رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 09 روايتين مطلقا، حتى تجعل الخلاف في تكفير المرجئة والشيعة المفضلة لعل وربما رجحت التكفير والتخليد في النار، وليس هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام، بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون : الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من يفضل عليا على عثمان بل نصوصه صريَة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول ﷺ ظاهرة بينة، ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتل بهم حتى عرف حقيقة أمرهم وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إل القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الْخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إل ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم، حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق وغير ذلك، ولا يولون متوليا ولا يعطون رزقا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك ، ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعال ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لمن يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك، وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم ، بين له أن هذا القول كفر ، ولم يَكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم).(29) وقال أيضا: (من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلا، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا عل بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين (١) مجموع الفتاوى (10 /011)
عدد الصفحات ١٩﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 11 الظا المعتدين، كما ذكرت الْثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع، وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقا بل كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن، وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه ؛ وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة..).(30) فكل هذه النصوص تؤكد أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن كفر الأقوال والْراء بأنواعها، لا يقتضي بالضرورة كفر كل من قال بها من المسلمين بأعيانهم، فالذي يفجر مسجدا وفيه مئات المصلين، بشبهة أنه يقع فيه أو منهم شركيات، أو بشبهة أن أهله وقعوا في الردة، دون معرفة أعيانهم، وتحقق وقوع ذلك الفعل الناقض منهم، وقبل توفر الشروط وارتفاع الموانع، وبلا ولاية قضائية ولا شرعية، وبلا استتابة وإعذار، فقد جاء جرما عظيما، وافترى على الله ورسوله وشرعه بهتانا مبينا، واستحل ما هو معلوم من دين الإسلام حرمته بالضرورة القطعية. ثم بعد ذلك فجرت هذه الفئة الظالمة مساجد السنة ووصمت أهلها بالردة بدعوى موالاتهم الطغاة، ليذهب جراء تفجيراتهم الأبرياء وهم راكعون ساجدون يصلون! وقد كان النبي ﷺ يأمر أصحابه إذا سمعوا الْذان في دار الحرب بالكف عن قتال عدوهم، كما ثبت عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانا أمسك فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺعلى الفطرة» (03) مجموع الفتاوى1 /121.)
عدد الصفحات ٢٠رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 10 ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسولالله ﷺخرجت من النار»(31) فجعل الأذانوحده عاصما لدماء أهل الحرب فضلا عن دماء أهل الإسلام! وعن عبد الله بن عدي الأنصاري أن النبي ﷺ بينما هو جالس بين ظهراني الناس، إذ جاءه رجل يستأذنه أن يساره، فساره في قتل رجل من المنافقين، فجهر النبي ﷺ بكلامه، وقال: «أليس يشهد أن لا إله إلا ا»؟ قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال«أليس يشهد أ رسول الله»؟ قال: بلى، يا رسول الله ولا شهادة له، قال«أليس يصل»؟ قال: بلى ولا صلاة له، فقال النبي ﷺ: «أولئك الذين نهيت عنهم».(32) وقد قال تعال: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لمَِنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِن ا ﴾. فجعل التحية بالسلام أمانا لأهلها حتى مِن قالها خوفا وتقية! وهذا كله من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية، وقد وقع الاقتتال بين المسلمين في وقائع عديدة من تاريخهم فما استحلوا المساجد، ولا استحلوا قتل المصلين فيها، بل كانت ساحة الحرب هي مكان القتال، ولا يتجاوزونه بقتل مدبر، ولا الإجهاز على جريح، كما فعل عل في حروبه، حتى خرجت هذه الفئة بجريمة تفجير المساجد بأهلها، بشبهة شيطانية، حتى لم يعد يأمن المصلون في جزيرة العرب بالذهاب إل مساجدهم، و هو ما لم يَدث في تاريخها كله! *** (02) صحيح مسلم رقم011. (01) صحيح ابن حبان12.
