الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 210 المقالة السَّّادسة : تدمير لواء "باغ ممتاز" رواية الدك تور محمد وكيل 94 نشرت القوات الأفغانية لواء تأمينٍ شمال كابول عام1988م، وذلك لتأمينِّ طريقِّ انسحابِّ جيش الأربعين الس ُّوفييتي، الذي كانَ مُتمركزاً على طريقِّ كابول -تشاريكار قرب تقاطعِّ الط ُّرُق مع الط َّريقِّ المؤدي إلى بلدةِّ "شكردره"، مركزِّ مديري َّة شكردره. كانَ هذا الل ِّواءُ متمركزاً في بستان يدعى "ممتاز"، ومن هنا أُّطلِّقَ عليه تسمية لواء "باغ ممتاز" 95 (خريطة4-5-شكردره كان أخي الر َّاحل"واصل" هوُ القائدُ العام للعديدِّ من الفصائلِّ في هذه المعركة. وكانَ قد زارَ قواعدَ مختلفِّ الفصائلِّ بهدفِّ عقدِّ عد َّةِّ جلساتٍ لوضعِّ الخط َّة. قر َّرنا أن نبتدأَ الهجومَ على الل ِّواءِّ في الس َّاعة الثامنةِّ من يوم 21 من يونيو/حزيران1988م وكانَ العملُ موز َّعاً على أربعِّ مراحل، حيثُ تتمث َّلُ المرحلةُ الأولى في عزلِّ الحامياتِّ وغلقِّ الطريقين المؤديتين إليها من الش َّمال والجنوب، ثم قصفَها بشكلٍ مستمر ٍ بالمدفعي َّةِّ طيلةَ سبعةِّ أيامٍ، مُستخدمين راجمةَ بي أم -12، وراجمةَ صواريخ صقر96، ومدفعَ هاوتزر عيار 122 ملم، ومدافعَ هاون عيار82 ملم، ومدافعَ عديمةِّ الارتداد عيار82 ملم وقد كن َّا حد َّدنا مسبقاً أربعةَ محاورَ للر َّمي الت َّمهيدي. 94 الدكتور محمد وكيل من مديرية شكردره شمال كابول. تخرج من المدرسة الثانوية قبل الحرب. وانضم للمقاومة كما تلقى تدريباً طبياً في باكستان. Map sheet 2886., vic grid 07371 95 باغ تغني بستان. ومن المرجح أن اللواء520 كان يتمركز هناك. 96 صقر هي راجمةُ صواريخٍ مصري َّة عيار107 ملم أو122 ملم. توجدُ منها طرازات لمنصات خفيفة الوزن بسبطانتين وثلاث وأربع. يبلغُ مدى الصقر 20 ذو العيار107 ملم كأقصى مدى8000 مترا، بينما يبلغ الصقر 30 ذو العيار122 ملم كأقصى مدى10800 مترا. وكانَ العيار 107 ملم أكثرَ شيوعاً في أفغانستان. وقد صر َّح بعضُ المجاهدين بامتلاكِّهم صواريخَ خاص َّة تؤهلُ الراجمة 20 لبلوغ إلى مدى20 كيلومتراً، والصقر 30 إلى30 كيلومتراً
عدد الصفحات ٢١٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 211 أما المرحلةُ الث َّانية فقد تمث َّلت في الهجومِّ البري، حيثُ كانَ من المفترضِّ أن يهجمَ 100 مقاتلاً من كل ِّ محورٍ من المحاورِّ الأربعة، وكانَ من المخط َّطِّ أن يقودَ أخي واصلُ المحورَ الجنوبي َّ من قريةِّ "سيهاب قولي" إلى بلدةِّ "مراد بك". بينما يقودُ القائدُ "تاج محمد" الهجومَ على المحورِّ الغربي ِّ الجنوبي ِّ "كاريز مير". كما كانَ من المفترضِّ أن يقودَ القائدُ "ناصر" المحورَ الغربي، بينما يقودُ "أنور" المحورَ الش َّرقي َّ.
