299 تعالى أنزله لعباده ليضع لهم منهجاً يعيشون به بطمأنينةٍاللهالقرآن الكريم، كتاب وسلامٍ، على اختلاف ألوانهم، وأجناسهم، وأذواقهم. هذا الكتاب المقدس نزل بالحرف العربي، ومنذ ذلك اليوم بدأ الاهتمام بالكتابة كما دعا إليها القرآن، ودعا إلى تعالى تلاوةً ليقبل الناس عليه، فاهتم اللهالعلم، وحثّ عليه، ودعا إلى تجويد كلام ((( تعالى.الله تعالى بغية الأجر والتوثيق والدعوة إلى اللهالمسلمون بتجويد كلام وتطور نظام التجويد في الكتابة منذ القرن الأول لنزول القرآن الكريم حتى وضعوا له قواعد ونظماً في القرن الثالث الهجري ليكون عِلْماً مستقلاً في نظام الكتابة، وهو علم الجمال والروعة ليجمعَ بين دقةِ التوثيق، وروعة الجمال، وإبداع التصميم، إضافة فأصبح خطاً يمتاز جمالاً ودقةً، ويتميز على باقي الخطوط في العالم إلى قداسة القرآن. قديمها وحديثها. ولولا القرآن الكريم لم يصل الحرف العربي إلى هذه المنزلة الرفيعة. وهذا ﴾ من فضل القرآن على الأمة، قال تعالى: ﴿ ](0[ باحث في قسم الدراسات العليا، الجامعة الإسلامية، بغداد (((
عدد الصفحات ١300 المقدمة عندما نتأمل أي لوحةٍ فنيةٍ متقنةٍ بخطٍّ عربي أصيلٍ نشعر بقوة جذب تشدُّنا نحوها، هذه القوة ليست قوة التأثر بالمعاني أو الجمال الفني، بل هو تأثر أعمق من الوصف، حروف هادئة ناطقة كأنها تخاطبنا ببلاغة وتهمس في آذاننا همساً يؤثر في أعماقِ نفوسنا، حروفٌ ساكنةٌ وكأنها تتحرك بروحٍ حيةٍ، وكل متذوقٍ لهذا الفن يقف أمام هذه العبارات الصامتة البليغة إجلالاً وإكباراً ومهابةً. قوة الجذب في الخط تشد الناظرين إليها من العرب والعجم المسلمين وغيرهم، جاءت هذه القوة من القرآن الكريم، الوحي الخالد الذي أعزّ الله به هذه الأمة، ورفع ، ]44[﴾شأنها بين الأمم، قال تعالى: ﴿ والذِّكْرُ هو الشرف والذكرى والموعظة. على العرب أن جعل القرآن بلغتهم، ومن ذلك اليوم ولدت الله ومن فضل قداسة الحرف العربيّ - حروف القرآن - وبدأ تأثير القرآن في الخط، فكان هذا الموضوع عنوان بحثنا
عدد الصفحات ٢301 الفصل الأول الكتابة والخط تعريفهما - أهميتهما - الفرق بينهما الكتاب لغةً له معانٍ عديدةٍ، منها الفرض والحكم والقدر. أي ]٨٧[﴾قال تعالى: ﴿ .(((فرض ﴾ وقال تعالى: ﴿ ﴾ . وقوله تعالى: ﴿]٥٧[ ، وفي قوله تعالى: ﴿ ((( أي في حكمه ]٦٣[ .(٣( وقدرهالله أي بقضاء ](٥[﴾ .(4(وتأتي بمعنى الجمع، والكتيبة ما جُمع فلم يُنشر، ومنها كتيبة الجيش وفي قوله تعالى: ﴿ ﴾ .(٥( أي: جمعه وثبّته](([ .)(٦٨٣) مادة: كتب (ص٥ لسان العرب (ج ((( ).99 مفردات ألفاظ القرآن (ص ((( ).99 المصدر نفسه (ص (٣( ).٦(٨٣) مادة: كتب (ص٥ لسان العرب (ج (4( .)(٦/٧( الجامع لأحكام القرآن، تفسير القرطبي، ( (٥(
