رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 3 ﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ بقلم أ.د. حاكم المطيري أستـاذ التفسير والحديث كلية الشريعة - جامعة الكويت الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على الهادي الأمين، وبعد... فقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، بالاستقامة وعدم الطغيان أو الركون للظالمين، فقال سبحانه مخاطبا رسوله الكريم: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَماَ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِماَ تَ عْمَلُونَ بَصِيرر . وَلا تَرْكَنُوا إلَ الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهَِّ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصََُونَ ﴾، وأمرهم بالبصيرة في دينهم ودعوتهم وجهادهم فقال : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِ أَدْعُو إِلَ اللهَّ عَلىَ بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهَّ وَمَا أَنَا مِنَ المُْشرِْكِينَ ﴾، وأوجب عليهم النفير إل طلب العلم وال تفقه في الدين، كما أوجب عليهم النفير للجهاد في سبيله ، فقال :﴿ وَمَا كَانَ المُْؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةر لِيَتَفَقَّهُوا فيِ الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يََْذَرُونَ ﴾، فإذا كان الجهاد بلا بصيرة وبلا فقه صار طغيانا وفسادا في الأرض، وهو نقيض ما أرسل الله من أجله رسله وأنزل به كتبه، كما قال : ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فيِ الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾، وقال : ﴿إِنَّ اللهََّ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُْفْسِدِينَ ﴾. ووصف الله صحابة النبي ﷺ وأثنى عليهم بالرشد فقال : ﴿أُولَىئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾، وأمر باتباعهم ولزوم هديهم واقتفاء أثرهم ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَ ا تَبَينََّ لَهُ الهُْدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَْ سَبِيلِ المُْؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّ ﴾. وقد فجع المسلمون هذه الأيام بوقائع تترى، و فواجع كبرى، في دمائهم و مساجدهم التي صارت هدفا للتفجير، واغتيال المصلين، تارة على يد الطغاة واستخباراتهم، وتارة بيد الغلاة
عدد الصفحات ٣﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 4 ومفخخاتهم، وقد كان أول من سن الاغتيال في المساجد أبو لؤلؤة المجوسي، باغتياله الخليفة الراشد عمر ، ثم ابن ملجم الخارجي، باغتيالهالخليفة الراشد عل، ثم مازال لهم أتباع يقتفون آثارهم، و يقترفون جرائمهم، بحق أفراد بأعيانهم يغتالونهم خاصة، كما فعل الحشاشون الباطنيون الذين كانوا يغتالون أمراء المسلمين، كما أرادوا بصلاح الدين، إلا أنه لم تظهر طائفة تجعل من تفجير المساجد ذاتها - وتفجير كل من كان فيها من المصلين - عبادة وجهادا قبل البغدادي وتنظيمه ، ولم يكتف هذا التنظيم باقتراف هذه الجرائم حتى تصدى منظروه المجهولون لإثبات مشروعية ما اقترفوه، بل وأنه من الجهاد في سبيل الله! وهو ما لم تجرؤ عليه طائفة من طوائف أهل الإسلام قبلهم، وحتى الحوثي وأتباعه الذين فجروا المساجد في اليمن، لم يصدر عنهم إلا نفي أن يكون ذلك قد وقع منهم! ومع وضوح بطلان مثل هذه الشبه التي يروجها هذا التنظيم منذ ظهوره، حتى تبرأ منه شيوخه الذين كان يرجع إليهم، إلا إنه قد يوجد من قد يغتر بهم، فجاءت هذه الرسالة نصحا للأمة، وإبراء للذمة، و ﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾، والله الهادي إل صراط مستقيم. ***
عدد الصفحات ٤رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 5 i المبحث الأول: في بيان حرمة المساجد تعظيم شأن المساجد، وشأن أهلها وعمارها منافاة الفتك والغدر والاغتيال للإيمان الرد على الاحتجاج بقصة اليهودي كعب بن الأشرف لاستهداف المساجد بالتفجير أحكام شرعية لصيانة حرمة المساجد وحرمة أهلها استحلال تفجير المساجد نازلة غير مسبوقة في تاريخ الأمة الرد على استحلال تفجير مساجد الشيعة بشبهة أنها معابد وثنية شركية قول شيخ الإسلام ابن تيمية في صحة الصلاة خلف أهل البدع المبحث الثاني: حرمة المعابد عامة المنع من التعرض لمعابد أهل الذمة ومعابد أهل العهد وأهل الحرب ممارسات تنظيم الدولة: غلو أم اختراق؟ المبحث الثالث: أحكام شهداء المساجد أولا: تعريف الشهيد ثانيا: حكم المقتول ظلما ثالثا: إطلاق وصف الشهادة رابعا: أقسام الشهداء وأحكامهم خامسا: حكم أصحاب المعاصي إذا تحقق لهم وصف الشهادة 6 6 21 21 21 26 21 21 11 16 11 03 03 01 01 01 13
