المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجازر من تاريخ سوريا دماء وأشلاء

السيد مراد سلامة

صفحة ١ من ٤

1

عدد الصفحات ١

2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المقدمة إنَّ الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُ قَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 102[ )102]  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَ ا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ ا لَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( 1[ )1]  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ ال لَّهِ وَجِيهًا ( 69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ( 70[ )69-71] أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد  وشر الأمور محدثاتها ،وكل محدثاتها بدعة وكل بدعة ضلالة ،وكل ضلالة في النار . أخي السلم: إن دراسة التاريخ وأخذ العبرة منه من أهم الأمور التي لا ينبغي للمسلم أن يغفل عنها وقد أمرنا تعالى بدراسة سير من قبلنا للوقوف على العبر واستخلاص الدروس التي ترشدنا في حياتنا. فقال عز وجل: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اْلأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَ ةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 137-138 .] فمن عجب أن نترك دراستنا للتاريخ وفق هذا النهج، أي وفق نظام السنن الإلهية في الكون يقول ابن خلدون - رحمه الله تعالى- فإنّ فنّ التّاريخ من الفنون الّتي تتداوله الأمم والأجيال وتشدّ إليه الرّكائب والرّحال، وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال (1)، وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيّام والدّول، والسّوابق من القرون 1 - جمع قيل، والقيل الملك وقيل: هو الرئيس دون الملك الأعلى.

عدد الصفحات ٢

3 الأول، تنمو (2)فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تقلّبت بها الأحوال، واتّسع للدّول فيها النّطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزّوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق.(3) وأنا أضع بين يدي كل مسلم و مسلمة صفحات من مآسينافي حلب صراخ و بكاء أشلاء و دماء جرت على حلب عبر العصور و الدهور فأبادت قوتها و مزقة جمعها و شربت من دمائها و احتلت أرضها و انتهكت أعراضها و استعبدت ذراريها و فبكى رجالها بكاء النساء حالها حال أبي عبد الله الصغير لما خرج أبو عبد الله الصغير من مدينة غرناطة، ووقف علي تلٍ من التلال القريبة من قصر الحمراء –قصر الحكم في غرناطة- وهو يبكي وينتحب، فقالت له أمه عائشة الحرة: " أجل فلتبكِ كالنساء ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال" (4) و ليست الحكمة من دراسة تلك الصفحات هو الحزن و الأسى و لا البكاء فحسب و إنما أخذ العظة و العبرة، كما يقول فلاسفة التاريخ : الهدف من دراسة التاريخ ليس اجترار الآلام ، ونبش الماضي بروائحه المتعفنة ، وإنما هو أخذ العبرة من الماضي ، لنستفيد منها في الحاضر أجل سيصيبك الحزن عندما تتصفح هذا الكتاب عندما ترى تلك المجازر و تلك الأشلاء و ترى البواكي اللاتي لا ناصر لهن و لا منافح عنهن، عندما ترى الجثث في الشوارع و الأزقة، عندما ترى أبراج الجماجم و عندما تشاهد النساء الحوامل و قد بُقرت بطونهن و استخرجت الأجنة ليقتلها كل علج كافر لا رحمة في قلبه ، عندما ترى الأب تغتصب ابته أمام عينية ثم يقتلها ذلك العربيد بدم بارد و بعدها يقتل أباه إنها صفحات من الدماء تحكي بعين باكية ما حل بحلب الإسلامية عبر عصورها من نكبات و من أزمات راح ضحيتها الآلاف 2 - نما الخبر أو الحديث: ارتفع وذاع. 3 - تاريخ ابن خلدون (1 /6) 4 - محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، 7/267.

