17 ______________________________________________ مكتبة التنوير ________________________________________________ ونشهدُ في وقتنا الحاضر نتائج إيجابية جداً لعمل الباح ثين والناشطين النسويين في اليسار، يأتيفي بمقدمتها وصولهم إلى غالبية الناس وإقناعهم أن البنية التنظيمية مسألة سياسية، بل مسألة “جندرية” على وجه التحديد، بمعنى آخر، إن التمييز الجنس ي داخل أي منظمة قد لا يكون مادة منصوص عليها في لائحة مهماها، ولكنه موجود ضمن سياق النهج التنظيمي المتَّبع داخلها . وهناك أساليب عدة متَّبَعَة من قبل القيادات التنظيمية : مثل تضخيم كفاءة وقدرة الرجل مقابل المرأة، وتجاهل وحجب القيادات النسائية، وقد تشكِّل المرأة عصب المؤسسة ولكن دون أي اعتراف لها بذلك . ( وقد تناولت كارن ساش Karen Sach هذا الجانب بشكل رائع ). ويقودنا ذلك للإشادة بتجربة النسوية الراديكالية، والنسوية المثلية، حيث ثابرت تلك النسوة على التوسع وتطوير نماذج مختلفة من التنظيمات، كما تكتّلت ضمن مجموعات صغيرة متجانسة لها مطالب أساسية متفق عليها بلا مركزية أو بنية هرمية . ونرى اليوم أن الحركة المناهضة للرأسمالية العالمية اكتسبت الش يء الكثير من اللاّمركزية، وكانت جهود المجموعات الصغيرة ونجاحها في عرقلة وإغلاق بعض المدن أثناء اجتماعات “صندوق النقد الدولي” و ”البنك الدولي” نتيجة مباشرة لما اكتسبوه من تجارب النسويين. إنّ اللامر كزية ضمان مبهر لاستدامة أي مشروع؛ إذ لا يوجد “رأس” ليُقطع، ولا “جسد” يأمرُ بقطع ذلك الرأس . كما يعتبر النضال عن طريق اللّعب على أوتار متعددة وفق أساليب متفاوتة وبؤر وأولويات سياسية مختلفة، مؤشر قوةٍ لا ضعف . ولكي ندرك ذلك ينبغي علينا مهاجمة تعديّ الذكورية التقليدية على التنافس على القيادة، وينبغي علينا أيضاً أن نتناول ذلك كما يجب ووفقًا لما هو عليه حقيقة . كما ركّز النسويين على الممارسات الواقعية والحياة الشخصية حيث تتجلى مظاهر التمييز الجنس ي التي تستبعد المرأة من المشاركة الفعالة نتيجة تضاعف المسؤوليات والأعباء وعدم التكافؤ داخل المنزل . ولكن www.facebook.com/tanweerlibrary https://attanweerlibrary.blogspot.com/https://attanweerlibrary.blogspot.com/
عدد الصفحات ١٨18 ______________________________________________ مكتبة التنوير ________________________________________________ بطبيعة الحال، أصبح هذا النقد السياس ي للحيز الشخص ي محصورً جداً في بعض الأحيان، ضمن نموذجٍ واحدٍ مناسب تنتهجه الأُسر ويتبناه الناس في سلوكهم، ومظهرهم، وحتى في حديثهم، ومن هنا اسْتُحدث مفهوم الصواب السياس ي ليكون بمثابة نقدٍ ذاتيٍ داخلي ضمن اليسار، قبل أن يتم تشويهه من قِبل اليمين. وكان مفهومُ ’الشخص يُّ هو السياس يّ ‘ the personal is the political من ستينات القرن الماض ي يشير ضمناً إلى النظرية القائلة بأن ما تعاني المرأة منه على الصعيد الشخص ي أو على صعيد علاقتها مع الرجل، هو بالأصل مشكلة سياسية، بمعنى أنه ناتجٌ عن القمع الممنهج وليس نتيجةً أخطاءٍ ارتكبتها المرأة، ولهذا المفهوم دورٌ جوهري في الإشارة إلى أنّ الرجال الذين يدافعون عن العدالة الاجتماعية ولم يشاركوا قط في المهام المنزلية من طبخ وتنظيف، هم في واقع الأمر مفلسين س ياسياً، وأنّ نظريتنا لن تثبت نفسها على الاطلاق دون أن تتخطى نطاقها النظري وتنتقل إلى نطاق الممارسة. ومن هنا أُثَمِّن الجهود التي قامت بها النسوية الراديكالية في سبيل فرض الإصلاحات التنظيمية والتحليل السياس ي للنطاق الشخص ي والتأثير المعتبر المترتب على ت لك الجهود، والذي لم يقدَّر حق تقديره . ونجد اليوم أنّ الفصائل ذات المصالح المتوافقة داخل الحركات المناهضة للحروب أصبحت هي القاعدة، إلى جانب حثّ العمل على الآليات وتجاوز التركيز على النتائج فقط . كما أدركت حركة المجموعات اليمينية مزايا الفصائل المتعددة، و اللاّمركزية الراديكالية، ويعبّر هذا إلى حدٍ ما عن الأناركية التقليدية على نهج “النارودنك” في روسيا، أو ”باكونين” في فرنسا؛ حيث تبنَّت الجماعات النسوية هذا النهج وتوسعت فيه في الماض ي القريب أكثر من غيرها واستخدمته على نحوٍ فعال . ودعيني أذكر هنا Lesbian Avengers” وGuerilla Girls” فكلتا المجموعتين، على سبيل المثال، تجنبت فكرة أن يكون لها أيّة رموز أو زعامات، أو شخصيات قيادية، وحافظت بذلك على إغفال هويتها؛ وغيرها العديد والعديد من المجموعات الصغيرة والمحلية التي اعتمدت الديمقراطية في منهجية عملها. www.facebook.com/tanweerlibrary https://attanweerlibrary.blogspot.com/https://attanweerlibrary.blogspot.com/
عدد الصفحات ١٩19 ______________________________________________ مكتبة التنوير ________________________________________________ وأود أن اُشير هنا إلى أنّ جميع الدروس التي اكتسبها اليسار من المجموعات النسوية ضرورية في حال أراد تجاوز التمييز الجنس ي ضمن دائرته . وأعتقد أنّ الإسهامات النظرية لعلماء الاجتماع والباحثين الاجتماعيين من النسويين فيما يخصّ النزعة الاختزالية الطبقية، مهمة جدًا وبا تت مؤثرة، حيث يتبين لنا من خلال أعمالهم أنه على الرغم من استفادة الرأسمالية من ظلم المرأة بالتأكيد، إلا أن ذلك لا يبيحُ لنا ربطه بشكل كامل بالقوى الاقتصادية الرأسمالية كما لو كان نموذجاً مثالياً بل ينبغي إيضاحه بالإشارة إلى مرحلة ما قبل الرأسمالية والتقسيم المرتكز على الجنس في سوق العمل الخاص بتلك المرحلة. ويبدو الأمر ملتبسًا؛ فما يُعرف بالدخل الأسري، وفجوة الأجور بين الجنسين على سبيل المثال (والذي تتقاض ى فيه النساء العاملات أجراً أقل من الرجال على افتراض أن أجور النساء لا تستخدم لإعالة الأسرة ) يعتبر من مقتضيات الرأسمالية . بينما نجد أن النساء العاملات في مناطق المشاريع الحرة [free enterprise zones] مثل“ماكيلادوراس” لهن الأسبقية بالتوظيف، ويتقاضين أجوراً تفوق أجور الرجال؛ على اعتبار أن النساء العاملات مرنات، ويخضعن لظروف العمل السيئة، ويسهل استضعافهن نظ راً لالتزاماتهن العائلية، وهلم جرا . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرأسماليين لا يسعون إلى التغلب على التمييز الجنس ي، بل يستخدمونه مجدداً لأغراضهم الخاصة . وآملُ أن يقرأ الاختزاليون class reductionists هذه النماذج كما ينبغي، أو أن يقترحوا سبلاً لمواجهتها، وبا لتالي نحن بحاجة إلى دراسةٍ نتناول من خلالها التمييز الجنس ي والعنصرية والكولونيالية بقدر من الاهتمام الذي نتناول به الطبقات في طريقنا لمحاولة فهم النماذج الحالية للاضطهاد الاقتصادي. وأرى كذلك أن صعود السلطة الإيديولوجية للأسرة النووية والأبوية لا يمكن تناوله أو تفسيره من خلال أداء السلطة للرأسمالية وحسب، فالرأسمالية جزءٌ من منظومة مناخاتٍ تاريخيةٍ وثقافية معينة، www.facebook.com/tanweerlibrary https://attanweerlibrary.blogspot.com/https://attanweerlibrary.blogspot.com/
