نفعل أو نقول سرا أو علنا مالايرضاه تعالى فيجب ألا نقول أو نفعل الا ما يستوجب رضاه عز وجل . والأعمال التِ تكون في النفس أو القلب لها أربع حالات : 1- أن يعزم الانسان بالسيئة في نفسه فيتركها لله فهذا يؤجر لأ نه تركها لوجه الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وان هم بسيئة فلم يعملها كتب ها الله عنده حسنة كاملة )( 1) .أما حديث النفس فلا يؤاخذ الانسان عليه,لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الله تَاوز لأمتِ عما حدثت به أنفسها مالَّ يتكلموا أو يعملوا به ) ( 2 ) و لأنه يصعب التحرز منه و ربما يكون من القاء الشيطان المعاصي في قلب البشر, وهذا من رحَة الله تعالى . 2 - أن يهم بالسيئة و يسعى في أسبابها ولكن لا يستطيع فهذا تكتب عليه سيئة والدليل قوله صلى الله عليه وسلم : (اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار , قال : يارسول الله هذا االقاتل , فما بال المقتول ؟ قال : لأنه كان حريصا على قتل صاحبه) ( 3 ). فهذا كتبت عليه س يئة لأنه هم بالقتل وسعى في أسبابه ولكن حيل بينه وبين ما أراد فكان كالقاتل . 3 - أن يهم بالسيئة ثم يتركها لا , لا عجز ا و لا لله فهذا لا يثاب و لا يعاقب,كمن أراد أن يسر ق شيئا ثم عدل عن السرقه ليس من أجل الله وليس عجزا و لكنه لا يريد السرقة . 4 - أن يهم بالسيئة ويعقد العزم عليها و لكن لا يسعى في الحصول على أسبابها فهذا يأثم بنيته والدليل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل ا لذي آتاه الله مالا ولَّ يؤته علما فهو ينفقه في غيْ حقه ويمنعه حقه فلما تمنى رجل أ ن يكو ن مثله قال عليه الصلاة والسلام :( فهو بنيته فهما في الوزر سواء ) ( 4 ) ....... ................................................. (1 ) رواه البخاري برقم6491) ومسلم برقم131 ) (2 ) متفق عليه و اللفظ لمسلم والحديث برقم ( 127 ( )3 ) اخرجه البخاري برقم 31 ) ( 4 ) رواه بن ماجه برقم4228 )
عدد الصفحات ٨9 ثم قال تعا }فَاحْذَرحوهح{ فيها معنى التهديد والتخويف والوعيد أن يفقدنا الله حيث أمرنا أ و يجدنا حيث نهانا . و يُذرنا الله نفسه أن نقع في أي معصية مهما كان نوعها فعلا أ و قولا , سرا أ و جهرا , و الا نستعمل ما أنعم الله به علينا من حواس الا بما يرضيه تعالَ, فنسمع بها العلم النافع والقرآ ن الكريم ,والا نستعملها في مايغضبه تعالَ فلا نسمع نَّيمة أو غيبة و ء كل ماحرم الله . وأ ن نستعمل البصر فيما يرضيه تعالَ فنغض أبصارنا فلا نطلقها فيما حرم بل نستعملها فيما يفيد كالنظر في كتب أهل العلم التِ تزيدنا علما ورفعة والنظر الى آيات الله الكونية كالسماء والقمر و النجوم و الأفلاك.قال تعالى:} قحلِّ انظحرحواْ مَاذَا فيِّ السهمَاوَاتِّ وَالأَرْض { ] يونس101 [ والمقصود نظر تأمل وتدبر, لا نظرة عابرة لأن النظر مع تأمل وتدبر يزيد في الايمان وهذا هوالمقصود من الآية. وأن نستعمل أرجل نا في طاعة الله ك المشي الى المساجد و حلق العلم و زيارة مريض و السعي و الطواف و تشييع الْنائز, وكذلك اليد, نستعملها فيما أحل الله فلا نستعملها في السرقة أو البطش في عباد الله. يدل على أهمية الحواس قوله تعالى :} إِّنه السهمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفحؤَادَ كحلُّ أحولئِّكَ كَانَ عَ نْهح مَسْؤحولاً { ] الاسراء36 .