الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 242 توق َّفَ العدو ُّ وبدأَ بقصفِّ مواقعِّ المجاهدينَ المُشتبهِّ فيها بنيرانِّ المِّدفعي َّة والجوي َّة. وبدأ أيضاً في قصف المنطقةِّ عَشوائي َّاً، بما ف ي ذلك القُرى المحيطة. ومع ذلك، كانت لدينا قو َّةُ عرقلةٍ مُتَحص ِّنَةٍ جيداً، وَمَحمي َّةٍ من نيرانِّ العدو. وانتقل معظمُ مجاهدينا إلى الملاجئ المُغط َّاة طوالَ فترةِّ الت َّمهيدِّ الن َّاري للعدو. وبمجر َّدِّ ما بدأ العدو ُّ بتحويلِّ نيرانِّه حت َّى يتمك َّنَ من شن ِّ اله جوم، أعادَ المجاهدون احتلالَ مواقعِّهِّمُ القتالي َّةِّ واشتبكُوا مع مُشاةِّ العدو ِّ ودب َّاباتِّه بقذائفِّ الهاون والمدافعِّ الر َّش َّ اشة ومدافع عيار 82 ملم عديمةِّ الارتِّداد وقاذفاتِّ الآر بي جي -7. وسرعانَ ما انتشرَ خبرُ صُمودِّنا ضد َّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّة والأفغاني َّة في جميعِّ أنحاءِّ المنطقة، ووصلَت أخبارُنا حت َّى كابول وتشاريكار وبانجشير. فبدأَ المجاهدون من هذهِّ المناطقِّ بالمشاركةِّ في القتال، مِّم َّا كانَ له الأثرَ المعنوي َّ على العدو، لأن َّ هؤلاءِّ المُجاهدين قد بدأُّوا في شن ِّ هجماتٍ على جناحِّ الر َّتلِّ ومُؤخ ِّرَ تِّه. في وقتٍ مبك ِّرٍ من بعدِّ الظ ُّهر، عَز َّزَ العدو ُّ جهودَه بإرسالِّ القليلِّ من القُو َّاتِّ الأفغانية، فشن بهم هُجوماً آخرَ لتطهيرِّ الط َّريق. فنجحْنا في صَد ِّ الهجوم، وكب َّدناهُم خسائرَ فادحةً. وفي وقتٍ مُتأخ ِّرٍ من بعدِّ الظ ُّهر، قامَ العدو ُّ مر َّةً أخرى بتوجيهِّ قصفٍ مُستخدماً المِّدفعي َّةَ والغاراتِّ الجوي َّةَ على مواقِّعنا. وتناوَبَت المِّدفعي َّةُ والط َّائراتُ الحربي َّةُ والمِّروحي َّاتُ في القصف، ثم َّ هَاجَمَتنا وحدةٌ سُوفييتي َّ ةٌ، وكان مصيرُها الهزيمةَ أيضاً. أثناءَ الل َّيل، حاولَ العدو ُّ مهاجمةَ الجسرِّ ثلاثَ مر َّ اتٍ، ففشلَ في كل ِّ هذهِّ المُحاولات. ولم تكن مخاضةً 110 في الن َّهرِّ تُمَك ِّنُ العرباتِّ من المُرورِّ عبرَ مكانٍ آخر، لذا، لم يحاولِّ العدو الالتفافَ علينا عبرَ نقطةٍ أخرى باستخدامِّ قواربِّ الاقتحامِّ لنقلِّ المُشاة. وقد يعودُ ذلك ل كونِّ حجمِّ قو َّاتِّ المجاهدي ن المُشاركةِّ في القتالِّ على جانبي الن َّهرِّ قد ثب َّطتِّ العدو َّ عن المُجازفةِّ بدفعِّ المُشاةِّ للاقتحامِّ ليلاً. في صباحِّ يومِّ 1 نوفمبر، استأنفَ العدو ُّ القصفَ المِّدفعي َّ والجوي َّ ال كثيف. وفي الوقتِّ نفسهِّ، رَصَدْنا نشاطاتٍ للعدو ِّ بات ِّجاهِّ الجنوب. وفي حَوالي ا لس َّاعةِّ 10:00، قامَ العدو ُّ الذي كانَ أمامَ الجسرِّ بقطع الاشتباك. وتوج َّهتْ معظمُ قو َّاتِّه جنوباً عبرَ سهلِّ الض ِّف َّةِّ الجنوبي َّة لنهرِّ بانجشير. واكتشفْنا لاحقاً بأن َّ 110 المركز: منطقة تكون فيها المياه في النهر غير عميقة وتكون المساحة بين الضفتين مناسبة للعبور