عدد الصفحات ٢١﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 11 المبحث الثاني: حرمة المعابد عامة ولم يقتصَ الإسلام في أحكامه تلك على المساجد، بل جعل لمعابد أهل الذمة - وأهل الحرب أيضا - حرمة من حيث تحريم التعرض لها وللعبه اد فيها، كما قال تعال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُ قَاتَلُونَ بِأَنهَُّمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهََّ عَلىَى نَصَِْهِمْ لَقَدِيرر . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيرِْ حَق إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهَُّ وَلَوْلا دَفْعُ اللهَِّ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لهَُّدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعر وَصَلَوَاتر وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهَِّ كَثِير ا وَلَيَنصََُنَّ اللهَُّ مَن يَنصَُُهُ إِنَّ اللهََّ لَقَوِي عَزِيزر ﴾. فهذه أول آية شرع فيها الجهاد دفعا للظلم عن المؤمنين ومساجدهم، وعمن هو تحت ولايتهم من أهل الذمة ومعابدهم، وجعل الغاية منه تحقيق العدل والأمن للجميع، كما روي عن عل وابن عباس والحسن والضحاك. قال عل :(إنأنزلت هذه الْية في أصحاب رسول الله ﷺ ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهَِّ النَّاسَ بَعْضَ هُم بِبَعْض ﴾ لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين ﴿لهَُّدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعر ﴾).(33) وقال ابن عباس: (يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة).(34) وقالالحسن: (يدفع عن هدم مصليات أهل الذهمة بالمؤمنين ).(35) وقال ابن جريرالطبري: (وأول الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعال ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهدم ما ذكر، من دفعه تعال ذكره بعضهم ببعض، وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك: ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم ... وكل ذ لك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمى جل ثناؤه).(36) (00) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان21 /616) . (01) الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب10 /١). (01) الثعلبي النيسابوري في تفسيره الكشف والبيان عن تفسير القرآن1 /16.) (06) جامع البيان21 /611.)
عدد الصفحات ٢٢رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 13 وقال أبو بكر الجصاص الحنفي: (في الْية دليل على أن هذه المواضع المذكورة لا يجوز أن تهدم على من كان له ذمة أو عهد من الكفار).(37) وقال الطبرا الحنفي: (والأول أن يستدل بهذه الْية على أن هذه المواضع المذكورة التي يجري فيها اسم الله تعال لا يجوز أن تهدم في شريعة نبينا محمد ﷺ على كل من كان له ذمة).(38) وقال الرازي الشافعي: (السؤال الأول: ما المراد بهذا الدفاع الذي أضافه إل نفسه؟ الجواب: هو إذنه لأهل دينه بمجاهدة الكفار، فكأنه قال تعال: ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين، من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصَهم على أعدائهم لاستول أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبنونه من مواضع العبادة، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين للعبادة وبناء البيوت لها، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات، وإن كانت لغير أهل الإسلام... المراد لهدمت هذه الصوامع في أيام الرسول ﷺ، لأنها على كل حال يجري فيها ذكر الله تعال، فليست بمنزلة عبادة الأوثان).(39) وقال القرطبي المالكي (قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الْية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم).(40) وقد اختار هذا القول في تفسير الْية ابن القيم الجوزية فقال(وعلى هذا القول لا يَتاج إل التقدير الذي قدره أصحاب القول الأول، وهذا ظاهر اللفظ، ولا إشكال فيه بوجه، فإن الْية دلت على الواقع، لم تدل على كون هذه الأمكنة غير المساجد محبوبة مرضية له، لكنه أخبر أنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعض لهدمت هذه الأمكنة التي كانت محبوبة له قبل الإسلام، وأقر منها ما أقر بعده، وإن كانت مسخوطة له، كما أقر أهل الذمة وإن كان يبغضهم ويمقتهم، (01) أحكام القرآن للجصاص1 /10.) (01) نسب هذا التفسير إلى الطبراني وليس هو صاحب المعجم، بل هو أحد علماء الحنفية (١) مفاتيح الغيب (10 /١). (13) تفسير القرطبي- (21 /13.)