عدد الصفحات ٣

4 دعْ عنك لومي في مصابي لائمي *** ما كلُّ مكلوم الضمير يثور واسمع مصيباتٍ حللْن بساحتي *** كاد الفؤاد لِهَوْلِهِنَّ يطير يا ناعيَ الإسلام أقبلْ باكيا *** قد حان وقت النعْي والتَّغْبِير زفراتُ حسْرة أمتي أمستْ لها *** نَفْسُ الرحيم من البكاء تخور ناحتْ على الأيْكُ الحمائم بعدما *** كانت لها فوق الغصون هدير وتحجَّبتْ شمس الحياة بنورها *** واستوحشتْ بعد الأمان صدور فاسأل دياراً بالدماء تخضَّبتْ *** جدرانها وظلامُها منشور ما حالها .. عمَّ الأنينُ بِدُورِها *** والفرح فيها ميِّتٌ مقْبور تلك المساكن إنْ تَسَلْ عن شأنها *** تُخْبِرْك أحجارٌ لها وصخور في أرضها سالتْ مدامعُ أهلها *** وصُراخُ صوتِ نسائها مَهْدور أوَمَا ترى ثكْلىَ هناك وقلْبُها *** مِنْ فرْطِ كثرة حزنها مفطور و لكن نردد بعد بل كل مجزرة و كل صفحة " إن لله وإنا إليه راجعون، كان ذلك في الكتاب مسطوراً وكان أمر الله قدراً مقدوراً " الفارق بين مذابح الأمس واليوم في حلب أن مذابح اليوم تنقل بالصور الحية وقت وقوعها إلى العالم أجمع، فلا تتحرك دوله العظمى، ومنظماته الدولية لنجدتهم؛ لأن العالم الحر المتحضر بحرياته وإعلاناته في حقوق الإنسان شريك أساسي في هذه الجرائم التي ارتكبت في حق الحلبيين، حتى دكت المستشفيات على المرضى، والمساجد على المصلين، والأسواق على الباعة والمتسوقين، والمدارس على الأطفال والمدرسين. ومن صفاقة الإعلام النصيري أنه يبث مراسليه ليصور بعضهم بعضا وهم يبتسمون أمام البيوت المهدمة، والجثث الممددة، وويل للظالمين من يوم تشخص فيه الأبصار.(5) 5 -http://www.alukah.net/web/hogail/0/102640/#ixzz4Sn6a4JSw

عدد الصفحات ٤

5 إ كم يُهان الدين والعلج يطربُ*** وحتى متى يا قوم ننعى ونشجب وحتى متى يستأسد الفأر في الربى*** ويزرع فينا الخوفَ والحقَّ يَسلب أفي كل يوم يشتكي الظلم إخوتي *** وفي كل صقعٍ من بلادي معذّب وفي كل يوم تستباح حقوقنا *** وما عاد فينا من يذود ويغضب أللخائن العربيد ألفُ تحية *** وللعالِم المغوار سيفٌ مذرّب (6) أننعم والإسلام يشكو مصابهُ *** ونضحك والرحمن للحق يغضب فمن يا ترى للحق يأسو جراحه*** ومن في سبيل الله للنفس يُتعب أهذا أوان النوم يا ابن عشيرتي *** ودمع ذوي القربى على الخد يُسكب أهذا أوان النوم يا شبل خالدٍ *** وأنفاسنا في اللوح تحصى وتكتب فقم يا حفيد الصحب واثأر لأمةٍ *** يسوم لها الباغي وفي المجد يلعب وقل لبني الإسلام واصرخ بجمعهم *** سأنصر دين الله والحقَّ أطلب سأثأر للحق الذي بات يشتكي *** فلا القيد يثنيني ولا السوط يُرهب سأنصر هذا الدين مهما تكالبت *** عليه الأعادي أو العود أُصلب سأثأر على أن أموت مجاهداً *** شهيداً إلى الجنات أسعى وأذهب فمن يا ترى للذل يحني جبينه *** ومن ذا عن الهيجاء يرضى ويرغب لئن كان للشر المبجّل صولةٌ ***فإن هدى الرحمن أعلى وأغلب اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك وأعداء المسلمين اللهم انصر المجاهدين في كل مكان ،اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أصلح أحوال هذه الأمة، اللهم وارزقها اتباع كتابك وسنة نبيك محمد ، اللهم وردها إليك ردًا جميلاً، يا أكرم الأكرمين. أبو همام / السيد مراد سلامة م/ 010169835268 hamam4111@gmail.com 6 - سَيْف مُذَرَّب إذا أُنْقِع في سَمِّ ثم شُحِذ