عدد الصفحات ٢٤٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 243 العدو َّ قد بنى جِّسراً هندسي َّاً فوقَ الن َّهرِّ بالقربِّ من شوخي، على بُعدِّ حَوالي 20 كيلومتراً أسفلَ مجرى الن َّهرِّ وعَبَرَ هناك للت َّحر ُّكِّ نحوَ مِّنطقتَي نجراب وتغاب. فلم َّا رأينا العدو َّ ينسحبُ، تركْنا مواقعَنا وجمعْنا ما تركَهُ العدو. وفي اليومِّ الت َّالي، ألقيْنا ببقايا دب َّ اباتِّهم وناقلاتِّهم من الجِّسر إلى الن َّهر. التَّّعليق: لم تُحسنِّ القُ و َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّ ةُ الاستطلاعَ مُقد َّماً، ولا احتلالَ الخوانقِّ المحتملةِّ بمفارزَ أمامي َّةٍ قبلَ وصولِّ الر َّتل. ومن الواضحِّ أن َّ الر َّتلَ فوجئَ بالمقاومةِّ العنيفةِّ التي واجَهها. ولو أن َّ هم اكتشفُوا مُسبقاً حاجزَ العرقلة الذي أقامَه المجاهدون لأحسنُوا الت َّعاملَ معه على نحوٍ أكثرَ فعالي َّ ة من محاولتِّهم فرضَ العبورِّ باستخدامِّ الهجماتِّ الأمامي َّة المتكر ِّرة. كانَ من المتاحِّ لدى القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ عد َّةُ خياراتٍ غيرَ الهجماتِّ الأمامي َّة: أولاً:كانَ بإمكانِّهم نقلُ قُ و َّاتٍ أفغاني َّ ةٍ من جبلِّ "الس ِّراج" و"غلبهار" في الش َّمال لمهاجمةِّ مواقعِّ المجاهدين من مجن َّ بتِّهم ومؤخ ِّرتِّهم، حيثُ كانت توجدُ حامياتٌ بالفعلِّ في هذهِّ المواقعِّ عبرَ الن َّهر. ثانياً: كانَ بإمكانِّهم دفعُ المُشاةِّ للاقتحامِّ عبرَ موقعٍ غيرِّ محميٍ، ثم َّ الهجو مُ على موقعِّ المجاهدين من مُجن َّبَتهم. ثالثًا: لو كانت الس ُّرعةُ تُهِّم ُّهم فعلاً، لاختارُوا الت َّبكيرَ بما فعلُوه لاحقاً من بناءِّ جسرٍ هندسي ٍ بدلَ تكب ُّدِّهم الخسائرَ وال كثيرَ من الوقتِّ عندَ جسرِّ عبد الل ه بورج. حاولَ الر َّتلُ الس ُّوفييتي ُّ والأفغاني ُّ ببال غِّ البطءِّ كسبَ المبادرةِّ لدى مجابهتِّهِّ بمقاومةٍ عنيفةٍ. ولم تكنِّ الد َّب َّاباتُ فع َّالةً في محاولةِّ الاستيلاءِّ على الجسر. وبدلاً من ذلكَ كانَ الر َّتلُ بحاجةٍ لاستخدامِّ مجموعاتٍ من المُشاةِّ عاليةِّ الت َّدريبِّ للاستيلاءِّ على قم َّ ةِّ جبلِّ "كوهي" الحاكمةِّ بسرعة. فقدْ كانَ هذا الجبلُ على جانبِّهم، وكانَ من المُمكنِّ أنْ يسه ِّلَ الاستيلاءَ على الجسر.
عدد الصفحات ٢٤٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 244 كانَ لتعطيلِّ الر َّتلِّ كل َّ هذا الوقتِّ بالت َّوق ُّفِّ في منطقةِّ المجاهدين، الأثرُ الواضحُ في تعر ُّضِّهِّ للهجمات الجانبي َّةِّ والخلفي َّةِّ من قِّبَلِّ المجاهدين المَحل ِّيين. حيثُ لم يكنْ بالإمكانِّ لقو َّةٍ عالقةٍ أن تحق ِّقَ الن َّجاةَ بغيرِّ عامليْ الحَسْمِّ والس ُّرعة. حافظَ المجاهدون في هذا العملِّ على الس ِّر ِّي َّةِّ في التخطيطِّ والت َّنفيذ، وهو أمرٌ جديرٌ بالث َّناء. وقامَ القادةُ المحل ِّيونَ بتنسيقِّ أعمالِّهم، كما صَمَدَ المجاهدونَ خلا لَ القتال، وقد مَك َّنتْهم مواقعُهُم الد ِّفاعي َّةُ المُحص َّنةُ جيداً من الن َّجاةِّ من نيرانِّ المِّدفعي َّةِّ والقصفِّ الجوي. واستفادَ المجاهدون من القتالِّ من على ترابِّ أرضِّهم مُستثمرينَ الد َّعمَ المَحَلي. ولو أن َّ المجاهدين طَو َّرُوا نظاماً أكثرَ فاعلي َّةً للت َّ عاونِّ والت َّنسيقِّ العملي َّ اتي، لرب َّما استطاعُوا منعَ رتلِّ العدو ِّ من الوصولِّ إلى نجراب وتغاب. إن َّ الافتقادَ إلى نظامِّ قيادةٍ وسيطرةٍ عملياتي َّةٍ فع َّالةٍ لمجاهدي مناطقِّ عبد الل ه بورج وشوخي ونجراب وتغاب مَنَعَهُم من العملِّ على نحوٍ مُشترك. كانَ من المُمك نِّ أن يُحق ِّقَ الت َّنسيقُ العملياتي ُّ التفصيلي ُّ حشدَ قو َّاتِّ المجاهدين في "شوخي" لمنعِّ الق َّ واتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ من عبورِّ الن َّهرِّ إلى ولاية كابيسا.
