الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 34 واستولى الس ُّوفييتُ على الحكومةِّ وقتلُوا الرئيسَ ووضعُوا آخَرَاً بدلاً منه. وَوِّفقاً لبعضِّ المصادر الر ُّوسية، فقد خط َّطُوا لتحقيقِّ الاستقرار، وتعزيزِّ الجيشِّ ثم َّ سحبِّ غالبي َّةِّ القو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ في غُضونِّ ثلاثِّ سنوات. وخَط َّطَت هيئةُ الأركانِّ العام َّةِّ الس ُّوفييتي َّةِّ لتركِّ كل ِّ القتالِّ في يدِّ جيشِّ الجمهوري َّةِّ الد ِّيمقراطي ِّة. إلا أن َّ أفغانستان كانت في تمر ُّ دٍ كاملٍ، ولم يتمك َّنِّ الجيشُ الأفغاني ُّ البائسُ من الت َّغلب عليه، وكانَ شبحُ الهزيمةِّ الذي سيعقُبُ انسحابَ الات ِّحادِّ الس ُّوفييتي ِّ يطاردُ المكتبَ الس ِّياسي َّ للحزبِّ الش ِّيوعي ِّ الس ُّوفييتي. وثبَتَ أن َّ الغزوَ والإطاحةَ بالحكومةِّ أسهلُ بكثيرٍ من قتالِّ ال مئاتِّ من مجموعاتِّ العصاباتِّ المنتشرةِّ في كل ِّ مكان. فقد دُر ِّبَ الجيشُ الس ُّوفييتي ُّ على القيامِّ بعملياتٍ صاعقةٍ على نطاقٍ واسع، ولم يتدر َّب على خوضِّ القتالِّ على مُستوى قيادة الفصيلة ( Platoon) لإيجادِّ قواتٍ صغيرةٍ من الس ُّكان الأصليين والاقترابِّ منها، في ظ ل ِّ ظروفٍ تميلُ لصالحِّ هذه القو َّات، وفي أراضٍ تَمنحُهم الت َّفو ُّقَ والقدرةَ على الث َّباتِّ في القتال.
عدد الصفحات ٣٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 35 بالعودةِّ إلى الات ِّحادِّ الس ُّوفييتي، كان هناكَ فراغٌ رئاسي ٌّ من الن َّاحيةِّ العملي َّة لا الر َّسمي َّة، وجميعُ القرارات كانت صادرةً من لجانِّ القيادةِّ التي ات َّخذَتها القيادةُ الجماعي َّة. فالأمينُ بريجنيف أصبحَ عاجزاً عام 1980م، ل كن َّهُ لم يمت حتى نوفمبر/تشرين الثاني1982م. وخَلَفَه يوري أندروبوف المريض. واستمر الأمينُ العام أندروبوف لأقل َّ من عامين، ثم َّ خلَفَه قسطنطين تشيرنينكو المترن ِّحُ في فبراير 1984م وتُوُف ِّيَ تشيرنينكو في مارس 1985م وعلى الر ُّغم من أن َّ القيادةَ العسكري َّةَ استمر َّت في تقديمِّ الت َّوصيةِّ بالانسحاب، إلا أن َّه عبرَ (مومياواتِّ الأمناءِّ العامين) لم يكن هناكَ أحدٌ منهم يصدرُ قراراتٍ رئيسيةً فيما يتعل َّقُ بمجرياتِّ الحربِّ في أفغانستانَ ونت ائجِّها، فيما تصاعَدَت وتيرةُ الحرب. وفي النهاية، وَصَل ميخائيل غورباتشوف إلى الس ُّلطة. وكانت فكرتُه الأولى هي تحقيقُ الن َّصرِّ العسكري ِّ في أفغانستان في فترةِّ عام. يوري أندروبوف قسطنطين تشيرنينكو ميخائيل غورباتشوف وبعد خوضِّ تلك الس َّنةِّ الأكثرِّ دموي َّةً في الحرب، أدركَ غورباتشوف أن َّ الس ُّوفييت لن يتمكنُوا من الانتصارِّ في أفغانستان دونَ تداعياتٍ دولي َّةٍ ومحليةٍ غير مقبولةٍ، فبدأ بالبحثِّ عن وسيلةٍ للانسحابِّ مع الحفاظِّ على ماءِّ الوجه. وقد َّمَ مفاوضو الأممِّ المت َّحدةِّ هذا الطريق. وبحلول 15 أكتوبر1988م، كان الن ِّصفُ الأو َّلُ من الانسحابِّ الس ُّوفييتي ِّ قد اكتمل. وفي 15 فبراير1989م، انسحبَت آخِّرُ القو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ من أفغانستان. لقد استمر َّ التزامُ القو َّاتِّ الس ُّ وفييتي َّةِّ -الذي تم تقييمُهُ في البداية على أن َّه يتطل َّبُ عد َّةَ أشهرٍ فقط - لمد َّةِّ تسعِّ سنواتٍ، وتطل َّبَ أعداداً متزايدةً من القو َّات. وقِّيلَ بأن َّ الات ِّحادَ الس ُّوفييتي َّ قتل 1.3 مِّليونَ شخصٍ، كما أجبَرَ 5.5 مِّليونَ أفغاني (ثُلُثَ سكانِّ ما قبلَ الحربِّ ) على مغادرةِّ البلادِّ كلاجئين.