عدد الصفحات ٢٣﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 14 ويدفع عنهم بالمسلممع بغضه لهم، وهو سبحانه يدفع عن متعبداتهم التي أقروا عليها شرعا وقدرا فهو يَب الدفع عنها وإن كان يبغضها، كما يَب الدفع عن أربابها وإن كان يبغضهم، وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعال وهو مذهب ابن عباس في الْية).(41) وقال الطاهر بن عاشور (لما ذكر ا لإذن للمسلمين بدفاع المشركين عنهم أتبع ذلك ببيان الحكمة في هذا الإذن بالدفاع، مع التنويه بهذا الدفاع، والمتولين له بأنه دفاع عن الحق والدين ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد من اليهود و النصارى والمسلمين، وليس هو دفاعا لنفع المسلمين خاصة، والواو في قوله: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهَِّ النَّاسَ ﴾ إل آخره. اعتراضية وتسمى واو الاستئناف. ومفاد هذه الجملة تعليل مضمون جملة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ﴾).(42) وما ذكره هؤلاء المحققون الفقهاء من أئمة التفسير هو ظاهر الْية في تعليل الحكم وبيان الحكمة من تشريع الجهاد في سبيل الله، وهو ألا يقع ظلم ولا فتنة، كما قال تعال في أول الْية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنهَُّمْ ظُلِمُوا ﴾، فبين الله السبب الذي من أجله أذن للمؤمنين بالقتال، وهو كونهم مظلومين، ثم بين الحكمة والغاية من تشريع الجهاد وأنه حتى يأمن أهل الأديان فلا يظلم أحد أحدا، وهو ما تحقق فعلا، فكان المسلمون كلما فتحوا أرضا وعقدوا عهدا مع أهلها حموا كنائسهم ومعابدهم بما في ذلك معابد النار للمجوس، فكان ما فعلوه هو تأويل وتحقيق ما وعدت به الْية القرآنية من تأمين أهل الأديان في ظل عدل الإسلام، ولهذا كتب النبي ﷺ إل أهل اليمن: (وأنه من أسلم من يهودي أو نصَاني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصَانيته فإنه لا يفتن عنها).(43) (12) أحكام أهل الذمة- (0 /1.) (11) التحرير والتنوير- (21 /133.) (10) كتاب الأموال لأبي عبيد2 /١)، والبيهقي في السنن الكبرى ١/1 ، من طرق مرسلة يتقوى بعضها ببعض
عدد الصفحات ٢٤رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 15 وقال عبد الرزاق أخبرناابن جريج قال: (كان في كتاب النبي ﷺ إل أهل اليمن ومن كره الإسلام من يهودي ونصَاني فإنه لا يَول عن دينه).(44) وقد قال الإمام الشافعي في وجوب الدفع عن أهل الذمة في دار الإسلام، وتركهم يَتكمون إل شرائعهم، ويرد على من يوجب الحكم بينهم بحكم الإسلام إذا لم يرضوا به: (أو ترى تركي الحكم بينهم أعظم أم تركهم على الشرك بالله تبارك وتعال؟ فإن قلت: فقد أذن الله عز وجل بأخذ الجزية منهم وقد علم أنهم مقيمون على الشرك به معونة لأهل دينه فإقرارهم على ما هو أقل من الشرك أحرى أن لا يعرض في نفسك منه شيء إذا أقررناهم على أعظم الأمور فأصغرها أقل من أعظمها. قال الشافعي: فقال لي قائل فإن امتنعوا أن يأتوا حكامهم؟ قلت: أخيرهم بين أن يرجعوا إليهم أو يفسخوا الذمة. قال: فإذا خيرتهم فرجعوا وأنت تعلم أنهم يَكمون بينهم بالباطل عندك فأراك قد شركتهم في حكمهم. قال الشافعي: فقلت له لست شريكهم في حكمهم وإنما وفيت لهم بذمتهم، وذمتهم أن يأمنوا في بلاد المسلمين لا يجبرون على غير دينهم، ولم يزالوا يتحاكمون إل حكامهم برضاهم، فإذا امتنعوا من حكامهم قلت لهم لم تعطوا الأمان على الامتناع والظلم، فاختاروا أن تفسخوا الذمة أو ترجعوا إل من لم يزل يعلم أنه كان يَكم بينكم منذ كنتم ، فإن اختاروا فسخ الذمة فسخناها، وإن لم يفعلوا ورجعوا إل حكامهم ، فكذلك لم يزالوا لا يمنعهم منه إمام قبلنا ورجوعهم إليهم شيء رضوا به لم نشركهم نحن فيه. قال الشافعي: ولو رددنا هم إل حكامهم لم يكن ردنا لهم مِا نشركهم، ولكنه منع لهم من الامتناع. (11) مصنف عبد الرزاق- (6 /3.)