عدد الصفحات ٢٤٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 245 المقالة الخامسة: الدِّفاعُ في مواجهة عملية "الحزم" السُّّوفييتية رواية الج نرال "غول زرك" 111 والملازم عمر112 والمولوي نظام الدِّين حقاني113 والمولوي عبد الرحمن114 111 كان الج نرال غول زرك ضابطاً في الجيش الأفغاني، ودرس في المعهد الأعلى لتدريب ضباط الج يش الأفغاني، حيث كان المؤل ِّف علي جلال من أحدِّ مدربيه. وشاركَ في المقاومة وفي معارك ولاية بكتيا. وقاتلَ في معركتي "زَوَر" الأولى والثانية وفي مَمَر ِّ "ستو كندو". وكان ينتمي للات ِّحاد الإسلامي ِّ لتحرير أفغانستان. وبعد سقوطِّ الن ِّظام الأفغاني الش ُّيوعي أصبحَ نائب (وكيل) وزيرِّ الد ِّفاع في الحكومةِّ المؤقتة، والآن هو يعيش في بيشاور. [Map sheets 2883, 2884, 2983 .] 112 تخر َّج الملازم عمر (الض َّابط عمر) من الأكاديمية العسكرية في كابول منذ الس َّبعينات. وبعد الانقلاب الش ُّيوعي والغزوِّ الس ُّوفييتي، انضم َّ عمر إلى الحزبِّ الإسلامي بقيادةِّ المولوي يونس خالص (الذي يُعرَفُ بأن َّه تنظيمٌ أصولي). وكان أحدَ المساعدين المقر َّبين من جلال الدين حقاني، وقاتلَ معه طوالَ الحرب. وقادَ حقاني المفصلَ العسكري للمجاهدين في ولاية بكتيا الحيوية. عمل الضابط عمر ك... (جزء من النص مفقود) 113 كان نظام الد ِّين قائد إحدى المجموعات ونائب جلال الدين حقاني، وكان عضواً في الحزب الإسلامي التابع لخالص المعروف بميوله الأصولية. وانضم َّ إلى المجاهدين إبان الانقلاب الش ُّيوعي عام 1978م، وقاتل في ولاية بكتيا. وقبلَ الغزوِّ الس ُّوفييتي، حَر َّرت مجموعتُهُ المناطق المحيطة بخوست، ولم تبقَ تحت سيطرة الحكومة إلا المدينة. 114 المولوي عبد الرحمن زدران، هو ابن نور محمود من قرية كندو. وكان قائد مجموعة مجاهدين يتراوحُ تعدادُها بين 100 -120 من سكانِّ المنطقة، لدى هجوم الس ُّوفييت على مَمَر ِّ ستو كندو. وكانت مجموعته تحتل ُّ مواقعَ في غيلجوي. وكانوا مسل َّحين بمدافع 82 ملم عديمةِّ الارتداد، ورش َّاشات 14.5 بسبطانة واحدة مُثب َّتة على قواعد ثابتة، ورش َّاشات دوشكا، ومدافع هاون عيار 82 ملم، وراجمة صواريخ متعد ِّدة السبطانات، وقاذفةِّ ستينغر وفي هذه المعركة قاتلَ كحرس خلفيٍ عبر الممر حتى "سيواك" قبل أن ينحازُوا إلى الجبال. وقُتِّلَ له 10 مقاتلين
عدد الصفحات ٢٤٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 246 "كُنَّّا مُستميتينَ في القتال رُغم فَقرِنا من حيثُ العُدَّّةِ والعتاد. وذاك أنَّّنا كنَّّا أغنياءَ بإيماننا، محبينَ لأوطانِنا، مُشتاقينَ للحرِّيَّّة، متوكِّلينَ على ربِّ البَرِيَّّة. وقد واجهنا صعوباتٍ جَمَّّة." الج نرال غول زرك زدران حَذ َّرَنا المخبرونَ من داخلِّ الجيشِّ الأفغاني ِّ من اقترابِّ وقوعِّ عملي َّةٍ مُشتركةٍ سُوفييتي َّةٍ وأفغاني َّةٍ لفتحِّ الط َّريقِّ بين "غرديز" و"خوست". كن َّا قد تَمَكن َّا من إغلاقِّ هذا الط َّريق منذُ مارس/آذار 1979م، ومنذُ ذلك الح ين كانَ الن ِّظامُ الأفغاني ُّ يوصلُ الإمداداتِّ إلى حامِّيَتِّهِّ في خوست عبرَ الجَو. وحاولَ الجيشُ الأفغاني ُّ عِّد َّةَ مر َّاتٍ فتحَ الط َّريق، غيرَ أن َّه قد أُّبيدَ له فوجانِّ في سبيلِّ ذلك، حت َّى أصبحَ هذا الط َّريقُ أسطورةَ الط ُّرُقِّ التي لا يمكنُ فتحُه ا. في نوفمبر عام 1987م، رَصَدْنا حشودَ العدو وتكديسَه للإمداداتِّ في غرديز. وات َّضَحَ لنا بأن َّ جيشَ الأربعين الس ُّوفييتي َّ سينف ِّذُ عملي َّةً كبرى مُتضم ِّناً العديدَ من الت َّشكيلات، وهي عِّد َّةُ فرقِّ بنادقٍ آلي َّةٍ سُوفييتي َّة، وفرقةٌ مَحمولةٌ جواً، ووحداتٌ من الجيشِّ الأفغاني ِّ، والقُو َّاتِّ الخاص َّة الس ُّوفييتي َّةِّ (السبيتسناز) 115، وكميةٌ ضخمةٌ من المِّدفعية، وصواريخ الأرض- أرض، والقُو َّاتِّ الجوي َّةِّ الس ُّوفييتي َّة. المولوي جلال الدين حقاني – رحمه اللّ ه – قائد المجاهدين في العملية 115 هي قواتٌ سوفييتيةٌ لتنفيذ الاستطلاع بعيدِّ المدى والعملي َّاتِّ الخاص َّة وعملي َّاتِّ المغاوير
