{ مُقَد ِمة إنه الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضله له ، ومن يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنه محمهداً عبده ورسوله. {قُوا اللَّهَ حَقه ت ُقَاتِهِ وَلاَ تََُوتُنه إِلاه وَأَن ْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران: 102. ] { النهاسُ ات هقُوا رَبهكُمُ الهذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ن َفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِن ْهَا زَوْجَهَا وَبَثه مِن ْهُمَا رِجَالاً كَ ثِيرًا وَنِسَاءً وَات هقُوا اللَّهَ الهذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنه اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[ 1 ]. {نُوبَكُمْ وَمَنْ يُِِْْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ف َقَدْ فَازَ ف َوْزًا عَظِيمًا70 71. ] يَ رب ِ! لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ، وعظيم سلِانك. لك الحمد حتى ترضى ، ولك الحمد إذا رضيت ، ولك الحمد بعد الر ِضا. أمها بعد: إنه دراسة الهدي النبوي لها أه ِيهتها لكل ِ مسلمٍ ، فهي تحق ِق عدهة أهدافٍ؛ من أه ِها: الاقتداء برسول الله (ص) من خلال معرفة شخصيهته (ص) ، وأعماله ، وأقواله ، وتقريراته ، وتكسب المسلم محبهة الرهسول (ص) ، وتُنم ِيها ، وتُباركها ، وتعرفه بحياة الصهحابة الكرام ، الذين جاهدوا مْ رسول الله (ص) ، فتدعوه تلك الد ِراسة لمحبهتهم ، والسهير على نهجهم ، واتباع سبيلهم ، كما أنه الس ِيرة النهبويهة توضح للمسلم حياة الرسول (ص) بدقائقها ، وتفاصيلها منذ ولادته؛ وحتى موته ، مروراً بِفولته ، وشبابه ، ودعوته ، وجهاده ، وصبره ، وانتصاره على عدو ِه ، وتُظهِر بوضوحٍ: أنهه كان زَوْجاً ، وأباً ، وقائداً ، ومحارباً ، وحاكماً ، وسياسي اً ، ومُرَب ِياً ، وداعيةً ، وزاهداً ، وقاضياً ، وعلى هذا فكلُّ مسلم يجد بُغيته فيها1.]) فالدهاعية يجد له في سيرة رسول الله (ص) أساليب الدهعوة ، ومراحلها المتسلسلة ، ويتعرهف على الوسائل المناسبة لكل ِ مرحلةٍ من مراحلها ، فيستفيد منها في اتصاله بالنهاس ، ودعوتهم للإسلام ، ويستشعر
عدد الصفحات ٢الجهد العظيم الهذي بذله رسول الله (ص) من أجل إعلاء كلمة الله ، وكيفية التهصرُّف أمام العوائق ، والعقبات ، والصعوبات ، وما هو الموقف الصهحيح أمام الشهدائد ، والفتن. ويجد المربّ ِ في سيرته (ص) دروساً نبويه ةً في التَّهبية ، والتأثير على النهاس بشكلٍ عام ٍ ، و على أصحابه الهذين رباههم على يده ، وكلأهم بعنايته ، فأخرج منهم جيلاً قرانياً فريداً ، وكوهن منهم أمهةً هي خير أمةٍ أخرجت للنهاس؛ تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتؤمن بالله ، وأقام بهم دولةً نشرت العدل في مشارق الأرض ومغاربها. ويجد القائد المحارب في سيرته (ص) نظاماً محكماً ، ومنهجاً دقيقاً في فنون قيادة الجيوش ، والقبائل ، والشعوب ، والأمهة ، فيجد نماذج في التخِيط واضحةً ، ودقهة في التنفيذ بي ِنةً ، وحرصاً على تجسيد مبادىء العدل ، وإقامة قواعد الشُّورى بين الجند والأمراء ، والرهاعي والرهعيهة. ويتعلهم منها الس ِياسيُّ كيف كان (ص) يتعامل مْ أشد ِ خصومه السياسيين المنحرفين ، كرئيس المنافقين عبد الله بن أبّ ِ بن سلول ، الذي أظهر الإسلام ، وأبِن الكفر ، والبغض لرسول الله (ص) ، وكيف كان يحيك المؤامرات ، وينشر الإشاعات التي تسيء إلى رسول الله (ص) ؛ لإض عافه ، وتنفير النهاس منه ، وكيف عامله رسول الله (ص) ، وصبر عليه ، وعلى حقده ، حتىه ظهرت حقيقته للناس؛ فنبذوه جميعاً ، حتى أقرب الناس إليه ، وكرهوه ، والتفُّوا حول قيادة النب ِ (ص) . ويجد العلماء فيها ما يعينهم على فهم كتاب الله تعالى؛ لأنهها هي المفس ِ رة للقران الكريم في الجانب العملي ، ففيها أسباب النزول ، وتفسيرٌ لكثير من الايَت ، فتعينهم على فهمها ، والاستنباط منها ، ومعايشة أحداثها ، فيستخرجون أحكامها الشهرعيهة ، وأصول الس ِياسة الشهرعيهة ، ويحصلون منها على المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختل فة ، وبها يدركون الناسخ ، والمنسوخ ، وغير ذلك من العلوم ، وبذلك يتذوهقون روح الإسلام ، ومقاصده السامية. ويجد فيها الزُّهاد معاني الزُّهد ، وحقيقته ، ومقصده ، ويستقي منها التُّجار مقاصد التجارة ، وأنظمتها ، وطرقها ، ويتعلهم منها المبتلوْن أسمى درجات الصه بر والثهبات ، فتقوى عزائمهم على السير في طريق دعوة الإسلام ، وتعظم ثقتهم بالله عزه وجل ويوقنون بأنه العاقبة لِلمتهق2.]) وتتعلهم منها الأمهة الاداب الرهفيعة ، والأخلاق الحميدة ، والعقائد السهليمة ، والعبادة الصحيحة ، وسموه الرُّوح ، وطهارة القلب ، وحبه الجهاد في سبيل الله ، وطلب الشهاد في سبيله ، ولهذا قال عليُّ بن