عدد الصفحات ٥

6 الفصل الأول: تنازع البقاء من سنن الله في خلقه أخي المسلم إن الصراع بين الحق والباطل سنة من سنن الله التي بنى عليها ذلك الكون - فلله عز وجل - في ملكوته العظيم وكونه الفسيح سننٌ لا تتبدل ونواميس لا تتحول ( والقرآن يقرر هذه الحقيقة ويعلمها { فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُ نَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] ومن تلك السنن الربانية سنة التدافع بين الحق والباطل يقول سيد قطب –رحمه الله - {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَ سَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [البقرة: 251] وهنا تتوارى الأشخاص والأحداث لتبرز من خلال النص القصير حكمة الله العليا في الأرض من اصطراع القوى وتنافس الطاقات وانطلاق السعي في تيار الحياة المتدفق الصاخب الموار . وهنا تتكشف على مد البصر ساحة الحياة المترامية الأطراف تموج بالناس، في تدافع وتسابق وزحام إلى الغايات . . ومن ورائها جميعاً تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط جميعاً، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق ، إلى الخير والصلاح والنماء ، في نهاية المطاف . . لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض . ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة ، لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع ، فتنفض عنها الكسل والخمول ، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة ، وتظل أبداً يقظة عاملة ، مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة . . وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء . . يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة . تعرف الحق الذي بينه الله لها . وتعرف طريقها إليه واضحاً . وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض . وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل ، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه . . وهنا يمضي الله أمره ، وينفذ قدره ، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا ، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوة الخيرة البانية ، التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وأكرمه . وأبلغها أقصى درجات الكمال المقدر لها في الحياة .

عدد الصفحات ٦

7 ومن هنا كانت الفئة القليلة المؤمنة الواثقة بالله تغلب في النهاية وتنتصر . ذلك أنها تمثل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض ، وتمكين الصلاح في الحياة . إنها تنتصر لأنها تمثل غاية عليا تستحق الانتصار .(7) وقول الله تعا{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْ ضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [البقرة: 251] (6) أي لولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق ، وأهل الفساد بأهل الإصلاح فيها ؛ لغلب أهل الباطل والإفساد في الأرض ، وبغوا على الصالحين ، وأوقعوا بهم حتى يكون لهم السلطان وحدهم ، فتفسد الأرض بفسادهم فكان من فضل الله على العالمين وإحسانه إلى الناس أجمعين أن أذن لأهل دينه الحق المصلحين في الأرض بقتال المفسدين فيها من الكافرين والبغاة المعتدين ، فأهل الحق حرب أهل الباطل في كل زمان ، والله ناصرهم ما نصروا الدين وأرادوا الإصلاح في الأرض (8) فهذا إرشاد إلى تنازع البقاء والدفاع عنالحق، وأنه ينتهي ببقاء الأمثل وحفظ الأفضل. وهو ملموسٌ ومقرر على صفحات التاريخ، وخاصةً منذ بزوغ فجر الإسلام؛ حيث نجد العديد من صور ذلك التدافع، ونلحظ له آثاراً كبيرة نتج عنها العديد من التغيرات الجذرية في تسيد الأرض واستغلال ثرواتها واكتشاف خيراتها، بل وفرض الأفكار والمعتقدات على سكانها في كثير من الأوقات بالحديد والنار، وخاصةً من قب ل العقائد المخالفة للإسلام، وتحدث تلك التغيرات عند حدوث نقطة تقاطع بين الحضارات وتأثر إحداها بالأخرى أو اضمحلالها مع الأيام. وها هو الحكيم الخبير يخبرنا عن حقيقة المؤامرة وأنها مترسخة في نفوس اليهود النصارى و أنه لا يرضيهم إلا الكفر بالله وإتباع ملتهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَ ا نَصِيرٍ } [البقرة: 120] يقول سيد قطب–رحمه الله - ( تلك هي العلة الأصيلة . ليس الذي ينقصهم هو البرهان؛ وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق ، وأن الذي جاءك من ربك الحق 7 - في ظلال القران ج 1 ص 253 8 - تفس المنار : ج2 ص 491 .