عدد الصفحات ٢٥﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 16 وقلت لبعض من يقول هذا القول: أرأيت لو أغار عليهم العدو فسبوهم فمنعوهم من الشرك وشرب الخمر وأكل الخنزير أكان عل أن أستنقذهم إن قويت لذمتهم؟ قال: نعم! قلت: فإن قال قائل إذا استنقذتهم ورجعوا آمنين أشركوا وشربوا الخمر وأكلوا الخنزير فلا تستنقذهم فتشركهم في ذلك ما الحجة؟ قال: الحجة أن نقول أستنقذهم لذمتهم. قلت: فإن قال في أي ذمتهم وجدت أن تستنقذهم هل تجد بذلك خبرا؟ قال: لا ولكن معقول إذا تركتهم آمنين في بلاد المسلمين أن عليك الدفع عمن في بلاد المسلمين. قلت: فإن قلت أدفع عما في بلاد المسلمين للمسلمين فأما لغيرهم فلا؟ قال: إذا جعلت لغيرهم الأمان فيها كان عليك الدفع عنهم. قلت: وحالهم حال المسلمين؟ قال: لا! قلت: فكيف جعلت عل الدفع عنهم وحالهم مخالفة حال المسلمين فهم وإن استووا في أن لهم المقام بدار المسلمين مختلفون فيما يلزم لهم على المسلمين! قال الشافعي: وإن جاز لنا القتال عنهم ونحن نعلم ما هم عليه من الشرك واستنقاذهم لو أسروا فردهم إل حكامهم وإن حكموا بما لا نرى أخف وأول أن يكون لنا).(45) ويقتصَ الإسلام على حماية أهل الذمة والمنع من التعرض لمعابدهم ومعابد أهل العهد، بل نهى عن التعرض لمعابد أهل الحرب وعدم الاعتداء على الرهبان منهم في معابدهم، كما عن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل (11) الأم للشافعي (6 /213.)
عدد الصفحات ٢٦رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 17 الله، من كفر بالله، لا ت غدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع).(46) وعن أبى عمرانالجوني: (أن أبا بكر بعث يزيد بن أ سفيان إل الشام فمشى معه يشيعه قال يزيد: إني أكره أن تكون ماشيا وأنا راكب. قال: فقال: إنك خرجت غازيا في سبيل الله وإني أحتسب في مشيي هذا معك، ثم أوصاه فقال: لا تقتلوا صبيا، ولا امرأة، ولا شيخا كبيرا، ولا مريضا، ولا راهبا، ولا تقطعوا مثمرا، ولا تخربوا عامرا، ولا تذبحوا بعيرا، ولا بقرة، إلا لمأكل، ولا تغرقوا نحلا، ولا تحرقوه).(47) قال الحكيم الترمذي: (ولما بعث أبو بكر الصديق الجنود إل الشام قال: إنكم ستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما حبسوا أنفسهم لله تعال... فالذين تركوا الدنيا وحبسوا أنفسهم في الصوامع واعتزلوا، أمر بترك التعرض لهم، ولم يطالبوا بجزية، لأنهم تَ ركوا فترُ كوا، لأنهم كانوا صادقين في سبيلهم، وإن كانوا على ضلالة).(48) (16) مسند أحمد بن حنبل2 /033) رقم1111 ثنا أبو القاسم بن أبي الزناد قال أخبرني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة به. قال محققه شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1 /012): (رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال فيه: "ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا شيخا " وفي رجال البزار إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد وضعفه الجمهور، وبقية رجال البزار رجال الصحيح). (11) السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي- (١ / 3) أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو الفضل بن خميرويه أخبرنا أحمد بن نجدة حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر به. ورواه عن معمر عبد الرزاق في المصنف - (1 /133) رقم011 - عن معمر عن أبي عمران الجوني به، ورواه عبد الرزاق- (1 /١١) رقم 011 - عن ابن جريج قال أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري به نحوه مرسلا عن أبي بكر. ورقم 016 عن الثوري عن يحيى بن سعيد به، ورواه أيضا عبد الرزاق - (1 /133 )011 - عن معمر عن الزهري قال كان أبو بكر إذا بعث جيوشه إلى الشام قال إنكم ستجدون قوما قد فحصوا عن رؤوسهم بالسيوف وستجدون قوما قد حبسوا أنفسهم في الصوامع فذرهم بخطاياهم، ورواه مالك في الموطأ رقم 61 عن يحيى بن سعيد مرسلا، ورواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار21/106 من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلا (11) نوادر الأصول في أحاديث الرسول- (2 /10.)