عدد الصفحات ٣الحسن«كنا ن ُعَلهم مغازي النب (ص) كما ن ُعَلهم السُّورة من القران»، وقال الواقديُّ: سمعت محمهد بن عبد الله يقول: سمعت عم ِي الزُّهريه يقول: «في علم المغازي علم الاخرة والدنيا» وقال إسماعيل بن محمهد بن سعد بن أبّ وقاص«كان أبّ يعل ِمنا مغازي رسول الله (ص) ، يعدُّها علينا ، ويقول: هذه ماثر ابائكم ، فلا تضي ِعوا ذكرها[»3.]) إنه دراسة الهدي النبوي ِ في تربية الأمهة وإقامة الدهولة ، يساعد العلماء والقادة والفقهاء والحكام على معرفة الِريق إلى عز ِ الإسلام والمسلمين ، من خلال معرفة عوامل النهوض ، وأسباب السُّقوط ، ويتعرهفون على فقه النهب ِ (ص) في تربية الأفراد ، وبناء الجماعة المسلمة ، وإحياء المجتمْ ، وإقامة الدهولة ، فيرى المسلم حركة النهب ِ (ص) في الدهعوة ، والمرا حل الهتي مره بها ، وقدرته على مواجهة أساليب المشركين في محاربة الدهعوة ، وتخِيِه الدهقيق في الهجرة إلى الحبشة ، ومحاولته إقناع أهل الِائف بالدهعوة ، وعرضه لها على القبائل في المواسم ، وتدرجه في دعوة الأنصار ، ثمه هجرته المباركة إلى المدينة. إنه من تأ مهل حادثة الهجرة ، ورأى دقهة التهخِيط ، ودقهة التنفيذ ، من ابتدائها إلى انتهائها ، ومن مقد ِماتها إلى ما جرى بعدها ، يدرك أنه التخِيط المسدهد بالوحي في حياة الرهسول (ص) قائمٌ ، وأن التخِيط جزء من السُّنهة ، وهو جزءٌ من التهكليف الإلهي ِ في كل ِ م ا طولب به المُسْلمُ. إنه المسلم يتعلهم من المنهاج النبوي ِ كله فنون إدارة الص ِراع ، والبراعة في إدارة كل مرحلة ، وفي الانتقال من مستوى إلى اخر ، وكيف واجه القوى المضادهة من اليهود ، والمنافقين ، والكفار ، والنهصارى ، وكيف تغلهب عليها كلها بسبب توفيق الله تعالى ، والالتزام بشروط النهصر ، وأسبابه ، الهتي أرشد إليها المولى عزه وجله في كتابه الكريم. إنه قناعتي راسخةٌ في أن التمكين لهذه الأمهة ، وإعادة مجدها ، وعزهتها ، وتحكيم شرع ربه ِا منوطٌ بمتابعة الهدي النهبوي ِ. قال تعا وَأَطِيعُوا الرهسُولَ فَتِنْ ت َوَلهوْا فَتِنمهَا عَلَيْهِ مَا حُْ ِلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُْ ِلْتُمْ وَإِنْ تُِِيعُوهُ ت َهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرهسُولِ إِلاه الْبَلاَغُ الْمُبِينُ 54. ] فقد بيهنت الاية الكريمة: أنه طريق التهمك متابعة النب ِ (ص) ، فقد جاءت الايَت الهتي بعدها تتحدهث عن التمكين ، وتوض ِح شروطه قال تعا لَيَسْتَخْلِفَن ههُمْ فيِ الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الهذِينَ مِنْ ق َبْلِهِمْ وَلَيُمَك ِنَ نه لهَُمْ دِين َهُمُ الهذِي ارْتَضَى لهَُمْ وَلَي ُبَد ِلَن ههُمْ مِنْ ب َعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ي َعْبُدُونَنِِ لاَ يُشْرِكُونَ بِّ شَي ْئًا وَمَنْ كَفَرَ ب َعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَا سِقُونَ *وَأَقِيمُوا الصهلاَةَ وَآتُوا الزهكَاةَ وَأَطِيعُوا الرهسُولَ لَعَلهكُمْ ت ُرْحَُْونَ [55 ،56. ]
عدد الصفحات ٤وقد قام رسول الله (ص) ، وأصحابه بتحقيق شروط التمكين ، فحقهقوا الإيمان بكل ِ معانيه ، وجميْ أركانه ، ومارسوا العمل الصهالح بكل ِ أنواعه ، وحرصوا على كل ِ أنواع الخير ، وصنوف البر ِ ، وعبدوا الله عبوديةً شاملةً في كل ِ شؤون حياتهم ، وحاربوا الش ِرك بكل ِ أشكاله ، وأنواعه ، وخفايَه ، وأخذوا بأسباب التمكين الماد ِيهة والمعنوية على مستوى الأفراد والجماعة ، حتى أقاموا دولتهم في المدينة ، ومن ثمَه نشروا دين الله بين الشُّعوب والأمم. إنه تأخُّ ر المسلمين الي وم عن القي ادة العالمية لشعوب الأرض نتيجةٌ منِقيه ةٌ لقومٍ نَسوا رسالتهم ، وحُِّوا من مكانتها ، وش ابوا معدنه ا بركامٍ هائلٍ من الأوهام في مجال العلم ، والعمل عل ى حد ٍ سواءٍ ، وأهلوا ال سُّنن الرهباهنيهة ، وظنُّوا أنه التهمكين قد يكون بالأماني ، والأحلام. إنه هذا الضعف الإيماني ، والجفاف الروحي ، والتخبُّط الفكري ، والقلق النهفسي ، والشهتات الذ ِهنِ ، والانحِاط الخلقي؛ الهذي أصاب المسلمين سببه تلك الفجوة الكبيرة الهتي حدثت بين الأمهة ، والقران الكريم ، والهدي النبوي ِ الشريف ، وعصر الخلفاء الراشدين ، والنقاط المشرقة المضيئة في تاريخنا المجيد. أما ترى معي ظهور الكثير من المتحد ِثين باسم الإسلام ، وهم بعيدون كله البعد عن القران الكريم ، والهدي النبوي ِ ، وسيرة الخلفاء الرهاشدين ، وأدخلوا في خِابهم مصِلحات جديدة ، ومفاهيم مائعة؛ نتيجة الهزيمة النفسيهة أمام الحضارة الغربيهة ، وأصبحوا يتلاعبون بالألفاظ ، ويَلوونها ، ويتحدهثون السهاعات الِوال ، ويدبّ ِون المقالات ، ويكتبون الكتب في فلسفة الحياة ، والكون ، والإنسان ، ومناهج التغيير ، ولا نكاد نلمس في حديثهم ، أو نلاحظ في مقالاتهم عمقاً في فهم فقه التهمكين ، وسنن الله في تغيير الشعوب ، وبناء الدول ، من خلال القران الكريم ، والمنهاج النبوي ِ الشهريف ، أو دعوة الأنبياء والمرسلين لشعوبهم ، أو تقص ِياً لتاريخنا المجيد ، فيخرجون لنا عوامل النُّهوض عند نور الد ِين محمود ، أو صلاح الد ِين ، أو يوسف بن تاشفين ، أو محمود الغزنوي ، أو محمهد الفاتح ، ممن ساروا على الهدي النبوي ِ في تربية الأمة ، وإقامة الدهولة ، بل يستدلُّون ببعض الساسة ، أو المفكرين ، والمثقفين من الشرق أو الغرب ممهن هم أبعد الناس عن الوحي السهماوي ، والمنهج الرهباني ِ. وأنا لست ممه ن يعارض الاستفادة من تجارب الشُّعوب والأمم؛ فالحكمة ضالهة المؤمن ، فهو أحق بها أنَّه وجدها ، ولكنِ ِ ضدُّ الهذين يجهلون ، أو يتجاهلون المنهاج الرهبانيه ، وينسون ذاكرة الأمهة التهاريخيهة المليئة بالدُّروس ، والعبر ، والعظات ، ثمه بعد ذلك يحرصون على أن يتصدهروا قيادة المسلمين بأهوائهم ، وارائهم البعيدة عن نور القران الكريم ، والهدي النهبوي ِ الشهريف.