عدد الصفحات ٧

8 . ولو قدمت إليهم ما قدمت ، ولو توددت إليهم ما توددت . . لن يرضيهم من هذا كله شيء ، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق . إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان. . إنها هي العقيدة . هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة. . إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما؛ وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين! إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها. ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى ، ويرفعان عليها أعلاماً شتى ، في خبث ومكر وتورية . إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة. ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة . . لم يعلنوها حربا باسم العقيدة - على حقيقتها - خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها . إنما أعلنوها باسم الأرض ، والاقتصاد ، والسياسة ، والمراكز العسكرية . . وما إليها. وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها! ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها. ف هذه سمة المتخلفين المتعصبين! ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها . . بينما هم في قرارة نفوسهم: الصهيونية العالمية والصليبية العالمية - بإضافة الشيوعية العالمية - جميعاً يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلاً ، فأدمتهم جميعاً!!! إنها معركة العقيدة. إنها ليست معركة الأرض. ولا لغة . ولا المراكز العسكرية . ولا هذه الرايات المزيفة كلها . إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين . ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها ، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا . ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولأمته ، وهو - سبحانه - أصدق القائلين : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} . .

عدد الصفحات ٨

9 فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه . وما سواه فمرفوض ومردود ولكن الأمر الحازم ، والتوجيه الصادق : { قل : إن هدى الله هو الهدى} . . على سبيل القصر والحصر . هدى الله هو الهدى . وما عداه ليس بهدى . فلا براح منه ، ولا فكاك عنه ، ولا محاولة فيه ، ولا ترضية على حسابه ، ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير ، ومن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر . وحذار أن تميل بك الرغبة في هدايتهم وإيمانهم ، أو صداقتهم ومودتهم عن هذا الصراط الدقيق . { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) (9) وفى موضع آخر يخبرنا سبحانه وتعالى عما تكن صدورهم وما تحمله بين طياتها من حسد وحقد دفين فيقول –سبحانه وتعالى – { وَد كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّو نَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة: 109] يقول سيد قطب–رحمه الله – (وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس . . الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون . . لماذا؟ لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم . ولكنها لأنها تعلم!{ حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } . . والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين ، وما زالت تفيض ، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال . وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه ، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم؛ وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه ، والذي أنقذهم الله منه بالإيمان ، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود! وهنا - في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة ، وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد ، والشر بالشر ، 9 - في ظلال القرآن - (ج 1 /ص 82)

عدد الصفحات ٩

10 ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ، وقتما يريد{ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره . إن الله على كل شيء قدير } . . وامضوا في طريقكم التي اختارها الله لكم ، واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله . إن الله بما تعملون بصير } . . وهكذا . . يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر ، ومكمن الدسيسة؛ ويعبىء مشاعر المسليمن تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم . . ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله؛ ينتظرون أمره ، ويعلقون تصرفهم بإذنه . . وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة ، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة . ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة . .) (10) في هذه الآية يبن سبحانه لعباده استمرارية المؤامرة وأنها دائمة لا تنقطع فيقول سبحانه وتعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَ رُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة: 217] يقول سيد قطب رحمه الله تعا{ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } . . وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر؛ وعلى فتنة المسلمين عن دينهم؛ بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم . وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل . . إن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته غيظ ورعب لأعداء هذا الدين؛ ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين إن الإسلام بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم . فهو من القوة ومن المتانة بحيث يخشاه كل مبطل ، ويرهبه كل باغ ، ويكرهه كل مفسد . إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج 10 - في ظلال القرآن - (ج 1 /ص 76)