عدد الصفحات ٣٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 36 وأجبرَ مِّليوني أفغاني ٍ آخرَ على الهِّجرةِّ داخل البلاد (نزوح داخلي)، حيثُ لم تَتَعافَ البلادُ من هذا إلى الآن. في البدايةِّ، كانَ المجاهدون جميعُهُم من الس ُّكانِّ المحليينَ الذينَ حملُوا الس ِّلاحَ وتجم َّعُوا في قو َّاتٍ كبيرةٍ مُترهلةٍ إلى حدٍ ما، وذلك بهدفِّ الاستيلاءِّ على مباني المديري َّاتِّ المحلي َّة ونهبِّ مستودعاتِّ الأسلحةِّ فيها. وقد واجَهَت الحكومةُ الأفغاني َّةُ هذهِّ الجهودَ قَدرَ إمكاناتِّها، فبدأ المجاهدونَ بتنظيمِّ أنفسِّهِّم في مجموعاتٍ أصغرَ بكثيرٍ تتمركزُ حولَ القُرى الر ِّ يفي َّة. وكانت هذه المجموعاتُ الص َّغيرةُ مسل َّحةً بمجموعةٍ متنوعةٍ من الأسلحةِّ بدايةً من الس ُّيوفِّ والمسكيت ذاتِّ الز َّندِّ الص َّواني، وصولاً إلى بنادقِّ (المكنظمة) البريطانية وأسلحةِّ الكتلةِّ الس ُّوفييتي َّةِّ القديمةِّ التي وصلَت إلى أفغانستانَ على مر ِّ الس ِّنين . عادةً ما كانَ قادةُ الث ُّوارِّ قرويين مؤث ِّرين ولهم بالفعلِّ دورٌ قيادي في المنطقة المحلية. وقليلٌ منهم من كان يمتلِّكُ خبرةً عسكريةً احترافي َّة. وكان الت َّمر ُّدُ واسعَ الانتشار، ل كن َّهُ يفتقدُ إلى الت َّنسيقِّ نتيجةَ تشكيلِّه على أُّسُسٍ قبلي َّةٍ وعرقي َّة. لقد غَي َّر الغزوُ الس ُّوفييتي ُّ من طبيعةِّ المقاومةِّ الأفغانية. وقد قلقت الد ُّولُ الجارةُ لأفغانستان (باكستان وإيران) من قدومِّ الجيشِّ الس ُّوفييتي ِّ إلى حدودِّهما، فبدأت بتقديمِّ الت َّدريبِّ والد َّعمِّ المادي ِّ للمجاهدين. وبدأت الولاياتُ المت َّحدةُ وجمهوري َّةُ الص ِّ ينِّ الش َّعبي َّةِّ وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والممل كةُ العربي َّةُ السعودي َّةُ ومصرُ والإماراتُ العربي َّةُ المت َّحدةُ في نقلِّ المُساعداتِّ العسكري َّةِّ والإنساني َّةِّ والمالي َّةِّ للمجاهدين عبرَ باكستان. لقد كانت باكستان ترى بأن َّ الات ِّحادَ الس ُّوفييتي قد جاءَ إلى أفغانستان ليبقى، فكانَ من مصلحتِّها دعمُ المجاهدينَ الذينَ لن يَقبلُوا الوجودَ السوفييتي أبدًا. وبدأت وكالةُ الاستخبارات الباكستانية 14 14 الاستخبارات الباكستانية للأمن الداخلي والخارجي والأمن الس ِّياسي ِّ والعسكري ِّ ومكافحةِّ التجسس. وكانت هذه الوكالة مسؤولةً عن إيصالِّ المساعداتِّ إلى المجاهدين وتوفيرِّ الت َّدريبِّ للمقاتلين وموظفي الد َّعم.