عدد الصفحات ٣302 .(((ومن معاني خطّ فكّر يقال: فلان يخطّ في الأرض، إذا كان يفكّر في أمره ويدبّره والأخطّ الدقيق المحاسن، ورجلٌ مخطط أي: جميل. ويعبر عن الكتابة بالقلم، ومنه قوله تعالى: ﴿ .(((]٨[﴾ وعُرِّف الخط اصطلاحاً بتعريفات كثيرة منها: .(٣(»« .(4(»ما تعرف به صور الحروف المفردة، وأوضاعها، وكيفية تركيبها خطا« .(٥(آلة جسمانية تضعف بالترك وتقوى بالإدمان« .(٦(هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية« .(٧(ملكة تنضبط بها حركة الأنامل بالقلم على قواعد مخصوصة« والأخير أقرب التعريفات للخط وأوضحها له، اختاره الشيخ محمد طاهر الكردي الخطاط. والذي نراه أن هذا التعريف الجليل قيد بقيد لا أجد مسوِّغاً له، إذ إنه ربط الخط بحركة الأنامل، والخط بغير الأنامل يخرجه من هذا القيد، وقد شمل الخط بالعربية وغيرها. ).99،٨/( لسان العرب، مادة خطط ( ((( )، ولسان العرب المصدر السابق.٦٨( ينظر مفردات ألفاظ القرآن (ص ((( ).٧ مقدمة ابن خلدون (ص (٣( )، ونسبه إلى شمس الدين الأكفاني.٨/٣ صبح الأعشى ( (4( .)٨، ٧ تاريخ الخط وآدابه ( (٥( )، وهذا التعريف لإقليدس، وهو من الفلاسفة ٨، ٧)، وتاريخ الخط وآدابه (ص٣( الفهرست (ص (٦( الرياضيين أبدع في الهندسة، ووضع فيها كتاباً. ).٨ المصدر السابق (ص (٧(
عدد الصفحات ٤303 والذي نختاره لتعريف الخط « فقولي: (فنُّ) أعني به الإبداعَ والابتكارَ والتجديدَ، وهذه من خصائصِ الفنونِ، وقولي: (كتابة) أخرجته عن الفنون الأخرى كالرسمِ والنحتِ وغيرها، و(بقواعد خاصة) أعني قواعد الخط التي وضع أسسها علماء هذا الفن، و(وضوحاً وجمالاً وجذباً)، لأميّز هذا الفن عن الإملاء، ورسم المصحف، والخط الطباعي. أهمية الكتابة والخط: متحدثاً عن الكتابة (((يقول القلقشندي تعالى نسب تعليمها إلى نفسه واعتدّه من وافر كرمه اللهدليل على رفعة شأنها، أن وهذه ]4،٣[﴾ * وأفضاله فقال عز اسمه: ﴿ الآية والتي قبلها مفتح الوحي وأول التنزيل على أشرف نبي وأكرم مرسل ﷺ، وفي ذلك من الاهتمام بشأنها ورفعة مَحَلِّها ما لا خفاء فيه، ووصف بها الحفظةَ الكرامَ، وأقسم بالقلم ]((،0[﴾ * قال تعالى: ﴿ .»]([﴾الذي هو آلة الكتابة، قال تعالى: ﴿ فالكتابة هي الوسيلة التي تنقل بها العلوم والأفكار والثقافات بين الحضارات المختلفة، وتُدَوَّن عبر الأجيال، وبها يطلب العلم ويتطور، وبها يتم تدوين الحقوق والوثائق والمعاهدات والعقود، وبها تحفظ أصناف العلوم وتنشر. ومن العلماء مَنْ عدَّ الخطَّ أشرفَ العلوم منزلة، وأعمها نفعاً بقوله العلوم تُعرف بالدلالة عليها أو اللفظ أو الخط، فالإشارة تتوقف على المشاهد، ).٥٣/( هو صاحب كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا ( (((