عدد الصفحات ٥وما أجمل ما قاله ابنُ القي ِم رحْه واللهِ ما خوفي الذُّنوب فتنههالعلَى طريقِ العَفْوِ والغُفْرانِ لكنهما أخشى انسلاخ القَلْبِ عَنْتحكيم هذا الوَحْي والقُرْانِ ورضاً باراء الر ِجال وَخَرْصِهَالا كان ذاك بمنهةِ الرهحْنِ إنهنا في أشد ِ الحاجة لمعرفة المنهاج النبوي ِ في تربية الأمهة وإقامة الدهولة ، ومعرفة سنن الله في الشُّعوب ، والأمم ، والدُّول ، وكيف تعامل معها النهبُّ (ص) عندما انِلق بدعوة الله في دنيا الناس ، حتىه نتلمهس من هديه (ص) الِريق الصهحيح في دعوتنا ، والتمكين لديننا ، ونقيم بنياننا على منهجيهةٍ سليمةٍ ، مستمدهةٍ أصولها وفروعها من كتاب ربنا وسنهة نبي ِنا (ص) قال تعا حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ ي َرْجُو اللَّهَ وَالْي َوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [ }*21. ] لقد كان فقه النهب ِ (ص) في تربية الأمهة ، وإقامة الدهولة شاملاً ، ومتكاملاً ، ومتوازناً ، وخاضعاً لسنن الله في المجتمعات ، وإحياء الشعوب ، وبناء الدُّول ، فتعامل (ص) مْ هذه السُّنن في غاية الحكمة ، وقمهة الذهكاء ، كسنهة التهدرُّ ج ، والتهدافْ ، والابتلاء ، والأخذ بالأسباب ، وتغيير النفوس. وغرسَ (ص) في نفوس أصحابه المنهج الرهباهنيه ، وما يحمله من مفاهيم ، وقيم ، وعقائد وتصوُّراتٍ صحيحةٍ عن الله ، والإنسان ، والكون ، والحياة ، والجنهة ، والنهار ، والقضاء ، والقدر ، وكان الصهحابة رضي الله عنهم يتأثهرون بمنهجه في التَّبية غاية التأثُّر ، ويحرصون كله الحرص على الالتزام بتوجيهاته ، فكان الغائب إذا حضر من غيبته؛ يسأل أصحابه عمها رأوا من أحوال النهب ِ (ص) ، وعن تعليمه ، وإرشاده ، وعمها نزل من الوحي حال غيبته ، وكانوا يتهبعون خُ َِى الرهسول (ص) ، في كل ِ صغيرةٍ وكبيرةٍ ، ولم يكونوا يقصرون هذا الاستقصاء على أنفسهم ، بل كانوا يلق ِنونه أبناءهم ، ومن حولهم. ففي هذا الكتاب تقص ٍ لأحداث الس ِيرة ، فيتحدهث الباحث عن أحوال العالم قبل البعثة ، والحضارات السهائدة ، والأحوال الس ِياسيه ة ، والاقتصاديهة ، والاجتماعيهة ، والخلقيهة في زمن البعثة ، وعن الأحداث المهمهة قبل المولد النهبوي ِ ، وعن نزول الوحي ، ومراحل الدهعوة ، والبناء التهصوُّري ِ ، والأخلاقي ِ ، والتهعبُّدي ِ في العهد المك ِي ِ ، وعن أساليب المشركين في محاربة الدهعوة ، وعن الهجرة إلى الحبشة ، ومحنة الِهائف ، ومنحة الإسراء والمعراج ، والِهواف على القبائل ، ومواكب الخير ، وطلائْ النُّور من أهل يثرب ، والهجرة النبوية ، ويقف الكتاب بالقارأى على الأحداث ، مستخرجاً منها الدُّروس ، والعبر ، والفوائد؛ لكي يستفيد منها المسلمو ن في عالمنا المعاصر.
عدد الصفحات ٦وتحدهث الباحث عن حياة النهب ِ (ص) ، منذ دخوله المدينة إلى وفاته ، وب َينه فقه النهب ِ (ص) في إرساء دعائم المجتمْ ، وتربيته ، ووسائله في بناء الدهولة ، ومحاربة أعدائها في الدهاخل ، والخارج ، فيقف الباحث على فقه النهب ِ (ص) في سياسة المجتمْ ، ومعاهدته مْ أهل الكتاب التي سُج ِلت في الوثيقة ، وحركته الجهادية ، ومعالجته الاقتصادية ، والارتقاء بالمسلم نحو مفاهيم هذا الد ِين؛ الهذي جاء لإنقاذ البشرية من ديَجير الظهلام ، وعبادة الأوثان ، وانحرافها عن شريعة الحكيم المتعال. وقد حاول الباحث أن يعالج مشكلة اختزال الس ِيرة النهبويهة في أذهان الكثير من أبناء الأمهة ، ففي العقود الماضية ظهرت دراساتٌ رائعةٌ في مجال السيرة النهبوية ، وكتب الله لها قبولاً ، وانتشاراً ، كالرهحيق المختوم ، لصفي الد ِين المباركفوري ، وفقه الس ِيرة للغزالي ، و فقه السيرة النبوية للبوطي ، والس ِيرة النبويهة لأبّ الحسن النهدوي ، وكانت هذه الدراسات مختصرةً ، ولم تكن شاملةً لأحداث الس ِيرة ، واعتمدت بعض الجامعات هذه الكتب ، وظنه بعض طلاهبها: أنه من استوعب هذه الكتب فقد أحاط بالس ِيرة النهبويهة ، وهذا خِأٌ فاد حٌ ، وخِيرٌ في حق ِ الس ِيرة النهبويهة المشرهفة ، وقد تسرهب هذا الأمر إلى بعض أئمهة المساجد ، وبعض قيادات الحركات الإسلاميهة ، وانعكس ذلك على الأتباع ، فحدث تصوُّرٌ ناقصٌ للس ِيرة عند كثيرٍ من الناس ، وقد حذهر الشهيخ محمهدُ الغزاليُّ من خِورة هذا التصوُّر في نهاية كتابه (فقه الس ِيرة) ، فقال: قد تظنُّ: أنهك درست حياة محمهد (ص) إذا تابعت تاريخه من المولد إلى الوفاة ، وهذا خِأٌ بالغٌ. إنهك لن تفقه الس ِيرة حق اً إلا إذا درست القرانَ الكريم ، والسُّنهة المِههرة ، وبقدر ما تنال من ذلك تكون صلتك بنب ِ الإسلام (ص4. ]) ففي هذه الد ِراسة يجد القارأى تسليط الأضواء على البعد القراني ِ ، الهذي له علاقةٌ بالس ِيرة النبويهة ، كغزوة بدر ، وأحد ، والأحزاب ، وبنِ النهضير ، وصلح الحديبية ، وغزوة تبوك ، فبينه الباحث الدُّروس ، والعبر ، وسنن الله في النه صر ، والهزيمة ، وكيف عالج القران الكريم أمراض النُّفوس من خلال الأحداث والوقائْ. إنه الس ِيرة النهبويهة تُعِي كله جيلٍ ما يفيده في مسيرة الحياة ، وهي صالحةٌ لكل ِ زمانٍ ، ومكانٍ ، ومُصلحةٌ كذلك. لقد عشت سنين من عمري في البحث في القران الكريم ، والس ِير ة النهبويهة ، فكانت من أفضل أيَهم حياتي ، فنسيت أثناء البحث غربتي ، وهجرتي ، وتفاعلت مْ الدُّرر ، والكنوز ، والنفائس الموجودة في بِون المراجْ والمصادر ، فعملت على جمعها ، وترتيبها ، وتنسيقها وتنظيمها ، حتى تكون