عدد الصفحات ٥﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 6 المبحثالأول: في بيان حرمة المساجد: قال تعال في بيان حرمة المساجد بإضافتها لنفسه إضافة تشريف وتعظيم: ﴿إِنَّماَ يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهَِّ مَنْ آمَنَ بِاللهَِّ وَالْيَوْمِ الْْخِرِ ﴾، فجاء بأقوى أدوات الحصَ والقصَ (إنما) لينفي عمارتها عن غير المؤمنين، ويقصَها على المؤمنين، فلا يتصور من المؤمنين إلا عمارة المساجد وتعظيمها وتكريمها. وقال : ﴿فيِ بُيُوت أَذِنَ اللههُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾، وقال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مَِِّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللههِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فيِ خَرَابهَِا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لهَُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فيِ الدُّنْيَا خِزْير وَلهَُمْ فيِ الْخِرَةِ عَذَابر عَظِيمر ﴾. فقضى الله - وكفى به حكما - بأنه لا أظلم مِن سعى في خراب المساجد وتعطيلها عن ذكر الله، أو إخافة أهلها وإرهابهم، بحيث يمتنعون عن عمارتها بالصلوات والذكر وقراءة القرآن، خوف الاغتيال والقتل، فالْية عامة في كل مسجد، وفي كل مانع منه، كما قال ابن حيان في تفسيره: (وظاهر الْية العموم في كل مانع، وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصا، فالعبرة به لا بخصوص السبب، قال ابن عطية(1) :وهذه الْية تتناول كل من منع من مسجد إل يوم القيامة، أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد.. وقال المروزي: قال :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ليعلم أن قبح الاعتقاد يورث تخريب المساجد، كما أن حسن الاعتقاد يورث عمارة المساجد.. والظاهر أن المعنى: أولئك ما ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللهه إلا وهم خائفون من اللهه وجلون من عقابه، فكيف لهم أن يلتبسوا بمنعها من ذكر اللهه والسعي في تخريبها، إذ هي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْْصَالِ ﴾؟ وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم بذكر اللهه فيه، ويسعى في عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلا خائفا، إذ هو بيت الله أمر بالمثول (2) في تفسيره الوجيز2 /١١.
عدد الصفحات ٦رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 7 فيه بين يديه للعبادة... ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه، إذ كان ينبغي أن يقع ضده، وهو التبجيل والتعظيم). انتهى كلام ابن حيان.(2) فلا يتعرض للمساجد وأهلها بالإرهاب والمنع فضلا عن التفجير والقتل إلا من فسدت عقيدته، وساءت سريرته، إذ حق المساجد وأهلها التعظيم والإجلال، لا التفجير والاغتيال، فتعظيم حرمتها دليل على الإيمان، بل هو أظهر دلائله، حتى حصَ الله الإيمان بمن عمروها بالصلوات والذكر لله وحده فقال : ﴿إِنَّماَ يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهَِّ مَنْ آمَنَ بِاللهَِّ وَالْيَوْمِ الْْخِرِ ﴾! بل إن من يقترف مثل هذا الأعمال التي تفضي لمنع المصلين من مساجدهم أسوأ حالا من المشركين! كما قال الرازي في تفسيره: (وفي الْية مسألتان: المسألة الأول: في أحكام المساجد وفيه وجوه: الأول: في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول، أما القرآن فآيات: أحدها: قوله : ﴿وَأَنَّ المَْسَاجِدَ للهَِِّ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهَِّ أَحَد ا ﴾، أضاف المساجد إل ذاته بلام الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله : ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهَِّ أَحَد ا ﴾. وثانيها : قوله : ﴿إِنَّماَ يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهَِّ مَنْ آمَنَ بِاللهَِّ وَالْيَوْمِ الْْخِرِ ﴾، فجعل عمارة المسجد دليلا على الإيمان ، بل الْية تدل بظاهرها على حصَ الإيمان فيهم ، لأن كلمة إنما للحصَ. وثالثها: قوله :﴿فيِ بُيُوت أَذِنَ اللهَُّ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْْصَالِ ﴾. ورابعها: هذه الْية وهي قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مَِِّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللههِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾، فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالا من المشرك، لأن قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾، يتناول المشرك لأنه تعال قال:﴿إِنَّ الشرِّْكَ لَظُلْمر عَظِيمر ﴾، (1) البحر المحيط2 /110.