عدد الصفحات ٥304 واللفظ يتوقف على حضور المخاطب والسماع، أما الخط فلا يتوقف على شيء من .(((ذلك، فهو أعمُّها نفعاً وأشرفها والخط وسيلة تخاطب الحاضر والغائب ويترجم إلى كل اللغات، ويبقى على مدى الأزمان، كما رُوي عن المأمون عندما وصف الخط بقوله والأعاجم بأمثالها لفخرنا بما لدينا من أنواع الخط: يقرأ بكل مكان ويترجم بكل .(((لسان ويوجد في كل زمان فالخط يأخذ أهمية الكتابة بل يفوقها؛ لأنه بلاغتها وكمالها وجمالها، وهو الصورة الناصعة لها. والخط يحقق أغراض الكتابة فيزيد إقبال ناظريها لتدبر معانيها؛ لأن روعة جمال الحروف وتناسقها تلبس جمال المعاني ثوباً يزيدها جاذبيةً، فيتفاعل هذا الجمال مع جمال المعاني، فيتعانق الذوق والحس، فيؤثر في العقول والنفوس، فيمتع النظر، ويطيّب النفس، وينمي الذوق. الفرق بين الخط والكتابة: الخط كما مرَّ بنا وَفْق قواعد مخصوصة تزيد الكتابة وضوحاً وجمالاً وجذباً، وهو أنواع منها: الثلث، والنسخ، والكوفي، والتعليق، والديواني، وغيرها، وكل نوع له قواعده الخاصة التي تختلف عن غيره، والمقصود بالقواعد مقياس الحروف بعرض القلم المكتوب، وكل كتابة لا تلتزم بهذه القواعد لا تُسَمَّى خطاً بل كتابة. الكلام للشيخ شمس الدين الأكفاني، وهو طبيب باحث بالحكمة والرياضيات، توفي بالقاهرة عام ((( ).٧/٣). المصدر نفسه: (هـ49( .)٣ الخط العربي وتطوره في العصور العباسية (ص (((
عدد الصفحات ٦305 والكتابة مستخدمة على نحو واسع بين الطلبة والمعلمين والموظفين والمثقفين وفي مختلف العلوم، وهي تكتب بسرعة آنية غرضها القراءة فقط، ولا تهتم بنسب الجمال والفن، وتكتب بقلم رأسه مدبب، والخط يُكتب بقلمٍ رأسُه عريض يمتد ) درجة تقريباً، وأغراه مع القراءة الجمال والإبداع والتفنن وشد ٥بزاوية عرضها ( انتباه الناظرين. فالفرق بين الخط والكتابة جلي واضح، فالكتابة أعم من الخط، فكل خط كتابة ولا عكس، فالتمييز بينهما واضح كالتمييز بين الكلام الموزون عن الكلام العادي، والصوت الجميل المرتّل عن الكلام الدارج. والخط العربي يقصد به ما قدمناه (كتابة العربية بقواعد مخصوصة) ولا يعني الإملاء اصطلاحاً، وإن عَنَتْها لغةً، فالتمييز بين التعبير الاصطلاحي واللغوي ظاهرٌ في كل فن. وهناك كتابة تستعمل بالمطبوعات وأجهزة الحاسوب والصحافة والمؤلفات ليست موضوع بحثنا، وهي (كتابة طباعية) انضبطت بآلة طباعية. الكتابة في صدر الإسلام: كان القرآن ينزل على النبي ﷺ فيحفظه، ويُبَلِّغه للناس، ويأمر كتّاب الوحي بكتابته، ولم ينقض عهد الرسول ﷺ إلا والقرآن كله مكتوب، ولم يكن مجموعاً ، (((، ولقد بلغ كتّاب الوحي ثلاثة وأربعين كاتباً (((في مكان واحد ولا مرتب السور عنه جُمِعَ القرآن اللهوكان بعضهم منقطعاً لكتابة الوحي، وفي عهد الصديق رضي ) للزنجاني.٣)، وتاريخ القرآن: (ص0 – 9 تاريخ المصحف الشريف: (ص ((( ).4()، وتاريخ القرآن: (ص٣ رسم المصحف: (ص (((