عدد الصفحات ٢١١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 212 كانَ تسليحُ المجاهدين كالت َّالي: راجمةُ صقر، راجمةُ بي أم12، مدفعُ هاوتزر عيار122 ملم، وست َّةُ مدافعَ هاون عيار 82 ملم، وثمانيةُ مدافعَ عديمةِّ الارتداد عيار82 ملم، وقرابةَ40 قاذفة آر بي جي – 7، بالإضافةِّ لدفاعٍ جويٍ مؤلفٍ من رش َّاشات 2-23-ZSU 97 وبعضاً من صواريخِّ ستينغر بدأَ الهجومُ في الوقتِّ المحد َّد، إلا أن َّ الحاميةَ لم تصمدْ طويلاً لسبعةِّ أيام. بل انهارَت معنوي َّاتُ الل ِّواءُ وسقطَ بيدِّنا في الس َّاعةِّ 14:00 من الي َّوم الأول. وهرَ بَت دب َّاباتُ اللواء، وكانَ على متنِّها قائدُ الل ِّواءِّ وبعضٌ من نو َّابِّه. وحاولْنا إيقافَهم بنيرانِّ الآر بي جي، إلا أن َّهم هربُوا إلى كابول. لا أعرفَ كاملَ خسائرِّ المجاهدين، ل كن مم َّن أعرف: أربعةُ قتلى بمن فيهم أخي، بالإضافةِّ لعَشَرَة جرحى. بينما قَتَلْن ا من الأعداءِّ 100 جندي ٍ، وأسرْنا400-450 آخرين. واغتنمْنا40 عربةً مدر َّعةً، إلا أن َّ بعضَها كانَ عاطلاً. واغتنمنا أيضاً عشْرَ شاحناتٍ و 600 قطعةِّ سلاحٍ صغيرةٍ، وكانَ رد الن ِّظامِّ الأفغاني على هجومِّنا بطيئاً، فهم لم يتوق َّعُوا انهيارَ الل ِّوَاء بهذه الس ُّ رعة. وبعد الس َّاعةِّ 14:00 بدأَت مدفعي َّةُ الفرقةِّ الث َّامنةِّ للمُشاة الأفغاني َّة باستهدافِّ الحامية من مرابضَ في قرغة ومطار كابول، إلا أن َّهم لم يستخدمُوا أي َّ طائراتٍ حربي َّةٍ ضد َّنا نظراً لوجودِّ رش َّاشات 23 وصواريخَ ستينغر بحوزتِّنا إلا أن َّنا لم نكنْ نرغبُ في الت َّمَس ُّكِّ بالحامية، ولا البقاءَ تحتَ القصفِّ المدفعي، لذا غادرْنا وحملْنا ما قدرْنا على حمله. وبعدَها لم يَعُدِّ العدو ُّ إلى إنشاءِّ أي ِّ وحدةٍ عسكري َّةٍ في تلكَ الحامية. 97 هو سلاحٌ رشاش مضاد للطيران مدولب له سبطانتان ترمي كل ُّ واحدة منها بعيار 23 ملم. وهو المعروف باسم رشاش 23. وقد استخدمَ الس ُّوفييت هذا الس َّلاحَ في الت َّصدي لل كمائنِّ وتدميرِّ الأهداف الأرضية
عدد الصفحات ٢١٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 213 التَّّعليق لقد كانت فكرةُ القيامِّ بحصارٍ على حاميةٍ على بُعدِّ 15 كيلومتراً من كابول المحص َّنةِّ خياراً خَطِّراً للغاية، إلا أن َّ الحاميةَ انهارَت بمجر َّدِّ تخل ِّي قائدِّها عنها وهروبِّه مستخدماً الدب َّابة. يبدو أن َّ الط َّوقَ المفروضَ على الحاميةِّ لم يكن مُحكماً، وإلا لَمَا اخترقَ قائدُ الل ِّواء من خلالِّه هارباً. صحيحٌ أن َّ معنوياتِّ الجيشِّ الأفغاني لم تكن عاليةً قط ْ، إلا أن َّه في تلكَ الفترةِّ من الحربِّ كانت معنوي َّاتُهم في أحط ِّ مُستوياتها. فقد بدأَ الس ُّوفييت انسحابَهم على هذا الط َّريق نفسهِّ في تاريخ 15 من مايو، ولم ينف ِّذُوا إلا القليلَ من الأعمالِّ الهجومية. وقد شعرَ عنا