عدد الصفحات ٧﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 8 فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق، وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان...).(3) وقال الطاهر بن عاشور في عموم الْية لكل منع وتعطيلللمساجد: (مساجد الله، جمع تعرهف بالإضافة، ووقع في سياق منع الذي هو في معنى النفي، ليشمل الوعيد كل مخرب لمسجد، أو مانع من العبادة بتعطيله عن إقامة العبادات، ويدخل المشركون في ذلك دخولا أوليا على حكم ورود العام على سبب خاص).(4) وما زال الفقهاء يَتجون بعموم هذه الْيات على الفروع الفقهية، كما قال ابن عبد البر في الاحتجاج بعموم هذه الْية: وقد احتج بعض أصحابنا وغيرهم في إيجاب الإذن للمرأة على الزوج في الخروج إل أداء فريضة الحج بقوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مَِِّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللههِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ الْية).(5) وقال المناويعن حديث نظر الله إل أهل الذكر في المساجد: (وفي الحديث تنويه عظيم بفضل المساجد، وشرف قاطنيها للعبادة فيها، والخلوة بها، وتحذير من غلقها وتعطيلها ﴿ وَ مَنْ أَظْلَمُ مَِِّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾).(6) وقال الشيخ ابنعثيمين: (والمساجد بما أن الله أضافها إل نفسه وأضافها النبي ﷺ إل ربه وأذن الله أن ترفع فلها حرمة ولها أحكام واحترام وتعظيم).(7) وقالأيضا: (ومن فوائد الْية: تحريم تخريب المساجد؛ لقوله تعال: ﴿ وَسَعَى فيِ خَ رَابهَِا ﴾؛ ويشمل الخراب الحسي، والمعنوي؛ لأنه قد يتسلط بعض الناس -والعياذ بالله - على هدم (0) باختصار من مفاتيح الغيب1 /20-21.) (1) التحرير والتنوير2 /613. (1) التمهيد11 /111. (6 )فيض القدير حديث رقم132. (1) شرح رياض الصا6 /112.
عدد الصفحات ٨رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 9 المساجد حسًّا بالمعاول، والقنابل؛ وقد يخربها معن ى، بحيث ينشر فيها البدع والخرافات المنافية لوظيفة المساجد).(8) وقد تواترت الأحاديث النبوية في تعظيم شأن المساجد ، وشأن أهلها وعمارها بالصلوات والأذكار، فهي أحب الأماكن إل الله في الأرض، كما في صحيح مسلم قال ﷺ: (أحب البلاد إل الله تعال مساجدها)(9)، فلا يَبها إلا أولياؤه، ولا يخربها إلا أعداؤه، وفي الصحيح: (من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة)، فإذا كان جزاء بناء المساجد أن يبني الله مثلها في الجنة لمن بناها، فجزاء من هدمها وخربها على نقيضه، كما قال :﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مَِِّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللههِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فيِ خَرَابهَِا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لهَُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فيِ الدُّنْيَا خِزْير وَلهَُمْ فيِ الْخِرَةِ عَذَابر عَظِيمر ﴾! وقد فرض الله على المؤمنين السعي للمساجد يوم الجمعة فقال :﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجُْمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهَِّ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَىلِكُمْ خَيرْر لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾، فمن حال بينهم وبين أداء ما فرض الله عليهم، بهدم مساجدهم، أو إرهابهم من الذهاب وأداء ما أوجب الله عليهم، فقد حاد الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا! وأمر الله المؤمنين بالمشي إل المساجد في كل الأوقات، وجعله من أعظم القربات، كما في صحيح مسلم: (من تطهر في بيته ثم مشى إل بيت من بيوت الله ليقضى فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته)، وقال ﷺ - كما في الصحيحين -: (من غدا أو راح إل المسجد أعد الله له في الجنة منزلا كلما غدا أو راح)، وحث على السعي إليها ولو من بعيد، كما في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: (خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إل قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: أنه بلغني أنكم تريدون (1) تفسير القرآنللعثيمين 1 /1. (١) صحيح مسلم رقم 612.