عدد الصفحات ١٠

11 ، ومن منهج قويم ، ومن نظام سليم . . إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد . ومن ثم لا يطيقه المبطلون البغاة المفسدون . ومن ثم يرصدون لأهله ليفتنوهم عنه ، ويردوهم كفاراً في صورة من صور الكفر الكثيرة . ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفساااادهم ، وفي الأرض جماعة مسااالمة تؤمن بهذا الدين ، وتتبع هذا المنهج ، وتعيش بهذا النظام . وتتنوع وساائل قتال هؤلاء الأعداء للمسالمين وأدواته ، ولكن الهدف يظل ثابتاً . . أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا . وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحاً غيره وكلما كلت في أيديهم أداة شااااحذوا أداة غيرها . . والخبر الصااااادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام ، وينبهها إلى الخطر؛ ويدعوها إلى الصبر على الكيد ، والصااابر على الحرب ، وإلا فهي خساااارة الدنيا والآخرة؛ والعذاب الذي لا يدفعه عذر ولا مبرر { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيه خالدون } . . والحبوط مأخوذ من حبطت الناقة إذا رعت مرعى خبيثاً فانتفخت ثم نفقت . . والقرآن يعبر بهذا عن حبوط العمل ، فيتطابق المدلول الحساااي والمدلول المعنوي . . يتطابق تضاااخم العمل الباطل وانتفاخ مظهره ، وهلاكه في النهاية وبواره . . مع تضااااخم حجم الناقة وانتفاخها ثم هلاكها في النهاية بهذا الانتفاخ! ومن يرتدد عن الإساااالام وقد ذاقه وعرفه؛ تحت مطارق الأذى والفتنة - مهما بلغت - هذا مصاااايره الذي قرره الله له . . حبوط العمل في الدنيا والآخرة . ثم ملازمة العذاب في النار خلوداً إن القلب الذي يذوق الإساااالام ويعرفه ، لا يمكن أن يرتد عنه ارتداداً حقيقياً أبداً . إلا إذا فسد فساداً لا صلاح له . وهذا أمر غير التقية من الأذى البالغ الذي يتجاوز الطاقة . فالله رحيم . رخص للمساالم - حين يتجاوز العذاب طاقته - أن يقي نفسااه بالتظاهر ، مع بقاء قلبه ثابتاً على الإساااالام مطمئناً بالإيمان . ولكنه لم يرخص له في الكفر الحقيقي ، وفي الارتداد الحقيقي ، بحيث يموت وهو كافر . . والعياذ بالله

عدد الصفحات ١١

12 وهذا التحذير من الله قائم إلى آخر الزمان . . ليس لمساااالم عذر في أن يخنع للعذاب والفتنة فيترك دينه ويقينه ، ويرتد عن إيمانه وإساااالامه ، ويرجع عن الحق الذي ذاقه وعرفه . . وهناك المجاهدة والمجالدة والصاااابر والثبات حتى يأذن الله . والله لا يترك عباده الذين يؤمنون به ، ويصاابرون على الأذى في ساابيله . فهو معوضااهم خيراً : إحدى الحساانيين : النصر أو الشهادة . (11) ويقول العلامة ابن عاشااور –رحمه الله - قوله { لا يزالون} وإن أشااعر أن قتالهم موجود فالمراد به أسااااباب القتال ، وهو الأذى وإضاااامار القتال كذلك ، وأنّهم إن شاااارعوا فيه لا ينقطعون عنه ، على أن صااريح لا يزال الدلالة على أن هذا يدوم في المسااتقبل ، و ( حتى ) للغاية وهي هنا غاية تعليلية .(12) ويقول ساايد طنطاوى - رحمه الله- في تفساايره وقوله - تعالى - : { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِ لُونَكُمْ حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ } بيان لشدة عداوة الكفار للمؤمنين ودوامها أي : ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكي يرجعوكم عن دين الإِساالام إلى الكفر إن اسااتطاعوا ذلك وقدروا عليه . والتعبير بقوله { وَلاَ يَزَالُونَ } المفيد للدوام والاستمرار للإِشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع وأنهم لن يكفوا عن الإِعداد لقتالهم ما اسااااتطاعوا إلى ذلك ساااابيلا ، فعلى المؤمنين ألا ي غفلوا عن الدفاع عن أنفساااهم . و { حتى} للتعليل أي{ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ } لكي { يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ } أو بمعنى إلى ، أي : إلى أن يردوكم عن دينكم . والرد : الصرف عن الشااايء والإِرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك : فغاية المشااا ركين أن يردوا المسااالمين بعد إيمانهم كافرين . وقوله : { إِن اسااْتَطَاعُواْ } يدل- كما يقول الزمخشااري - على اسااتبعاد اسااتطاعتهم رد المسلمين عن دينهم ، وذلك كقول الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق على . (13) 11 - في ظلال القرآن - (ج 1 /ص 207) 12 - التحرير والتنوير - (ج 2 /ص 268) 13 - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 /ص 377)