عدد الصفحات ٢٧﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 18 وقالالطحاوي: (وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل أصحاب الصوامع. .. فلما جرت سنة رسول الله ﷺ على ترك قتل أصحاب الصوامع الذين حبسوا أنفسهم عن الناس، وانقطعوا عنهم، وأمن المسلمون من ناحيتهم، دل ذلك أيضا على أن كل من أمن المسلمون من ناحيته، من امرأة أو شيخ فان، أو صبي كذلك أيضا، لا يقتلون، فهذا وجه هذا الباب، وهذا قول محمد بن الحسن، وهو قياس قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، رحمة الله عليهم أجمعين).(49) وقالالباجي: (وقوله : إنك ستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعهم وما زعموا إنهم حبسوا أنفسهم له، يريد الرهبان الذين حبسوا أنفسهم عن مخالطة الناس، وأقبلوا على ما يدعون من العبادة، وكفوا عن معاونة أهل ملتهم برأي أو مال أو حرب أو إخبار بخبر، فهؤلاء لا يقتلون سواء كانوا في صوامع أو ديارات أو غيران، لأن هؤلاء قد اعتزلوا الفريقين وعفوا عن معاونة أحدهما... ولا يسبى الرهبان ولا يخرجون من صوامعهم بل يتركون على حالهم).(50) فإن كانت هذه الفئة تريدإقامة الإسلام كما تزعم - لا كما تؤكد الأحداث وأنه يتم توظيفها لمواجهة ثورة الأمة في الشام والعراق وليبيا، كما فعلت الاستخبارات الجزائرية بالجماعة المسلحة التي أعلنت الخلافة والجهاد فاستباحت دماء الشعب الجزائري الثائر على نظامه العسكري بدعوى الردة، وفعلت بالشعب خلال عشر سنوات 1991 – 2001م ما لم يفعله طغاة الجيش الجزائري، حتى قضت على ال ثورة، فلما انتهت المهمة انتهى الجهاد والخلافة المزعومة - فقد ضلت ضلالا بعيدا، ولقد هدمته من حيث أرادت إقامته، وإن كانت تريد إقامة دولة جبرية طاغوتية تستباح بها دماء الشعبين العراقي والسوري، وتنتهي بتقسيم العراق وسوريا إل دويلات طائفية - فقد خسرت خسرانا مبينا، وفعلت بمن تحت سيطرتها ما لم (١) شرح معاني الآثار - (0 /111.) (13) المنتقى- شرح الموطأ - (0 /١).
