كيف تدعو إالإسلام 129 وهذه أسئلة وجودية كبرى تضرب أصل المعتقد في مقتل وهذا ينطبق على كل الديانات والوثنيات الأخرى. في المقابل بماذا يرد الملحد أو النصراني أو الوثني أو أية طائفة على الإسلام؟ صراحةً بحمد الله لا يجد الملحدة ولا الكفار ما يحتجون به على ديننا سوى أسئلة في غير محل الشاهد نسميها شبهات تافهة من سذاجة سطحيتها، لا علاقة لها بأصل الاعتقاد ولا حتى بفرعه. فالملحد لا يملك إلا غرائب الفتاوي وشاذ الأقوال وخاص التصرفات. تجتمع كلها تحت مسمى شبهات! فالملحد لا يملك إلا سفسطة أدلة الآخر لا أكثر ! [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ] {171}. أما المسلم فيستطيع ببساطة أن ينتقد أصل الإلحاد وأصل النصرانية وأصل الوثنية دون التطرق إلى شاذ أقوال فرويد أو ماركس أو داوكينز أو بولس أو غيرهم. طالما أن الإسلام بهذه القوة؛ لماذا كثر الصياحمؤخرا بالهجوم على الإسلام،وبدأ يظهر ملاحدة بين العرب؟ قال الإمام الغزالي رحمه الله (توفي808 هجرية): « أما بعد فإني رأيت طائفةً يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء، بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، وإنما مصدر كفرهم سماعه م أسامي هائلة كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وأمثالهم . فلما قرع ذلك سمعهم، . تجملوا باعتقاد الكفر، انخراطاً في سلكهم، وترفعاً عن الجماهير»(1). فالقضية هي انبهار بالغرب وانكسار لتسلطه الفكري ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1 )تهافت الفلاسفة ص11.
عدد الصفحات ١٢٩كيف تدعو إلى الإسلام 131 لكن هؤلاء الملاحدة يطرحون شبهات وتشكيكات كثيرة، ما علاقة هذابالانبهار بالغرب؟ الإيمان بمركزية القيم الغربية وعالمية مُثُلهَم هو أصل استشكالات الملحدين ولببيان ذلك نقول أنه: قد تتعارض نصوص التراث الإسلامي مع نصوص الدفن مثلاً لدى الهندوس ومع نصوص الزفاف لدى بعض البلدان الأفريقية، لكن أحدًا من هذه التعارضات لن يلقى مشكلةً لدى الداخل الإلحادي. المشكلة هي أن تتعارض نصوص التراث الإسلامي مع أيٍ من معطيات الغرب العلماني هنا تصير المشكلة وهنا تدار المنتديات والمحاضرات ويُقدم هذا معذرته وذاك تأويله وهؤلاء منتجهم الفكري الذي يعالج هذه الشبهة الإشكالية. لماذا يا ترى حين تعارض النص مع المعطى الغربي صارت مشكلة؟ هنا القضية ليست في وجود تعارض، فالتعارض حتمي وإلا ما جائت الشرائع للتصحيح والضبط. لكن القضية هي في اعتبار أن الغرب هو المركز وأن المركزية هي الغرب وأن قيمه لابد أن تكون عالمية، وتراثه لابد أن يكون أصلاً وغيره تبع! إنها ببساطة ثقافة الغالب لا أكثر! فإذا انزاح الغرب عن المركز كما كان حاله قبل قرنٍ ونصف من الزمان أصبحت قيمه موضع تندر لا تتبع وتسخيف لا إمعية وتحوير! فالملحد يعيش لحظة انكسار لسحر القوالب الغربية. إذن نحن متخلفون علميًا والغرب هو المتقدم؟ نعم كيف يحق لنا ونحن المتخلفون علميًا أن ننتقد غيرنا؟ أو بصيغة أخرى: هل تخلفنا العلمي والتقاني يمنعنا من انتقاد الكافر المتقدم علميًا؟