عدد الصفحات ٩﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 01 أن تنتقلوا إل قرب المسجد، فقالوا : نعم قد أردنا ذلك، قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم). وقال ﷺ - كما في السنن -: (بشر المشائين في الظلم إل المساجد بالنور التام يوم القيامة). فالمساجد بيوت الله التي يدعو عباده إليها، ليؤدوا أحب الأعمال إليه فيها، وهي الصلوات الخمس، فهو الذي دعاهم، وهم ضيوفه، فمن قطع الطريق عليهم، أو حال بينه وبينهم، حال الله بينه وبين ما يشتهيه في الدنيا بالهزيمة والخزي، وفي الْخرة بالعذاب الأليم ﴿لهُمْ فيِ الدُّنْيَا خِزْير وَلهَُمْ فيِ الْخِرَةِ عَذَابر عَ ظِيمر ﴾! وقد حث الشارع على الرباط في المساجد والجلوس فيها، وجعل ذلك من أشرف الرباط، ومن الجهاد في سبيل الله، كما في الصحيح قال ﷺ: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، قالوا : بلى يا رسول الله. قال : إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إل المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط). وقال ﷺ كما في الصحيحين: (الملائكة تصل على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يَدث: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إل أهله إلا الصلاة). وفيهما أيضا عنه ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله... -وذكر منهم- رجل قلبه معلق بالمسجد). وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبيﷺ قال: (إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها مِشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا مِن يصليها ثم ينام). وفي المسند عن أبي أمامة وروي مرفوعا: (الغدو والرواح إل هذه المساجد من الجهاد في سبيل الله).
عدد الصفحات ١٠رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 00 قالالأوزاعي: (كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد عليه السلام والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله). فمن أفسد عليهم رباطهم في مساجدهم، وأخافهم وأرهبهم فقد حاد الله ورسوله، وصد عن سبيل الله. وقد بلغ من صيانة الشارع للمساجد وتعظيمها أن حرم كل عمل يقذرها، أو ينافي نظافتها وتطهيرها، كما في الحديث الصحيح: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)، وقال ﷺ أيضا: (عرضت عل أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن)، ونهى من أكل ثوما أن يقرب المسجد، كما قال ﷺ في الصحيحين: (من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مِا يتأذى منه الإنس)، وقال ﷺ: (من أكل ثوما أو بصلا فليعتزل مسجدنا). فإذا كان النبي ﷺ قد حرم البصاق في المسجد، وجعله خطيئة، ونهى من معه رائحة كريهة أن يدخل المسجد، حتى لا يؤذي الملائكة، فما بالك بمن يفجر فيها بالقنابل ويسفك الدم الحرام لتسيل فيها الدماء أنهارا! وكما تواترت الأحاديث النبوية في تعظيم حرمة المساجد وصيانتها عما ينافي هذه الحرمة، كما في حديث: (أحب البلاد إل الله مساجدها)(10)، فيخل بأمنها ويسعى في خرابها وتعطيلها إلا الطغاة المجرمون، وأعداء الله الظالمون! كذلك عظم الشارع حرمة أهلها وجعل الأذان فيها وإقامة الص لوات أظهر شعائر الإسلام، كما روى أنس عن النبي ﷺ: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته).(11) (23) صحيح مسلم رقم612. (22) صحيح البخاري رقم2.
عدد الصفحات ١١﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 01 فمن أخاف أهلها وخفر ذمتهم واستباح دماءهم فقدخفر ذمة الله وحارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا. وإذا كان قتل النفس التي حرم الله جريمة شنيعة عدها الله كالإشراك به، كما قال : ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهَِّ إِلهَ ا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهَُّ إِلا بِالحَْقِّ وَلا يَزْ نُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَام ا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيخَْلُدْ فِيهِ مُهَان ا ﴾، وجعل الله قتل نفس واحدة ظلما كقتل الإنسانية كلها فقال :﴿مَنْ قَتَلَ نَفْس ا بِغَيرِْ نَفْس أَوْ فَسَاد فيِ الأَْرْضِ فَكَأَنَّماَ قَتَلَ النَّاسَ جمَِيع ا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّماَ أَحْيَا النَّاسَ جمَِيع ا ﴾، وقال ﷺ: (اجتنبوا السب ع الموبقات الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق..).(12) فإذا كان قتل أي نفس كذلكفإن قتل المؤمن جريمة أكبر، كما قال : ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِن ا مُّتَعَمِّد ا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِد ا فِيهَا وَغَضِبَ اللهَُّ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاب ا عَظِيما ﴾، وأشد منه جرما وأشنع من يقتله وهو قائم يصل، وهي حال لا يستحل أهل الجاهلية فعلها لمن حج البيت أو اعتمر، ولا يرون القتال فيه، ولا قتل أهل العبادة وهم متلبسون بها، حتى أن قريشا لما أرادت قتل خبيب بن عدي تركوه يصل ركعتين، تعظيما منهم لشأن العبادة، كما في صحيح البخاري عن ابنة الحارث بن عامر وكانت قريش أسرته في بيتها حتى تقتله، قالت: (فلبث خبيب عندهم أسيرا ، وأنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته، قالت: فأخذ ابنا لي وأنا غافلة حين أتاه، قالت : فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك! قالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب! والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: ذروني أركع ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين).(13) (21) صحيح البخاري رقم1166. ((20 صحيح البخاري رقم0311.