عدد الصفحات ٣٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 37 (ISI) في نقلِّ المساعداتِّ عَبرَ مختلف الفصائلِّ الس ِّياسي ِّةِّ الأفغاني َّةِّ المتمركزة في باكستان. وفي الن ِّهاية كانت هناك سبعةُ فصائلٍ أفغاني َّةٍ رئيسي َّةٍ تَتَلقى المساعدات. وتم َّ تحديدُ سياسةِّ هذه الفصائل من خلال المُعتقداتِّ الد ِّينية لزعمائِّها؛ ثلاثةٌ منهم من المُعتدلين الإسلاميين، بينما الأربعةُ البقي َّة من الأصوليين الإسلاميين. وطالبَت باكستان أنْ تنضم َّ مُختلف جماع اتِّ المُجاهدين العرقي َّةِّ والقبلي َّةِّ إلى أي ِّ فصيلٍ من أجلِّ الحُصولِّ على المُساعدات. ومع مرورِّ الوقت، قَد َّم هذا لقادةِّ هذه الفصائل سلطةً سياسي َّةً استخدموها للس َّيطرةِّ على الحياةِّ الس ِّياسي َّةِّ في أفغانستان ما بعد الش ُّيوعي َّة. كانت الس ُّلطات الباكستاني ة تُفض ِّلُ الجماعات الأصولية أكثرَ وتكافئُهم وفقاً لذلك. وأعطى توزيعُ المُساعدات هذا الز َّعماءَ الد ِّينيين الأفغان سلطةً غير مسبوقة في إدارةِّ الحرب، في حين قَو َّضت الس ُّلطةَ الت َّقليدي َّة للزعماءِّ القبليين والقرويين. كان المجاهدونَ متطو ِّعين بلا أجور، ولديهم مسؤولياتٌ أسرية. وهذا يعني بأن َّهم كانوا محاربين بدوامٍ جزئيٍ وأن َّ غنائمَ الحرب لعبت دوراً رئيسي َّاً في الأعمال العسكري َّة. فقد كان المجاهدون يبيعونَ معظمَ الأسلحة والمُعَد َّات التي يغتنمونها في الأسواقِّ للإِنفاقِّ على أسرهم. ومع تطو ُّر ِّالحرب، ظهرت مجموعاتُ المجاهدين المُتنقلة. وكانت هذه المجموعاتُ أكبرَ حجماً، وتتكو َّنُ من شباب (دون سن 25 ) من المُحاربين غيرِّ المُتزوجين والمُدر َّبين تدريباً أفضل. وفي بعضِّ الأحيان يتم ُّ دفعُ رواتبٍ لهم. وكانَ المجاهدون المُتنقلون يتحر َّكون عبرَ منطقةِّ عملياتٍ أكبرَ بكثير من المُجاهدين المَحليين، كما كانُوا أكثرَ استجابةً لخططِّ الفصائلِّ ورغباتِّها. كانَ الص ِّراعُ الإستراتيجي في أفغانستان معركةً حولَ اللوجستيات، بحيثُ كانَ كل ُّ طرفٍ يسعى إلى خنقِّ عدو ِّهِّ لوجستي َّاً. كان المجاهدونَ يستهدفونَ خطوطَ الات ِّصال (الإمداد) الس ُّوف ييتي َّة، وهي شبكة الط ُّرق الحيوي َّة التي كانت الإمداداتُ الس ُّوفييتي َّة تُسافر عليها. بينما تجل َّى أسلوبُ الهجومِّ الس ُّوفييتي على لوجستي َّاتِّ المجاهدين في مرحلتين؛ الأولى: من 1980م إلى1985م، حيثُ سعى الس ُّوفييت إلى القضاءِّ على مصادرِّ دعمِّ المُجاهدين المتم ركزةِّ في الر ِّيف، فَقَصفُوا صوامعَ الحبوب وقرى
عدد الصفحات ٣٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 38 الأرياف، ودم َّرُوا المحاصيلَ وأنظمةَ الر َّي، وَلَغ َّمُوا المراعي والحقول، وأبادُوا قطعانَ المواشي، ونف َّذُوا عملياتِّ تمشيطٍ واسعةٍ للمناطقِّ الر ِّيفي َّة، وذلك بهدفِّ تجنيدِّ الش َّباب وتدمير البُنيةِّ الت َّحتي َّة. وبالاستنادِّ على ما قاله ماو تسي تونغ بأن َّ العصاباتِّ تعيشُ بينِّ الش َّعب مثلَ الس َّمكة في الماء، قر َّرت القيادةُ الس ُّوفييتي َّة بأنْ تقتلَ الس َّمكةَ عن طريقِّ تجفيفِّ المياه. 15 ونتيجةً لذلك، أصبحت أفغانستانُ دولةَ لاجئين، حيث فر َّ أكثرُ من سبعةِّ ملايينِّ ريفي ٍ إلى الأمانِّ الن ِّسبي في باكستان وإيران المجاورتين أو إلى مُدنِّ أفغانستان. فَحَرَم هذا الجهدُ الس ُّوفييتي ُّ المجاهدينَ من الد َّعم الذي كانوا يحصلونَ عليه من الأرياف، حيثُ غادرَ القرويون، فأصبحَ لزاماً على المجاهدين أن يحملُوا معظمَ طعامِّهِّم معهم إلى جانبِّ الأسلحةِّ والذ َّخيرةِّ والموادِّ الحربية. ومن ثم َّ، رد َّ المجاهدون على هذه السياسةِّ بإنشاءِّ قواعدَ لوجستيةٍ داخلَ أفغانستان. أم َّا المرحلةُ الث َّانية، فقد تجل َّت في المعركة التي خاضَها الس ُّوفييت ابتداءً من عام 1985م، وحتى تاريخِّ الانسحابِّ بحثاً عن هذهِّ الق واعدِّ اللوجستية وتدميرِّها. مثلما يعلمُ أي ُّ جنديٍ من المُشاة، فالت َّضاريس هي المُشك ِّل الأساسي ُّ لساحةِّ المعركة. وتتمي َّزُ تضاريسُ أفغانستان بالت َّنوعِّ والوعورة. وتسيطرُ عليها الجبالُ الش َّاهقةُ والص َّحاري القاحلة. ومع ذلك، فهناكَ غاباتٌ خصبةٌ من الأرْز و الحور الر َّجراج والعَرعَر. وهناك مناطقُ خضراء مُتشابكةٌ؛ وهي مناطقٌ مَروي َّةٌ كثيفةٌ بالأشجار وال كروم والمَحاصيلِّ وخنادقِّ الر َّي والن َّباتات المُتشابكة، ولها سهولٌ مُسط َّحةٌ مليئةٌ بالقمحِّ والمدر َّجات المستنْقعي َّة التي يُزرَعُ فيها الأرُز الل َّذيذ طويلُ ا لحَب َّة. إن َّها تضاريسٌ لا تصلحُ للقو َّاتِّ الميكانيكية المُعتمدة على قو َّةِّ الن ِّيران، وخطوطِّ الات ِّصال الآمنة والت ِّقنيات المتقد ِّمة. بل هي أرضٌ يمكن للمحاربِّ الجبلي ِّ فيها -باستخدامِّ مواقعِّ ال كمائنِّ التي تعل َّمها من أسلافه- أن يتسب َّب لأعدائِّه في "موتٍ بألفِّ جُرح". فالت َّضاريسُ تفرضُ على القو َّات تكتيكاتٍ مختلفةً، وهياكلَ ومُعَداتٍ خاص َّةٍ في الحرب الت َّقليدية. 15 Claude Malhauret, Afghan Alternative Seminar, Monterey, California, Novem ber 1993.