صرُ الل ِّواءِّ الأفغاني ِّ باليأس مثلَ قائدِّهم لدى رؤيتِّهم لهروبه. وقد كانَ الس ُّوفييت بوضوحٍ يستعد ِّون للتخل ِّي عن القُو َّ اتِّ الأفغاني َّة. من الن َّاحية الأخرى، كانَ المجاهدونَ في نَشوةِّ الفرحِّ بالانسحاب الس ُّوفييتي ِّ الكاملِّ المُرتقب. إذ لم يكونُوا في الس َّ ابق يتوق َّعون الفوزَ في هذه الحرب، ول كن َّهم الآن أصبحُوا يشعرُون باقترابِّ النصر، فأصبَحت أعمالُهم أكثرَ جرأةً. إلا أن َّ الأقدارَ تغي َّرت، فبعدَ الانسحابِّ الس ُّوفييتي ِّ عم َّ الاقتتالُ وانتشرَ بينَ المجاهدين أنفسهم، مم َّا أتاحَ فرصةً للن ِّظامِّ الأفغاني وجيشِّ ه أن يستعيدَ قو َّ تَه ويستمر َّ في الحرب. كانَ عاملُ الخطورةِّ الث َّاني في هذا العمل، القيامَ بهجومٍ منس َّقٍ بين عد ِّة فصائلَ على أربعةِّ محاورَ من دونِّ وجودِّ ات ِّصالاتٍ. حيثُ كانَ منَ المُمكنِّ أن يتسب َّبَ بوقوعِّ نيرانٍ صديقةٍ بين المحاور. إلا أن َّ الجرأةَ والإقدامَ كانت هي الغالبة، فدم َّرَ المجاهدون قو َّةً أكبرَ منهم بسرعة. إن َّ إدخالَ صواريخِّ ال ستينغر الأمريكي َّة المحمولةِّ على ال كتفِّ المُضاد َّةِّ للطائرات سَب َّبَ تغي ُّراً في الت َّكتيكاتِّ الجوي َّة الس ُّوفييتي َّة. فالس ُّوفييت لم يكونُوا ليستطيعُوا تقديمَ أي ِّ إس نادٍ جوي ٍ قريبٍ لقو َّاتِّهِّم في حالِّ وجودِّ الستينغر. وبالإضافةِّ لذلك، فقد وَرَدت تقاريرٌ بأن َّ قصفَ المجاهدين بالص َّواريخ على مطارِّ كابول دَم َّرَ خمسَ طائراتٍ من طِّراز سيخوي – 25 وأصابَ ثلاثاً منها بأضرار، وقد كانت تمث ِّلُ هذه الط َّائرات الإسنادَ الجوي َّ ا لقريب. ومن الر َّاجحِّ بأن َّ توف ُّرَ قدراتٍ دفاعي َّةٍ ضد َّ الط َّ يران بحوزةِّ المجاهدين قد أخ َّرَ من رد ِّ العدو ِّ الس ُّوفييتي والأفغاني ِّ على نيرانِّ المِّدفعي َّة.
عدد الصفحات ٢١٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 214 التَّّعليق على الفصل عندما تقر ِّرُ العصاباتُ الاستيلاءَ على نقطةٍ حصينةٍ وإمساكَها، فإن َّ المهام ال متوج ِّبَة عليها حينئذٍ هي: 1. تشكيلُ سلسلةِّ إعادةِّ إمدادٍ لوجستيةٍ نظاميةٍ 2. وإدارةٌ مستمر َّةٌ للقوات التي تشغل الن ُّقطة 3. مع القدرةِّ على مقاومةِّ الغاراتِّ الجوي َّةِّ والمدفعي َّة ولا شيء من هذا يُعد ُّ سهلاً بالن ِّسبة للعصابات التي تعتمدُ على أفرادٍ يعملون بدوامٍ جزئي. علاوةً على ذلك، فإن َّ هذا الأمرَ يتطل َّبُ الالتزامَ والحضورَ الد َّائمَ لأسلحةِّ الط َّواقمِّ مع وجودِّ ذخيرةٍ كافيةٍ لهذه الأسلحة؛ وكل ُّ هذه عبارةٌ عن موادٍ يصعبُ حملُها أثناءَ الانسحابِّ الت َّقهقري. فالعصاباتُ في هذه الحالات، تقايضُ قابلي َّتها على الحركةِّ وسري َّتها مقابلَ القيامِّ بهجمةٍ تقليديةٍ منظ َّمةٍ. وفي كثيرٍ من الأحيان، فإن َّ العصاباتِّ تعجزُ عن القيامِّ بهذا الانتقال.