عدد الصفحات ٧306 ا، وقد أثنى علي رضي (((في مكان واحد بعد ما كان متفرقاً في العسب واللِّخاف على أبي بكر، كان أعظم الناس أجراً في جمع اللهعنه على هذا العمل بقوله .(((المصاحف، وهو أول من جمع القرآن بين اللوحين عنه، فإن كتابة القرآن أخذت تتسع استجابة إلى اللهأما في خلافة عمر رضي حاجة الناس إلى تعليمه، ولاسيما أن الفتوح قد امتدت، وكثر الداخلون في الإسلام وازدادت حاجتهم إلى معرفة تعاليم الدين، فظهرت المصاحف في الأمصار من إملاء كبار الصحابة الذين كانوا يعلّمون القرآن، وهناك نشأ عن ذلك اختلاف القراءات، مما أظهر الحاجة إلى مصحف يكون إماماً للمسلمين، وهذا ما تم في خلافة عثمان .(٣( عنهاللهرضي إن حركة تدوين المصحف تدلُّنا على نقطة انتشار الكتابة والاهتمام بها خلاف ما كانت عليه في العصر الجاهلي الذي يفصل بينهما مدة قصيرة، إذ كان العرب في ذلك العصر أقرب للأمية منهم إلى الكتابة، وكانت نسبة المتعلمين منهم ضئيلة جداً، حتى إن بعض المصادر أشارت إلى أن بضعة عشر رجلاً كانوا يجيدون القراءة . وحتى المتعلمون منهم كانوا يأنفون من الكتابة، ويعتمدون على الحفظ، (4(والكتابة ويرونه أسلم وأضبط، وبقي هذا الأثر حتى صدر الإسلام، إذ كان العلماء يميلون إلى .(٥(الحفظ دون التدوين وقد سجّل القرآن تلك الأمية بقوله: ﴿ .]([﴾ ). والعسيب: جريد النخل. ينظر: تاج ٣ اللخف: الحجارة الرقيقة. ينظر: رسم المصحف (ص ((( ).9/٣العروس ( ).04 رسم المصحف: (ص ((( ).٦المصدر السابق: (ص انظر: (٣( ).٥(/٣ صبح الأعشى: ( (4( .)(0 تراجم خطاطي بغداد لأستاذنا الأعظمي: (ص (٥(
عدد الصفحات ٨307 والرسول ﷺ اهتم بالكتابة اهتماماً بالغاً، ويظهر ذلك من ملازمة كتاب الوحي له، وحَضَّ على تعلمها وتعليمها، ويدلنا على ذلك أنه لما انتصر على قريش في بدر وأسر منهم سبعين رجلاً من صناديد قريش وغيرهم، جعل على كل واحد من الأسرى لفكاكه من الأسر فداء من المال، وعلى من عَجَز عن الافتداء بالمال - إن كان ذا دراية بالكتابة - أن يعلمها عشرة من صبيان المدينة، فلا يطلقونه إلا بعد ، وكان عليه الصلاة والسلام يختار (((تعليمه، وبذلك راجت سوق الكتابة بالمدينة .(((أجود الناس خَطّاً لمراسلة الملوك ويمكن إيجاز مرحلة صدر الإسلام بأنها مرحلة الدعوة إلى تعلم الكتابة وتعليمها مما أدى إلى انتشارها، وحب القرآن والحرص على تعلمه كان له الأثر البالغ في نشر الكتابة، ويستدعي ذلك الحرص على الدقة المتناهية في تدوين كلام ، وليس من المستبعد أن الصحابة كانوا يكتبون القرآن بين يدي النبي ﷺ بالخط الله اللين، فإذا رجعوا إلى منازلهم، وأصبحوا مطمئنين يملكون الوقت الذي يمكنهم إعادة نسخ ما كتبوه بالخط الجاف الذي يتطلب التأني في رسم الحرف، انصرفوا إلى وتعظيمها، ومؤمنين بأنه بقدر ما يبذلونه في نسخها اللهذلك قاصدين تكريم كلمات .