عدد الصفحات ١٣٠كيف تدعو إالإسلام 131 الله تعالى ضرب لنا المثل بأممٍ كثيرةٍ أبدعت في "العمارة المادية" ومع ذلك عرض الله تعالى أخبارها في سياق الذم لما أفلست في "العمارة الإيمانية" كما قال تعالى: [ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {3}. وحين أرسل الله موسى إلى المجتمع المصري المتقدم لم يقل له أيقظ قومك ليستفيدوا من الحضارة المصرية، بل أرسله لينورّهم بالوحي من ظلمات حضارتهم، كما قال تعالى: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ] {1}. بل إن الله سبحانه وتعالى فضّل بني اسرائيل بما معهم من العلوم الإلهية على الفراعنة بما معهم من الحضارة، كما قال تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {16}. فإذا تأمل القارئ هذا الموضع وكيف كان سبب تفضيل بني إسرائيل أنوار النبوة والكتاب، وكيف لم تفلح حضارة الفراعنة في إخراجهم من الظلمات، استبان له "الميزان الإلهي" لتقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات والحضارات والمدنيات، وميزان المسلم تبعٌ لميزان الله جل وعلا. والنبي ﷺ بعث إلى الناس وفي عصره أربع إمبراطوريات اقتسمت العالم: الرومانية والفارسية والهندية والصينية، وكانت معاهد العلوم فيها شامخة، فضلاً عن مخزونٍ حضاريٍ متراكمٍ من الحضارة الإغريقية والمصرية. بل إن العلوم المدنية قبيل مبعثه ﷺ بلغت شأواً عالياً في دقائق المعقولات كقوانين العقل الجوهرية كقانون الهوية والتناقض والثالث المرفوع، ونظرية الدولة وتقسيم أشكال اسناد السلطة، ودقائق الهندسة وحساب الدوال الرياضية، وفنون العمارة والمسرح والشعر
عدد الصفحات ١٣١كيف تدعو إلى الإسلام 132 والأدب، وأصول الطب، والمسافات الفلكية، وغيرها كثير وإنما هذه نماذج تكشف مستويات البحث المدني. ومع ذلك كله فإن الله سبحانه وتعالى لما بعث نبيه في جزيرة العرب لم يبعثه ليقول للناس: يا معشر العرب أنتم تعانون من التخلف المدني ويجب عليكم أن تتجاوزوا جفوة عروبتكم وتتعلموا من الأمم المتقدمة، ولم يقل لهم: يجب عليكم أولاً أن تقفوا موقف التلميذ أمام علوم المنطق والطب والفلك والفلسفة ونحوها ثم تدعوا الناس، ولم يقل لهم: اعرفوا قدر أنفسكم أمام الحضارات الأخرى، ولم يقل لهم: يجب أن تشاركوا الأسرة الدولية في سعادة الجنس الإنساني عبر الإبداع الابستمولوجي! بل إن الله أخبر نبيه بعكس ذلك تماماً، فقد أخبر نبيه عن القيمة المنحطة في ميزان الله لكل تلك المدنيات التي عاصرت بعثة النبي ﷺ، ووصفها القرآن بالضلال بكل ماتضمنته. كما روى الإمام مسلمٌ في صحيحه من حديث عياض المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال« :إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب»(1). إذا انتقدنا غيرنا فكيف نفخر ونحن متأخرون علميًا؟ نفخ النبي –ﷺ - في أصحابه الشموخ بـ"العلوم الإلهية" فوق المدنيات الصغيرة بالنسبة لجلال المعرفة الإلهية، ونبّه أصحابه إلى التنوير الحقيقي وهو نور الوحي، وربى أصحابه على أن تلك المجتمعات المتمدنة يحتاجونكم أضعاف ما تحتاجونهم، فهم إنما يملكون الوسائل وأنتم تعرفون الغايات، وشتان بين منزلة الوسيلة والغاية». ومن أجل ذلك لم ينبهر الصحابة بالحضارات التي كانت في وقتهم بل كانوا يقولون مرارًا وتكرارًا أنهم جاؤوا لإنقاذ هذه الحضارات من جاهليتها. انظر إلى الصحابي الجليل ربعي بن عامر -رضي الله عنه- حين دخل على رستم قائد الفرس وقد زيَّ نوا مجلسه بالنَّمارق المذهَّبة، والزَّرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1 )من وحي كتاب"مآلات الخطاب المدني"، إبراهيم السكران حفظه الله.