عدد الصفحات ٢١٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 215
عدد الصفحات ٢١٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 216 الفصل الخامس: حربُ الألغام حربُ الألغام هي الأسلوبُ المفض َّلُ للعصابات. وهي وسيلةٌ غيرُ مكلفةٍ نسبي َّ اً تُستخدَمُ في استهدافِّ الأفرادِّ والمَركبات. وقد كانت مُعظمُ ألغامِّ المجاهدين مضاد َّةً للد َّب َّابات والمَركبات. وعند استخدامِّ المجاهدين للألغامِّ المُضاد َّة للأف راد، كانوا يفض ِّلون أن يزرعُوا ألغاماً ذاتَ تأثيرٍ مُوج َّهٍ (على غرارِّ ألغام كلايمور الأمريكية). فيما كانت الألغامُ الس ُّوفييتي َّةُ في معظمِّها مضاد َّةً للأفراد. وطوالَ الحرب، تم إمدادُ المجاهدين بأنواعٍ كثيرةٍ من الألغامِّ المضاد َّةِّ للد َّبابات الأجنبية. وف ي ال كثيرِّ من الأحيان، عمدَ المجاهدون إلى تكديسِّ ثلاثةِّ ألغامٍ مضاد َّة للدبابات فوقَ بعضِّها البعض، حت َّى يضمُنوا تأثيراً مُدم ِّراً. وفض َّلَ المجاهدون صناعةَ ألغامٍ محل ِّيةٍ مضاد َّةٍ للدب َّابات بأنفسِّهم، ولاسيما أن َّ ال كثيرَ منهم مبدعون في ذلكَ بالفطرة، وقد نجحُوا فعلاً في صنعِّ مثلِّ هذه الألغام انطلاقاً من الذ َّخائرِّ غيرِّ المُنفجرة وانطلاقاً من أنواعٍ أخرى من الألغامِّ المُضاد َّةِّ للد َّب َّابات.
عدد الصفحات ٢١٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 217 المقالة الأولى: أساليب التَّّفجير لدى المجاهدين رواية القائد "الملا مالانغ" 98 يقومُ المجاهدون بنقلِّ القنابلِّ التيألقاها العدو ُّ ولم تنفجرْ (زنة 250-500 كغم) ليلاً عبرَ الجر َّارات الز َّراعي َّة إلى الط ُّرق، ثم َّ يتم دفنُها أسفلَ الجسور، أو في الأنفاقِّ الص َّغيرةِّ تحتَ الط ُّرق أو في القناطر. وكن َّا نتحك َّمُ بالقنابلِّ عن بُعد (لاسلي َّكاً)، وعادةً ما كن َّا نضعُ لها صواعقَ محل ِّي َّةَ الصنع، كما كانَ يتم ُّ الت َّحك ُّمُ بالت َّفجيرِّ على بعدِّ حوالي 500 متر منَ الط َّريق. وكن َّا نُفج ِّر أكثرَ من لغمٍ واحد تحتَ القافلة العابرة، وذلكَ بهدفِّ إلحاقِّ أكبرَ قدرٍ ممكنٍ من الأضرارِّ بعرباتِّ العدو ِّ. وكانت الد َّباباتُ وغيرُها من عرباتِّ الحراسةِّ المدر َّعة تمث ِّلُ الأهدافَ الر َّئيسي َّةَ لألغامِّنا التي نتحك َّمُ بها ع ن بُعد. في الحالاتِّ التي يتعذ َّرُ فيها الت َّفجيرُ عن بعدٍ، كانَ المجاهدونَ يَستخدمونَ أسلوباً آخرَ لتفجيرِّ الألغامِّ على العرباتِّ المدر َّعةِّ المُجنزرة على نَحوٍ انتقائي. فيمد ُّون سِّل كين مَعدنيين عبرَ الط َّريق المُعب َّدِّ، ويفصلونَ بينهُما بمسافةٍ معينةٍ، ثم يربطونَهُما ببطاري َّةٍ كهربائي َّة، فكانت الإطاراتُ المطاطي َّةُ للمركباتِّ المدني َّة والعسكري َّ ة تمر ُّ من فوقِّ الأسلاك بسلامٍ، بينما تُغلقُ المجنزراتُ المعدني َّةُ للد َّباباتِّ وعرباتِّ البي أم بي الد َّائرةَ ال كهربائي َّة لدى مرورِّها على الأسلاكِّ وتُحدِّثُ الانف جار. (انظر الرسمة) 98 الملا مالانغ أحدُ أبرزِّ قادة المجاهدين في منطقة قندهار، وكان ينتمي للحزبِّ الإسلامي ِّ الت َّابعِّ للمولوي يونس خالص.