عدد الصفحات ٧في متناول أبناء أُمهتي العظيمة ، وقدلاحظت التهفاوت في ذكر الدُّروس ، والعبر ، والفوائد ، والأحداث بين كُتهاب الس ِيرة قديماً ، وحديثاً ، فأحياناً يذكر ابن هشام ما لم يذكره الذههبُّ ، ويذكر ابن كثيرٍ ما لم يذكره أصحاب السُّنن ، هذا قديماً. أمها حديثاً ، فقد ذكر الس ِباعي ما لم يذكره الغز اليُّ ، وذكر البوطيُّ ما لم يذكره الغضبان ، وهكذا وجدت في التهفسير ، وشروح الحديث ، كفتح الباري ، وشرح النهووي ِ ، وكتب الفقهاء ما لم يذكره كُتهابُ الس ِيرة قديماً ، ولا حديثاً ، فأكرمنِ الله تعالى بّمْ تلك الدُّروس ، والعبر ، والفوائد ، ونَظَمْتُها في عِقْدٍ جميلٍ يسهل الاط ِلاع عليه ، ويساعد القارأى على تناول تلك الث ِمار اليانعة بكل ِ سهولةٍ. إنه في هذا الكتاب حصيلةً علميهةً ، وأفكاراً عمليهة جمُِعت من مئات المراجْ ، والمصادر ، وقد أسهم في إخراج هذا الجهد إخوةٌ كثيرون من ليبيا ، واليمن ، والعراق ، ومصر ، والسُّودان ، والسُّعودية ، والإمارات ، وقِر ، وبلاد الشام بالحوار ، والنقاش ، والنهدوات ، فأفاد بعضهم بالإشارة إلى بعض المراجْ ، والمصادر النهادرة ، وعمل على توفيرها ، والبعض الاخر أرشد إلى ضرورة التَّهكيز على السُّنن ، والقوانين الهتي تعامل معها النهبُّ (ص) في حركته المباركة كقانون الفرصة في فتح خيبر ، وفتح مكهة ، وأشار البعض إلى أه ِيهة ربط الس ِيرة التهاريخية بالس ِيرة السُّلوكيهة، والس ِيرة المعبره عنها بحديثٍ شريفٍ ، أو فعلٍ نبوي ِ ، والس ِيرة كما يقر ِرها القران الكريم ببعضها، ومزجها في منهجيهةٍ متناسقةٍ تَدُّ أبناء الجيل بعلمٍ غزيرٍ، وفقهٍ عميقٍ ، وعاطفةٍ جيهاش ةٍ ، فهي غ ذاءٌ للرُّوح ، وتثقيفٌ للعقول ، وحياةٌ للقلوب ، وصفاء للنُّفوس. إنه الس ِيرة النهبويهة غنيهةٌ في كل ِ جانبٍ من الجوانب التي تحتاج إليها مسيرة الدهعوة الإسلام يهة ، فالنهبُّ (ص) لم يلتحق بالرهفيق الأعلى إلا بعد أن ترك سوابق كثيرةً لمن يريد أن يقتدي به في الدهعوة ، والتَّهبية ، والثهقافة ، والتهعليم ، والجهاد ، وكل ِ شؤون الحياة ، كما أنه التعمُّق في سيرة الرهسول (ص) يساعد القارأى على التهعرُّف على الره صيد الخلقي ِ الكبير؛ الذي تَي هزَ به رسول الله (ص) عن كل ِ البشر ، والتهعرُّف على صفاته الحميدة (ص) الهتي عاش بها في دنيا النهاس ، فيرى من خلال سيرته مصداق قول الشهاعر: وَأَجمَْلُ مِنْكَ لمَْ ت َرَ قَطُّ عَيْنِيوَأَفْضَلُ مِنْكَ لمَْ تَلِدِ الن ِسَاءُ خُلِقْتَ مُب َرهأً مِنْ كُل ِ عَيْبٍكَأنهكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
عدد الصفحات ٨هذا ولا أدهعي أني ِ أتيت بما لم تستِعه الأوائل ، فشأن رسول الله (ص) كبيرٌ ، وتوضيح بعض معا سيرته يحتاج إلى نفسٍ أرقه ، وفق هٍ أدقه ، وذكاءٍ أكبر ، وإيمانٍ أعمق ، كما أنهنِ لا أ دهعي لعملي هذا العصمة ، أو الكمال ، فهذا شأن الرُّسل ، والأنبياء ، ومن ظنه أنهه قد أحاط بالعلم؛ فقد جهل نفسه ، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول الْعِلْمِ إِلاه قَلِيلاً[85. ] فالعلم بحرٌ لا شاطأى له ، وما أصدقَ الشهاعرَ؛ إذ يقول وَقُلْ لِمَنْ يَدهعِي في الْعِلْمِ ف َلْسَفَةًحَفِظْتَ شَيئاً وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ يقول الثهعالبُّ: لا يكتب أحد كتاباً فيبيت عنده ليلةً إلا أحبه في غيرها أن يزيد فيه ، أو ينق ص منه ، هذا في ليلةٍ ، فكيف في سنين معدودةٍ؟! وقال العماد الأصبهانيُّ: إني ِ رأيت أنهه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غُير َِ هذا؛ لكان أحسن ، ولو زِيدَ كذا؛ لكان يُستحسن ، ولو قُد ِم هذا؛ لكان أفضل ، ولو ترك هذا؛ لكان أجمل ، وهذا من أعظم العبر ، وهو دليلٌ على استيلاء النهقص على جملة البشر. وأخيراً أرجو من الله تعالى أن يكون عملاً لوجهه خالصاً ، ولعباده نافعاً ، وأن يثيبنِ على كل ِ حرفٍ كتبتُه ، ويجعله في ميزان حسناتي ، وأن يثيب إخواني؛ الهذين أعانوني بكل ِ ما يملكون من أجل إتَام هذا الكتاب. قال الشاعر: أَسِيرُ خَلْفَ رِكَابِ القَوْمِ ذَا عَرَجمٍؤم ِلاً جَب ْرَ مَا لاَق َيْتُ مِنْ عِوَجِ فَتِنْ لحِقْتُ بهِِمْ مِنْ ب َعْدِ مَا سَب َقُوافَ كَمْ لرب ِ السهمَا في النهاسِ مِنْ ف َرَجِ وَإِنْ ظَلَلْتُ بِقَفْرِ الأرضِ مُن ْقَِِعاًفَمَا عَلَى عَرِجٍ فيِ ذَاكَ مِنْ حَرَجِ (سبحانك الل همه وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك ، وأتوب إليك) الفقير إلى عفو رب ِه ، ومغفرته ، ورضوانه علي محمهد محمهد الصهلاهبُّّ 1422 ه2001 م
