المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجانب الآخر من الجبل

غير معروف

صفحة ٢٩ من ٣٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 450 عميق، فأُّخِّذوا على حينِّ غر َّة. وحينَ بدأَ العدو ُّ بقتلِّهِّم فزعَ بعضُهم من نومِّهِّ وحدثَ تبادلٌ لإطلاق الن َّ ار، إلا أن َّ مُجاهدي "فتحه" قُتِّلُوا عن آخرِّهم. نب َّهَ ضجيجُ إطلاقِّ الن ِّيرانِّ بقي َّ ةَ المجاهدين في كرير، ولم يصلِّ الر َّ تلُ الث َّ اني إلى قم َّ ةِّ جبلِّ سبينا تسوكا بعد. فشغلَ رجالي مواقعَهم القتالي َّ ة، وتلق َّوا العدو َّ المقترب بالن ِّيرانِّ الث َّقيلة، فاندلعَ قتالٌ عنيفٌ طوالَ الل َّيل. كانَ رتلُ العدو ِّ الث َّاني قد انغمسَ عميقاً في مواقعِّنا، إلا أن َّنا استطعنا قطعَ طُرُقِّ انسحابِّه، وتوقعْنا حينها أن نُوقِّعَ العدو َّ في مَقتلةٍ في حالِّ حاولَ القتالَ لإعادةِّ فتحِّ طرقِّ الانسحاب. إلا أن َّه بدلاً من ذلك، أكملَ طريقَه عبرَ الممر ِّ الجبلي ِّ حت َّى عادَ عبرَ طريقٍ مطو َّ لٍ إلى باشاد الواقعةِّ على بُعد 20 كيلومتراً جنوبَ غربَ سركانو، ولم نتوق َّع أن العدو َّ سينسحبُ عبرَ هذا الات ِّجاه. 195 أثناءَ ذلك، وج َّه المجاهدون نيراناً كثيفةً نحوَ الأعداءِّ في قاعدةِّ "فتحه"، فبدأ العدو ُّ بالانسحابِّ منها نحوَ سركانو. ومعَ الفجر، انسحبَ العدو ُّ من قاعدةِّ كرير مُخلياً جرحاهُ وقتلاهُ، وقد بلغَت خسائرُ المجاهدين 18 قتيلاً و 20 جريحاً (ربعُ قو َّاتي كما في العملية الس َّابقة 195 المركز: كانت عملية هروبٍ إلى الأمام

عدد الصفحات ٤٥٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 451 التَّّعليق لقد أحسنَ قائدُ القو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّ ةِّ المهاجِّمة في هذهِّ المعركة بتحليلِّه نمطَ القتالِّ المت َّبعِّ سابقاً من قِّبَلِّ القادةِّ الذين سبقُوه. وبالاستفادةِّ من قَولبة (جمود) تفكيرِّ المجاهدين الد ِّفاعي ِّ استطاعَ القائدُ الأفغاني ُّ مباغتَةَ المجاهدين على الر ُّغم من بلوغِّهم خبرَ الهُجومِّ الوشيك. وقد علمَ قائدُ العدو ِّ بأن َّ المجاهدين متأكدينَ من ترد ُّدِّهم عن القيامِّ بهجومٍ ليلي، ومُت َّكلين عل ى تضاريسٍ سهلةٍ الت َّعر ُّفِّ في الت َّحر ُّكات الل َّيلية. ولذا، تمك َّنَ العدو ُّ من الت َّسل ُّلِّ الل َّيلي ِّ عبرَ مقتربات غيرِّ متوق َّعة، مُحق ِّقاً مفاجأةً تكتيكي َّةً ومبيداً نقطةً أمني َّةً مهم َّةً للمجاهدين بدون مقاومةٍ تُذكَر. مع ذلك، فعلى ما يبدو أن َّه قد أخفقَ في الت َّنسيق بينَ الر َّتلين، مم َّ ا أفشلَ هجومَه مُبَك ِّراً، وحرمَ الر َّ تلَ الث َّانيَ من تحقيقِّ أي ِّ مكسب. ولو أن َّ الر َّ تلين قد وَصَلا إلى مواقِّعِّهما وشَن َّا هجومَهُما مُتزامنين، لحق َّقا في الغالبِّ نتائجَ أفضل. على الر ُّغمِّ من بلوغِّ الت َّحذيرات للمجاهدين، إلا أن َّهم كانُوا نائمين في المركزِّ الأمني ِّ الحس َّاس، وذلك لاعتيادِّهِّم على نمطٍ قتاليٍ معينٍ من قِّبَلِّ عدو ِّهم. إلا أن َّ المجاهدين قد أحسنُوا الت َّصر ُّفَ بمجر َّدِّ بلوغِّهم الإنذارَ بوصولِّ العدو، لاسيما على ما صنعُوه من قطعِّ الط َّ ريقِّ الذي كانَ متوق َّعاً لهروبِّ العدو. وإم َّ ا أن َّ قيادةَ العدو ِّ قد وضعَت في خط َّتِّها الأصلي َّ ةِّ خطةَ الانسحابِّ عبرَ جبلِّ باشاد، أو أن َّ قرارَ الانسحابِّ عبرَ هذا الجبلِّ قد ات ُّخِّذَ في لحظتِّه؛ وعلى أي َّةِّ حال فإن َّ هذا الت َّحر ُّكَ قد أنقذَ القو َّ ةَ من وقوعِّها في مجزرةٍ مُحق َّ قة. ولو استطاعَ المجاهدون قطعَ هذا الط َّ ريق، لواجَهَت قو َّ ةُ العدو ِّ مُشكلةً عَويصةً جداً ولتعر َّضَت للإبادة.