عدد الصفحات ٢١٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 218 كان "عبد الولي" مجاهداً معروفاً من قندهار، وقد اشتهرَ بعقلي َّتِّه الابتكاري َّةِّ والإبداعي َّةِّ في صناعة القنابل. في إحدى العملي َّاتِّ عام 1986م، استخدمَ قنبلةً عائمةً على الماءِّ أسفلَ خور نوشي جان الذي يجري في ضواحي قندهار الغربي َّة من الش َّمال الشرقي َّ حت َّى الجنوبِّ الغربي. وقد استخدمَ هذه القنبلةَ لتفجيرِّ مركزٍ أمني ٍ في أحدِّ الفنادق. 99 حيثُ حَشَى قنبلةً زنتُها 250 كغم في الأنبوبِّ الد َّاخلي لإطارِّ شاحنةٍ تشبهُ الط َّو َّافة. ثم َّ قاسَ المسافةَ بينَ المركزَ الأمني َّ حت َّ ى نقطةِّ إلقاءِّ القنبلةِّ أعلى مجرى المِّياه. ثم َّ عل َّقَ القُنبلةَ بسلكٍ يبلُغُ طولُه المسافةَ بين نقطةِّ انطلاقِّ القنبلةِّ حتى المركزِّ الأمني ِّ نفسها. وبمجر َّدِّ شد ِّ الس ِّلك لأقصى حدٍ كانت القنبلةُ قد وصلَت أسفلَ المركزِّ في الجدولِّ فقامَ عبدُ الولي بتفجيرِّ القنبلة لا سلكي َّاً ودم َّرَ المركز. امتازَت مناطقُ العدو ِّ المحص َّنةِّ جي ِّداً بوجودِّ مجموعةٍ من حقولِّ الألغامِّ والعوائقِّ التي كانت تحميهم من إغاراتِّ المجاهدين. وفي هذه الحالات، استخدمَ المجاهدون الص َّواريخَ المزو َّدَة بآلي َّةِّ تأخيرٍ للإطلاق بغرضِّ قصفِّ مواقعِّ العدو. وقد كانت قاعدةُ قندهار الجوية -التي أصبحَت قاعدةً عسكري َّةً سوفييتي َّةً كبرى- إحدى الأهدافِّ الصعبةِّ لعملي َّاتِّ القصفِّ هذه. كان المجاهدون يستخدمُون هذا الأسلوبَ حت َّى يتمك َّنُوا من مغادرةِّ المنطقة قبلَ إطلاقِّ الص َّواريخِّ وقبلَ أن يبدأَ الس ُّوفييت بإطلاقِّ نيرانِّهم المُضاد َّة. وفي البداية، أُّتيحَت للمجاهدين فقط بعضُ الآلي َّات البدائي َّة والمحلي َّة الص ُّنعِّ لتأخيرِّ إطلاقِّ الص َّواريخ. ول كن في وقتٍ لاحقٍ من الحرب، حصلَ المجاهدون على آلي َّاتٍ مُصن َّعةٍ لا سل كي َّةٍ لإطلاقٍ الص َّواريخِّ عَن بعدٍ، إلا أن َّهم استمر ُّوا في استع مالِّ آلي َّاتِّ الت َّأخيرِّ البدائي َّة. كانت إحدى طرقِّ تصنيعِّ آلي َّات التأخيرِّ البدائي َّة هي استخدامُ حاويةِّ تسر ِّب المياه. وذلك بخرقِّ أسفلِّ خزانٍ معدنيٍ فارغٍ بسعة 3 غالونات100، ثم َّ يملؤونَها بالماء. ويربطونَ سلكَ الز ِّنادِّ بخشبةٍ طافيةٍ ويدخلونَ الس ِّلكَ من خلالِّ الحاوية، بينما تُربَطُ الن ِّهايةُ الأخرى للس ِّلكِّ ببطارية. وتكونُ هذه البطاري َّة من الض َّعف بحيثُ لا تستطيعُ إغلاقَ الد َّائرةِّ خلالَ المياه. ثم َّ تُربَط الحاوية بسلكٍ إلى 99 فندق غول سردار قرب ساربوزا. 100 المركز: بسعة 11 لتر تقريباً .