(٣(اللهمن جهد يكون ثوابهم عند وكانت هذه المرحلة من شيوع الكتابة وانتشارها القاعدة التي أرسى عليها الخط دعائمه في المرحلة التي تليها. ).٦، ٥)، وتاريخ المصحف (ص٥٦/٥ ينظر زاد المعاد ( ((( ( 4 ينظر موازين رسم المصحف، بحث لأستاذنا د. غانم قدوري، نشر في مجلة المورد العدد ((( )، والخط العربي والإسلام، بحث محمود شكر الجبوري، مجلة آفاق عربية ٧() (صهـ٧سنة ( م).9) سنة٦) العدد (9((ص )، والخط يقصد به الأداء اليدوي السريع (المشق)، واليابس ٦ مجلة آفاق عربية العدد السابق (ص (٣( المستعمل في المخطوطات القديمة.
عدد الصفحات ٩308 الفصل الثاني إرساء قواعد الخط العربي عند استقرار الدولة الإسلامية يتسم عصر استقرار الدولة الإسلامية في العصرين الأموي العباسي بازدهار العلوم والآداب والفنون، واهتم خلفاء بني أمية بالكتابة اهتماماً بالغاً؛ لإدراكهم .(((مكانتها في نشر الدعوة الإسلامية وبدأ الخط يسمو ويرتقي ويتحسن أكثر من قبل حتى ظهر خطاطون مبدعون ومجودون، منهم الشكل الذي هو عليه الآن، وقد كان أكتب أهل زمنه، وهو الذي اخترع القلم الطُّومار والقلم الجليل. واشتهر بعده وهو أول من أجاد كتابتها، وكان منقطعاً لكتابة الوليد بن عبد الملك يكتب أخبار العرب وأشعارهم، واشتهر بعده بكتابة المصاحف )، ولم تكن له حرفة يعيش عليها غير كتابة ھ0كبار الزاهدين، المتوفى سنة .(((المصاحف وفي أوائل الدولة العباسية اشتهر رجلان من أهل الشام بجودة الخط، هما « .(٣(خلافة المنصور والمهدي )، وأصل الخط العربي وتطوره حتى نهاية العصر 4 الخط العربي وتطوره في العصور العباسية (ص ((( ).٨((الأموي (ص ).(٦ تاريخ الخط العربي وآدابه: (ص ((( ).0)، وفن الخط (ص٦(/٣ صبح الأعشى: ( (٣(
عدد الصفحات ١٠309 ثم أخذت سلسلة مجودي هذا الفن بتطوير الخط والإبداع فيه يأخذ كل واحد عن من سبقه حتى وصلت إلى مرحلة إرساء قواعد جديدة لضبط قياسات الحروف، وهذا ما تم على رأس الثلاثمائة للهجرة على يد الوزير .(((الباحثون على أنه أول من وضع قواعد الخط العربي ثم جاء بعده الخطاطون فزادوا هذه القواعد إبداعاً وجمالاً، مستندين إلى .(٣(، و(((أسسها، منهم وأخذ الخط ينمو ويزدهر، وأخذت الخطوط تزدهر أسوة بازدهار الفنون والآداب والعُمْران، ولم يشهد الخط تطوراً مثل هذه المرحلة، وكان اعتماد ولاة الأمر ومجودي الخط على محاولات تقديس آيات القرآن وتعظيمها في النفوس، واهتموا بعمارة المساجد حتى وصل الخط أوج تطوره إلى أن حصلت نكبة بغداد ) على يد التتر، وبعد هذه الفترة أفل نجم هذا الفن في مدينة السلام؛ ھ٦٥٦عام ( .