عدد الصفحات ٤٥١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 452 المقالة 14 :سقوط معسكر "تشاغني رواية القائد عبد الرزاق والحاج بير محمد وأمير محمد196 تقعُ قاعدةُ تشاغني في مديري َّة "شاهر صفا" على بُعْدِّ عشَ رةِّ كليومتراتٍ من الط َّريقِّ الس َّ ريع (1) الذي يمث ِّلُ الط َّريقَ الر َّ ئيسي َّ بينَ كابول وقندهار. كن َّ ا عادةً ننصبُ ال كمائنَ على الجهةِّ الجنوبي َّ ةِّ من هذا الط َّريق، وذلك لأن َّ الجهةَ الش َّمالي َّ ةَ منه كانت مَكشوفةً بين "شاهر صفا" و"قلعت". وكان َهناك مكانٌ واحدٌ صالحٌ لنصبِّ ال كمائن في جزءٍ من الط َّ ريقِّ امتدادُه ست َّةُ كيلومتراتٍ، حيثُ كانَ يوجدُ بموازاتِّه قاعُ مَجرىً نهري ٍ جاف، وقد مَك َّن هذا أنْ يختبئَ عدد كبيرٌ من المجاهدين في الأراضي المُرتفعةِّ الكاشفةِّ للط َّريق، في الوقت الذي تكونُ فيه عرباتُ المُرافقةِّ و الحمايةِّ -التي تكون عادة مع الأرتال- عاجزةً عن عبورِّ قاعِّ المَجرى لمهاجمةِّ مكامنِّ الث ُّوار، حيثُ كانت جُدرانُ ضِّفافِّ الن َّهرِّ شديدةَ الانحدار. وعلى الر ُّغمِّ مِّن معرفتِّنا بعدمِّ إمكاني َّ ةِّ عبورِّ أي ِّ دب َّابةٍ أو ناقلةِّ جندٍ مدر َّعةٍ للن َّهر، فقد لغ َّمْنا ال مساحةَ بينَ الط َّريقِّ والن َّهرِّ الجاف احتياطاً في جميعِّ الأحوال، كما أن َّ الجُرفَ الص َّخري َّ لجبلِّ "علي خان" كانَ يحمي انسحابَنا. وإضافةً إلى ذلك، لم تكن هناك قرى أو قرويون مُجاورون ليوصِّلُوا تحذيراتٍ للعدو ِّ حولَ وجودِّنا. فما كانَ من َّا إلا أن بنيْنا مواق عَ قتالي َّةً دائمةً في هذا المكان، لنوقعَ العدو َّ في كمائنَ مُتتاليةٍ، لا ينفك ُّ فيها عن الغفلةِّ والوقوعِّ في المفاجأة دائماً. وكان عادةً ما يصلُ العدو ُّ آخرَ الظ ُّهر ل كونِّهِّ كانَ ينطلقُ من كابول قرابةَ الس َّ اعة 08:00 . 196 كان عبد الرزاق قيادياً كبيراً في منطقة قندهار. وعمل تحتَه العديدُ من قياداتِّ طالبان الحالية. شملت منطقةُ سيطرتِّه مديري َّ ة شاهر صفا شمالَ شرقَ قندهار Map sheet 2280, vie grid 6016 ] كان الحاج بير محمد قائداً ثانوي اً تحتَ إمرة عبد الرزاق في منطقة قندهار. أمير محمد هو مقاتلٌ في مجموعة عبد الرزاق.