عدد الصفحات ٩الفصل الأوهل أهمُّ الأحداث التهاريخيهة من قبل البعثة حتىه نزول الوحي المبحث الأوهل الحضارات السهائدة قبل البعثة وديَناتها أوهلاً: الإمبراطوريهة الرُّومانيهة5:]) كانت الإمبراطوريهة الرُّومانيهة الشهرقيهة تُعرف بالإمبراطوريهة البيزنِيهة ، وكانت تحكم هذه البلاد: اليونان ، والبلقان ، واسية ، وسورية ، و فلسِين ، وحوض البحر المتوسط بأسره ، ومصر ، وكله إفريقية الشهمالية ، وكانت عاصمتها القسِنِينية، وكانت دولةً ظالمةً، مارست الظُّلم، والجور، والتهعسُّف على الشُّعوب التي حكمتها ، وضاعفت عليها الضهرائب ، وكثرت الاضِرابات ، والثهورات ، وكانت حياتهم العامه ة قائمةً على كل ِ أنواع اللههو ، واللهعب ، والِهرب ، والتَّهف. أمها مصر؛ فكانت عرضةً للاضِهاد الد ِينِ ِ ، والاستبداد الس ِياسي ِ ، واتخهذها البيزنِيُّون شاةً حلوباً ، يحسنون حلبها ، ويسيئون علفها. وأمها سورية؛ فقد كثرت فيهم المظالم ، والرهقيق ، ولا يعتمدون في قيادة الشهعب إلا على القوهة ، والقهر الشهديد ، وأصبحت مِيهة المِامْ الرُّومانيهة ، وكان الحكم حكم الغرباء ، الذي لا يعتمد إلا على القوهة ، ولا يشعر بأي ِ عِفٍ على الشهعب المحكوم ، وكثيراً ما كان السُّوريون يبيعون أبناءهم؛ ليوفُّوا ما كان عليهم من ديون6.]) كان المجتمْ الرُّومانيُّ مليئاً بالتناقض ، والاضِراب ، وقد جاء تصويره في كتاب (الحضارة ماضيها وحاضرها) كالاتي: «كان هناك تناقضٌ هائلٌ في الحياة الاجتماعية للبيزنِيين ، فقد رسخت النهزعة الد ِينيهة في أذهانهم ، وَعَمهتِ الرههبانيهة ، وشاعت في طول البلاد وعرضها ، وأصبح الرهجل العاديُّ في البلاد يتدخهل في الأبحاث الد ِينيهة العميقة ، والجدل البيزنِي ، ويتشاغل بها ، كما طبعت الحياة العاديهة العامهة بِابْ المذهب الباطنِ ِ ، ولكن نرى هؤلاء في جانب اخر حريصين أشده الحرص على كل ِ نوعٍ من أنواع
عدد الصفحات ١٠اللههو ، واللعب ، والِهرب ، والتَّهف ، فقد كانت هناك ميادينُ ريَضيهةٌ واسعةٌ تتهسْ لجلوس ثمانين ألفَ شخصٍ ، يتفرهجون فيها على مصارعاتٍ بين الر ِجال والر ِجال أحياناً ، وبين الر ِجال والس ِباع أحياناً أخرى، وكانوا يقسمون الجماهير في لونين : لون أزرق، ولون أخضر ، لقد كانوا يحبُّون الجمال ، ويعشقون العنف ، والهمجيهة ، وكانت ألعابهُم دمويةً ضاريةً أكثر الأحيان ، وكانت عقوبتُهم فظيعةً تقشعر منها الجلود، وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارةً عن المجون ، والتَّهف ، والمؤامرات ، والمجاملات الزهائدة ، والقبائح ، والعادات السهيئة[»7.]) ثانياً: الإمبراطوريهة الفارسيه ة كانت الإمبراطوريهة الفارسيهة تُعرف بالدهولة الفارسيهة ، أو الكِسرويهة ، وهي أكبر ، وأعظمُ من الإمبراطورية الرُّومانية الشهرقيهة ، وقد كثرت فيها الد ِيَنات المنحرفة؛ كالزرادشتية ، والمانِيهة التي أسسها ماني في أوائل القرن الثهالث الميلادي ، ثمه ظهرت المزدكيهة في أوائل القرن الخامس الميلادي الهتي دعت إلى الإباحيهة في كل ِ شيءٍ ، ممها أدهى إلى انتشار ثورات الفلاحين ، وتزايد النههابين للقصور ، فكانوا يقبضون ، أو يأسرون الن ِساء ، ويستولون على الأملاك ، والعقارات ، فأصبحت الأرض ، والمزارع والدُّور كأن لم تسكن من قبل. وكان ملوكهم يحكمون بالوراثة ويضعون أنفسهم فوق بنِ ادم؛ لأنههم يعتبرون أنفسهم من نسل الالهة ، وأصبحت موارد البلاد ملكاً لهؤلاء الملوك ، يتصرهفون فيها ببذخٍ لا يُتصوهر ، ويعيشون عيش البهائم ، حتىه ترك كثير من المزارعين أعمالهم ، أو دخلوا الأديرة ، والمعابد فراراً من الضهرائب ، والخدمة العسكريهة ، وكانوا وقوداً حقيراً في حروبٍ طاحنةٍ مدم ِرةٍ ، قامت في فتَّاتٍ من التهاريخ دامت سنين طوالاً بين الفرس والرُّوم ، لا مصلحة للشُّعوب فيها إلا تنفيذ نزوات ، ورغبات الملوك8.]) ثالثاً: الهند اتهفقت كلمة المؤر ِخين على أنه أحطه أدوارها ديَنةً ، وخُلقاً ، واجتماعاً ، وسياسةً ذلك العهد الهذي يبتدأى من مستهل ِ القرن السهادس الميلادي ، فانتشرت الخلاعة حتىه في المعابد ؛ لأنهها أصبحت مقدسةً!! وكانت المرأة لا قيمة لها ، ولا عصمة ، وانتشرت عادة إحراق المرأة المتوفَّه زوجها ، وامتازت الهند عن أقِار العالم بالتهفاوت الفاحش بين طبقات الشهعب ، وكان ذلك تابعاً لقانونٍ مدني ٍ سياسي ٍ دينِ ٍ ، وضعه المشر ِعون الهنديُّون الهذي ن كانت لهم صفةٌ دينيةٌ ، وأصبح هو القانون العامه في المجتمْ ، ودستور حياتهم ، وكانت الهند في حالة فوضى ، وتَزُّقٍ ، انتشرت فيها الإمارات التي اندلعت