عدد الصفحات ٢٤٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 247 بوريس غورموف قائدالجيش الأربعين السُّّوفييتي إبَّّانَ العملية / شاه نواز تني (قائد القوات الأفغانية في العملية) في وقتِّها، حاولَ الج نرال "زدران" تحليلَ الأهمي َّ ةِّ العملي َّاتي َّ ةِّ للحملةِّ المُزمعِّ تنفيذُها. فحد َّدَ احتمالي َّةَ أحدِّ الهدفينِّ الت َّاليين: إم َّ ا تصعيدُ الحربِّ عن طريقِّ تهديدِّ باكستانَ مباشرةً من ولاية بكتيا، أو أن َّ الس ُّوفييت أرادُوا تحطيمَ أسطورةِّ المجاهدين الذين لا يُمكن قَهرُهم، وذلكَ عن طريقِّ فتحِّ طريقِّ خوست-غرديز المُستعصي. لو كانَ الاحتمالُ الأو َّلُ هو الواقعُ لكانَ الس ُّوفييت بحاجةٍ لإحضارِّ المزيدِّ منَ القُ و َّاتِّ إلى ولاية بكتيا بعدَ فتحِّ الط َّريقِّ إلى خوست. إلا أن َّ الج نرال زدران رأى أن َّ هذا الأمرَ يمث ِّلُ مُقامرةً جَسيمةً يُحجِّمُ عنها الس وفييت لما لها من تَدَاعياتٍ إقليمي َّةٍ ودولي َّ ةٍ. فرَج َّحَ الج نرالُ الاحتمالَ الث َّاني، وذلك أن َّ الس ُّوفييت أرادُوا إظهارَ جبروتِّهم العَسكري بفعلِّ المُستحيلِّ حت َّى يستطيعُوا بعدَها إنهاءَ الاحتلالِّ والانسحابَ من أفغانستان بنصرٍ مُؤز َّرٍ يحفظُ ماءَ الوجه. وليبرهنُوا قدرتَهم على تحقيقِّ المُستحيل، كانَ على الس ُّوفييت اقتحامَ الط َّريقِّ الر َّئيسي من غرديز نحوَ خوست بقو َّةٍ لا تقل ُّ عن فرقةٍ واحدةٍ، حت َّى يت َّصلُوا بالفرقةِّ 25 للمشاة الأفغاني َّةِّ المُحاصرةِّ داخلَ خوست، والتي ستحاولُ بدورِّها فتحَ ثغرةٍ في الط َّوقِّ المُحيطِّ بها نحوَ الغرب. كانَ الج نرالُ زدران قد
عدد الصفحات ٢٤٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 248 خَلُصَ إلى أن َّ الس ُّوفييت أرادُوا فتحَ الط َّريقِّ المغلقِّ منذُ سنين فقط لاستعراضِّ العَضلات وإبرازِّ القو َّة. بدأنا الاستعدادَ للت َّصد ِّي لهجومِّ الس ُّوفييت على مَمَر ِّ ستو كندو، وكانت أكتافُ المَمَر ِّ ترتفعُ 400 مترٍ فوقَ الط َّريق. وبمجر َّدِّ الد ُّخولِّ للمَمر ِّ الجبلي ِّ فإن َّ الط ريق يتمو َّجُ بزوايا حاد َّة مُتراص َّة (زكزاك)، مما يجعلُها مَوقِّعاً مِّثالي َّاً للد ِّفاع. فزَرَعنا ثلاثَةَ نطاقاتٍ من الألغامِّ بعرضِّ ثلاثةِّ كيلومترات أمامَ مَدخَل المَمَر ِّ، مع مسافةٍ تَتَر اوحُ ما بين 300 و400 مترٍ بين الن ِّطاقات. وحَصَن َّا مواقِّعنا على مرتفعاتٍ حاكمةٍ على الط َّريقِّ والمَمَر. وكانَ لدينا عَشْرُ راجماتٍ بي أم – 12 في المنطقة. كما اعتَلَت رش َّاشاتُ ال 14.5 الث َّابتُةُ المرتفعاتِّ قربَ المَمر. كانَ هذانِّ الس لاحانِّ المَوقِّعِّي َّ انِّ جَي ِّدين، إلا أن َّه كانَ من الص َّعبِّ جداً علينا نقلُهُما بسرعةٍ في حالِّ تطل َّب الأمر. وكانَت لدينا أيضاً رش َّاشات دوشكا ومدافعُ عديمةُ الارتدادِّ من عِّيارَي 75 ملم و82 ملم والعديدُ من قاذفاتِّ الآر بي جي – 7 . تَول َّى الحاج نواب خان قيادةَ المجاهدين في مَمَر ِّ "ستو كندو"، بينما قادَ إسماعيل المجاهدينَ في مَمَرِّ "خاداي" الواقعِّ على بُعدِّ كيلومترين غربَ ستو كندو. ورُغمَ أن َّ مَمَر َّ خاداي هذا كانَ طريقاً ترابي َّاً ثانوي َّاً، إلا أن َّنا لم نوف ِّرْ جُهداً في تحصينِّهِّ كذلك (الخريطة 6-5 – الحزم