عدد الصفحات ٤٥٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 453 كانَ العدو ُّ عادةً ما يرسلُ دب َّاباتٍ وعرباتِّ بي أم بي وناقلاتِّ جنودٍ مُدر َّعةٍ لمرافقةِّ القوافل، وكن َّا قد اعتدْنا نصبَ أسلحتِّنا الث َّقيلة على مُرتفعاتٍ خلفي َّة عاليةٍ وملائمةٍ، بينما كنا نقد ِّم الأسلحةَ الص َّغيرة إلى الأمام. في الن ُّقطة التي كنا نُنف ِّذُ فيها كمائِّنَنا، كانَ هناك طريقٌ واحدٌ يقطعُ منطقتَنا ويمر ُّ من خلالِّ قاعِّ المَجرى الن َّهري، إلا أن َّنا لغ َّمناه احتياطاً. كانت رد َّةُ فعلِّ العدو ِّ المُعتادةِّ على كمائِّنِّنا؛ الهروبُ من الط َّريقِّ شمالاً للخروجِّ من مدى أسلحتِّنا، ولم يحاولُوا أبداً مهاجمتَنا. وعادةً ما كانت تُصبحُ شاحناتُهم بينَ مدم َّرَةٍ ومح ترقةٍ، لتعم َّ الفُوضى طولَ الط َّريق. وبينما يحاولُ كل ٌّ من عناصرِّ العدو ِّ الن َّجاةَ بنفسِّه، كانت دب َّاباتُهُ وناقلاتُهُ ترمي الن ِّيرانَ بشكلٍ عشوائي، ولم يكن يُنزلُ قو َّاتٍ راجلةً للتقد ُّمِّ إلى الأمامِّ أبداً، بل كانَ ينتظرُ وصولَ الط َّائرات ا لحربي َّةَ لتقومَ بانقضاضاتٍ هجومي َّة، ولم تكنِّ الأخيرةُ تصلُ إلا متأخ ِّرَةً بعدَ حلولِّ الظ َّ لام. والحقيقةُ أن َّ قاعدةَ تشاغني ومجموعتَنا قد كانت شوكةً مُؤلمةً في خاصرةِّ العدو. في العامِّ نفسهِّ الذي استولى فيه الس ُّوفييت على قاعدةِّ وادي الإسلام (إسلام دره) في شهرِّ أكتوبر/تشرين الأول عام 1985197م، استولَوا أيضاً على تشاغني. وكانَ قائدُنا عبدُ الر َّزاقِّ وقتَها في زيارةٍ للمجاهدين بقندهار وهلمند، بينما ات َّخذَ المُمَث ِّلون الآخرين لفص يلنا "بيشاور" مقر َّاً لهم. وفي الساعة 04:00، ألقى العدو ُّ مشاعلَ إضاءةٍ أحالَت ليلَ المنطقةِّ نهاراً، بينما كانَ الجميعُ في تشاغني نائمين مَا عَدا الحُراس، وأعقبَ ذلكَ تمهيدٌ بسلاحِّ الر َّ اجماتِّ والط َّائرات. وفي الص َّباحِّ الباكرِّ، جاءَت المِّروحي َّاتُ وأنزلَت قواتٍ في أربعِّ مناطقِّ هبوطٍ (خريطة 11-17 – تشاغني). وشارَكت 45 مروحي َّةً في هذهِّ العملي َّة، لتقومَ بعملي َّاتِّ إنزالِّ الجنودِّ في أربعِّ مناطقَ على المُرتفعات، تؤم ِّنُ من خلالِّهم أجنابَ القو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّ ةِّ المقتحمةِّ من الد َّب َّابات والمُشاة. وحينَ أبلغَ تْها قو َّاتُ الاقتحامِّ الجوي ِّ بأن َّ الط َّريقَ سالكٌ، تحر َّكَت الد َّباباتُ والمُشاة الميكانيكي َّةُ من "شاهر صفا". لقد كانَ الت َّمهيدُ الجوي ُّ والمدفعي ُّ عنيفاً جداً إلى الحد ِّ الذي تصو َّرُوا فيه أن َّه لم يبقَ أحدٌ من َّا على قيدِّ الحياة. 197 المركز في الأصل كتب المؤلف خطاً بأن َّ الاستيلاءَ حدثَ عام 1986م

عدد الصفحات ٤٥٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 454 كانَ الس ُّوفييت قد انتقلُوا مسبقا من قندهار إلى شاهر صفا، والآن أتى رتلُهُم البري ُّ من شاهر صفا جنوباً مُت َّجِّهاً نحوَ "كادو"، حيثُ تحو َّلُوا شرقاً في الوادي الض َّي ِّقِّ بينَ جبلِّ "مينتك" وجبلِّ "خارواري". وقامَت قو َّاتُ الاقتحامِّ الجوي ِّ التي نزل َّ ت على هذهِّ المُرتفعاتِّ بح راسةِّ المَمَر، بينما كانتِّ القو َّاتُ البر ِّي َّةُ تَتَحر َّكُ ببطء شديدٍ انتظاراً لقو َّاتِّ الاقتحامِّ الجوي ِّ التي كانت تتنقلُ بينَ المُرتفعاتِّ وتعملُ على تأمينِّ المَمر. وصلَ العدو ُّ إلى كادو صباحاً، واستغرقَتِّ الر ِّحلةُ من الس َّاعة 08:00 إلى 16:00 ليقطعُوا مسافةَ 11 كيلومتراً من كادو إلى قاعدِّتنا. وفي نهايةِّ الوادي كانت هناكَ قريةُ "مايو"، وهنالك انقسمَ الر َّتل البري ُّ، فاستمر َّ الجزءُ الر َّئيسي ُّ بالس َّيرِّ شرقاً نحوَ قريةِّ "بانداكي". كانت قاعدتُنا شرقَ بانداكي واقعةً في العُنُقِّ بينَ جبلِّ "كاكي" وجبلِّ "دومون اراي". ومر َّةً أخرى، عملَت قو َّاتُ الاقتحامِّ الجوي ِّ انطلاقاً من المُرتفعاتِّ لحمايةِّ المَمَر ِّ أمامَ رفاقِّهم، بينما عملَ الجزءُ الث َّ اني من الر َّتلِّ على القيامِّ بعمليةِّ التفاف، حيثُ التف َّت قو َّاتُه نحو الجنوبِّ من "مايو" عبرَ قريةِّ "شاهدبيد"، ثم َّ سارَت إلى جنوبِّ جبلِّ "دوموناراي" لغلقِّ منافذِّ الهُروب وات ِّخاذِّ مواقعَ مناسبةٍ لرميِّ قاعدتِّنا.