عدد الصفحات ٢٨رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 19 يفعله أكثر طغ اة العرب بشعوبهم، وأعادت جرائم شبيحة بشار الذين تواروا عن الأنظار وصار تنظيم الدولة يقاتل الشعب السوري نيابة عنهم باسم الإسلام! وإنما لعبت بهذا التنظيم بشهادة من خرج عنه من شرعييهم وقضاتهم أجهزة الاستخبارات، ووظفتهم في شن الحرب على أمتهم، كما فعلوا بأهل الشام بتفجير مساجد المجاهدين فضلا عن غيرهم، وكما فعلوا في حلب التي حاصروها مع جيش بشار، كما تواتر عند أهل الشام في وقائع كثيرة، منشورة وموثقة بالصور، وكما ثبت بكل وسائل الإعلام بيعهم النفط لنظام بشار مِا لا يخفى على أحد، وهو أشد أنواع الإعانة للطغاة على المجاهدين وعلى أهل الشام، وكما فعلوا في العراق بقتل أهل السنة واستباحة دمائهم للسيطرة على مناطقهم الثائرة وتجريدهم من أسلحتهم، ثم الانسحاب منها، وتكرر هذا المشهد مرارا، وشهد به عليهم كل الفصائل المجاهدة في العراق، وظنوا أن آفتهم الغلو والتطرف، حتى تبين لهم أنهم قوة ضبط وسيطرة يتم دعمها من القوى الإقليمية والدولية، ويتم فتح الطريق لها للسيطرة على المناطق الثائرة في الشام والعراق، فأضعفت الثورة، وقطعت الإمدادات عنها، وحاصرت مدنها، بعد أن كادت الثورة السورية تحرر دم شق، و كادت الثورة العراقية تحرر بغداد، وهو مشهد سبق مثله في الجزائر، وكما فعلت القوى الإقليمية والدولية في توظيف الحوثي وفتح الطريق أمامه ليتمدد من صعدة ليواجه الثورة في صنعاء للقضاء عليها، حتى إذا انتهت المهمة وعاث في اليمن فسادا حاربوه وأعادوه من حيث أخرجوه! وقد شابه تمدد الحوثي جنوبا تمدد البغدادي شمالا، وفي السنة نفسها 2014م، كما تقضي به خطة الاستخبارات الأمريكية لمواجهة ثورة الشعوب العربية؛ لرسم خريطة الشرق الأوسط الجديد على أسس طائفية، كما ورد في خريطة الدم التي أعدها الضابط الأمريكي بتر وولف بدراسته سنة 2006م، والتي تؤسس لدويلة زيدية في صعدة، ودويلة سنية في الرقة، وتقسيم العراق وسوريا إل دويلات أكثر ضعفا وأشد تخلفا!
عدد الصفحات ٢٩﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 31 المبحثالثالث: أحكام شهداء المساجد: وقد كثر السؤال عن حكم من تعرضوا للقتل في المساجد وهم يصلون، واستشكل بعض أهل العلم وصفهم بالشهداء، ومن فضل الله على هذه الأمة ورحمته بها أن خصها بأسباب كثيرة للشهادة رفعا لدرجاتها يوم القيامة، كما تواتر ذلك تواترا معنويا عن النبي ﷺ في أحاديث صحيحة وحسنة، وقد نص الحافظ ابن حجر على أنه ثبت منها عشرون سببا، يوصف كل مسلم ثبتت له الوفاة بسبب منها بوصف الشهادة وأحكامها، وهذا بيان لهذه الأسباب، وتفصيل أحكام الشهداء بها: أولا: تعريف الشهيد: الشهيد هو كل مسلم مات أو قتل بسبب من أسباب الشهادة التي ثبتت بالكتاب والسنة، وقد أخبر النبي ﷺ أن شهداء أمته كثير، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال ﷺ: «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد».(51) وزاد في رواية: «والنفساء شهادة».(52) والصحيحين قال ﷺ: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، و صاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله».(53) ومثله حديث جابر بن عبد ا: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إل سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله».(54) (12) مسلم حديث رقم21. (11) أحمد في المسند برقم1. (10) البخاري رقم610 ومسلم رقم21. (11) الحاكم في صحيحه رقم1111.