عدد الصفحات ٢٤٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 249 كانَ معظمُ المجاهدين المُشاركين في العملي َّةِّ مِّن سكانِّ المِّنطقة، وقدْ شاركُوا في هذا العملِّ حمايةً لِّقُراهم. وفي ذلكَ الوقت، لم يكنْ أهلُ المِّنطقةِّ قد نزحُوا مثلَ باقي المناطقِّ الأفغاني َّةِّ التي نَزَحَت إلى مخي َّماتِّ الل َّاجئين في باكستان. ينتمي مُعظمُ سكانِّ المنطق ةِّ إلى قبيلة زدران، إلا أن َّ قبائلَ وفصائلَ
عدد الصفحات ٢٤٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 250 أخرى شاركَت في هذا العمل. وكانَ قرارُ الاستعدادِّ والقتالِّ بيدِّ المَجلسِّ القبلي، لا بِّيَدِّ الفصائل، فكانَ هذا القتالُ دِّفاعَاً عن الأرضِّ والقرى. وكانَ القادةُ المحل ِّيونَ الكبار الذين شاركُوا في هذا العملِّ هم: المولوي نظام الد ِّين حقاني والملا إبراهيم والملا عبد الرحمن والنقيبُ خان زاماك وعزت خان وغاداي ودول خان وغانامكاي وسادات وحكيم وجنغ والد ُّكتور خي َّالي وبادشاه وأليف. رَك َّزْنا جهودَنا على الط َّريقِّ الر َّئيسي، حيثُ ينعطفُ عبرَ مَمَر ِّ ستو كندو. ورُغمَ وجودِّ طر يقٍ يَمُر ُّ عبرَ مَمَر ِّ ساروتي على بُعدِّ سبعةِّ كيلومتراتٍ شرقاً، وينتهي إلى الط َّريقِّ الر َّئيسي ِّ في بلدةِّ لاكاتيغا 116التي تقعُ على بُعدِّ 25 كيلومتراً جنوبَ مَمَر ِّ ستو كندو، إلا أن َّنا لم نقمْ بتلغيمِّه، وذلك لأن َّهُ كانَ طريقاً سَي ِّئاً يمر ُّ من مناطقِّ قبيلةِّ داري خيل 117، ولم نتوق َّعْ أن تأتي العرباتُ الس ُّوفييتي َّةُ من خلاله. ومع ذلك، عز َّزَتِّ القبائلُ مجاهدي المنطقة بإرسالِّ الحرباكي إليهم، حت َّى أن َّنا أرسلْنا إليهم 300 مقاتلاً حرباكي َّا كتعزيزٍ لممر ِّ ساروتي في منطقةِّ داري خيل، وقامَ القائدُ بادشاه بقيادةِّ القُو َّات هناك. قامَ الس ُّوفييت بإنشاءِّ قواعدَ أمامي َّةٍ في "دارا" و"زاوا"، ونشرُوا مِّدفعي َّتَهم على قسمين؛ مجموعاتِّ مدفعي َّةٍ خاص َّ ةٍ بالفِّرق قربَ دارا، بينما نَشرُوا مجموعاتِّ المِّدفعي َّةِّ الخاص َّةِّ بالجيشِّ جنوبَ غرديز. بالإضافةِّ إلى ذلك، قامُوا بتحريكِّ قُو َّاتِّ المناورةِّ نحوَ زاوا. وفجأةً وعلى حينِّ غَفلةٍ تامةٍ مِّن َّا، هجمُوا من زاوا نحو ساروتي. وبعدَ قتالٍ دامٍ استمر َّ ما بين أربعةِّ أي َّامٍ أو خمسة، دَفَعَنا الس ُّوفييت نحوَ طريقِّ ساروتي. وقُتِّل بادشاه في هذا القِّتال، وَتَوَل َّى مكانه قادرشاه ليقاتلَ قتالاً تقهقري َّاً مُستعصٍ عبرَ مَمَر ِّ ساروتي (خريطة 6-6 – المرحلة الأولى 116 تعني الصخرة البارزة 117 داري خيل قبيلة متفرعة من قبيلة زدران. ولها سمعةٌ معروفة بشد ِّة بأسِّ رجالِّها ومعرفَت هم بالحرب.
عدد الصفحات ٢٥٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 251 وفورَ سقوطِّ مَمَر ِّ ساروتي بيدِّ الس ُّوفييت، شَن َّت قَو َّاتُ هم إنزالاتٍ جوي َّةً اقتحامي َّةً على المرتفعاتِّ بينَ الط َّريقِّ الر َّئيسي ِّ وبينَ طريقِّ مَمَر ِّ ساروتي، فسيطرَت قَو َّاتَ الاقتحامِّ الجَو ِّي َّة -مُعز َّزةً بمدفعيةٍ صغيرةِّ العيار118- على تضاريسَ حاكمةٍ في كلا المِّحورين. وانطلاقاً من هذه القِّمَمِّ، استطاعَ الس ُّوفييت 118 المدافع المحتملة هنا هي