عدد الصفحات ٣٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 39 هذا الكتابُ ليسَ تاريخاً كاملاً للحرب الأفغاني َّة الس ُّوفييتي َّة. فبدلاً من ذلك، هو سلسلةٌ من المَقالات القصيرة القتالي َّة كما يرويها المجاهدون الذين شاركُوا في صنعِّ أحداثِّها. إن َّه ليسَ كتاباً في الحُكمِّ على صِّح َّةٍ أمورٍ من خطئِّها. بل، هو كتابٌ عن البقاءِّ على قيدِّ الحياةِّ أمامَ القو َّةِّ الن َّاري َّةِّ الس َّاحقةِّ والقو َّة الت ِّقنية لدولةٍ عظمى. هذا الكتابُ هو قصةُ القتالِّ من مَنظورِّ ثُو َّار العصا بات. إن َّها قص َّةُ أناسٍ شجعان قاتلُوا لا عن أملٍ بالن َّصر، بل لأن َّه كان الخيارُ الش َّرعي ُّ الواجبُ عليهم ات ِّباعُه. من عادةِّ المؤلفِّ (لِّيس غراو) الس َّفرُ بانتظامٍ ذهاباً وإياباً لروسيا. وقد حَصَل (في إحدى رحلاته) على كتابٍ من قسمِّ تاريخِّ الفَن ِّ العسكري في أكاديمي َّة فرونز للأسلحةِّ المشتركةِّ في موسكو. كانَ الكتابُ مُخص َّصاً للاستخدامِّ الد ِّراسي ِّ للط ُّلابِّ فقط، وعلى هذا الن َّحوِّ، تظهرُ (بحياديةٍ) أخطاءُ العملي َّات السوفييتية في أفغانستان ونجاحاتُها. وبإذنٍ من أكاديمي َّة فرونزي، قام "لِّيس" بترجمةِّ هذا الكت ابِّ وإضافةِّ تعليقاتٍ عليه ثم َّ نشرَهُ عبر مطبعة ( NDU) تحتَ عُنوان
عدد الصفحات ٣٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 40 The Bear Went Over the Mountain: soviet combat tactics .16 وقد ساعدَ المؤلف "علي جلالي" في عملية الت َّحرير. أظهرَ كتاب (الد ُّب ْ ) تكتيكاتِّ الس ُّوفييت، ل كن تكتيكات المجاهدين كانت غائبة. فاتفق "تشارلي كوثبيرتون" و"ديك فولتز" من المارينز في "كوانتيكو" على ضرورةِّ تقديمِّ كلا الجَانبين، وإرسالِّ "علي جلالي" و"لِّيس" إلى باكستان وأفغانستان لمقابلةِّ قادةِّ المجاهدين وتأليفِّ كتابٍ قرينٍ (يوضح تكتيكياتِّ المُجاهدين). المؤلف علي جلالي لديهِّ مؤهلاتٌ مِّث اليةٌ لتأليفِّ هذا الكتاب. فقد كانَ عقيداً في الجيشِّ الأفغاني وقامَ بالت َّدريسِّ في الأكاديمي َّةِّ العسكري َّةِّ الأفغاني َّةِّ وكلية أركانِّ الجيش. وشمَل تعليمُه الخارجي ُّ دورةَ ضب َّاطِّ مشاةٍ متقد ِّمة في فورت بينينج في جُورجيا، وكلي َّةَ أركانِّ الجيشِّ البريطاني في كامبرلي، وأكاديمي َّةَ فرونزي الس ُّوفييتي َّة. وكان العديدُ من طلابِّه الضب َّاط رموزاً شامخةً للمقاومةِّ الأفغانية. وانضم َّ عليٌ أيضاً إلى المقاومة، وكان صَحَفياً معتمداً أثناء الن ِّزاع. ويعمل الآن كصحفي ٍ على تغطيةِّ أفغانستان ووسطِّ آسيا على مدارِّ الخمسةَ عَشَ رَ عاماً الماضية. ويح ترمُ جميعَ الفصائل، وله قُبولٌ واسعٌ لدى المجاهدين. وَصَلَ علي جلالي و"لِّيس" إلى باكستان في سبتمبر عام 1996م، وكانا يستعدان للذ َّهابِّ إلى أفغانستان عندما أغلق تَقَد ُّمُ حركةِّ طالبان نحوَ كابول الحدودَ أمامَ المواطنين الأمريكيين. فأجرى عليٌ مقابلاتٍ مع حوالي 40 مجاهداً خلالَ شهرٍ واحدٍ في بيشاور وكويتا وإسلام أباد بباكستان وأجرى زميلُنا، الر َّائد نصر الل ه صافي، مقابلاتٍ لمد َّة شهرينِّ آخرين داخلَ أفغانستان من أجلِّ هذا الكتاب. لتكونَ هذه المقابلات هيَ أساسُ الكتاب. قمنا بكتابةِّ المَقالةِّ بصيغةِّ الغائبِّ في المقابلاتِّ التي لدينا فيها العديدُ من المصادِّرِّ للمقالةِّ الواحدة أو حيثُ يتوف َّرُ لدينا ال كثيرُ من الت َّقاريرِّ والمواد ِّ المكتوبةِّ الد َّاعمة، بينما في المقابلات التي يكون فيها الش َّخصُ (الوحيد) الذي تم َّت مقابلته هو المصدرُ الأساسي، فقد كتبنا المقالةَ بصيغةِّ المتكل ِّم. ورتبنا 16 المركز: العنوان يعني الد ُّب يعبرُ الجبل/ تكتيكات الس ُّوفييت القتالي َّة في أفغانستان