عدد الصفحات ١٣٢كيف تدعو إالإسلام 133 والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحُه ودرعه وبيضتُه على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إني لم آتِكم وإِنّما جئتكم حين دعوتموني، فإنما تركتموني هكذا وإِلا رجعت. فقال رستم: إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النَّمارق فخرَّق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه. انظر إلى احتقاره لزينة الكافر وبهرجه انظر إلى اعتزازه بجواب الأسئلة الوجودية الكبرى التي يحملها. والتي تنخرق أمامها كل زينة الدنيا ومتعها! فنجاح الصحابة الآكد أنهم لم يكونوا يعانون من عقدة النقص التي يعاني منها المعاصرون –إلا مَن رحم ربي-، بل كانت عزتهم في امتلاكهم أجوبة الأسئلة الوجودية الكبرى، وتأكيدهم على تفاهة الحياة الدنيا وحقارتها مقارنةً بالنعيم الأبدي! فلا يفرح الكافر بأكثر من أن يُبهرك بنمارقه المذهبة وزينته العظيمة، فالانكسار لفتنته يُنهي المعركة قبل أن تبدأ! ولذلك لم يفت ربعي بن عامر جهل رستم بأعظم مطلوب وهو الله سبحانه فتحولت كل زينته إلى صورةٍ بهيميةٍ بلا قيمةٍ ولا غايةٍ كما يصف القرآن الكريم [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ] {17}. فإجابة الأسئلة الوجودية الكبرى ترقى بمالكها وتسقط بمفتقدها وعند هذه النقطة لابد من إلماحةٍ هامة ذكرها إبراهيم السكران وهي أن « :هذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضارية والفنية قبيل مبعثه ﷺ ليس ذماً
عدد الصفحات ١٣٣كيف تدعو إلى الإسلام 134 لتلك المنجزات لذاتها، وإنما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية، فلم يصلوا إلى الرقي والسمو الحقيقي وهو مرتبة العبودية، وإنما بقوا في حضيض المنافسة الدنيوية. هذا الموقف النبوي من أدق ما يبين أن الانتفاع بما لدى الغير لا يقتضي الانبهار بهم، وأن الذم لواقعهم لا يتعارض مع الاستفادة من الحكمة التي هي ضالة المؤمن»(1). ما مشكلة المدنية؟ لماذا أشعر أنكم تحاربونها حقيقةً؟ مشكلة دعاة المظهر المادي أنهم لا يقدمون أجوبة عن أسئلة الغاية- أسئلة الغاية مثل: لماذا نحن هنا، وماذا بعد الموت، وما الغاية وما الحكمة، ..؟- فدعاة المظهر المادي كانوا وما زالوا عميًا في الغايات ولكنهم متمكنون جدًا من الوسائل فجعلوا من الوسائل عصائب على أعينهم تمنعهم تبصُّر الغايات. ولو أنهم لحظة انتصارهم المادي انصاغوا إلى الأجوبة الدينية. فصاروا مقلدين في الدين مبتدعين في الحضارة –كما كان حال المسلمين في تاريخ مجدهم الأزهر- لما صارت مشكلة. لكن ما نعيبه على دعاة المادية أن اغترارهم بالمادة أعمى بصائرهم عما ورائها [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ] {85}. فأصل معرفة الغايات هبة إلهية تقترن بالإيمان، وقد عجزت كل حضارات العالم أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام في أجوبة الغاية. بل ظلت هذه الأجوبة حصرية داخل ميدان الإيمان ﴿ مۡ يَجۡعَلِ وَمَن ل َٱلل َه لَهه ۥ نهورٗا فَمَا لَهه ۥ مِن ن هور ﴾ {10}. فالافتتان بالمظهر المادي وتجاهل أعظم مطلوب في الوجود هو منتهى الجهل وهو بالضبط ما نحاربه ويحاربه كل شخص يخاف على مستقبله الأخروي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1 )من وحي كتاب"مآلات الخطاب المدني"، إبراهيم السكران حفظه الله.
عدد الصفحات ١٣٤كيف تدعو إالإسلام 135 ...................................................................................................... 4 الفصل الأول: ا إلى الإسلام ً كيف تدعو ملحد ......................................................... 9 الفصل الثاني: ا إلى الإسلام ً كيف تدعو بوذي ...................................................... 65 الفصل الثالث: ا إلى الإسلام ً كيف تدعو هندوسي ................................................ 91 الفصل الرابع: ا إلى الإسلام ً كيف تدعو كتابي .................................................... 112 ..................................................................................................... 127
عدد الصفحات ١٣٥