عدد الصفحات ٢٥١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 252 ضربَ مواقِّعِّنا وإسنادَ تقد ُّمِّهِّم عبرَ مَمَر ِّ "ستو كندو" نحوَ الط َّريق الر َّئيسي، مَعَ الت َّمك ُّنِّ من إسنادِّ تَقَد ُّمِّهم أيضاً عبرَ مَمَر ِّ ساروتي في الوقت نفسهِّ. لقد كانَ لاستيلائِّهِّمُ المفاجئِّ على المُرتفعاتِّ الواقعةِّ بينَ المِّحورين الأثرُ ال كبيرُ في منحهِّم تفو ُّقاً هائلاً. وقد بدأَ الس ُّوفييت بقصفِّ مقر ِّ قيادةِّ المجاهدين في ساراني، مِّم َّا أعاقَ القيادةَ والس َّيطرةَ إلى حَد ٍ كبير. مدفع العنبرة مدفع D-44 بدأالس ُّوفييت انطلاقاً من المُرتفعات، بتوجيهِّ القصفِّ المِّدفعي ِّ والص َّاروخي ِّ نحوَ القُرى التي تقعُ بالواديينِّ على امتدادِّ مَمَر ِّ "ستو كندو" ومَمَر ِّ "ساروتي". أرادَ الس ُّوفييت طردَ قبيلة زدران التي لم تكنْ قد نزَحَت من قبل، وقدْ نجحُوا في ذلك. حيثُ انشغلَ ا لمجاهدونَ عن القتالِّ بترحيلِّ عوائلِّهِّم إلى باكستان خوفاً عَليهم من القَصف، مِّم َّا تَسب َّبَ بنزوحٍ كبيرٍ سَه َّلَ على الس ُّوفييت تقد ُّمَهم. كما كانُوا جاهزين لتنفيذِّ الهجومِّ الر َّئيسي ِّ على محورِّ "ستو كندو". استفتحَ الس ُّوفييت العملَ نحوَ مَمَر ِّ "ستو كندو" بقصفٍ جو ِّيٍ ومِّدفعي ٍ همجيٍ 119، في الوقتِّ الذي كانُوا يحر ِّكُون فيه قُو َّاتِّ المُناورةِّ نحوَ "دارا". وبمجر َّ دِّ وصولِّهم نحوَ مواقعِّهم المُقر َّرةِّ في دارا، ألقَت طائرةٌ سُوفييتي َّةٌ حل َّقَتْ فوقَ المَمَر ِّ على ارتفاعٍ عالٍ مجموعةً من القُو َّات المِّظل ِّي َّة . وخلفَ تلكَ الط َّائرة، • مدفع- هاون آلي من طراز فازليك (العنبر) AM 2B9 عيار82 ملم، ويستطيع هذا المدفع توجيه النيران بشكل مباشر وغير مباشرة. • ومدفع D-44 من عيار85 ملم (الموجود في القوات المحمولة جواً • أو مدفع M-69 الجبلي من عيار85 ملم 119 تجدون تفاصيل معركةِّ مَمَر ِّ ستو كندو من المنظور الس ُّوفييتي في المقالة 17 من كتاب عبور الد ُّب للجبل
عدد الصفحات ٢٥٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 253 كانت تُحل ِّقُ طائرةٌ استطلاعي َّةٌ على ارتفاعٍ أعلى. رميْنا القُو َّاتِّ المظل ِّي َّةَ بكل ِّ ما لدينا من أسلحةٍ ورش َّاشاتٍ مُضاد َّة للط َّ ائرات. وحينَ اقترَبَت المظل َّات حائمةً من َّا، علمنا بأن َّ العدو َّ قد خدَعْنا، فقد كانَ ما ظنَن َّاهُ مجموعةً من المظل ِّيين ليسَ في الحقيقةِّ إلا مجموعةً من الد ُّمى، وبينما كُن َّا نقومُ برمايَتِّها بشكلٍ مُكث َّف، قامَت طائرةُ الاستطلاعِّ المذكورةِّ آنفاً بتصويرِّ مواقعِّ الر ِّمايةِّ المضاد َّةِّ للط َّائراتِّ وتحديدِّها بِّدِّق َّة. وعندها، بدأَ القصفُ الحقيقي ُّ على موا قعِّنا. حيثُ استُفتِّحَ بالقصفِّ المِّدفعي ِّ، وأعقبَه قصفٌ جوي ٌّ، ثم َّ تلاهُ قصفٌ مِّدفعي ٌّ مر َّة أخرى. فجمُدْنا في مواقعِّنا تحتَ القصف الذي استمر َّ لعد َّةِّ ساعات. وكانت مواقعُنا عموماً ذاتَ مناعةٍ من القصفِّ المِّدفعي ِّ لا الجوي. بالإضافةِّ إلى ذلك، كانت رماياتُه م في غايةِّ الد ِّقةِّ نتيجةَ الاستطلاعِّ المُسبق. وبعدَ كُل ِّ هذا، بدأَ الس ُّوفييت بتنفيذِّ الهجومِّ البَر ِّي، إلا أن َّنا تمكن َّا من رد ِّهم فوراً. وفي اليومِّ الت َّالي الموافقِّ ل 1 ديسمبر1987م، استكملُوا القصفَ المِّدفعي والجوي. لم نكنِّ مُعتادين على قتالِّ الس ُّوفييت قبلَ هذهِّ المعركة، حيثُ لم تكنْ هناك أي ُّ حاميةٍ للس ُّوفييت في ولاية بكتيا، وكن َّا مُعتادين على قتالِّ الجيشِّ الأفغاني ِّ فقط، ولم يكن لدى الأخيرِّ مدفعٌ بعيارٍ أثقلَ من 130 ملم، ولهذا فقدْ كانَ للقصفِّ المكث َّفِّ علينا الأثرُ ال كبير في فقدِّنا للمبادرة . وكانَ الس ُّوفييت يقصفونَنا براجماتِّ البي أم 21 والبي أم 27 (أورغان120 . راجمة أورغان 120 راجمة صواريخ ب16 سبطانة محمولة على شاحنة، ترمي صواريخ عيار220 ملم إلى مسافة40 كيلومتر. ومن أنواع رأسها الحربي: شديد الانفجار المتشظي وال كيميائي والحارق والألغام القابلة للنثر. ويسميها الس وفييت أورغان وتعني إعصار. بينما يسميها المحللون الغربيون بي أم 27 .