عدد الصفحات ٢٠21 ______________________________________________ مكتبة التنوير ________________________________________________ ولا نستطيع تجاهل حقيقة أن رجال الطبقة العاملة مستفيدون، وبالتالي فإن مناهضتهم أو معارضتهم للتمييز الجنس ي لن يتناغم مع وضعهم الطبقي كما ينبغي . و بناء على ذلك نجد أن العديد من النسويين على الصعيد الأكاديمي عملوا على استقراء التاريخ والثقافة من أجل سبر جذور التمييز الجنس ي. وكثيرًا ما تساءل بعض رجال اليسار ”أين الطبقة؟“، وغالباً ما يشير هذا التساؤل إلى اختزالية ضمنية وعجزٍ عن الوصول إلى ماهية الطبقة في الحالات الأكثر تعقيداً . وإضافة إلى تلك الكوكبة التي أشرنا إليها، هناك مشكلة رئيسية أخرى بين النسوية واليسار تتعلق بتحديد المطالب النسوية، حيث لا تخلو المنظمات النسوية، في الكثير منها، من السياسات الطبقية، مما يؤكد حاجتنا إلى تشريحٍ طبقي نستوضح من خلال ه كيف تصل مختلف الجماعات النسوية إلى أولوياتها وبرامجها . ففي فترة الستينيات تلخصت مطالب غالبية الجماعات النسوية بإنهاء الاحتكار على مستوى الوظائف والقضاء على التمييز الجنس ي في الوظائف والترقيات والأجور، وتقليص المهام المسندة للمرأة داخل المنزل وخارجه، إضافة إلى تشريع الاجهاض، ومضاعفة برامج المساندة الاجتماعية لتنشئة الأطفال، والرعاية النهارية، والحدّ من التمييز ضد المثليّات في ميادين العمل والشارع . وتحققت معظم هذه المطالب لنساء الطبقة العليا والطبقة الوسطى، وتمكنَّ من الالتحاق بالمهن المهمة كالقانون والطب بأعداد كبيرة، إلى جانب تعهد الحكومة بمساواة الأجور بين الجنسين عند شغل الوظيفة ذاتها. وأصبح الإجهاض حقاً شرعياً للنساء ما دُمن يملكن تكلفته، وأضحى كذلك تقليص المهام داخل المنزل وخارجه متوفراً للنساء العاملات من الطبقة العليا والوسطى من خلال توفير المال ال كافي لتغطية تكاليف مراكز الرعاية النهارية الباهظة، واستقدام الجليسات من السويد والسلفادور، وتشغيل نساء الطبقة العاملة لسد حاجتهن ــ أي نساء الطبقة العليا والوسطى ــ ومساعدتهن بالأعمال المنزلية الروتينية مقابل أجور بخسة. www.facebook.com/tanweerlibrary https://attanweerlibrary.blogspot.com/https://attanweerlibrary.blogspot.com/
عدد الصفحات ٢١21 ______________________________________________ مكتبة التنوير ________________________________________________ وتعود نوعية المطالب، وإمكانية ال حصول عليها، وانحصار منفعتها بالطبقات العليا، إلى ظروف سوق العمل، وعدم كفاءة الفقراء ..إلخ، وقد تكرر هذا المشهد في الستينيات مع مطالب أخرى تتعلق بالبيئة ورفاهية الحياة حيث لامجال لتحقيقها مالم يكن الفرد ثرياً بما فيه الكفاية ليتمكن من تحمل تكاليف المياه النظيفة، والمرشحات الهوائية، والدجاج العضوي، وليتمكن من السفر إلى المناطق الخلاّبة، وتحمل تكاليف دراسة أطفاله للفنون . ولكن هذه ليست نسوية، ولا يمكن تسميتها بذلك .وكما قالت “بيل هوكس ”: “إذا كانت النسوية لجميع النساء بلا استثناء، فيجب أن تكون ثورية، ويسارية”.. ويبدوا هذا الدرس أشبه بمعركة مريرةٍ في وجه الشابات اللواتي يتطلعن اليوم بجدية إلى مستقبل نسوي، ويبدو أن مناهضة الأوليغارشية العالمية أمرٌ غير منطقي وخيالي للكثير منهن . وهذا يدفع الشابات إلى تبني النموذج النسوي المنطوي على التقسيمات الطبقية الاجتماعية و الذي ترتبط فيه المطالب والتطلعات ارتباطاً وثيقاً بالطبقة مادام يوحد صفوف النساء على جميع الأصعدة . وما دامَ اليسار يرزح تحت وطأة التمييز الجنس ي لن تسترعي المنظمات والحركات اليسارية اهتمام الشابات بل سيعزز الثقافة القدرية حيال فكرة التغيير الاجتماعي. وعلينا مقاومة هذه القدرية. لورا: يبدو لي أنّكِ متفائلة بعض الش يء بقدرة النسويات على تقوية نمط العلاقة ومدّ الجسور بين ضفتي “النسوية” و ”اليسار” مقارنة مع البعض منا كنسويات يساريات؛ أودّ أن أعلم كيف توصّلتِ لذلك؟ ليندا: مبدئياَ دعيني أوضِّح أنّ كوني متفا ئلة للغاية بالحركة العمالية في البلاد لا يعني أنني قدريّة لهذه الدرجة. www.facebook.com/tanweerlibrary https://attanweerlibrary.blogspot.com/https://attanweerlibrary.blogspot.com/