[ فنحن مسؤولون و محاسبون عن ستعمال حواسنا و عن أي عمل أو قول يصدر عن هذه الحواس. قوله تعالَ :} وَاعْلَمحواْ أَنه اللّهَ غَفحورٌ حَلِّيمٌ { تضمنت ترغيب ا بعد ترهيب لأ ن قوله تعالَ:} وَاعْلَمحواْ أَنه اللّهَ ي َعْلَمح مَا فيِّ أَنفحسِّكحمْ فَاحْذَرحوهح { تضمتت ترهيب ا و وعيدا و تَّويفا فجاء الترغيب بعد الترهيب حتى يعيش العبد وسطا بين المنزلتين, لأ ن الرهبة وحدها دون ترغيب قد ينشأ عنها قنوط ويأس من رحمة الله , وهذا ليس من المقاصد الشرعية . والترغيب دون ترهيب قد يجر الَ التمادي وأمن الخوف و الوقوع في المعاصي وهذا ليس مرادا شرعا . فكان من حكمة الله أن ختم الآية بمايزيل الرهبة المطلق ة الغي مقترنة بِلترغيب حتى لا يُصل يأس و لا قنوط .و نظي هذا في القرآ ن قوله تعالَ في الفاتحة :}الرهحمْنِّ الرهحِّيم { ] الفاتحة3[ التي تشعر بِلرحمة والطمأ نينة بعد قوله :} رَبهِّ الْعَالَمِّينَ { ]الفاتحة2 [ المتضمنة رهبة وتَّويف ا, لأن كلمة ( رب ) توحي بِ لجبروت و السلطة و القوة و العقوبة فجاءت الآيات بِلتوازن دون أن يطغى جانب على آخر. قوله تعالى :} غَفحورٌ حَلِّيمٌ{ فيها امتنان و رحَة و تفضل على عباده أن يغفر لهم ماحدثت به أنفسها أو مايتسلط به الشيطان على بني آدم من وساوس مالَّ تعمل به. يدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم:(ان الله تَاوز لأمتِ عما حدثت به أنفسها مالَّ يتكلموا أو يعملوا به ) ( 1 . ) وقوله تعا:( غفور) على وزن فعول وهي احدى صيغ المبالغة بمعنى كثيْ المغفرة .وهذا يدل على سعة رحَة الله بعباده و أن رحَته سبقت غضبه . وكذلك يقال في ( الحليم ) . قوله تعالى: ( حليم ) فلا يستعجل بعقوبة من ارتكب معصية بل يؤخره تعالى الى أجل مسمى لعله يتوب,وهذا من رحَة الله, ولكن اذا أخذه الله لَّ يفلته . يدل لهذا مارواه أبو موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الله ليملي للظالَّ , حتى اذا أخذه لَّ يفلته).ثم قرأ : }وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَب ِكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ { (2 ) ........................................................................... (1 ) أخرجه البخاري 5269) وبلفظ آخر6664) و2528) ومسلم127 ) (2 )أخرجه البخاري برقم ( 4686 )
عدد الصفحات ٩10 تضمن قوله تعا: ( الحليم ) الحث على سرعة التوبة وعدم الانغماس في المعاصي , لأن الانسان لايدري متى يعاقب على أفعاله فربما يفاجأ بعقوبة الله فلا ينفع ندم حينئذ,وهي الأوقات التِ لا تقبل فيها التوبة كالغرغرة و طلوع الشمس من مغربها . يستفاد من الآية الكريمة عدة فوائد منها : 1- التحذير من ارتكاب المعاصي قولا أو فعن الله تعالى مطلع على كل شي . 2- التحذير من اضمار الشر في النفوس فضلا عن العمل به لأن الله تعالى يعلم مافي أنفسنا . 3- كمال الله تعالى في صفاته و أفعاله لكونه وحده يعلم مافي أنفسنا قبل وقوعه دون غيْه. وهذا من كمال ربوبيته و الوهيته و أنه وحده المستحق للعبادة دون غيْه فمن لا علم عنده لا يستحق العبادة . 4- الحثعلى فعل وقول الخيْ, لأن الله تعالى لما حذرنا عن اضمار أ و فعل أو قول ما لايرضى, تضمن الأمر بفعل العكس وهو الخيْ وهذا مبني على قاعدة أصولية أن النهي عن الشي أمر بضده و الأمر بالشئ ني عن ضده. وهذا مبسوط في كتب الأ صول. وقد نظَمَه العمريطي في "نظم الورقات " فقال: وأمرنا بِلشئ نهي مانع عن ضده والعكس أيضا واقع 5- كمال الدين الاسلامي و وسطيته حيث يعيش المسلم بين الخوف و الرجاء . 6- بلاغة القرآ ن حيث ختمتها الله بِلترغيب بعد الترهيب و هذا يدل على أن القرآ ن مثاني . 7- اثبات صفتي ( الغفور والحليم ) لله تعالَ و ما تضمنته هاتان الصفتان من المغفرة والحلم و كذلك اثبات العلم المطلق لله تعالَ. وكل هذه الصفات ثابتة لله تعالَ على الوجه اللائق به دون تشبيه أو تحريف أ و تعطيل وكذلك يقال في كل الصفات . 8 - كثرة مغفرة الله تعالَ وحلمه لق وله :( غفور حليم ) بصيغة المبالغة .