عدد الصفحات ٢٥٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 254 في دارا، كانَ الس ُّوفييت قد نصبُوا ثلاثةَ مدافعَ ثقيلةٍ بعيدةِّ المدى ذاتِّ أربعِّ عجلات، وشَاهدْنا واحدةً منها تَرمي، حت َّى أن َّ قُو َّةَ ارتدادِّ إحدى المدافعِّ قلبتْ سي َّارَة الجيب 121. وكانت الط َّائراتُ الحربي َّةُ تُلقي علينا قنابلَ عُنقودي َّة، ولم نكنْ لنستطيعَ الن َّجاةَ في مواقِّعِّنا، ولهذا الس َّببِّ غادرْنا مواقعَنا، فتوج َّهنا إلى جبالٍ أعلى تقعُ في الغربِّ تُدعى "غومبور خوالي وفخري"، فتقد َّم الس ُّوفييت بعدَ انسحابِّنا نحوَ مواقِّعِّنا، وبعدَ خمسةِّ أيامٍ سيطرُوا على مَمَر ِّ ستو كندو. مدفع خزامى 2A36 كُن َّا قد دَم َّرنا أجزاءً من طريقِّ ستو كندو وقط َّعنَاها. وأثناءَ محاولةِّ الس ُّوفييت إصلاحَ الط َّريق كن َّا نضايقُهم بالن ِّيرانِّ ال كثيفةِّ من المُرتفعات، إلا أن َّ قو َّةَ الر َّد ِّ الن َّاري ِّ للس ُّوفييت أجبَرَتْنا على الانسحابِّ قُدماً في الجِّبال. ومن ثم َّ، نف َّذنا المزيدَ من الت َّراجُعِّ حينَ حاوَلَت قُو َّاتهم مُحاصرَةَ مُؤخ ِّراتِّنا. فاستولَوا على قاعدةِّ "غول زرك زدران" في "شواك". ونقل المجاهدون من ا لمعد َّات ما خف َّ حملُه، ثم َّ تركُوا 121 في الغالب هذا هو مدفع خزامى2A36 من عيار152 ملم، مداهُ الأقصى28.5 كيلومتراً، ويرمي 5 -6 قذائف في الد َّقيقة. وزن قذيفتِّه 46 كيلوغراماً، وسرعتُه الابتدائية 942 متراً/ثا، ووزنُ المدفع 9800 كيلوغرام، وطول الس َّبطانة 8.197 متر
عدد الصفحات ٢٥٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 255 الباقيَ ليستوليَ عليهِّ العدو. وانسحبُوا نحوَ الجبالِّ بات ِّجاه الجنوبِّ الغربي، بينما تقد َّمَتِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ وأقامَت معسكراً للمبيتِّ طِّيلةَ يومين. ثم َّ استكملت بعدَها الت َّقد ُّمَ نحوَ "ساراني"، ليُدَم ِّروا قاعدةَ المجاهدين فيها، مِّم َّا أوحى لنا بأن َّ العدو َّ لا ينوي البقاءَ في الط َّريقِّ على المَدى البعيد. كانَت الأزمةُ التي يَمُر ُّ بها المجاهدون خطيرةً للغاية، وقد باغَتَتْنا مُشكلةٌ جديدةٌ زيادةً ما نحن فيه، وهيَ عدمُ تَوف ُّرِّ مِّياه الش ُّرب. فقد كانت كثافةُ القصفِّ الس ُّوفييتي ِّ كبيرةً للغاية، لدرجةِّ أن َّ البقايا ال كيميائي َّةَ الن َّاتجةَ عن الانفجاراتِّ تَسب َّبَت في تلو ُّثِّ مياهِّ الجداول. حت َّى أن َّ بعضَنا ظن َّ أن َّ الس ُّوفييت قد سَم َّمُوا المياه، فكوبٌ واحدٌ من الماءِّ كانَ كافياً لخنقِّك وجعلِّك تتلو َّ ى من المَرَض. حاولْنا استخدامَ الث َّلجِّ كمصدرٍ لمياهِّ الش ُّرب، ل كن َّ الث َّ لجَ أيضاً تأث َّرَ بالموادِّ ال كيميائي َّ ة. وقُطِّعت إمداداتُنا وَشَح َّ عندنا الط َّ عام، ول كن َّ بَقِّيَت مُشكلتنا الر َّئيسي َّةُ متمث ِّلَةً بالعطش، وعانى الر ِّجال من الجَفاف، ولم نكن قد أعدَدْنا من قبلُ ترتيباتٍ لنقلِّ المياه إلى المِّنطقة، فالمياهُ المحلي َّةُ كانت دائماً تُغني احتياجاتِّنا. وأغلقَ العدو ُّ الط ُّرُقَ حت َّى لا تتمك َّنَ شاحناتُ الإمداد من دخولِّ المنطقة. ورغمَ امتلاكِّنا لبعضِّ البغال التي تمكن َّا من استخدامِّها في بعضِّ المناطق، إل ا أن َّنا حملْنا معظمَ إمداداتِّنا بواسطةِّ المُشاة من المجاهدين. واصلَ الس ُّوفييت تحر ُّكَهم جنوبًا. وقد كانُوا يَسبِّقون تَحر ُّكهم هذا بعملي َّاتِّ إنزالٍ جوي َّةٍ اقتحامي َّةٍ للاستيلاءِّ على الأراضي المرتفعةِّ على جانبي الط َّريق، بينما تتقد َّمُ أرتالُهم تحتَ حماي ة قُو َّاتِّ الإنزال والمُراقبة التي تم َّ إنزالُها. ومع تقد ُّمِّهم، قامَ الس ُّوفييت بتثبيتِّ نقاطِّ مُراقبةٍ خلفَهم لتأمينِّ خطوطِّ إمدادِّهم. ووصلُوا إلى "لاكاتيغا"، فالتقَت هناكَ أرتالُ ستي كندو وساروتي. أم َّا ما بعد ذلك من المناطق، فقد كانَ دخولُها سهلاً ومَيسو راً عليهم. وترَكَ العدو ُّ خلفَه مفرزةً أمني َّةً في لاكتيغا، بينما تقد َّمَ نحو خوست. وفي الوقت نفسِّهِّ، انطلَقَت مفرزةٌ تابعةٌ للفرقة 25 للمُشاةِّ الأفغاني َّةِّ من خوست غرباً والتقَت برتلٍ فَك ِّ الحصار. وبعدَ أنْ أم َّن العدو ُّ الط َّريقَ المُؤد ِّيَ إلى خوست، بد ؤوا بنقلِّ أرتالِّ الإمدادِّ عبرَ هذا الط َّريقِّ لإعادةِّ إمدادِّ المدينةِّ المُحاصرة.