عدد الصفحات ١٢

13 ويقول فخر الدين الرازي –رحمه الله - ومعنى : { لا يَزَالُو نَ } أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه : ما ، كان ذلك نفياً للنفي فيكون دليلاً على الثبوت الدائم والمعنى : أن فتنتهم وقتالهم يدوم إلى أن يحصاال غرضااهم وهو أن يردوكم عن دينكم . (14) فهل بعد قول ا–تعالى- قول أو اجتهاد ؟وهل بعد هذا البيان من أهل القران اجتهاد ؟ * وفى آية أخرى يوضح سبحان أن الهدف من وراء تلك المؤامرات إنما هو إخراج المسلم عن دينه وجعله مساااخا إمعة ( أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّ وكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ( 100) يقول ساااايد قطب–رحمه الله - { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } . الله وحده ، متميزة متفردة ظاهرة . لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله؛ لتؤدي في حياة البشر دوراً خاصاً لا ينهض به سواها . لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض ، وتحقيقه في صااورة عملية ، ذات معالم منظورة ، تترجم فيها النصااوص إلى حركات وأعمال ، ومشاااعر وأخلاق ، وأوضاع وارتباطات . وهي لا تحقق غاية وجودها ، ولا تستقيم على طريقها ، ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة ، إلا إذا تلقت من الله وحده ، وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده . قيادة البشرية . . لا التلقي من أحد من البشر ولا إتباع أحد من البشاااار ، ولا طاعة أحد من البشاااار . . إما هذا وإما الكفر والضاااالال والانحراف هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات . وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما ساانحت الفرصااة . . وهنا موضااع من هذه المواضااع ، مناساابته هي المناظرة مع أهل الكتاب ، ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المساااالمة في المدينة . . 14 - تفس الرازي - (ج 3 /ص 269)

عدد الصفحات ١٣

14 ولكنه ليس محدوداً بحدود هذه المناسبة ، فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة ، في كل جيل من أجيالها لأنه هو قاعدة حياتها ، بل قاعدة وجودها . لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشااارية . فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصاااالها بالله ، ولتقودها بمنهج الله؟ وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن ، وليس لوجودها - في هذه الحال - من غاية؟! لقد وجدت للقيادة : قيادة التصااور الصااحيح . والاعتقاد الصااحيح . والشااعور الصااحيح والخلق الصحيح . والنظام الصحيح . والتنظيم الصحيح . . وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول ، وأن تتفتح ، وأن تتعرف إلى هذا الكون ، وأن تعرف أسااراره ، وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته . ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله ، وتسيطر على هذا كله وتوجهه لخير البشاااار لا لتهديدهم بالخراب والدمار ، ولا لتسااااخيره في المآرب والشااهوات . . ينبغي أن تكون للإيمان ، وأن تقوم عليها الجماعة المساالمة ، مهتدية فيها بتوجيه الله . لا بتوجيه أحد من عبيد الله وهنا في هذا الدرس يحذر الأمة المسااالمة من إتباع غيرها ، ويبين لها كذلك طريقها لإنشااااء الأوضاع الصحيحة وصيانتها . ويبدأ بتحذيرها من إتباع أهل الكتاب ، وإلا فسيقودونها إلى الكفر لا مناص { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّ وكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } [آل عمران: 100]. . إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم ، واقتباس مناهجهم وأوضاااااعهم ، تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية ، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشاااائت الأمة المساااالمة . كما تحمل معنى الشااك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسااير بها صااعداً في طريق النماء والارتقاء . وهذا بذاته دبيب الكفر في النف س ، وهي لا تشااااعر به ولا ترى خطره القريب . هذا من جانب المساالمين . فأما من الجانب الآخر ، فأهل الكتاب لا يحرصااون على شاايء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها . فهذه العقيدة هي صخرة النجاة؛ وخط الدفاع ومصااادر القوة الدافعة ل مة المسااالمة . وأعدافه يعرفون هذا جيداً . يعرفونه قديماً ويعرفونه