عدد الصفحات ٢١٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 219 الص َّاروخ. فعندما تَتَسر َّبُ المياه من الحاوية ينزلُ الس ِّلكُ الط َّافي إلى أن يصلَ قاعَ الحاوية. وبمجر َّدِّ حدوثِّ الات ِّصالِّ تُغلَقُ الد َّائرةُ وتنطلقُ الص َّواريخ (انظر الر َّسمة)
عدد الصفحات ٢١٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 220 المقالة الثانية: هجماتٌ باستخدام الألغام قرب "مهتار لام" رواية القائد "شير بادشاه" و"شيراغاه"101 بَعدَ معركةِّ تحريرِّ مركزِّ مديري َّة "عليشنغ"، جمعَ القائدُ بادشاه 30 مجاهداً وتحر َّكَ بهم نحوَ الجنوب إلى قريةِّ "مندرور". وتقعُ هذهِّ القريةُ على بعد 11 كيلومتراً جنوبَ "مهتار لام" عاصمةَ ولاية "لغمان"، وعلى بُعدِّ خمسِّ كيلومتراتٍ شمالَ طريقِّ كابول -جلال آباد. تلق َّينا معلوماتٍ عن تحر ُّك ِّرتلٍ مدر َّعٍ من جلال آباد إلى "مهتار لام" في نهايةِّ أغسطس/آب 1981م (خريطة 5-1-مهتار)، فقر َّرْنا الإيقاعَ به مُستخدمين الألغامَ وال كمائن. كن َّا نفض ِّلُ استخدامَ ألغامٍ شديدةِّ الانفجار، وكن َّا نأخذُ لغمين بلاستيكيين مِّصرِّي َّي ن، ونضعُهما في حاويةِّ زيتِّ طبخٍ كبيرةٍ. بالإضافةِّ إلى ذلك، كُن َّا نصنعُ قنابِّلَنا الخاص َّة من الذ َّخائرِّ الس ُّوفييتي َّة غيرِّ المنفجرة. وضعْنا قنبلةً تحتَ جسرٍ صغيرٍ وعل َّقنا عليها جهازَ تحك ُّمٍ عن بعد. ومددْنا سلكَ الت َّفجير ِّ 100 مترٍ نحوَ الجنوب حيثُ قُمْ نا بنصبِّ كمينٍ في البستان شرقَ الط َّريق الس َّريع. وكانَ لدينا قاذفا آر بي جي – 7، ورش َّاش بي كا، ورش َّاش بيرناو الخفيف. وكانت مجموعةُ الر ِّمايةِّ والت َّفجيرِّ مؤلفةً من ثلاثة مجاهدين. 101 القائد شير بادشاه وشيراغاه من ولاية لغمانMap sheet 3086 .]
عدد الصفحات ٢٢٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 221 شاهدْنا الر َّتل الس ُّوفييتي َّ وهو يقترب. وقد تقد َّمتهُ مجموعةٌ راجلةٌ من المهندسين الس ُّوفييت، يَمسحونَ الأرضَ أمامَه على نحوٍ دقيقٍ بكاشفِّ الألغام. وقد اكتشفُوا الل ُّغم تحتَ الجسرِّ لدى وصولِّهم إليه.
عدد الصفحات ٢٢١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 222 ول كن بدلَ أنْ يحاولُوا قطعَ أسلاك ِّالت َّفجير، تجم َّعَ الس ُّوفييت على القنبلةِّ وهم يتحد َّثونَ فيما بينهم، بينما كانَ المجاهدون الث َّلاثةُ "شيراغه" و"متين" و"شيراغه الث اني" يراقبونَهم عبرَ المنظار. ولدى مشاهدتِّنا للس ُّوفييت وهم يتجم َّعون على القنبلة علمنا بأن َّ الكمينَ قد انكشف، فقر َّرنا الت َّفجيرَ (على أي َّة حال). وبتفجيرِّنا القنبلة، قتلْنا عد َّةَ جنودٍ سوفييت، فبدأ الر َّ تلُ الس ُّوفييتي ُّ بإطلاق الن َّارِّ في جميعِّ الاتجاهات، حتى أن َّهم جرحُوا بعضَ القرويين. فغادَرْنا البستانَ مُنسحبين عبرَ سوق "مندرور" شمالاً. بعد ثلاثةِّ أي َّامٍ أو أربعةٍ، قر َّرنا إعادةَ ال كر َّةِّ عليهم بكمينٍ آخر، وهذه المر َّة بمجموعةٍ من 40 مجاهداً فانطلقْنا نحوَ قريةِّ "ماشاخيل"، ودفن َّا قُنبلتين بالط َّريق، ولم يكن لدينا أجهزةُ تحكمٍ عن بعد، فرك َّبْنا في