عدد الصفحات ٤٥٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 455 وصلت دب َّاباتُهم قاعدتَنا بعدَ الظ ُّهر. وحينما اقتربُوا من مواقعِّنا، قامُوا بإنزالِّ قو ات اقتحامٍ جوي ٍ في منطقةٍ خامسةٍ وسادسةٍ، ولم يكن ذلكَ بغرضِّ تأمينِّ تقد ُّمِّهم ف حسب، بل للقيامِّ أيضاً بعملي َّ ةٍ هجومي َّةٍ نحوَنَا انطلاقاً من المُرتفعات. كانَ "الحاج بير محمد" موجوداً على متنِّ رش َّاش 14.5 مُثب َّتٍ على قاعدةٍ ثابتةٍ في تلةِّ 1722، بينما اشتبكَ "أمير محمد" أيضاً مع مروحي َّةٍ قادمةٍ نحوَه ل كن َّه لم يستطعْ إصابةَ الهدف، فعبرَت المِّروحي َّ ةُ قم َّ ةَ التل َّةِّ حيثُ كانَ عبدُ الغني يكمنُ لها حاملاً قاذفَ الآر بي جي، فصرخَ الأخيرُ يُخ برنا بأن َّ المِّروحي َّة كانت تُنزِّلُ جنوداً وأن َّه سيتعاملُ معَها، فضربَها بقذيفةِّ آر بي جي، وحينَ أصابَها لم يخرج منها إلا أربعةُ جنودٍ أو خمسة، بينما بقيَ حطامُ المروحي َّة هنالك لأكثرَ من سنةٍ. كن َّا قد نَشَرنا قو َّاتِّنا بغرضِّ تسليطِّ أقصى ما يمكنُ من القو َّةِّ الن َّاري َّةِّ على العدو، وذلك باستخدامِّ سبعةِّ مدافعَ من عيار 82 ملم عديمةِّ الارتداد، وخمسةِّ رش َّاشات 14,5 ملم مثب َّتةٍ على قاعدةٍ ثابتة، وست َّةِّ رش َّاشاتِّ دوشكا، والعديدِّ من قواذفِّ الآر بي جي -7، كما كانَ بحوزتِّنا بعضُ مدافعِّ الهاون، إلا أن َّنا كن َّا لا نستطيعُ استخدامَها الاستخدامَ الأمثل لأن َّ هذه الهاونات خاص َّةُ بالأهدافٍ الث َّابتةِّ لا المتحركة. لذا فقد استخدمْنا غالباً خلالَ القتالِّ مد افعَنا عديمةِّ الارتدادِّ وقاذفاتِّ الآر بي جي ضد َّ عرباتِّهم المُدر َّعة، وكن َّا قريبين من العدو ِّ إلى درجةِّ أن َّنا كن َّا نسمعُ كلامَ الر ُّوس فيما بينهم، وقد سَمِّعْناهم ينادون عبرَ مُكب ِّرات الص َّوت عارضين الاستسلام علينا ما دُمنا في مأزقٍ مَيؤوسٍ منه، وأخبرونا أن َّنا سنواجهُ الموتَ لا محالة، وكانَ الن ِّداءُ بلغةِّ البشتون عبرَ عملائِّهم الأفغان، فكانَ رد ُّنا بالن َّار، إذ قمْنا بتدميرِّ سبعِّ عرباتٍ بينَ دب َّابةٍ وناقلةِّ جنودٍ مُدر َّعة، كما أسقطْنا طائرةً حربي َّة. كَث َّفَ العدو ُّ بعدها من رماياتِّه، وبينما كانَ يهجمُ علينا، كانت قو َّ اتُه تُظهرُ مواقِّعَها للط َّائرات عبرَ إطلاقِّ الد ُّخانِّ الأحمر، وهذا ما منعَ حدوثَ مقتلةٍ بينهم بالن ِّيرانِّ الص َّديقة. حل َّ الظ َّلام علينا، ومعَ فُقدانِّنا للقيادةِّ والس َّيطرة على المقاتلين، بدا كُل ُّ شيءٍ حولنا فوضي َّاً ومُح ي ِّراً، فلم نعلم أينَ الس ُّوفييت وأينَ المجاهدون. ول كن َّنا قاتلْنا على أي َّةِّ حال حت َّى الس َّاعة 02:00 أو03:00 . ومعَ نفاذِّ ذخيرتِّنا تسل َّلنا لِّواذاً نحوَ الش َّمالِّ الش َّرقي. أم َّا بالن ِّسبةِّ لبير محمد، فقد كانَ يقفُ قربَ أحد أصدقائِّه المُقر َّ بين منه، فقُتل، فحملَ بير محمد جث َّتَهُ إلى مُرتفعٍ وخب َّأها في مكانٍ آمن، ثم َّ غادَر المنطقة.