(4(ليواصل تطوره في تركيا أرض الخلافة العثمانية )، وهو هـ٨(٣)، وتوفي عام (هـ (٧(« ((( أول من هندس الحروف وقدر مقاساتها بالنقط، وكان شاعراً وكاتباً وخطاطاً ووزيراً. وفيات الأعيان ).٦(( - ٣(() (ص٥(ج هو أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب، له الفضل في تهذيب طريقة ابن مقلة ((( ). وفيات الأعيان هـ٣وكساها طلاوة، وليس في المتقدمين من كتب مثله، توفي عام ( ).44 – 4(/٣( آخر خلفاء بني العباس، الله المستعصمي، كان من موالي الخليفة المستعصم بالله هو ياقوت بن عبد (٣( )، وقد نبغ في فن الخط هـ٣٨٦وقد أخذ ياقوت فن الخط عن الشيخ زكي الدين حبيب المتوفى عام ( ). ينظر: الأعلام: قاموس أشهر هـ٨حتى بلغ الغاية فيه وصار يضرب المثل في خطه، توفي عام ( ).4 – ٣)، وخطاطي بغداد (ص(٣(/٣الرجال والنساء من العرب والمستعربين ( )، وقد تولى الأتراك ريادة هذا الفن وتجويده ما ٨/( ينظر المدرسة البغدادية للخط العربي ( (4( يقارب خمسة قرون
عدد الصفحات ١١310 الخط يخرج من عربيته إلى عالميته بفضل القرآن سبحانه لكتابه اللهأراد باختلاف ألسنتهم وأجناسهم وثقافاتهم، فكان سلطان القرآن وتأثيره يغزو النفوس والعقول، فأقبلوا على تعلُّمه وفَهْمه، وتعلُّم الحرف العربي بذلك الحرف العربي من عربيته إلى عالميته بفضل القرآن، فكتب به العرب والعجم، كتب الإيرانيون به لغتهم الفارسية، والهنود كتبوا لغتهم الأوردو، كما كتب السلاجقة والعثمانيون لغتهم التركية، ومن هنا جاءت تسمية الخط العربي بالخط الإسلامي، ، وهكذا اكتسب الخط هالة من القداسة، فإذا ما ذكر (((ونرى هذه التسمية أصح وأدق القرآن ذكر الخط الذي يكتب به، وهناك أكثر من ثلاثين لغة تكتب بالحرف العربي .(((تفرعت عن اللغات التركية والهندية والفارسية والإفريقية فالأمم التي خضعت للعرب آثرت أن تحتفظ في ظلهم بلغتها، رأت لكي تيسر على أبنائها الذي دخلوا الدين الجديد مشقة تعلُّم نوعين من الخط: خطهم الأصلي لشؤون الدنيا، والخط الجديد لشؤون الدين. فأينما حل القرآن حل معه خط القرآن وأباد الخطوط الأصلية للأقاليم الجديدة، وحب القرآن وأثره في نفوس الأعاجم استدعى اهتمامهم بخط القرآن، وأن اهتمام الأعاجم غير العرب بخط القرآن لا يقل عن اهتمام العرب أنفسهم به وربما فاقوهم بذلك الاهتمام، كاهتمام الأتراك والإيرانيين، والأتراك يضربون مثلاً وهذا الرأي يرجحه أ.د. أكمل الدين إحسان إذ يقول ((( صفة أجدر وأوضح وأدق من أي صفة أخرى قد تضيق معانيها عن استيعاب فن ساهمت فيه الشعوب ). أقول: وهذا رأي صحيح.9الإسلامية كافة من أشهر هذه اللغات: الداغستانية والأذربيجانية والقازانية من التركية والكشميرية والسندية من ((( ) من تاريخ 0 – ٧الهندية، والبربرية والحبشية من الإفريقية وغيرها. انظر تفصيل ذلك (ص الخط وآدابه.