عدد الصفحات ٤٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 41 المقالاتِّ ترتيباً زمنياً حسب نوعِّ العمل. إلا أن َّه في بعضِّ الأحيان، عندما تحدثُ الأعمال في المكان نفسهِّ على مدى وقتٍ طويل، فإن َّنا نجمعُ هذه الأعمالَ معاً بدلاً من اعتماد التسلسلِّ الز َّمني. ولقد حاولنا أنْ نجعلَ الكتابَ دقيقاً قدر الإمكان، ل كن َّنا ندركُ بأن َّه من المحتمل أن َّ الوقتَ وإعادةَ الر ِّوايةِّ ربما قد غيرتَا بعضاً من متونِّ الروايات. ورُغم أن َّ الحربَ قد بدأت قبلَ الغزو الس ُّوفييتي واستمر َّت لفترةٍ طويلةٍ بعدَ مغادرتِّهم، إلا أن َّنا قد حصرْنا نِّطاقَ الكتاب من الاجتياحِّ الس ُّوفييتي حت َّى انسحابِّه. ول كن َّنا نخط ِّطُ للكتابةِّ عن هذه المعارك في كتابٍ مستقبلي. استخدمنا إصدار (2-)DMA من سلسلةِّ خرائط000) من وَكالةِّ خرائطِّ وَزارة الد ِّفاع الأمريكي َّةِّ في الإعدادِّ الن ِّهائي للمادة. بالن ِّسبة لأولئك الذين يرغبون في الر ُّجوعِّ إلى الخرائط، توجدُ أرقامُ صفحاتِّ الخرائطِّ مع كل ِّ مقالة. لقد قمنا بترقيمِّ كل ِّ مقالةٍ في الفصل، وبدأنا كل َّ فصلٍ بخريطةٍ للبلد توض ِّحُ الموقعَ الت َّقريبي َّ لكل ِّ مقالة. كانت المقابلاتُ طويلةً ومُفص َّلةً، فتوف َّرت لدينا ال كثيرُ من الت َّ فاصيل. وتم َّ إجراءُ العديدِّ من المُقابلات في أوقاتٍ وأماكنَ مختلفةٍ مع أشخاصٍ مُختلفين كانوا جزءاً من المعركة أو العملية نفسها. وهو ما سمحَ لنا بالت َّحق ُّقِّ من الت َّفاصيلِّ وتسلسلِّ الأحداث ومقارنتها. وسج َّلنا ارتفاعاتِّ الخرائط بالأمتار، مع العلم أن َّ فواصلَ ال كنتور ليست متسقةً وتظهرُ فقط الارتفاع. وبذلَ علي جلالي أقصى جهودِّه في تهجئةِّ أسماءِّ الأشخاصِّ والأماكنِّ وترجمتِّها حرفي َّاً، إلا أن َّ الات ِّساقَ في الإملاء أمرٌ صعبٌ عندما يتعل َّقُ الأمر بأبجديتين للغتينِّ مختلفتين، مع العلمِّ أن َّ الت َّهجئةَ في ال كتبِّ عن أ فغانستان قد تختلفُ عن بعضِّها البعض. مع الت َّنويهِّ أن َّه بالر ُّغمِّ من أن َّ المجاهدين يستخدمون دائماً كلمة "الر ُّوس" بدلاً من "الس ُّوفييت"، فقد استخدمنا كلمة "الس ُّوفييت" عبر الكتاب ما لم نقتبسْ اقتباساً مباشراً. استخدمْنا رسوماتِّ رموزِّ الخرائطِّ الر ُّوسية في خرائط الكتاب. فقد استخدمَ الجيشُ الأفغاني ُّ نظامَ الر ُّموزِّ الس ُّوفييتي َّة، وكان معظمُ المجاهدين على دِّراية بها. فالرموز الر ُّوسية أكثرُ سهولةً في الاستخدام (مرنةٌ وتوضيحيةٌ) من الر ُّموز الغربية. يمكن للرموزِّ الر ُّوسية إظهارُ الت َّطويرِّ المتسلسلِّ للأعمال بإضافةِّ أزمنةٍ أو خطوطِّ تحديدٍ للرموز. ويتم ُّ توضيحُ هذه الخطوط في مفاتيحِّ الخرائط. ويوجدُ جدولٌ لرموزِّ
عدد الصفحات ٤١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 42 الخرائط الر ُّوسية في نهاية الكتاب. تظهرُ قو َّات المجاهدين باللون الأزرق، وتظهرُ القوات الس ُّوفييتية والجيش الجمهوري الد ِّيمقراطي الأفغاني17 باللونِّ الأحمر. 17 المركز: اختصاراً سنسميه عبر الكتاب بالجيش الأفغاني