عدد الصفحات ١٠11 اية الثالثة }أَلمَْ ت َرَ إِّلََ الهذِّينَ خَرَجحوا مِّنْ دِّياَرِّهمِّْوَهحمْ أحلحوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِّ ف َقَالَ لهَحمْ اللّهح محوتحوا ثمحه أَحْ يَاهمحْإِّنه اللّهَ لَذحو فَضْل عَلَى النهاسِّ وَلَكِّنه أَكْث َرَ النه اسِّ لايَشْكحرحون { ]البقرة243 [ ذكر الله تعالى في هذه اية قصة قوم خرجوا من بلدهم بعدد كبيْ هربا من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم بقدرته تعالى. ومن تأمل هذه الآية, يتضح له أن قدر الله واقع لا مهرب منه مهما حاول الانسان دفعه وهذا لا يعا رض الأخذ بالأسباب, فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الطاعون : ( إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه ) ( 1 )قال ابن كثير رحمه في تفسيره :(وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر و أنه لا ملجأ من الله إلا إليه ، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعا في آن واحد) (2 ). قوله تعا} ثمحه أَحْيَاهحمْ{ يدل على أن ايحائهم كان ب عد فترة و ليس مباشرة بعد موتهعم لأن (ثم) تدل على الترتيب مع التراخي. قوله تعالى :} إنه اللّهَ لَذحو فَضْل عَلَى النهاسِّ وَلَكِّنه أَكْث َرَ النهاسِّ لايَشْكحرحونَ { فيه بيان فضلو رحَته وامتنانه على عباده جميعهم كفارا و مسلمين لأن لفظ ( الناس ) يشمل المسلم و غيْه ولكن فضل الله على المسلم أشمل و أعم لأن فضل الله على المسلم يشمل الدنيا و الاخرة ,أما الفضل على الكافر فيكون في الدنيا دون الآخرة. و هذا يستوجب شكر الله تعالى .ثم بين تعالى أن الذين يشكرون قليل في مقابلة النعم الكثيْة التِ أنعم الله بها على جميع الناس برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم و هي نعم لا تعد و لا تَصى كالصحة في الأبدا ن و الأمن في الأوطان و المال و الطعام و الشراب و الحواس و العقل و غيْها كثيْ . يستفاد من هذه الآية فوائد منها : 1- أن قدر الله واقع لامهرب منه . 2- قدرة الله تعالى على اماتة الحي واحياء الميت وهذا من كمال ربوبيتة وأ لوهيته . 3- الرد على منكري البعث, لقدرة الله على الاحياء والاماتة . 4- بيان سعة فضل الله تعالى لقوله} إِّنه اللّهَ لَذحو فَضْل عَلَى النهاس { 5- قلة الشاكرين لقوله تعا}وَلَكِّنه أَكْث َرَ النهاسِّ لايَشْكحرحونَ { 6- وجوب شكر الله على نعمه الكثيْة 7- حلم الله تعالى على أكثر الناس الذين لا يشكرون لكونه تعالى لَّ يعاجلهم بالعقوبة على كفران النعم. 8- جواز حذف ماهو معلوم من السياق لأن قوله تعالى :}ف َقَالَ لهَحمْ اللّهح محوتحوا { يدل على أن الله أمرهم بالموت فماتوا وهذا ما يسمى في البلاغه بالايجاز بالحذف. قال ابن مال في ألفيته المشهورة :
عدد الصفحات ١١12 وحذف مايعلم جائز كما تقول زيد بعد من عندكما يقصد يجوز أن تقول لمن سألك من عندكم ؟ فتكتفي بقول ( زيد ) و لا يلزم أن تقول عندنا زيد فتحذف كلمة ( عندنا ) لدلالة السياق عليها كما في هذه الآية الكريمة . 9- اثبات نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن أخبار الأمم السابقة لايعلمها الا الله تعالى ولا سبيل للرسول صلى الله عليه وسلم للعلم بها الا عن طريق الوحي.قال تعالى :} تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَ بْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ { ]هود4 [وقوله } ألم يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَُّّ { ]إبراهيم:9 [ ........................................... (1 ) اخرجه البخاري برقم ( 3473 ( )2 ) تفسيْ ابن كث 2 /415 )