عدد الصفحات ١٤

15 حديثاً ، ويبذلون في ساابيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسااعهم من مكر وحيلة ومن قوة كذلك وعُدة . وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين . وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحده ، يجندون من المنافقين المتظا هرين بالإسلام ، أو ممن ينتسااابون - زوراً - للإسااالام ، جنوداً مجندة ، لتنخر لهم في جسااام هذه العقيدة من داخل الدار ، ولتصااااد الناس عنها ، ولتزين لهم مناهج غير منهجها ، وأوضاااااعاً غير أوضاااااعها ، وقيادة غير قيادتها . . فحين يجد أهل الكتاب من بعض المساااالمين طواعية واسااتماعاً وإتباعا ، فهم ولا شااك ساايسااتخدمون هذا كله في ساابيل الغاية التي تؤرقهم ، وسااايقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضااالال . ومن ثم هذا التحذير الحاسم المخيف : { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } ما كان يفزع المسلم- حينذاك - ما يفزعه أن يرى نفسه منتكساً إلى الكفر بعد الإيمان . وراجعاً إلى النار بعد نجاته منها إلى الجنة . وهذا شاااأن المسااالم الحق في كل زمان ومن ثم يكون هذا التحذير بهذه الصورة سوطاً يلهب الضمير ، ويوقظه بشدة لصوت النذير . . ومع هذا فإن السااااياق يتابع التحذير والتذكير . . فيا له من منكر أن يكفر الذين آمنوا بعد إيمانهم ، وآيات الله تتلى عليهم ، ورسوله فيهم(15) الفصل الثاني :الحكمة من تسليط الكافرين على المؤمن يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1 )وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2 )وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3 )قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4 )النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5 )إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6 )وَهُمْ 15 - في ظلال القرآن - (ج 1 /ص 406)

عدد الصفحات ١٥

16 عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7 )وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8 )﴾ [سورة البروج] قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: ((في هذه الآيات من العبر: أن الله سبحانه وتعالى قد يسلط أعدائه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سلط الله عز وجل الكفار على المؤمنين وقتلوهم وحرقوهم، وانتهكوا أعراضهم، لا تستغرب فلله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله سبحانه وتعالى ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، والمسلمون الباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، فمثلا نحن نسمع ما يحصل من الانتهاكات العظيمة، انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تبكي فنقول: سبحان الله ما هذا التسليط الذي سلطه الله على هؤلاء المؤمنين؟ نقول يا أخي لا تستغرب فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالا فيمن سبق يحرقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سلطوا على إخواننا في بلاد المسلمين هذا رفعة درجات المصابين، وتكفير السيئات، وهو عبرة للباقين، وهو أيضا إغراء لهؤلاء الكافرين حتى يتسلطوا فيأخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر)) سبحان الله، وكأنه يتكلم عن إخواننا في سوريا الحبيبة، نسأل الله أن يثبتهم، وأن يرفع عنهم البلاء. ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ((ولهذا سلط على أنبيائه وأوليائه ما سلط عليهم من القتل، وأذى الناس، وظلمهم لهم، وعدوانهم عليهم، وما ذاك لهوانهم عليه ولا لكرامة أعدائهم عليه، بل ذاك عين كرامتهم وهوان أعدائهم عليه، وسقوطهم من عينه، لينالوا بذلك ما خلقوا له من مساكنتهم في دار الهوان، وينال أوليافه وحزبه ما هُيِّئ لهم من الدرجات العلى، والنعيم المقيم فكان تسليط أعدائه وأعدائهم عليهم عين كرامتهم، وعين إهانة أعدائهم)) إلى آخر كلامه النفيس رحمه الله تعالى رحمة واسعة في كتابه الحافل (16) 16 - مفتاح دار السعادة (2 /489.)

عدد الصفحات ١٦