عدد الصفحات ٤٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 43
عدد الصفحات ٤٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 44 الفصلُ الأوَّّل: الـكَمائِن تُعد ُّ ال كمائنُ الت َّكتيكَ المفض َّل لدى الث ُّوار، وذلك لأن َّها تسمحُ لهم بحشدَ القو َّات سراً، ومهاجمةِّ العدو، والاستيلاءِّ على الإمداداتِّ الل َّازمة، والانسحابِّ قبلَ أنْ يتمكنَ العدو ُّ من الرد ِّ على نحوٍ فَع َّال. لقد كانت ال كمائنُ لفترةٍ طويلةٍ جزءاً من تقاليدِّ المحاربينَ الأفغان، وكانت سِّمَةً رئيسيةً للحروبِّ الأفغاني َّة الت َّاريخي َّة؛ سواءً الداخلي َّة بين القبائل أو ضد َّ البريطانيين أو ضد َّ الحكومة. حيثُ عملت كمائنُ المجاهدين على مهاجمةِّ خ طوطِّ إمدادِّ القو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّة والجيش الأفغاني، وتوفيرِّ الإمداداتِّ الل َّازمةِّ للمجاهدين، وأجبَرت الجزءَ الأكبرَ من قو َّات المناورة الس ُّوفييتي َّة والجيشِّ الأفغاني على القيامِّ بعملياتٍ أمنية. لقد كانت الل ُّوجستياتُ أساسيةً في إدارةِّ الحربِّ الأفغانية ا لس ُّوفييتي َّة، وهد َّدت كمائنُ المجاهدين إعادةَ إمدادِّ قو َّ اتِّ الس ُّوفييت والجيشِّ الأفغاني وَقَي َّدت عددَ القو َّاتِّ الس ُّوفييتية التي يُمكنُ نشرها في البلاد. وكان تكتيكُ ال كمائن هو الأكثرُ فاعليةً في مواجهةِّ الن َّشاطِّ العسكري الس ُّوفييتي، وهد َّدت قدرةَ الجيشِّ الس ُّوفييتي والأفغاني على مُواصلةِّ الحَرب.
عدد الصفحات ٤٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 45
عدد الصفحات ٤٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 46 المقالة الأولى: كمينٌ قُربَ فندق معمور رواية: القائد محمد أكبر 18 نادراً ما كان يمر ُّ يومٌ دونَ حدوثِّ اشتباكٍ بين المجاهدين والجيشِّ الس ُّوفييتي أو الجيشِّ الأفغاني في ولايةِّ لوغر. في صيفِّ عامِّ 1980م، وَضَعَت مَجموعَتِّي كميناً لمهاجمةِّ رتلِّ إمدادٍ سوفييتي وأفغاني كانِّ يتحر ِّكُ من كابول إلى غرديز على الط َّريقِّ الس َّريع 157. وفي ذلك الوقت، لم يكنْ الس ُّكان قد هاجرُوا من البلدات، فكانت المنطقةُ مُكتظةً بالن َّاس. وكان للمجاهدين ات ِّصالاتٌ مع عناصرَ داخلِّ الحكومة (الأفغانية الش ُّيوعية) ممن تحد ًّثوا عن حركة أرتالٍ على طولِّ الط َّريقِّ الس َّريع الر َّئيسي. وكان هذا هوَ أولُ هجومٍ لنا على رتلٍ رئيسيٍ على هذا الط َّريقِّ الس َّريع في أَعْقَابِّ الغزو الس ُّوفييتي. وكان موقعُ الكمين حولَ تقاطعِّ "بول قندهاري" مع الط َّريقِّ الس َّريع الرئيسي. عند هذه النقطة، يجري نهرُ لوغر على بُعدِّ 200 متر شرقَ الط َّريقِّ الس َّريع، وتعلو تلالُ محمد آغا بارتفاع 700 مترٍ فوقَ 18 محمد أكبر من قريةِّ شاهي قلعة في مديرية محمد آغا ولاية لوغر، تخر َّج من المدرسةِّ الثانوية في منطقته، وانضم َّ للمقاومة الأفغانية عام 1979م، ثم قاتلَ في ولاية لوغر إلى حينِّ انهيارِّ جمهورية أفغانستان الديمقراطي َّة (الش ُّيوعي َّة). وكان عضواً في الحزبِّ الإسلامي (التابع لقلب الد ِّين حكمتيار) [Map sheet 2885, vie grid 1086 ]