عدد الصفحات ٤٥٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 456 كانَ هناك220 مجاهداً في القاعدة، قُتِّل منهم 22 وواحدٌ، بينهم واحدٌ كانَ ضيفاً على القاعدة جاءَ في الليل، بينما هَرَبَ معظمُ ال 198 الباقين نحوَ الشمالِّ الش َّ رقي. وقد سيطرَ الس ُّوفييت وقتَها على القاعدة، فمكثُوا فيها 24 ساعةً ينهبون ويدم ِّرون مرافقَها بكل ِّ ما استطاعُوا من قوة وقبلَ أن يغادرَ القائد "رزاق" بلدةَ "تشاغني"، أرسلَ طليعةً ل كشفِّ الط َّريق، فأبلغوهُ بأن َّ الط َّ ريقَ من قندهار وأرغستان قد تم َّ إغلاقُه، ثم َّ أعادَ إرسال الط َّلائعِّ في الل َّ يلةِّ الت َّالية، فأبلغُوهُ أيضاً بأن َّ الط َّريقَ لا يزال مغلقاً. وبعدَها بيومٍ واحدٍ معَ اقترابِّ نهايةِّ الظ َّهيرة، ارتحلَ إلى بلدة "شاهر صفا" بالجر َّار، فَسَلَكَ شمالاً نحوَ الجبال، ثم َّ استدارَ ليمشيَ على طولِّ وادي أرغنداب نحوَ قندهار، و قد استغرَقت منه هذهِّ الر ِّحلةُ خمسةَ أيامٍ. وفي قندهار، شاهدَ "رزاق" مطارَها في غايةِّ الازدحام، وأسرابُ الط َّائراتِّ داخلةٌ إليه وخارجةٌ منه. كما وصلتْه الأخبارُ بأن َّ قو َّاتٍ بَر ِّي َّةً من العدو ِّ قد غادرَت وات َّجهَت نحوَ الش َّمالِّ الش َّرقي. ووقتَها كانَ يعاني من فقدانِّ الات ِّصالاتِّ مع قو َّاته. وفي آخرِّ الظ َّ هيرة، علمَ بأن َّ القتالَ قد ترك َّزَ في قاعدتِّه، فارتحلَ إلى قواعدِّه الأخرى في قندهار، وجمعَ المجاهدين وراجماتِّ الص َّواريخ. وسلكَ بعدَها طريقاً مُلتوياً عائداً إلى قاعدتِّه، إلا أن َّه معَ وُصولِّه إلى "شا هر صفا"، علمَ برحيلِّ الس ُّوفييت فسَر َّح تعزيزاتِّه التي كانَ قد أتى بِّهَا من قندهار ثم َّ عادَ إلى "تشاغني". كُل ُّ من رحلَ عن المنطقةِّ في هذه العملي َّةِّ كانَ قد نَجا، أم َّا من بقيَ فقد ماتُوا جميعاً. لقد كانت فوضىً عارمةً، فكُل ُّ شيءٍ إم َّا مُدَم َّرٌ أو مُتض ررٌ، وكانت الش ِّراكُ والألغامُ منثورةً في كل ِّ مكانٍ عبرَ المنطقة. وبالت َّدريج، بدأَ الن َّاجون بالعودةِّ للمنطقة، وقر َّرَ القائدُ "رزاق" بأن َّه ليسَ من الآمنِّ إقامةُ قاعدةٍ ثابتةٍ ودائمة، فقر َّر تحويلَها لقاعدةٍ مُتنق ِّلةٍ من 50 رجلاً فقط. وبعدَ خمسةِّ أي َّا مٍ من دفنِّنا لقتلانا حَملنا 150 صاروخاً وانطلقْنا لطلبِّ الث َّأرِّ لننتقمَ من مطار قندهار. وبعدَ حَوالي أُّسبوعين وفي إحدى الليالي، استطعْنا تخبئةَ صواريخِّنا إم َّا في مخابئَ أو في منازلٍ آمنة أو من خلالِّ دفنِّها تحتَ الأرضِّ قُربَ "نير خوشاب" شمالَ المطار، وقد نف َّذنا هذا العملَ في غايةِّ الس ِّر ِّي َّةِّ حتى لا يَكتَشِّفَ الس ُّكانُ المحليونَ خط َّ تنا للقصف. ثم َّ في الل َّ يلةِّ الت َّ الية، نصَبنا ال 150 صاروخاً

عدد الصفحات ٤٥٦

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 457 وَوَجهناها نحوَ المطار، معَ ربطِّ الص َّواريخِّ بآلي َّةِّ تحك ُّمٍ بالإطلاقِّ عن بعد. وقد كانَ الت َّحك ُّمُ عن بعدٍ أمراً لا مناصَ منه، حيثُ كانَ من المُستحيل علينا البقاءُ في منطقةٍ مَكشوفةٍ بعد تنفيذِّنا للر ِّمايات. انطلقَت الص َّليةُ (الرشقة) الأولى ليلاً مؤل َّ فةً من 50 صاروخاً، فانطلقَ الط َّيرانُ بعدَها مُباشرة ليقصفَ المنطقةَ عشوائياً. ثم َّ معَ شروقِّ الش َّ مس، انطلقَت الص َّ ليةُ الث َّانيةُ من الص َّواريخ، ثم َّ بعدَها بساعةٍ حوالي 07:00، انطلقَت الصليةُ الث َّ الثة. وبعدَ كُل ِّ صليةٍ كانَ الط َّ يرانُ يحل ِّقُ ليقصفَ المنطقةَ قصفاً عشوائي َّ اً على الر ُّغم من خلو ِّها من المجاهدين. وبعدَ الص َّ ليةِّ الث َّالثة، أرسلَ العدو ُّ عرباتِّه المُدر َّعَةَ لتطويقِّ المنطقة، ودفعِّ مُشاتِّه للبحثِّ فيها، فلم يجدُوا فيها غيرَ منص َّ اتِّ إطلاقِّ الصواريخ. كانت جل ُّ خسائرِّ الس ُّوفييت على مُستوى الط َّائرا تِّ ناجمةً عن قصفِّها بالص َّواريخِّ وهي رابضةٌ على الأرض، لا عن إسقاطِّها بالد ِّفاعِّ الجوي ِّ وهي محل ِّقةٌ في الس َّ ماء. وقد بلغنا فيما بعد أن َّ هُجومَنا هذه المرة قد كل َّفَ العدو َّ العديدَ من الط َّ ائرات. قبلَ مجيءِّ الستينغر، كن َّا نعتمدُ على صواريخِّ SA-7 (ستريلا 2) وقد أثبتَت ضعفاً شديداً في فع َّالي َّاتِّها، حيثُ لم نستطع إسقاطَ سوى طائرتين بها في منطقةِّ قندهار. صاروخ ستريلا 2