القنابلِّ آلي َّاتِّ تفجيرٍ بالض َّغط، وقمْنا بتغطيةِّ هذه الألغامِّ برَوثِّ البقر، وكانَ "متين" رحمَهُ الل ه قد اعتادَ دائماً على تغطيةِّ الألغامِّ بهذه الط َّريق ة. ثم َّ نصبْنا الكمينَ بحيثُ يغط ِّي موقعَ الألغام. رصدْنا الر َّتلَ وهو يقتربُ ببطءٍ. وكانت تتقد َّمُ الر َّتلَ مجموعةٌ من الجنود، ومعهم كلابٌ ل كشفِّ الألغام. انطلَقت هذه الكلابُ شاردةً، فاكتَشَفَت قنابلُنا بسرعةٍ، ثم أشارَت إليها. اقتربَ شيراغه وشاوالي إلى الأمامِّ عندما رأيَا الكلاب، وظَل َّا يرقبانِّ الكلابَ وهي واقفةٌ إلى جنبِّ الألغام. ونزلَ جُندي َّان من ناقلةِّ الجنودِّ المدر َّعة وهما يَحملانِّ مجس َّاتٍ طويلةً ل كشفِّ للألغام. ثم َّ بدآ بمسحِّ أكوامِّ الر َّوث في الط َّريق إلى أن وجدَا الل ُّغمَ في ال كومةِّ الث َّالثة. فت جم َّعَ أربعةٌ من الُس وفييت، أحدُهم ضابطٌ، لمشاهدةِّ الل ُّغم. فقامَ "شيراغه" و"اوالي" بفتحِّ الن ِّيرانِّ على الجنودِّ وقتلِّهِّم، بينما انسحبَ باقي الس ُّوفييت خارجَ منطقةِّ القتل. بدأ الس ُّوفييت بالر َّد ناري َّاً. فأمرَ القائدُ "بادشاه" أربعةَ مجاهدين بالت َّحر ُّكِّ شمالاً نحوَ تل َّةِّ "تاراخيل" لتوفيرِّ غطاءٍ ناري ٍ للمجموعةِّ المُنسحبة. وفي محاولةٍ لإرباكِّ العدو ِّ وخداعِّه صاح "بادشاه" بمكب ِّرِّ الص َّوتِّ قائلاً: "ابقوا في مواقعِّكم، فالت َّعزيزات قد أتَت للتو." ثم أتَى رتلٌ أفغاني ٌّ من "مهتار لام"، فات َّخذَ مَوقعاً دفاعي َّ اً، وبدأَ بإطلاقِّ الن ِّيرانِّ علينا. كما قامَت دباباتٌ بالمناورةِّ علينا على سهلِّ مهتار لام غربَ الط َّريق، فانسحبْنا بحلولِّ ظلامِّ الل َّيل. ثم َّ علمْنا بمقتلِّ أربعةِّ جنودٍ من الس ُّوفييت، وعلى الأغلبِّ أرديْنا 18 جندياً أفغاني َّاً وسوفييتي َّاً بين قتيلٍ وجريحٍ . ودم َّرنا دبابةً واحدةً وشاحنتين.
عدد الصفحات ٢٢٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 223 التعليق على الفصل إن تفضيلَ المجاهدين للألغامِّ المحل َّية الص ُّنع المُعب َّأةِّ في علبٍ معدنيةٍ جعلَ من الس َّهلِّ على أجهزةِّ كشفِّ الألغامِّ الس ُّوفييتي َّةِّ العثورِّ عليها. من جهةٍ أخرى، دفعَ الش ُّعور الفضولي القُو َّاتِّ الس ُّوف ييتي َّة إلى الت ُّجم ُّعِّ حولَ الألغامِّ المُكتشفةِّ حديثاً، إلا أن َّ مثلَ هذه الت َّصرفات لا تنحصرُ فيهم (فهي شائعةٌ في الجيوشِّ دائماً)، فقامَ الس ُّوفييت بعدَها بتدريبِّ مهندسيهم على عدمِّ الت َّجَم ُّعِّ حولَ الألغام. كما اعتادَ المجاهدون على مزجِّ عملي َّاتِّ الت َّف جير والت َّلغيم مع أشكالٍ أخرى من الأعمالِّ الهجومي َّة والد ِّفاعي َّة. فكانوا يُغَط ُّون مواقعَ ألغامِّهِّم بِّنطاقاتٍ مباشرةٍ للأسلحةِّ الن َّاري َّة. ونادراً ما كانَ يتركُ المجاهدون ألغامَهَم دونَ مراقبةٍ، لاسيما إذا كانُوا بعيدين عن الحدودِّ الباكستاني َّة التي كان ت توف ِّرُ لهم الإمدادَ الس َّريعَ بالألغام. حت َّى أن َّهُم في كثيرٍ من الأحيان كانُوا بعدَ ال كمائنِّ والقتالِّ يقومُون باستخراجِّ ألغامِّهم التي لم تنفجرْ وينقلونَها بعيداً ليوف ِّروهَا لعملٍ آخر.