عدد الصفحات ١١بينها الحروب الِهاحنة ، وكانت بعيدةً عن أحداث عالمها في عزلةٍ واضحةٍ ، يسيِر عليها التزمُّت ، والتهِرُّف في العادات ، والتقاليد ، والتفاوت الِهبقيُّ ، والتهعصب الدهمويُّ ، والسُّلاليُّ. وقد تحدهث مؤرخٌ هندوكيٌّ أستاذ التاريخ في إحدى جامعات الهند عن عصرٍ سابق لدخول الإسلام في الهند ، فقال: «كان أهل الهند منقِعين عن الدُّنيا ، منِوين على أنفسهم ، لا خة عندهم بالأوضاع العالميهة ، وهذا الجهل أضعف موقفهم ، فنشأ فيهم الجمود ، وعمهت فيهم أمارات الانحِاط ، والتهدهور. كان الأدب في هذه الفتَّة بلا روح ، وهكذا كان الشأن في الفن ِ المعماري ِ ، والتهصوير ، والفنون الجميلة الأخرى [»9.]) «وكان المجتمْ الهنديراكداً جامداً ، كان هناك تفاوتٌ عظيم بين الِهبقات ، وتَييز معيبٌ بين أسرةٍ ، وأسرةٍ ، وكانوا لا يسمحون بزواج الأيَمى ، ويشد ِدون على أنفسهم في أمور الِهعام ، والشراب ، أمها المنبوذون فكانوا يعيشون مضِرين خارج بلدهم ، ومدينتهم [»10.]) كان تقسيم سكانالهند إلى أربْ طبقات: 1 طبقة الكهنة ، ورجال الد ِين ، وهم«البراهة» 2 رجال الحرب ، والجنديهة ، وهم«شتَّى» 3 رجال الفلاحة ، والتجارة ، وهم «ويش» 4 رجال الخدمة ، وهم «شودر»وهم أحطُّ الِبقات؛ فقد خلقهم خالق الكون كما يعتقدون من أرجله ، وليس له م إلا خدمة هذه الِهبقات الثهلاث ، وإراحتها. وقد منح هذا القانون البراهة مركزاً ، ومكانةً لا يشاركهم فيها أحدٌ؛ فالبرهيُّ رجلٌ مغفورٌ له ، ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه ، وأعماله ، ولا يجوز فرض جبايةٍ عليه، ولا يعاقب بالقتل في حالٍ من الأحوال. أما «شودر»فليس لهم أن يقتنوا مالاً، أو يدهخروا كنزاً، أو يجالسوا برهياً، أو يمسُّوه بيدهم، أو يتعلهموا الكتب المقدسة11.]) رابعاً: أحوال العالم الد ِينيهة قبل البعثة المحمهدية كانت الإنسانية قبل بزوغ فجر الإسلام العظيم ، تعيش مرحلةً من أحط ِ مراحل التها ريخ البشري ِ في شؤونها الد ِينيهة ، والاقتصاديهة ، والس ِياسيهة ، والاجتماعيهة ، وتعاني فوضى عامهةً في جميْ شؤون حياتها ، وهيمن المنهج الجاهليُّ على العقائد ، والأفكار ، والتصوُّرات ، والنُّفوس ، وأصبح الجهل ، والهوى ،
عدد الصفحات ١٢والانحلال ، والفجور ، والتج ، والتعسُّف من أبرز ملامح المنهج الجاهلي ِ المهيمن على دنيا النهاس 12.]) وضاع تأثير الد ِيَنات السهماوية على الحياة أو كاد بسبب ما أصابها من التهبديل ، والتهحريف ، والتهغيير ، الهذي جعلها تفقد أهيتها باعتبارها رسالة الله إلى خلقه ، وانشغل أهلها بالص ِراعات العقديهة النهظريهة التي كان سببها دخول الأفكار البشريهة ، والتهصوُّرات الفاسدة على هذه الأديَن ، حتىه أدهى إلى الحروب الِهاحنة بينهم ، ومَنْ بقي منهم لم يحر ِف ، ولم يبد ِل قليلٌ نادر ، واثر الابتعاد عن دنيا الناس ، ودخل في حياة الخلوة ، والعزلة طمعاً في النهجاة بنفسه يأساً من الإصلاح ، ووصل الفساد إلى جميْ الأصناف ، والأجناس البشريهة ، ودخل في جميْ المجالات بلا استثناء ، ففي الجانب الد ِينِ ِ تجد النهاس إمها أنههم ارتدُّوا عن الد ِين ، أو خرجوا منه ، أو لم يدخلوا فيه أصلاً ، أو وقعوا في تحريف الد ِيَنات السهماوية ، وتبديلها. وأمها في الجانب التهشريعي ، فتنه النهاس نبذوا شريعة الله وراءهم ظهريَ ً ، واختَّعوا من عند أنفسهم قوانين ، وشرائْ لم يأذن بها الله ، تصِدم مْ العقل ، وتخالف الفِرة. وتزعهم هذا الفساد زعماءُ الشُّعوب ، والأمم من القادة ، والرُّهبان ، والقساوسة والدههاقين ، والملوك ، وأصبح العالم في ظلامٍ دامسٍ ، وليلٍ بهيمٍ ، وانحرافٍ عظيمٍ عن منهج الله سبحانه وتعالى. فاليهودية: أصبحت مجموعةً من الُِّقوس ، والتهقاليد لا روح فيها ، ولا حياة ، وتأثهرت بعقائد الأمم الهتي جاورتها ، واحتكهت بها ، والهتي وقعت تحت سيِرتها ، فأخذت كثيراً من عاداتها ، وتقاليدها الوثنيهة الجاهليهة ، وقد اعتَّف بذلك مؤر ِخو اليهود13])«إنه سخط الأنبياء ، وغضبهم على عبادة الأوثان تدلُّ على أنه عبادة الأوثان ، والالهة كانت قد تسرهبت إلى نفوس الإسرائيليين ، ولم تستأصل شأفتها إلى أيَهم رجوعهم من الجلاء ، والنهفي في بابل ، وقد اعتقدوا معتقداتٍ خرافيهة ، وشركيهة. إنه التُّلمود أيضاً يشهد بأنه الوثنيهة كانت فيها جاذبيةٌ خاصهةٌ لليهود[»14.]) إنه المجتمْ اليهوديه قبل البعثة المحمهدية ، قد وصل إلى الانحِاط العقلي ِ ، وفساد الذهوق الد ِينِ ِ ، فتذا طالعت تلمود بابل؛ الذي يبالغ اليهود في تقديسه ، والذي كان متداولاً بين اليهود في القرن السهادس المسيحي ِ؛ فستجد فيه نماذج غريبةً من خفهة العقل ، وسخف القول ، والاجتَّاء على الله ، والعبث بالحقائق ، والتهلاعب بالد ِين ، والعقل15.])