عدد الصفحات ١٢13 اية الرابعة قوله تعالى :} وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَإِّلََ اللّهِّ الْمَصِّي ] { آل عمران28 [ وردت في سياق التحذير من أن يتخذ المؤ منون الكافرين أولياء من دو ن المؤمنين لأن ذلك ينافي كمال الايمان و يقدح فيه.قال تعالى :} لاه ي َتهخِّذِّ الْمحؤْمِّنحونَ الْكَافِّرِّينَ أَوْلِّيَاء مِّن دحوْنِّ الْمحؤْمِّنِّينَ وَمَن ي َفْعَلْ ذَلِّكَ ف َلَيْسَ مِّنَ اللّه فيِّ شَيْء إِّلاه أَن ت َت هقحواْ مِّن ْهحمْ ت ح قَاةً وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَإِّلََ اللّهِّ الْمَصِّيح { قوله تعا} وَيُحَذهِّرحكحمحاللّهح ن َفْسَهح { تضمنت معنى التهديد والتخويف والوعيد لمن يخالف المأمور به في هذه الآية وهو عدم اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين والبراءة منهم فمن خالف أوامر الله فقد عرض نفسه للعقوبة الشديدة. وذات التحذير يراد منه الخيْ و الرحَة بالعباد لأن المقصود التحذير من الوقوع في المحظور فيسلم من العقوبة . قوله :}وَإِّلََ اللّهِّ الْمَصِّيح { تَذير آخر يتضمن ماتضمنه التحذير الأول من التهديد والتخويف والوعيد فمن فعل مانى الله عنه فان مرجعه حتمي يوم القيامة فيحاسب بماتوعد الله به , فتكرر تهديدان في نفس الآية. ومناسبة تكرير التهديدين أن الحال يقتضي ذلك فموالاة الكفار دون المؤمنين من أكبر قوادح الايمان فهو ينقض مبدأ الولاء والبراء الذي أقره الله في القرآن بقوله :}لاَ تجَِّدح ق َوْمًا ي حؤْمِّنحونَ بِِّللّهِّ وَالْي َوْمِّ الآْخِّرِّ ي حوَادُّونَ مَنْ حَاده اللّهَ وَرَسحولَهح وَلَوْ كَانحوا آبَِءهحمْ أَوْ أَب ْنَاءهحمْ أَوْ إِّخْوَانهَحمْ أَوْ عَشِّيَتهَحمْ أحوْلَئِّكَ كَتَبَ فيِّ ق حلحوبهِِّّمح الِّْْيََانَ وَأَيه دَهحم بِّرحوح مهِّنْهح وَيح دْخِّلحهحمْ جَنهات تجَْرِّي مِّن تحَْتِّهَا الأَْنهَْارح خَالِّدِّينَ فِّيهَا رَضِّيَ اللّهح عَن ْهحمْ وَرَضحوا عَنْهح أحوْلَئِّكَ حِّزْبح اللّهِّ أَلاَ إِّنه حِّ زْبَ اللّهِّ هحمح الْمحفْلِّححونَ { ] المجادلة22 [ فجعل سبحانه وتعالى علاقة الدين وروابطه أقوى من علاقة ورابط الدم . في هذه الآية اظهار في مو ضع الاضمار بمعنى أن الله لم يقل:( ويُذركم الله نفسه واليه الم صي ) بل كرر لفظ الجلالة مرتين في نفس الاية. قال الالوسي- رحمه الله - : ( والاظهار في مقام اضمار لتربية المهابة وادخال الروعة )(1 ) لا يدرك ه ذا التحذير على الوجه الذي أراده الله تعالَ الا من كان عنده علم فكلما كان الانسان بِلله أعلم كان منه أخوف. ومن أجل هذا قال الله تعالَ عن الملائكة الذين يعبدون الله و يسبحونه ليلا ونهارا لايفترون : }لاَ يَسْبِّقحونَهح بِِّلْقَوْلِّ وَهح م بأَِّمْرِّهِّ ي َعْمَلحونَ * ي َعْلَمح مَا بَينَْ أَيْدِّيهِّمْ وَمَا خَلْفَهحمْ وَلاَ يَشْفَعحونَ إِّلاه لِّمَنِّ ارْتَضَى وَهحم مهِّنْ خَشْيَتِّهِّ محشْفِّقحونَ { ] الانبياء28 [ وقال تعالَ عن الأنبياء المكرم } إِّنههحمْ كَانحوا يحسَارِّعحونَ فيِّ الخَْيَْاتِّ وَيَدْعحون َنَا رَغَبًا وَرَ هَبًا وَكَانحوا لَنَا خَاشِّعِّينَ { ] الانبياء90 [ .................................................................. (1 ) روح المعا 3 /126 )