عدد الصفحات ٤٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 47 الط َّريق الس َّريع إلى الغربِّ منه. وعلى بُعدِّ عَشْرةِّ كيلومترات جنوباً، يمر ُّ الط َّريقُ عبر مضيقٍ شديد الانحدار حيثُ لا يمكنُ للس َّيارات المار َّةِّ فيه العودةُ بسهولةٍ (الخريطة 1 - معمور1.) كان لدينا50 مجاهداً مُسلحين بِّبنادق مَكنظمة قصيرةٍ موسن 19(Nagant-Mosin( وبنادقِّ إنفيلد (Enfield )20 وقَاذفتي آر بي جي -7. وقامَ قائدُنا المدعو (حياة) بتقسيمِّ رجالنا إلى ثلاثِّ مجموعات، وَوَضع مجموعةً واحدةً في موقعِّ آثار بني شير أفغان على بعدِّ حوالي 70 متراً غربَ الط َّريق، فيما وضعَ المجموعةَ الث َّانيةَ شرقَ الط َّريقِّ حولَ فندقِّ معمور، ووضعَ المجموعة الث َّالثةَ شرقاً في بولي قندهاري مقابلَ مدرسةِّ محمد آغا الث َّانوية. وامتد َّ الكمينُ لمسا فةِّ كيلومترين. وفي هذا الوقت، كنتُ نائبَ القائدِّ الر َّاحل (حياة)، متولياً قيادةَ مواقعِّ بولي قندهار. بندقية إنفيلد 19 هي بنادق طويلة أو قصيرة من طراز0M1891/3 مكنظمة روسية/سوفييتية عيار رصاصها7.62*54 . استخدمت في الحرب الروسية اليابانية والحربين العالميتين الأولى والثانية. ومعظمُ طرازاتها مزودةٌ بحربةٍ قابلةٍ للطي. والمدى الأقصى للبندقية 2000 متر، بينما المدى الفعال400 متر. وكان المجاهدون في أفغانستان يسمونها راميات الخمسة. 20 هي بنادق مكنظمة بريطانية 303. وكانت البندقية المعتمدة للمشاة البريطانية من عام 1895م حتى الحرب ال كورية. وخدمت على نطاقٍ واسعٍ في الجبهة الشمالية الغربية (في أوروبا)، وكانت البندقيةَ المفض َّلةَ في الهند وأفغانستان نظراً لمداها البعيد وعيارِّها العالي. يبلغُ المدى الأقصى للبندقية 2240 متر، بينما المدى الفع َّال 800 متر. ولها مخزنٌ يحملُ10 رصاصات، ومن الممكن أن تحملَ رصاصةً إضافية في بيتِّ الن َّار، فسم َّاها المجاهدون في أفغانستان راميات ال 11 . بندقية موسن
عدد الصفحات ٤٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 48 أَمَرَ القائدُ (حياة) أنْ تكونَ بدايةَ الهجومِّ عندَ وصولِّ نهاية الر َّتل إلى آثارِّ بني شير أفغان، ثم َّ جاء رتل الجيش الأفغاني المؤل َّفُ من حوالي 100 عربةٍ تحملُ الأطعمةَ والذ َّخائرَ والوقود. وكان من بينها عددٌ غيرُ قليلٍ من صَهاريجِّ المشتقات النفطية ( POL)، فَتَركناها تَمُر ْ، ومع وصولِّ نهايةِّ الر َّتل إلى الآثار، بدأنا الهجومَ على نهايةِّ الرتل. وفي تلكَ الأيام، كانت حمايةُ القوافلِّ ضَعيفةً جداً، وكان الإسنادُ الجوي ُّ غيرَ كافٍ. ولم يكن هناك أي ُّ مقاومةٍ أو رد ُّ فعلٍ على هجومِّنا من قِّبَلِّ الر َّتل. حتى أن َّ ناقلاتِّ الجنودِّ المُدر َّعة ( APC)21 التي كانت ترافقُ الر َّتل كان رد ُّهاً سلبي َّاً. فتركنا مواقعَنا وب دأنا في الاقترابِّ من الر َّتل، وإطلاقِّ النيرانِّ أثناءَ تحر ُّكِّنا، فدم َّرنا معظمَ العربات أو أصبْناها، ولم يكنْ لدينا قتلى، ولا أعرِّفُ عددَ قتلى الجيشِّ الأفغاني، إلا أن َّنا جَرحْنا العديدَ من الس َّائقين الذين أجْلَتْهم الحكومةُ لاحقا. وغادرْنا المنطقةَ فوراً بعد الكمين. كانت المنطقةُ المحيطةُ بفندقِّ معمور مثاليةً للكمين، فاستخدمْناها نحنُ وغيرُنا من مجموعاتِّ المجاهدين كثيراً. وفي سبتمبر 1981م، نَصَبْنا كميناً في فندق معمور في بولي قندهاري مقابل المدرسةِّ الث َّانوية وهذه المر َّة، كان يقودُ مجموعةَ فندق معمور