عدد الصفحات ٤٥٧

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 458 التعليق كانَ تقد ُّمُ الس ُّوفييت نحوَ تشاغني بطيئاً، إلا أن َّهم تعل َّمُوا في الن ِّهايةِّ الس َّيطرةَ على المُرتفعات قبلَ الت َّقد ُّمِّ بقو َّاتِّهم على الأرض، ويبدو أن َّ هم هذهِّ المر َّ ةَ كانُوا مَدعُومين جي ِّداً بالمعلوماتِّ الاستخباراتي َّة. ومعَ ذلك، لم يُغلقِّ الس ُّوفييت جميعَ مَنافذِّ الهروب، فتمل َّصَ معظمُ المجاهدين من المنطقة. من ناحيةٍ أخرى، افتقدَ المجاهدونَ للاستطلاعِّ الجي ِّ د، ما أد َّى لوقوعِّهم في المُباغتة. وعلى الر ُّغم من هذا، فقد كانَ للمجاهدين الوقتُ الكافي لضربِّ العدو ِّ أو إخلاءِّ القاعدة في الوقتِّ الذي كانَ فيهِّ الس ُّوفييت يتقد َّمونَ ببطءٍ، كما أن َّهم لم يت َّخذُوا إلا القليلَ من الإجراءاتِّ الاحترازي َّة، ولم يستشرِّسُوا في وجهِّ الت َّقد ُّمِّ السوفييتي ِّ، إضافةً إلى أن َّهم قد أظهرُوا نَقصاً في القيادةِّ والس َّيطرةِّ على المُقاتلين، وذلك نتيجةَ غيابِّ قائدِّهم وغيابِّ الت َّسلسلِّ القيادي ِّ الفاعل. وفوقَ ذلكَ كل ِّه، لم يدربِّ القائدُ طواقمِّ مدافعِّ الهاونِّ الت َّابعةِّ له على رمايةِّ الأهدافِّ المُتَحر ِّكة.

عدد الصفحات ٤٥٨

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 459 التعليق على الفصل كانَ لملاذاتِّ المجاهدين الآمنةِّ في باكستان وإيران أهمي َّةٌ جوهري َّةٌ في نجاةِّ قو َّاتهم، وتحديداً باكستان التي كانت تمث ِّلُ المَمَر َّ الرئيسي َّ لمعظمِّ المُساعدات الخارجي َّ ة. وقد ساعدَت هذهِّ المَلاذات المجاهدين على إيواءِّ عوائِّلهم، وإعادةِّ الت َّزو ُّدِّ بالإمدادات والتموينات، ومعالجةِّ الجرحى، وممارسةِّ الت َّدريبات، وبيعِّ غنائمِّ الحرب لدعمِّ مَعَاش عوائلِّهم، ونيلِّ قسطٍ من الر َّاحة، وتبادُلِّ المعلومات الاستخباراتي َّ ة والت َّ كتيكية. كما قد َّمت باكستان للث ُّوارِّ مُستودعاتِّ تموينٍ أمامي َّةً قربَ حدودِّها، وبنى المجاهدون أيضاً مُستودعاتٍ أخرى كبيرةً قربَ الحدودِّ من داخلِّ أفغانستان، فكانت هذهِّ المُستودعات هَدفاً دائماً للقو َّ اتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّة. وفي بعضِّ المناطق، أنشأَ المجاهدون مُستودعاتِّ تموينٍ أمامي َّة وطو َّروها وحاولُوا نقلَ معظمِّ المُؤن والإمدادات إليها. أم َّا في المناطقِّ المُتنازَعِّ عليها، فقد اضطر َّ المجاهدون لنقلِّ مراكزِّ إمدادِّهم بعيداً لتجن ُّب وقوعِّها بيدِّ العدو. وفي كل ِّ الأحوال، فإن َّ مراكزَ الإمدادِّ ال كُبرى الث َّابتة كانت تمث ِّلُ نقطةَ ضعفٍ للمجاهدين، حيثُ تلزمُ قواعدُ حربِّ العصابات قو َّاتِّ العصاباتِّ بعدمِّ الت َّ مس ُّكِّ بالأرض، بينما أجبرَتِّ اللوجستي َّ اتُ المجاهدين في أفغانستانَ على الت َّمس ُّكِّ بالأرض.

عدد الصفحات ٤٥٩

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 460 كانت دفاعاتُ المجاهدين تُبنى حولَ أسلحةِّ الط َّواقمِّ الث َّ قيلة، وصحيحٌ أن َّ الص ُّورةَ المُعتادةَ للعصابات أن َّهم قو َّاتٌ صغيرةٌ يحملونَ مجموعةً من الأسلحةِّ الص َّغيرة، ومعظمُ الحروبِّ الث َّوري َّ ةِّ بَدَأت هكذا، إلا أن َّ الث َّوراتِّ الن َّ اجحةَ ستحتاجُ فيما بعد لأسلحةٍ ثقيلةٍ، وستكونُ المشكلةُ في هذهِّ الأسلحةِّ أن َّها هي وذخيرتُها يصعُبُ نقلُهما. لقد أصبحَ المجاهدون في غايةِّ البراعةِّ على مُستوى الت َّحصيناتِّ الميداني َّة، فقامُوا ببناءِّ الملاجِّئ وطو َّ روها، بحيثُ أصبحت تحميهم من القصفِّ المِّدفعي ِّ والجوي ِّ العنيف. ومن ناحيةٍ أخرى، واجهَ المجاهدون طوالَ الحربِّ صعوبةً في الت َّعاملِّ مع أنظمةِّ الت َّسليحِّ الجوي َّ ةِّ والمدفعي َّ ة، فاضطر ُّوا إلى تعل ُّمِّ كيفي َّةِّ الن َّجاةِّ منها، لاسيما في حالةِّ الد ِّفاع، وقد ساعدَ إدخالُ صواريخِّ الستينغر المُضاد َّةِّ للطيرانِّ المحمولةِّ على تحسينِّ دفاعِّ الث ُّوارِّ الجوي، كما أجبرَ الس ُّوفييت على تغييرِّ تكتيكاتِّهم الجوي َّةِّ لتفادي فقدانِّ الط َّائراتِّ الحربي َّ ة. في بدايةِّ الحربِّ، ترد َّدَ الس ُّوفييت في تنفيذِّ اقتحاماتٍ ليلي َّةٍ، وبالغُوا في الاعتمادِّ على القو َّةِّ الن َّاري َّةِّ على حسابِّ المُناورة، وترد َّدُوا في العملِّ بعيداً عن عرباتِّ هم المدر َّعة، وقد تسب َّ بت كُل ُّ هذه العواملِّ في إعاقةِّ اقتحاماتِّهم التي كانُوا ينف ِّذونَها ضد َّ دفاعاتِّ المجاهدين. ومع استمرارِّ الحرب، طو َّرَ الس ُّوفييت مشاةً خفيفةً أفضل، وتزايدَ اعتمادُهم على القتالِّ الل َّيلي والاقتحاماتِّ الجوي َّةِّ مُتقنةِّ الت َّنفيذ، وع لى عناصرِّ القتالِّ الأرضي َّةِّ الت َّكتيكي َّة، مستخدمين كل َّ هذهِّ الت َّطويرات على نحوٍ مشتركٍ. ومع ذلكَ فطوالَ الحرب، عانَى الس ُّوفييت من قل َّ ةِّ قو َّاتِّ المُشاةِّ الكافية.