عدد الصفحات ١٣14 وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم حتى تتفطر قدماه فتقول له عائشة رضي الله عنها : ( أ تصنع هذا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك و ماتأخر ) فيقول عليه الصلاة والسلام أفلا أكون عبدا شكورا . ( 1 ). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لن يدخل الجنة أحد بعمله , قالوا و لا أنت يارسول الله ؟ قال ولا أنا الا أن يتغمدني الله برحمته )( 2 ). وكذلك الحال مع العلماء العباد الصالحين يُافون من عدم قبول أعمالهم وذلك لادراكهم بما معهم من علم أن عملهم في مقابل نعم الله التي لاتعد و لا تحصى لن يعدل شيئا . أما الجاهلون فلا يدركون تحذير الله بماحصل في قلوبهم من ظلمات الجهل , فلا يرون شيئا فهم كالعمي الذي ن لايبصرون.وثمرة ادراك تَّذير الله تعالَ أ ن ادراك التحذير ينشأ عنه خوف من الله في القلب فيستقيم عمل جوارحه فالقلب كالمك والجوارح كالرعية فمتى صلح ا لمك صلحت رعيته , فيستدل على صلاح الظاهر بصلاح الباطن فمتى صلح القلب صلح حال العبد واستقام ,ومتى فسد القلب انتكس حال العبد وخسر ا لدنيا والآخرة , و لا يستقيم القلب الا اذا كان خاليا من مرضي الشبهات و الشهوات فكما أن للأبدان أمراضا فان للقلوب أ مراضا , قال تعالَ :} فيِّ ق حلحوبهِِّّم مهرَضٌ ف َزَادَهحمح اللّهح مَرَضاً وَلهَحم عَذَابٌ أَلِّيمٌ بمَِّا كَانحوا يَكْذِّبحونَ { ] البقرة : 10 [ فاثبت تعالَ أن للقلوب أمر اضا.ثم توعد سبحانه بِلعذاب الأليم لمن أصابه هذا المرض .وأمراض القلوب أشد فتكا وخطرا بِلبشر من أمراض الأبدان لأن أمراض الأ بدان قد يشفى منها فينتهي عهده بها أو يَوت فيفارق مابه من مرض البدن أما أم راض القلوب فان آخرت نا التي فيها الخلود الأبدي تدور عليها فمن سلم من أمراض القلب استقام حاله في الدنيا والآخرة ومن أ صابه مرض القلب انتكس في الدارين .ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (الا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله و اذا فسد فسد الجسد كله أ لا و هي القلب)( 3).وأهل العلم الصالحو ن هم الذين أدركوا هذا الت حذير وعملوا به وهم الذين وصفهم الله تعالَ بقوله : } وَأَنذِّرْ بِّهِّ الهذِّينَ يََُافحونَ أَن يُحْشَرحواْ إِّلََ رَبههِِّّمْ لَيْسَ لهَحم مهِّن دحونِّهِّ وَليٌِّّ وَلاَ شَفِّيعٌ لهعَلههحمْ ي َت هقحونَ { ] الانعام52 [. قال ابن عاشور رحمه (هم المؤمنون الممثلون بحال البصير .وعرفوا بالموصول لما تدل عليه الصلة من المدح ، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم ، لأن الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذار نافع ، خلافا لحال الذين ينكرون الحشر، فلا يخافونه فضلا عن الاحتياج إلى شفعاء. ( ( 4 ) من فوائد الآية الكريمة 1- رحمة الله تعالَ بعباده حيث حذرهم مما يتوجب عذابهم 2- التحذير من ارتكاب ما حرم 3- تشديد التحريم اذا كان المقام يقتضي ذلك لكونه تعالَ كرر التحذير مرتين في نفس الآية 4- الحث على طاعة الله, لأنالنهي عما حذر الله منه يدل على الضد وهو امتثال أوامره تعالَ . 