القيادي ُّ الش ُّهير في الحزبِّ الإسلامي (حكمتيار) 22 الد ُّكتور عبد الولي خياط، وكان قائدُ منطقةِّ "بولي قندهاري" قائدُنا الر َّاحل (حياة). وكان لدينا حوالي 35 مجاهداً مُسلحينَ ببنادق AK-47 وثلاثِّ قاذفات آر بي جي -7، وامتد َّ موقعُ الكمين حوالي كيلومتراً واحداً من الط َّريق. ولدى وصولِّ الر َّتل، دم َّرنا اثنتي عَشْرَة شاحنةً وتمكن َّا من اغتنامِّ ثلاثٍ أخرى. وكانت الش َّاحنات الث َّلاث كبيرةً وذاتَ أداءٍ عالٍ وذاتَ محركات من ثماني أسطوانات، وكانت محم َّلةً بالفاصوليا والأرز والأحذيةِّ العسكري َّة، ولقد كن َّا بحاجةٍ إلى كل ِّ هذه المواد 21 ناقلة الجنود المدرعة هي أي ُّ عربةٍ (مج نزرة أو مُدَوْلبة) قتاليةٍ لنقلِّ الجنود، وهي سوفييتية المنشأ 22 الحزب الإسلامي التابع لقلب الدين حكمتيار، تأسس عام 1974م لقتالِّ حكومةِّ داوود. وانقسم الحزب بين رباني وخالص مع تأسيسِّ كل ِّ واحدٍ منهما لفصيله الخاص. ويُعد ُّ قائده قلب الدين حكمتيار أصولياً عالمياً. وكان حزبه يتلقى الد َّعمَ من باكستان والولاياتِّ المت َّحدةِّ والسعودية أكثرَ من أي ِّ حزبٍ آخر.
عدد الصفحات ٤٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 49 في تلك الأيام. استولينا أيضاً على مدفعين ميدانيين عيار 76 ملم، ومدفعٍ أثقل لا أذكرُ نوعَه أو عيارَه، ولم يكن لدينا أي ُّ قتلى من المجاهدين. في يوليو 1982م، قامَ الط َّبيب الر َّاحل عبد الولي خي َّاط بنصبِّ كمينٍ بالقرب من فندق معمور، فدخل رتلٌ سوفييتيٌ - ينقلُ الإمدادات من كابول إلى غرديز - إلى منطقةِّ القتلِّ في الكمين. وأثناءَ الهجوم، أطلقَ أحدُ المجاهدين قذيفةَ آر بي جي-7 على ناقلةِّ جنودٍ مُدر َّعة مُرافقةٍ للر َّتل، فأصابَها وَقفزَ منها ضابطٌ سوفييتيٌ أُّصيبَ من القذيفة ثم َّ اختبأ. وأثناءَ الاشتباك، انطلقَ الر َّتل وغادرَ منطقةَ الكمين وتركَ الض ُّابط وراءَه. فأطلقَ الد ُّكتور عبدُ الولي خي َّاط الن َّار على الموقعِّ الذي كان فيهِّ الض َّابط الس ُّوفييتي، لِّيَرُد َّ الض َّابطُ بإطلاقِّ الن َّ ار من بندقية AK-47. ثم واصلَ الط َّبيبُ خي َّاط إطلاقَ الن َّار وأصابَ الض َّابطَ الس ُّوفييتي مرةً أخرى؛ هذه المَر َّةُ في يده. فألقى الض َّابط بندقية AK-47 وأخرجَ مُسد َّسه. فألقى الط َّبيبُ خي َّاط قنبلةً يدويةً على الض َّابط فقتلَه. ثم َّ عَبَرَ الط َّريق واغتنمَ بندقي َّ ةَ AK-47 ومُسد َّ سَ الماكروف. وتركَ الجث َّةَ حيثُ كانت ترقدُ وغادرَ المجاهدون موقعَ الكمين. في اليوم الت َّالي، عادَ الس ُّوفييت في رتلٍ من كابول، ليطو ِّقُوا المنطقة ويفت ِّشوا المنازلَ المحيطة بمقر ِّ مديري َّة محمد آغا وبلدةِّ كتب خيل. فتنق َّلُوا من منزلٍ إلى آخر يبحثونَ عن ضابطهم المفقود. وكانَ القائدُ سامح جان (من الحزب الإسلامي) في "كتبخيل" في ذلك الوقت، وهو مَن قامَ بالت َّنسيقِّ والت َّنظيمِّ لأعمالِّ جميعِّ فصائلِّ المجاهدين العالقين في الط َّوق، وكانوا قُرابةَ 150 مجاهداً. فبدأَ المجاهدون بالهجومِّ على الس ُّوفييت أثناءَ بحثه م. وشن ُّوا هجماتٍ مباغتةٍ في شوارعِّ القرى وأزق ِّتها وفي المساحات بين القرى. وكان القتالُ في كثيرٍ من الأحيان من مسافاتٍ قريبة. وبدأَ القتالُ في الص َّباح واستمر َّ لوقتٍ متأخ ِّرٍ بعد الظهر (الخريطة 2 - المعمور2 .)
عدد الصفحات ٤٩