عدد الصفحات ٤٦٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 461

عدد الصفحات ٤٦١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 462 الفصل12: التَّّصدي للـكمائن يَتَطل َّبُ الت َّ صدي ل كمائنِّ العدو ِّ جُهداً طويلاً من الت َّخطيطِّ للط ُّرُقِّ التي سيتم ُّ استخدامُها والد َّوري َّاتِّ التي سيتم ُّ تنفيذُها، كما يحتاجُ أيضاً بحثاُ آني ِّاً ومتواصلاً عن المعلوماتِّ الاستخباراتي َّة، إضافةً إلى تنفيذِّ تدريباتٍ ميداني َّةٍ تَتَضم َّنُ الت َّصدي لل كمائنِّ وتأمينِّ الجنبات. ويستلزمُ الت َّخطيطُ لهذهِّ العملي َّاتِّ ضمانَ استخدامِّ الط ُّرُقِّ البديلة، ومعرفةَ المُدَدِّ الز َّمني َّ ة للمسيرات، وتطهيرَ مواقعِّ ال كمائنِّ المحتملة، والت َّحر ُّكَ عبرَ المناطقِّ مع الت َّنسيقِّ مع القو َّات المحلي َّة. كما يجبُ ضمانُ عدمِّ انكشافِّ ت فاصيلِّ الت َّحركات، واتخاذُ تدابيرٍ خداعي َّةٍ لمنعِّ وقوعِّ القو َّات في كمائن.

عدد الصفحات ٤٦٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 463 المقالة الأولى: الوقوعُ في كمينٍ سوفييتيٍ رواية المولوي محيي الدين البلوشي 198 في عام1983م، كانَ لدينا نصفُ شاحنةٍ من طرازِّ جي أم سي لدعمِّ قو َّاتنا، وكن َّا نسمي هذا الن َّوعَ منَ الش َّاحنات "أهو" (يعني الغزالة)، حيثُ كانت تمتازُ بالس ُّرعةِّ وخف َّةِّ الحركة. صادفَ وقتَها أنْ كُن َّا في شهرِّ رمضان، وكن َّا مُت َّجهين من قاعدتِّنا في قلعةِّ "ناو" نحوَ "كوتالاك" للحصولِّ على بعضِّ البنزين. الجديرُ بالذ ِّكرِّ أن َّنا كن َّا نشتري مادةَ البنزين م ن الس ُّوفييت أنفسهِّم، وكانُوا هم مصدرَنا الر َّئيسي َّ لتحصيلِّ ماد َّة الوقود. كانت نقطةُ لقائِّنا معَهم لاستلامِّ البنزين شمالَ كوتولاك، فغادرْنا بعدَ الظ ُّهرِّ مباشرةً، وقدْنا سي َّارتَنا بِّمُحاذاةِّ الن َّهرِّ مُتَجن ِّبين الط ُّرُقَ الر َّئيسي َّة (خريطة 12-1-كوتولاك)، كما كانَ معنا في الش َّاحنة شخصاً من بدوِّ ال كوخي 199 كانَ قد زارَنا في قاعدتِّنا، فَقُمنا بحملِّهِّ معنا لنعيدَه إلى مخي ِّمِّ قريتِّه حينما بلغْنا مسافةَ عشَرة كيلومتراتٍ جنوبَ كوتولاك، رأينا مخي َّمَ البدوي ِّ قربَ الن َّهر، فتوق َّفْنا ل كي ينزلَ صاحبُنا، ولننت ظرَ أيضا حلولَ الظ َّلام، حيثُ كن َّا بعيدين مسافةَ 50 كيلومتراً من قاعدةٍ سوفييتيةٍ في "ديلارام"، ولا ينبغي أن نقتربَ أكثرَ من هذا القدرِّ في وَضَحِّ الن َّهار. راقبْنا البدوي َّ ال كوخي بينما كانَ يدخلُ غابةً تَبعدُ عن َّا ما بينَ 500 و600 متراً في طريقِّه لمخي مه. وفجأةً، رأيْنا بعضَ الأشخاصِّ يهاجمونَه ويجر ُّونَه جانباً، لم نكن نعرفُ ما يحدثُ، وَحَسِّبْناه خلافاً بينَ بدوِّ ال كوخيين. صَرَخْنا: "ما الذي يجري؟ "، فلم يرد ُّوا علينا، فما كانَ مِّن َّا إلا أن رميْنا رصاصاتٍ في الهواء، وهنا فَطِّنَ أولئكَ القوم وعلمُوا أن َّ هم قد كُشِّفوا من قِّبَلِّنا فبدؤُوا برميِّ الن ِّيران علينا. تبادلْنا معَهم إطلاقَ الن ِّيرانِّ لِّمُد َّةِّ 198 المولوي محيي الدين البلوشي من ولاية نمروز. تقع قاعدته في لوخاي، عاصمة مديرية نهر خاش الواقعة على نهر خاش. انضم في البداية لحركة الانقلاب الإسلامي، غير أنه انضم بعدها إلى الحزب الإسلامي بقيادة خال ص. [Map sheet 1680 ] 199 ال كوخي هم من بدو أفغانستان، وكانوا يعيشون من الرعي وتجارة الأغنام والمعز والجمال