عدد الصفحات ٣٠رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 30 وعن جابر بن عتيك أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب عليه فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: «غلبنا عليك يا أبا الربيع» فصاح النسوة وبكين وجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ: «دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية» فقالوا وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: «إذا مات» قالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك كنت قد قضيت جهازك، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة؟» قالوا: القتل في سبيل! فقال رسول اﷺ: «الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المبطون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذا ت الجنب شهيد، والمطعون شهيد، والحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد».(55) وقد عقد ابن حبانباب (ذكر تفضل الله جل وعلا على من قتل من أجل ماله إذا تعدي عليه بكتبه الشهادة له) وأخرج عن أم سلمة أن النبي ﷺ بينا هو في بيتها وعنده نفر من أصحابه إذ جاءه رجل فقال: (يا رسول الله كم صدقة كذا وكذا من التمر؟ قال: كذا وكذا، قال الرجل: فإن فلانا تعدى عل وأخذ مني كذا وكذا! فقال النبي ﷺ: «فكيف إذا سعى عليكم من يتعدى عليكم أشد من هذا التعدي» فخاضالقوم في ذلك فقال الرجل منهم: فكيف بنا يا رسول الله إذا كان الرجل منا غائبا في إبله وماشيته وزرعه ونخله فأدى زكاة ماله فتعدى عليه الحق فكيف يصنع يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ: «من أدى زكاة ماله، طيبة بها نفسه، يريد بها وجه ا والدار الْخرة، ثم لم يغيب منها شيئا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فتعدى عليه الحق فأخذ سلاحه فقاتل فقتل فهو شهيد»قال أبو حاتم ابن حبان: (معنى هذا الخبر إذا تعدى على المرء في أخذ صدقته أو ما يشبه هذه الحالة، وكان معه من المسلمين الذي يواطئونه على ذلك وفيهم كفاية، بعد أن لا يكون قصدهم الدن يا ولا شيئا منها، دون إلقاء المرء نفسه إل التهلكة إذ (11) موطأ مالك2 /100 وصحيح ابن حبان١.
عدد الصفحات ٣١﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 31 المصطفىﷺ قال لأبي ذر: «اسمع وأطع ولو عبدا حبشيا مجدعا» وقالﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا»).(56) وأخرج أيضا في صحيحه باب (ذكر إيجاب الجنة وإثبات الشهادة لمن قتل دون ماله قاتل أو يقاتل) عن سعيد بن زيد أن النبي ﷺ: «قال من قتل دون ماله فهو شهيد».(57) وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «من قتل دون ماله مظلوما فهو شهيد».(58) وعن سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد».(59) قال الحافظ ابن حجر: (ولم يقصد الحصَ في شيء من ذلك، وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة، فإن مجموع ما قدمته مِا اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة، وحديث أبي مالك الأشعري مرفوعا «من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله تعال فهو شهيد»، وصحح الدارقطني من حديث ابن عمر «موت الغريب شهادة»، ولابن حبان من حديث أبي هريرة من«ماتمرابطا مات شهيدا»، وللطبراني من حديثابن عباس مرفوعا «المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد»، وقال ذلك أيضا في المبطون، واللديغ، والغريق، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخار عن دابته، وصاحب الهدم ، وذات الجنب، ومن طلب الشهادة بنية صادقة أنه يكتب شهيدا، وحديث فيمن صبر في الطاعون أنه شهيد، وحديث عقبة بن عامر فيمن صرعته دابته وأنه شهيد عند الطبراني، وعنده من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح «أن من يتردى من رؤوس الجبال، وتأكله السباع ويغرق في البحار لشهيد عند الله»، ووردت أحاديث أخرى في أمور (16) صحيح ابن حبان حديث رقم0. ((11 حديث رقم1. (11) أحمد بإسناد صحيح رقم1311. (١) سنن أبي داود رقم 1111 وأحمد رقم2610.