عدد الصفحات ٢٢٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 224 الفصل السادس: قطعُ خطوطِ اتِّصالِ (إمداد) الأعداء كادَتْ أن تكونَ الحربُ في أفغانستان مُنحصرة في: "محاولةِ كُلِّ طرفٍ السَّّيطرةَ على لوجستيَّّاتِ (خطوط إمداد) الطَّّرف الآخر". حيثُ كانَ الس ُّوفييت يقومُون بتنفيذِّ عملي َّاتِّ القصفِّ الجوي ِّ والألغامِّ القابلةِّ للن َّثرِّ وحرقِّ المحاصيل الز َّراعي َّة واقتحامِّ القُرى الريفي َّة لدفعِّ سكانِّ الر َّيفِّ نحوَ الن ُّزوحِّ للمنفى أو المدن. وقد كانَ غرضُهم من ذلك: "تجفيفَ منابعِ إمدادِ الثُّّوارِ من حيثُ الطَّّعامُ والمأوى، وحرمانَهم من الرَّّاحة". كانت خطوطُ الات ِّصالِّ (الإمداد) الس ُّوفيتي َّة ( LOC) متمث ِّلةً في شبكةِّ الط ُّرُقِّ الس ريعةِّ المزدوجةِّ التي لا تحوي منص ِّفات، والتي تخ ترقُ جبالَ الهندو كوش التي تعد ُّ من أشد ِّ الت َّضاريس وعورةً في العالم. وكانَ المجاهدون يَقطعون هذه الط ُّرُقَ باستمرار، ويكمنونَ لقوافلِّ الإمدادِّ المار َّة عليها والتي كانت تحملُ المواد َّ اللوجستي َّة القَادمةَ من الات ِّحادِّ الس ُّوفييتي. وقد اعتمدَ بقاءُ الجيشَ الس ُّوفييتي ِّ في أفغانستان على قدرتِّه في إبقاءِّ هذه الط ُّرُقِّ مفتوحة. وكانت معظمُ معاركِّ الس ُّوفييت في أفغانستان
عدد الصفحات ٢٢٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 225 مُوج َّهةً للسيطرةِّ على شبكةِّ الط ُّرُقِّ هذه، حيثُ تطل َّب منهم تأمينُ خطوطِّ الإمدادِّ الش َّرقي ة: 26 كتيبةً، تشغلُ199 مركزاً ثا بتاً أو تقومُ بدوري َّاتِّ تَفق ُّدٍ أو تعملُ على مرافقةِّ القوافلِّ من أجلِّ حمايتِّها. بينما تطل َّبت طرقُ الإمدادِّ الغربي َّة التي تمر ُّ بتضاريسَ أقل َّ وعورةٍ ثلاثَ كتائبَ فقط. وقد تم َّ تكليفُ أكثرَ من ثلاثةِّ أرباعِّ القُو َّاتِّ ال قتالي َّةِّ الس ُّوفييتي َّةِّ على نحوٍ منتظمٍ في مهم َّاتِّ الت َّأمين هذه. كما أُّشغِّلَت القُو َّاتِّ الأفغاني َّة أيضاً في مهامِّ تأمينِّ طُرُقِّ الإمدادِّ وتأمينِّ المناطق. لقد استطاعَت المقاومةُ الأفغاني َّةُ تدميرَ أكثرَ من 11 ألف شاحنةٍ سُوفييتي َّةٍ للإمداد، كما وردَت تقاريرٌ تفيدُ بأن َّ خسائرَ الن ِّظامِّ الأفغاني ِّ من الش َّاحنات كانت أعلى. ومث َّلت قدرةَ المجاهدين على اعتراضِّ طرقِّ الإمدادِّ هاجساً مستمر ِّاً للس ُّوفييت، كما مَنَعَتهم من إدامةِّ قو َّةِّ احتلالٍ أكبرَ في أفغانستان.
عدد الصفحات ٢٢٥