عدد الصفحات ١٣أمها المسيحيهة: فقد امتُحنت بتحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين ، واختفى نور التهوحيد ، وإخلاص العبادة لله وراء السُّحب الكثيفة16])عراق ، وب نصارى مصر حول حقيقة المسيح ، وطبيعته ، وتحوهلت البيوت ، والمدارس ، والكنائس إلى معسكراتٍ متنافسةٍ ، وظهرت الوثنية في المجتمْ المسيحي ِ في مظاهر مختلفةٍ ، وألوانٍ شتىه ، فقد جاء في تاريخ المسيحيهة في ضوء العلم المعاصر: «لقد انتهت الوثنيهة ،ولكنهها لم تلق إبادةً كاملةً ، بل إنهها تغلغلت في النُّفوس ، واستمره كلُّ شيءٍ فيها باسم المسيحيهة ، وفي ستارها؛ فالهذين تجرهدوا عن الهتهم ، وأبِالهم ، وتخلهوا عنهم أخذوا شهيداً من شهدائهم ، ولقهبوه بأوصاف الالهة ، ثمه صنعوا له تَثالاً ، وهكذا انتقل هذا الش ِرك ، وعبادة الأصنام إلى هؤلاء الشُّهداء المحل ِي ِين ، ولم ينته هذا القرن حتىه عمهت فيه عبادة الشُّهداء ، والأولياء ، وتكوهنت عقيدةٌ جديدةٌ ، وهي: أنه الأولياء يحملون صفات الألوهيهة ، وصار هؤلاء الأولياء والقد ِيسون خلقاً وسيِاً بين الله ، والإنسان ، يحمل صفة الألوهيهة على أساس عقائد الأريسيين ، وأصبحوا رمزاً لقداسة القرون الوسِى ، وورعها وطُهرها ، وغُير ِت أسماء الأعياد الوثنيهة بأسماء جديدةٍ ، حتىه تحوهل في عام 400 ميلادي عيد الشهمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح[»17.]) وجاء في دائرة ا لمعارف الكاثوليكيهة الجديدة: «تغلغل الاعتقاد بأنه الإله الواحد مركهبٌ من ثلاثة أقانيم في أحشاء حياة العالم المسيحي ِ ، وفكره منذ ربْ القرن الرهابْ الأخير ، ودامت كعقيدةٍ رسميهةٍ مُسَلهمةٍ ، عليها الاعتماد في جميْ أنحاء العالم المسيحي ِ ، ولم يُرفْ الس ِتار عن تِوُّر عقيدة التهثليث ، وسر ِها إلا في المنتصف الثهاني للقرن التهاسْ عشر الميلادي[»18.]) لقد اندلعت الحروب بين النهصارى ، وكفهر بعضُهم بعضاً ، وقتل بعضُهم بعضاً ، وانشغل النهصارى ببعضهم عن محاربة الفساد ، وإصلاح الحال ، ودعوة الأمم إلى ما فيه صلاح البشريهة19.]) وأمها المجوس: فقد عُرفوا من قديم الزهمان بعبادة العناصر الِهبيعيهة ، وأعظمها النهار ، وانتشرت بيوت النهار في طول البلاد وعرضها ، وعكفوا على عبادتها ، وبنوا لها معابد، وهياكل، وكانت لها ادابٌ، وشرائْ دقيقةٌ داخل المعابد ، أمه ا خارجها؛ فكان أتباعها أحراراً يسيرون على هواهم ، لا فرق بينهم وبين من لا دين له. ويصف المؤر ِخ الدهنماركيُّ طبقة رؤساء الد ِين ، ووظائفهم عند المجوس في كتابه: «إيران في عهد السهاساني ِين»فيقول«كان واجباً على هؤلاء الموظهفين أن يعبدوا الشهمس أربْ م رهات في اليوم ،
عدد الصفحات ١٤ويضاف إلى ذلك عبادة القمر ، والنهار ، والماء ، وكانوا مكلهفين بأدعيةٍ خاصهةٍ ، عند النهوم ، والانتباه ، والاغتسال ، ولبس الزناهر ، والأكل ، والعِس ، وحلق الشهعر ، وتقليم الأظفار ، وقضاء الحاجة ، وإيقاد السُّرج ، وكانوا مأمورين بألا يدعوا النهار تنِفأى ، وألا تَسه النهار ، والماء بعضها بعضاً ، وألا يَدَعوا المعدن يصدأ؛ لأنه المعادن عندهم مقدهسةٌ [»20.]) وكان أهل إيران يستقبلون في صلاتهم النهار ، وقد حلف «يزدجرد » اخر ملوك الس اسانيين بالشهمس مرهةً ، وقال: «أحلف بالشهمس ال هي الإله الأكبر»وقد دان المجوس بالثهنويهة في كل ِ عصرٍ ، وأصبح ذلك شعاراً لهم ، فامنوا بإلهين اثنين: أحدها: النُّور ، أو إله الخير ، والثاني: الظهلام ، أو إله الشهر ِ21.]) أمها البوذيهة: في الهند واسية الوسِى: فقد تحوهلت إلى وثنيةٍ تحمل معها الأصنام حيث سارت ، وتبنِ الهياكل ، وتنصب تَاثيل بوذا حيث حلهت ، ونزلت22.]) أمها البرهيهة: دين الهند الأصليُّ ، فقد امتازت بكثرة المعبودات ، والالهة ، وقد بلغت أوْجها في القرن السهادس الميلادي ِ ، ولاشكه: أنه الديَنة الهندوكيهة ، والبوذيهة وثنيتان سواءٌ بسواءٍ. لقد كانت الدُّنيا المعمورة من البحر الأطلسي إلى المحيط الهادي غارقةً في الوثنيهة ، وكأنما كانت المسيحيهة ، واليهوديهة ، والبوذيهة ، والبرهيهة ، تتسابق في تعظيم الأوثان ، وتقديسها ، وكانت كخيل رهانٍ تجري في حلبةٍ واحدةٍ. وقد أشار النه بُّ (ص) إلى عموم هذا الفساد ، لجميْ الأجناس ، وجميْ المجالات بلا استثناء ، فقد قال (ص) ذات يومٍ في خِبته: «ألا إنه ربّ ِ أمرني أن أُعل ِمكم ما جهلتم ممها علهمنِ يومي هذا؛ كلُّ مالٍ نحََلْتُه23])24])نههم أتتهم الشهياطين فاجتالتهم عن دينهم25]) الله نظر إلى أهل الأرض ، فمقتهم: عربهم ، وعجمهم إلا بقايَ من أهل الكتاب[»26.]) والحديث يشير إلى انحراف البشريهةجوانب متعددةٍ ، كالش ِرك بالله ، ونبذ شريعته ، وفساد المصلحين من حْلة الأديَن السهماويهة ، وممالأتهم للقوم على ضلالهم27.]) * * *