عدد الصفحات ٣٢رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 33 أخرى لم أعرج عليها لضعفها، قال ابن التين هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد ﷺ بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء، قلت والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء ويدل عليه ما روى أحمد و ابن حبان في صحيحه من حديث جابر والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن حبشي، وابن ماجه من حديث عمرو بن عنبسة أن النبي ﷺ سئل: «أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه»، وروى الحسن بن عل الحلواني في كتاب المعرفة له بإسناد حسن من حديث عل بن أبي طالب قال: «كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد غير أنالشهادة تتفاضل») انتهى كلام ابن حجر.(60) وقد عد العيني أسباب الشهادةنحو أربعين سببا ثم قال: (الشهيد الحقيقي هو قتيل المعركة وبه أثر، أو قتله أهل الحرب، أو أهل البغي، أو قطاع الطريق، سواء كان القتل مباشرة أو تسببا، أو قتله المسلمون ظلما، ولم يجب بقتله دية، فالحكم فيه أن يكفن ويصلى عليه، ولا يغسل ويدفن بدمه وثياب ه إلا ما ليس من جنس الكفن، هذا كله عند أصحابنا الحنفية، وعند الشافعي: من مات في قتال أهل الحرب فهو شهيد، سواء كان به أثر أو لا، ومن قتل ظلما في غير قتال الكفار أو خرج في قتالهم ومات بعد انفصال القتال، وكان بحيث يقطع بموته ففيه قولان: في قول: لم يكن شهيدا، وبه قال مالك وأحمد، وفي المغني: إذا مات في المعترك فإنه لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن وابن المسيب فإنهما قالا: يغسل الشهيد، ولا يعمل به، وأما ما عدا ما ذكرناهم الْن فهم شهداء حكما لا حقيقة، وهذا فضل من الله تعال لهذه الأمة بأن جعل ما جرى عليهم تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجرهم بلغهم بها درجات الشهداء الحقيقية ومراتبهم، فلهذا يغسلون ويعمل بهم ما يعمل بسائر أموات المسلمين. وفي (التوضيح): الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والْخرة، وهو المقتول في حرب الكفار بسبب من الأسباب، وشهيد في الْخرة دون أحكام (63) فتح الباري شرح صحيح البخاري6 /10.
عدد الصفحات ٣٣﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 34 الدنيا، وهم من ذكروا آنفا، وشهيد في الدنيا دون الْخرة، وهو من غل في الغنيمة ومن قتل مدبرا أو ما في معناه) انتهى كلام العيني.(61) ثانيا حكم المقتول ظلما: فيما سبق من الأحاديث بيان أسباب الشهادة بالقتل، وأن كل مقتول في قتال مأذون له فيه شرعا فهو شهيد، وكل مقتول بغير حق، فهو مقتولا ظلما، وهو شهيد أيضا، وقاتله ظالم آثم، وحكمه حكم شهيد المعركة، على الصحيح، لا يغسل ولا يصلى عليه، لأن الغسل تطهير، وهو طاهر لا يَتاج لغسل، والصلاة عليه شفاعة له، وهو لا يَتاج لشفاعة المصلين ودعائهم له، لأنه هو شهيد وشفيع لغيره يوم القيامة، فهو شهيد في حكم الدنيا بترك غسله والصلاة عليه، وشهيد في حكم الْخرة بثبوت أجر الشهداء له، بخلاف أسباب الشهادة الأخرى بغير القتال ، كالمطعون والمبطون والحريق والغريق والهدم، فيثبت لهم وصف الشهادة دون أحكامها، فيغسلون ويصلى عليهم، ويثبت لهم أجر الشهادة الأخروي، وإن كان فضل شهيد المعركة في حرب العدو الكافر، وشهيد السلطان الجائر لا يعدلهما شيء، فمنازل الشهداء تتفاوت بحسب أسباب الشهادة، كما ورد في النصوص كحديث (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إل إمام جائر). ثالثا: إطلاق وصف الشهادة: لا خلاف بين الفقهاء على أن الشهادة وصف مخصوص يطلق على أفراد بأعيانهم، يترتب بناء عليه أحكام تخصهم، فلا يغسلون ولا يصلى عليهم، بحسب الخلاف الفقهي، وإطلاق وصف الشهادة عليهم هو بحسب حكم الظاهر، لا على سبيل القطع لهم بها، وأما تبويب البخاري باب (لا يقال فلان شهيد) أي: لا يقال له شهيد على سبيل القطع والتألي على الله، بل على سبيل الرجاء له، وبحسب حكم الظاهر، كما قال ابن حجر في الفتح كما سيأتي، وكذلك لا يقال فلان شهيد قبل ثبوت أسباب الشهادة له، ووفاته بسببها، كما في الحديث الذي أورده البخاري تحت هذه الترجمة، حيث قتل الرجل نفسه بعد أن اشتدت عليه جراحه في آخر المعركة، فكان (62) عمدة القاري شرح صحيح البخاري21 /211.
عدد الصفحات ٣٤