عدد الصفحات ٢٥٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 256 إلا أن َّ الموازينَ بَدأَت تنقلُب لصالِّحِّنا، فقد عادَ المجاهدون من أهلِّ المنطقةِّ بعدَ أنْ نقلُوا عائلاتِّهم إلى باكستان، ووصلَ مولوي جلال الد ِّين حق َّاني وغيره من القادة (مطيع ال ل ه، والملا عبد الغفور، وغول زرك زادران، وأمان الل ه، والملا صد ِّيق، وتوكل، وعبد الرحمن، ووكيل وزير محمد، وباري، وبادشاه خان، وسادات) وتحر َّكُوا إلى الجبالِّ غربَ الط َّريقِّ الس َّريع. وأتى العقيدُ إمام من المُخابراتِّ الباكستاني َّةِّ ليحاولَ تنسيقَ العملِّ بين المجاهدين. وَوَصَلَ أيضاً الحاج أمان الل ه خان وغيرُه من القادة. كذلك جاءَ عددٌ من المُجاهدين من مناطقَ أخرى من أفغانستانَ ومن باكستان، إضافةً لمجيءِّ طالبان من باكستان. وكانُوا جميعاً مُتحر ِّقينَ للقتال. اختارَ المُجاهدون 12 قائداً، وعي َّنُوا لكل ِّ قائدٍ موق عٍ عسكري ٍ محاورَ تُجاهَ العدو ِّ بين وازي وستو كندو ليقومُوا بمواجهَتِّها. وكانَ الس ُّوفييت قد انتقلُوا إلى الوديانِّ الجانبي َّةِّ للط َّريق، ل كن َّ القادةَ ال 12 أجبرُوهم على الخروجِّ من الوُديانِّ الجانبي َّةِّ وحصرُوهم في محيطِّ الط َّريق، ثم َّ بدأوا بمهاجمةِّ الط ريق. وكانَ جلالُ الد ِّين حق َّاني وقتَها في "فخري". ومر َّةً أخرى، أُّصِّيبَ حقاني أثناءَ المعركة، وهذهِّ المر َّةَ بشظي َّةٍ في فخذه. وعلى الر ُّغمِّ من إصابِّته، إلا أن َّه بقي في منطقةِّ العملِّ لمد َّةِّ أسبوع. ثم َّ أُّخلِّي على بَغلةٍ نحوَ "ميرام شاه" عَبرَ المَمَر َّ اتِّ الجَبَلِّي َّة. جلال الدين حقاني بعد إصابته
عدد الصفحات ٢٥٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 257 لم يَستطعِّ الس ُّوفييت وعملاؤُهم الأفغانُ إبقاءَ الط َّريقِّ مَفتوحاً إلا مد َّةَ 12 يوماً فقط، وَبعدَها اضطر ُّوا للانسحاب، وتخل َّت قُو َّاتُ الإنزالِّ الجَوي ِّ الس ُّوفييتي َّةُ عن المُرتفعاتِّ وَحَملَت أسلحتَها، إلا أن َّها تركَت جميعَ الذ َّخائرِّ خَلفَها. وتمك َّن المجاهدون من استعادةِّ الط َّريقِّ، ولم يستطع لا الجيشُ الس ُّوفييتي ولا الجيشُ الأفغاني إعادةَ فتحِّ الط َّريقِّ مَر َّةً أخرى. على الر ُّغمِّ من شد َّةِّ هذه المعركة، فقد كانت خَسائرُ المجاهدين قليلةً بالن ِّ سبةِّ لمعركةٍ بهذا الحجمِّ، وحَق َّقَ فيها العدو ُّ هذا الت َّقد ُّمَ، حيثُ قُتِّلَ 100 مجاهدٍ. بينما تكب َّد القُروي ُّون خسائرَ جسيمةً، وتضر َّرَت 80 % من قُراهم أو دُم ِّرَت بشدة. وبالن ِّسبة للقُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ فقد كانت الخسائرُ غيرَ معروفة كما أسقطَ المجاهدون مِّروحي َّةً واحدةً وثلاثَ طائراتٍ حربي َّة. وبعد انسحابِّ الس ُّوفييت، استولينا على دب َّابتينِّ سوفييتي َّتينِّ سليمتينِّ وأربعِّ شاحنات. وانشَق َّ -أو أُّسِّر - ما يقارب 600 جُندي ٍ أفغاني ٍ، وانشق َّ مُعظمُ الجنودُ الأفغان بأسلحتِّهِّم.
عدد الصفحات ٢٥٧