عدد الصفحات ٤٦٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 464 نصفِّ ساعةٍ حت َّى جاءَتِّ المِّروحي َّاتُ وهبطَت خلفَ منطقةِّ الغابة، فصعدُوا فيها وغادرُوا بعيداً، وقد حدثَ هذا الأمرُ آخرَ الظ َّهيرة.

عدد الصفحات ٤٦٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 465 لقد تبي َّن لنا أن َّنا استفزَزْنا كميناً للس ُّوفييت عن غيرِّ قصدٍ وبشكلٍ مبك ِّر، حيثُ كن َّا على ضف َّةِّ نهرِّ خاش الغربية، بينما كانت قو َّةُ الكمينِّ على ضف َّتِّهِّ الش َّرقية. وقد كانَت دائماً كمائنُ الس ُّوفييت أفضلَ إعداداً وتخطيطاً من كمائنِّ الجيشِّ الأفغاني ِّ، حيثُ كانَ الس ُّ وفييت يُنزلونَ مجموعةَ الكمين عبرَ المِّروحي َّاتِّ ليلاً، ل كي تتحر َّك المجموعةُ إلى موقعِّ الكمينِّ مَشياً على الأقدام فلا يتم ُّ كشفُها. والراجحُ أن َّ هذه المجموعةَ التي كشفْناها بالص ُّدفة كانت على الأغلبِّ منْ "ديلارام" 200، ومن المُرج َّحِّ أيضاً أن هم قد انتقلُ وا إلى موقعِّهم في الغابةِّ الل َّيلةِّ الس َّابقة. لقد خنقَ الس ُّوفييت البدوي َّ الخوكي الذي كانَ معنا، وقتلُوا كوخي َّاً آخرَ بالطريقةِّ ذاتِّها قبلَ هذا الحدث. كانَ الن َّهر ضَحْلاً، وبعدَ إقلاعِّ المروحي َّةِّ ومغادرتِّها، عَبَرنا الن َّ هرَ للعثورِّ على موقعِّ الكمين، فعثرَ القروي ُّون على جُث َّتين ل كوخيين مقتولين، ثم َّ عُدنا وعبرْنا إلى الض ِّف َّةِّ الغربي َّة، وصعدْنا إلى شاحنتِّنا، وسرْنا في الط َّريق إلى كوتالاك لأن َّ الليل قد حل ْ. وعلى بُعدِّ كيلومترين جنوبَ كوتولاك، كانَ الس ُّوفييت قد نصبُوا كميناً آخرَ في بعضِّ الت ِّلا لِّ المُطل َّةِّ على الط َّريق. كن َّا نتحر َّكُ ضمنَ مناطقِّ العدو، فاعتقدْتُ بأن َّ الط َّريقَ خَطِّرٌ، فتوق َّ فْنا قبلَ الت ِّلال، وأرسلت سبعةً من رجالي سيراً على الأقدام طوالَ الط َّريقِّ وُصولاً إلى الجانبِّ الآخر من الت َّلال للبحثِّ إن كانَ هناكَ كمينٌ ما، فإن َّ لم يرَوا شيئاً، سِّرنا بشاحنتِّنا إلى الأمام، بينما بقيَ معي ثمانيةُ مجاهدين؛ ثلاثةٌ منهم راكبونَ في الأمامِّ بمقصورةِّ القيادة، والخمسةُ البقي َّةُ يركبونَ حوضَ الش َّاحنةِّ الخلفي َّة. عبرَ الر ِّجالُ الس َّ بعةُ عبرَ الت ِّلال وفحصُوا المنطقةَ فلم يجدُوا كميناً، وهنا أرسلُوا لنا إشارةً بصاروخِّ الإشارةِّ بأن َّ الط َّريقَ سَالك. تَرَكَت مجموعةُ الكمينِّ الس ُّوفييتي َّةِّ المُشاةَ الس َّبعةَ يعبرونَ من دونِّ مضايقتِّهم، أم َّا نحنُ فعندما رأينا صاروخَ الإشارة سِّرنا مُطمئنين. وفجأةً، وكأن َّ شخصاً ما أضرمَ الن َّارَ فينا، كن َّا قد دخ لْنا منطقةَ قتلِّ الكمين، فتطايَرَت الر َّ صاصاتُ من حولِّنا، وقُتِّل رجلان في حوضِّ الش َّ احنة، بينما قُتل آخرٌ يجلسُ بجانبي في مقصورةِّ الس َّيارة، كما جُرِّح الس َّائقُ في كتفِّه، وأُّصيبت إحدى عجلاتِّ الش َّاحنة. حو َّلَ 200 نرجح بأنهم كانوا سبيتسناز من لشكر جاه

عدد الصفحات ٤٦٥