عدد الصفحات ١٥المبحث الثها أصول العرب وحضارتهم أولاً: أصول العرب: قسهم المؤر ِخون أصول العرب ثلاثة أقسامٍ ، بحسب السُّلالات الهتي انحدروا28]) 1 العرب البائدة وهي قبائل عاد ، وثمود ، والعمالقة ، وطسم ، وجديس ، وأُمَيْم ، وجُرهم وحضرموت ، ومن يتهصل بهم ، وهذه دَرَسَتْ معالمها ، واضمحلهت من الوجود قبل الإسلام ، وكان لهم ملوكٌ امتده ملكهم إلى الشهام ، ومصر29.]) 2 العرب العاربة وهم العرب المنحدرة من صلب ي َعْرُب بن يَشْجُب بن قحِان ، وتسمهى بالعرب القحِانيهة30]) ويعرفون بعرب الجنوب 31])32.]) 3 العرب العدنانيهة نسبة إلى عدنان ، الهذي ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصهلاة والسهلام وهم المعروفون بالعرب المستعربة ، أي الهذين دخل عليهم دمٌ ليس عربياً ، ثم تمه اندماج بين هذا الدهم وبين العرب ، وأصبحت اللُّغة العربيهة لسان المزيج الجديد. وهؤلاء هم عرب الشمال ، موطنهم الأصلي مكهة ، وهم: إسماعيل عليه السلام وأبناؤه، والجراهة هم الذين تعلهم منهم إسماعيل عليه السلام العربيهة، وصاهرهم، ونشأ أولاده عرباً مثلهم ، ومن أهم ذر ِيهة إسماعيل (عدنان) جدُّ النهب ِ (ص) الأعلى ، ومن عدنان كانت قبائل العرب ، وبِونها ، فقد جاء بعد عدنان ابنه مَعَدُّ ، ثمه نزار ، ثمه جاء بعده ولداه مُضَر ، وربيعة.
عدد الصفحات ١٦أمها ربيعة بن نزار؛ فقد نزل مَنِ انحدر مِنْ صلبه شرقاً ، فقامت عبد القيس في البحرين ، وحنيفة اليمامة ، وبنو بكر بن وائل ما بين البحرين واليمامة ، وعبرت ت َغْلب الفرات ، فأقامت في أرض الجزيرة بين دجلة والفرات ، وسكنت تَيم في بادية البصرة 33.]) أمها فرع مضر: فقد نزلت سليم بالقرب من المدينة ، وأقامت ثقيف في الِائف ، واستوطنت سائر هوازن شرقي مكهة ، وسكنت أسد شرقي تيماء إلى غربّ الكوفة ، وسكنت ذُبيان ، وعبس من تيماء إلى حوران 34])ة ، وقحِانية هو ما عليه جمهرة علماء الأنساب ، وغيرهم من العلماء ، ومن العلماء مَنْ يرى: أنه العرب: عدنانيهة ، وقحِانيهة ، ينتسبون إلى إسماعيل عليه السلام35.]) وقد ترجم البخاريُّ في صحيحه لذلك ، فقال: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام ، وذكر ذلك حديثاً عن سلمة ، قال: خرج رسول الله (ص) على قوم يتناضلون بالس ِهام ، فقال: «ارموا ، ب إسماعيل ، وأنا مْ بنِ فلان» لأحد الفريقين فأمسكوا بأيديهم ، فقال «ما لكم»؟ قالوا: كيف نرمي؛ وأنت مْ بنِ فلان؟ فقال: «ارموا ، وأنا معكم كل ِكم »[3507 .])وفي بعض الر ِوايَت: «ارموا بنِ إسماعيل؛ فتنه أباكم كان رامياً»[2899) وأحْد4/50) وابن حبان (4693. ]) قال البخاريُّ: وأسلمُ بن أَفْصَى بن حارثةَ بن عمرو بن عامر من خُزَاعَةَ ، يعنِ: أنه خزاعة فرقةٌ ممهن كان تَزهقَ من قبائل سبأ حين أرسل الله ع ليهم سيل العرم 36.]) وَوُلِدَ الرهسول (ص) من مُضَرَ ، وقد أخرج البخاريُّ عن كليب بن وائل قال: حدهثتنِ ربيبة النهب ِ (ص زينب بنت أبّ سلمة ، قال: «قلت لها: أرأيت النهبه (ص) أكان من مضر؟ فقالت: فممهن كان إلا مِنْ مُضَرَ؟ من بنِ النهضر بن كنانة»[3491.]) وكانت قريش قد انحدرت من كنانة ، وهم أولاد فهر بن مالك بن النهضر بن كنانة ، وانقسمت قريش إلى قبائل شتىه ، من أشهرها: جمح ، وسهم ، وعديُّ ، ومخزوم ، وتيم ، وزهرة ، وبِون قصي ِ بن كلابٍ ، وهي عبد الدهار بن قصي ٍ ، وأس د بن عب د العزهى ب ن قصي ٍ ، وعبد من اف ب ن قصي ٍ ، وكان من عب د مناف أربْ فصائل: عبد شمس ، ونوفل ، والمِهلب ، وهاشم. وبيت هاشم هو الهذي اصِفى الله منه سي ِدنا محمهد بن عبد الله بن عبد المِلب بن هاشم (ص37.])
عدد الصفحات ١٧