عدد الصفحات ١٢311 للقرآن وخدمتهم لحرفه المقدس، وقد تركوا بصمات اهتمامهم فيرفيعاً لولائهم هذا الفن بكل صدق وإخلاص، ورعايتهم للخط امتدت إلى خمسة قرون منذ القرن العاشر الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، في حين أن زعامة هذا .(((الفن قد انسحبت من باقي بلدان العالم وكانوا يتوارثون هذا الفن عن معلميهم ويجودونه، وقد بلغ اهتمامهم بالخط أن بعض سلاطينهم كانوا يتلقونه عن خطاطي عصرهم، مثل السلطان مصطفى خان ، كما تتلمذ محمود خان الثاني (((الثاني، وأحمد خان الثاني على الحافظ عثمان ونال منه (4(، والسلطان عبد المجيد الثاني على الخطاط عزت(٣(على مصطفى راقم إجازة في هذا العلم، وكان السلطان بايزيد بن السلطان محمد الفاتح يجل خطاط الأماسي، حيث كان يمسك له الدواة وهو يكتب، وتعلَّم اللهعصره الشيخ حمد .(٥(الخط على يده ) انتقل كثير من الخطاطين البغداديين إلى الشام ومصر، وقامت هناك هـ٦٥٦ بعد حادثة بغداد سنة ( ((( نهضة كبيرة في فن الخط، وعنهم أخذ الخطاطون الأتراك حتى نبغوا في بداية القرن العاشر، مثل: ).٨ الأماسي وقَرَهْ حصاري وغيرهم. ينظر: المدرسة البغدادية للخط العربي (ص اللهحمد عثمان بن علي، حفظ القرآن فلقب بذلك، أحد النابغين المجودين من خطاطي الترك في كتابة ((( ) بعد أن مكث أربعين سنة يعلم الخط. هـ0القرآن، ونسخ خمسة وعشرين مصحفاً، توفي عام ).9عن كتاب تاريخ الخط (ص ) في أينة على هـ4() وتوفي عامهـ (٧(( مصطفى راقم بن أحمد، عمل في الخط، ولد عام ( (٣( البحر الأسود، ودرس العلوم الدينية، عمل مدرساً، وكان مبدعاً متميزاً في تصميم الطغراء، وله فضل )، وتاريخ الخط ٨٨٣) (ص (السبق في إبداع التوقيع. ينظر: المدرسة البغدادية للخط العربي (ج ).٦)، وخطاطون مبدعون: (ص٧٥٣العربي وآدابه: (ص مصطفى عزت، كان يكتب جميع الخطوط، له الكثير من المخطوطات من مصاحف وأوراد وقصائد، (4( .)4). تاريخ الخط العربي وآدابه: (صهـ9وكان وحيد عصره، توفي عام م).٧ الأماسي: شروط المسابقة الدولية لسنة (الله) الشيخ حمد (٣ فن الخط (ص (٥(
عدد الصفحات ١٣312 وإذا ما ذكرنا عمالقة هذا الفن ومُجَوِّديه في العصر الحديث، فإن قائمة الأتراك تفوق أسماء غيرهم من خطاطي العالم من عرب وغيرهم. والأتراك لهم الفضل في اختراع خطوط جديدة لا عهد للعرب بها مثل: الخط .(((الديواني، والديواني الجلي، والرُّقعة والإيرانيون لهم الفضل في اختراع قواعد خط التعليق والإبداع فيه، ثم ما زال خطاطو الترك والفرس يدخلون التحسينات على الخط حتى وصل إلى غاية الجمال .(((والحسن وكل الحضارات من العرب والعجم ساهمت في بناء هذا الفن الكبير، وكل والباحثون يجمعون (٣(حضارة أنتجت فناً مبدعاً ولوناً يتميز عن أختها لوناً وذوقاً على وأنتجت تلك الجهود فناً عملاقاً على مائدة الإنسانية، فأرْضَتْ أذواقاً مختلفة حساً ولوناً وفناً. ).٥)، وتاريخ الخط: (ص٨(( روح الخط: (ص ((( المصدر نفسه. ((( ).٧( تراجم خطاطي بغداد: (ص (٣(