عدد الصفحات ٢٢22 ______________________________________________ مكتبة التنوير ________________________________________________ إنّ اتحاد العمال الأمريكي، ومجلس المنظمات الصناعية AFL-CIO أدرك ما يجب استيعابه عن العنصرية والتمييز الجنس ي، وعرفَ أن القوى العمّالية مختلطة ومتعددة، وأن الحركة النقابية إما أن تتهيأ لمواجهة تلك الحقيقة، أو تنهار . وأصبح العديد من النشطاء داخل الحركة العمالية اليوم مدركين لذلك، وقاموا بتأسيس ورشات عمل لمناهضة التمييز الجنس ي والعنصرية ورهاب المثلية داخل منظمات التدريب؛ وفرضوا التمييز الإيجابي الذي يمنح الأفضلية عند التوظيف للنساء والس ود، وطبّقوا نظام الحصص [كوتا]لضمان التمثيل العرقي والجنس ي في المؤتمرات والمجالس الوطنية . واجتهدوا لإنشاء النقابات داخل القطاعات التي تشغلها النساء عادةً إضافة إلى السود والملونين ــ الأقليات ــ من القوى العاملة. وبرغم امتيازات النقابات العمالية على صعيد النفوذ، والتنظيم، والموارد، وكذلك القدرة على الوصول للملايين من الطبقات العمالية، لايزال النضال المناهض للتمييز الجنس ي والعنصرية يواجه نزالاً شرساً، وتغالب المكاسب فيه الخسائر، فالمشهد ليس وردياً في أغلب السياقات، ولكن الحركة النقابية بشكلها التقليدي الذي يلبي احتياجات الطبقات العليا فقط من العمال، والذي كان حكرًا على الرجال البيض، في طريقها لتصبح من مخلَّفات الماض ي . ولو أمعنا النظر سنجد أن النقابات لا تمثل الحل الشافي والترياق العجيب، كما أنها لا تطرح أجندة اشتراكية، لكنها تعمل بالشكل الذي يخدم متطل بات المرحلة، وتشكِّل في رأيي ذريعةً ومصدراً لا ينضب لتطبيق الديمقراطية التي تخلق بدورها سلطة إضافية وضمانة كافية لمستوى معيش ي لائق يسمح بفضله الشعوب بالتركيز على جودة الحياة بدلاً من الصراع للبقاء على قيد الحياة . وحسبما أعتقد أننا ــ نحن مفكرو أو مثقفو اليسار النسوي ــ ننتمي غالباً إلى الطبقة الوسطى، وليس بمقدورنا أن نتزعم النزال القائم لتحقيق الوعد بالعدالة الاجتماعية نيابةً عن الدولة .في حين أنهم www.facebook.com/tanweerlibrary https://attanweerlibrary.blogspot.com/https://attanweerlibrary.blogspot.com/
عدد الصفحات ٢٣23 ______________________________________________ مكتبة التنوير ________________________________________________ وحدهم أولئك الذين نشأوا في زمن النضال والصراعات الداخلية (حملة عمال النظافة [JfJ]، وحملة [العاملين بالتمري ض المنزلي ]المكونة في أغلبها من الأيدي العاملة من النساء السود، وغيرها من الحملات المحلية الهامّة ) باستطاعتهم تحقيق الوسيلة الكفيلة بحسم هذه الصراعات، وتحقيق العدالة . ويعدّ انبثاق الحركات المناهضة للحروب والرأسمالية ضمن بنية تنظيمية تحكم تلك الحركات ال تي لم تكن حاضرة في المسار الحركي على أيامنا، من الأمور المبشِّرة والواعِدة بالنسبة لي، إلى جانب الارتقاء بمستوى الوعي لذيول ومشاكل الطائفية، وقنوات التواصل المفتوحة والأجندات المشتركة بين الجماعات داخل الولايات المتحدة وخارجها .إضافة إلى استلام العديد من النساء مناصب قيادية. وبالتالي، المرحلة بالنتيجة هي مرحلة مبادرةٍ وعمل، ولا مجال فيها للقدرية . المصدر: (حكمة) www.facebook.com/tanweerlibrary https://attanweerlibrary.blogspot.com/https://attanweerlibrary.blogspot.com/
عدد الصفحات ٢٤