5- أن من خالف أمر الله فانه لن يفلت من العقوبة لأن مصيه حتما الَ الله و لن يجد أي مهرب من عذاب 6- أن المصي الَ الله وحده دون غيه لتقديم الجار والمجرور في قوله تعالَ : ( والَ الله المصي ) وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر يعني المصي لَ الله لا الَ غيه . ...................................................... ( 1 ) اخرجه مسلم برقم 2819 ) (2 ) اخرجه مسلم برقم ( 2816 ) (3 ) اخرجه مسلم برقم ( 1599 ) ( 4 ) التحريروالتنوير ( 7 /244 )
عدد الصفحات ١٤15 اية الخامسة قال تعالَ : } وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَاللّهح رَؤحوفح بِِّلْعِّبَاد ) ] ال عمران 30 [ هذا ختم آية جاء قبلها } ي َوْمَ تجَِّدح كحلُّ ن َفْس مها عَمِّلَتْ مِّنْ خَيْ محُّْضَرًا وَمَا عَمِّلَتْ مِّن سحوَء ت َ وَدُّ لَوْ أَنه ب َي ْن َهَا وَب َي ْنَهح أَمَدًا بَعِّيدًا وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَاللّهح رَؤحوفح بِِّلْعِّبَادِّ { .بوب البخاري رحمه الله في صحيحه لهذه الآية: ( بِب قول الله تعالَ : } وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح{ ثم ساق احاديث الوارد ة في هذا الباب وهي أنه لا أحد أغي من الله و ان رحمته سبقت غضبه وأن الله عند ظن عبده به اذا ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خي منه ) ( 1 ) بوب النووي رحمه الله في رياض الصا بِب ( الخوف ) ثم ساق الآيات التي تحث على الخوف من الله تعالَ و منها} وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح {قال ابن الجوزي رحمه الله في التبصره في الوعظ : ( لما سمع المتيقظون هذا التحذير فتحوا أبواب القلوب لنز و ل الخوف فأحزن الأبدان وقلقل الأ رواح , فعاشت اليقظة بموت الهوى و ارتفعت الغفلة بحلول الهيبة وانهزم الكسل بجيش الحذر فتهذبت الجوار ح من الزلل والعزائم من الخلل فلا سكون للخائف و لا قرار للعارف كلما ذكر العارف تقصيه ندم على مصابه واذا تصور مصيه حذر مما في كتابه و اذا خطر العتاب بفنائه فا لموت من عتابه فهو رهين ال قلق بمجموع أسبابه )(2).جاء قوله تعا} وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَاللّهح رَؤحوفح بِِّلْعِّبَادِّ { بعدتذكيه تعالَ عباده أن ك ل أعمالهم من خي أو شر سيحضرها سبحانه وتعالَ يوم القيامة فيحاسبهم عليها ثم ذكر ندم من عمل عملا سيئا بأنه سيندم أشد الندم دون أن ينفعه ندمه ,وهذا فيه معنى التحذير من ارتكاب المعاصي . قوله تعالَ : } وَيُحَذهِّرحكحمح اللّهح ن َفْسَهح وَاللّهح رَؤحوفح بِِّلْعِّبَاد { تحذير لكل من يتجرأ على اتيان المعاصي بأنه سيندم ندما شديد. فيجب الابتعاد عما يغضب الله حتى لا يقع في دائرة غضب الله فيصيبه ماحذر الله منه. قال تعالَ: }وَي َوْمَ ي َعَضُّ الظهالمِّح عَلَى يَدَ يْهِّ ي َقحولح ياَ لَي ْتَنيِّ اتَّهَذْتح مَعَ الرهسحولِّ سَبِّيلاً * ياَ وَي ْلَتىَ لَي ْتَنيِّ لمَْ أَتَّهِّذْ فحلاَناً خَلِّيلاً * لَقَدْ أَضَلهنيِّ عَنِّ الذهِّكْرِّ ب َعْدَ إِّذْ جَاءنيِّ وَكَانَ الشهيْطَانح لِّلِّْْنسَانِّ خَذحولاً { ]الفرقان 27 /28 /29 [ ........................................... (1 ) صحيح البخاري , كتاب التوحيد (ص 1016 ( )2) التبصرة1 /80 )
عدد الصفحات ١٥