عدد الصفحات ١٤313 الفصل الثالث تعلُّم القرآن وتعليمه وأثره في الخط حض القرآن الكريم على العلم من أول نزوله ورفع شأن المتعلمين وفضلهم على الذين لا يعلمون، وتؤكد ذلك أول آية من التنزيل، قال تعالى: ﴿ .]([﴾ والقراءة لا تكون إلا لمكتوب فهي أساس الكتابة، فالدعوة إلى القراءة هي نفسها دعوة إلى الكتابة، وتشير الآيات التي تلت هذه الآية بوضوح إلى الكتابة، قال تعالى: .]٥ - ٣[﴾ * * ﴿ سبحانه وتعالى القلم الذي هو أداة الكتابة المنزلة السامية حينما اللهوأعطى . وهذا يشير بوضوح إلى أثر ]([﴾أقسم به، قال تعالى: ﴿ القرآن الفعال في تطوير الكتابة التي هي مادة الخط. وفي القرآن آيات كثيرة تدعو إلى التعلم والتفقه والتدبر وتحارب الجهل وتدعو إلى العلم الذي لا يتم إلا بإتقان الكتابة والاهتمام بها، فالكتابة أداة العلم ووسيلته، ونشر القرآن وتجويده مبدآن لهما بالغ الأثر في الخط، ونوجز ذلك بما يلي: تعالى المؤمنين بإيصال دستوره القرآن إلى كل من لم الله أمر ) نشر القرآن الكريم: 1 والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الله،يصل إليه، فتعاليم الإسلام، والدعوة إلى لا يمكن أن تتم وتكمل إلا من خلال تبليغ القرآن، وقد أثنى القرآن على هؤلاء، قال ﴾ تعالى: ﴿
عدد الصفحات ١٥314 . والسنة النبوية التي تكمل القرآن وتفسره، وتستمر بالتأكيد على ]٣٣[ امرأً الله. و(نَضَّرَ (((نشر القرآن ويؤكد ذلك حديثه ﷺ: (بلِّغوا عنّي ولو آية) سمع مقالتي فوعاها ثم بلَّغها عنّي، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه .(((إلى من هو أفقه منه) والأحاديث التي تدعو إلى نشر القرآن كثيرة جداً، ومن مستلزمات إيصال القرآن إلى الناس ومكملاته تجويد كتابته والاهتمام بها، وهذه المبادئ هي التي بكل إخلاص اللهاحتضنت الخط وجودته، فالكتّاب أقبلوا على إتقان كتاب ليظهروه للناس بالمظهر المناسب لقدسيته وبيان معانيه بوضوح ويُسر، فكانت هذه الدعوة في تأصيل الكتابة والدعوة لها هي التي ساهمت إسهاماً فعالاً في تطوير الخط. ، ]4[﴾ بترتيل القرآن بقوله: ﴿ الله أَمَرَنا ) تجويد القرآن: 2 ﴾وقال تعالى: ﴿ . فالدعوة إلى قراءة القرآن بتمهل ليسهل فهمه وتدبره؛ حتى ]((4[ يؤثر في النفوس والعقول والقلوب، فإذا كانت الدعوة إلى الترتيل صفة شرعية لتلاوة القرآن الكريم ولغرض الفهم والاعتبار والتأثر والإقبال عليه، فالدعوة إلى تجويد الكتابة كذلك مهمة؛ لأن الكتابة كما مر بنا تنفع الحاضر والغائب، وتُدَوِّن على مر العصور، فالقرآن له الأثر الكبير في تجويد الكتابة، والكتابة المجودة هي الخط العربي. بن عمرو، وهو جزء من حديث: (بلِّغوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل الله والحديث عن عبد ((( ) صحيح ٦٦٦) (ص (٦ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). برقم ( البخاري. ).4() (ص٦٣( سنن ابن ماجه برقم ( (((
عدد الصفحات ١٦