عدد الصفحات ١٢رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 03 فانظرإل هذا الصحابي الذي كان أسيرا لدى المشركين يريدون قتله فوقع الطفل بين يديه، وبيده الموسى فأبى أن يغدر بهم لينجو بنفسه، وكان باستطاعته أن يتخذ الطفل رهينة، إلا أنه علم أن الإسلام دين وفاء وأمان لا تخشى غوائله وغدره! وكما حرم الله الخيانة والغدر بالعدو الكافر، فقال :﴿وَإِمَّا تخََافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَة فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىَ سَوَاء إِنَّ اللهََّ لا يَُِبُّ الخَْائِنِينَ ﴾، كما شهد بذلك أبو سفيان لرسول الله ﷺ حين سأله هرقل بعد صلح الحديبية: (هل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا! فقال هرقل: وكذلك الرسل لا تغدر).(14) فكذلك حرم الفتك والاغتيال لمن ليس مستعدا لقتال ولا متأهبا له، كما عنالحسن قال جاء رجل إل الزبير بن العوام فقال: (أقتل لك عليا؟ قال: لا! وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به، فأفتك به! قال: لا، إن رسول الله ﷺ قال: (إن الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)).(15) وعن سعيد بن المسيب: أن معاوية دخل على عائشة - وكان قد قتل أخاها محمد بن أبي بكر - فقالت له: (أما خفت أن أقعد لك رجلا فيقتلك؟ فقال: ما كنت لتفعليه، وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبي ﷺ يقول: (الإيمان قيد الفتك). كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك؟ قالت: صالح، قال: فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا عز وجل).(16) (21) صحيح البخاري رقم1. ((21 مسند أحمد بن حنبل (2 /266 و261) من طريقين صحيحين عن الحسن البصري به، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف 21/111 بإسناد ثالث صحيح عن الحسن به، وما بين المعكوفتين منه (26) مسند أحمد بن حنبل1 /1) بإسناد حسن. وقد رواه الحاكم في المستدرك1/0 من طريق سعيد بن المسيبعن مروان بن الحكم فذكر قصة معاوية وعائشة.
عدد الصفحات ١٣﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 04 فلا يتصور صدور الغدر والفتك والاغتيال من مؤمن، لأن ذلك ينافي الإيمان الذي هو مشتق من الأمن، وينافي الإسلام الذي هو مشتق من السلم! فكيف الفتك والاغتيال بالمصلين وهم يصلون في مساجدهم دون تمييز بين ظالم ومظلوم! قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: (قوله: [الفتك]، يعني أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله، وإن لم يكن أعطاه أمانا قبل ذلك، ولكن ينبغي له أن يعلمه ذلك قبل، وكذلك كل من قتل رجلا غارا فهو فاتك به).(17) قال الحافظ ابن عبد ال(إذا كان دم الحربي الكافر يَرم بالأمان، فما ظنك بالمؤمن الذي يصبح ويمسي في ذمة الله! كيف ترى في الغدر به والقتل، وقد قال ﷺ: (الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن))؟(18) قال الزمخشري(الفصل بين الفتك والغيلة: أن الفتك هو أن تهتبل غرته فتقتله جهارا، والغيلة أن تكمن في موضع فتقتله خفية).(19) فأي غدر أعظم من الفتك بالمصلين وهم يصلون مِن دخل عليهم يتظاهر بأنه يريد أن يصل معهم، وهم في ذمة الله وبيته وأمانه آمنون غارون مطمئنون، ولو غدر بهم في بيت زعيم من زعماء تنظيمهم لعدوه خيانة، فكيف وهم في بيت الله وأمانه، وقد جاء في الصحيح قوله ﷺ: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله ، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء ، فيدركه فيكب ه في نار جهنم).(20) فترك هؤلاء الغادرون بالله وبالمؤمنين قطعيات القرآن والسنة ومحك ما القولية والفعلية، وذهبوا يتحججون بالمتشابه من حوادث الأعيان التي لها ظروفها الاستثنائية، كقصة كعب بن (21) غريب الحديث لأبي عبيد ابن سلام- (1 /6) (21) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار- (1 /١) (١) الفائق في غريب الحديث - (0 /11) (13) صحيح مسلم رقم611.
عدد الصفحات ١٤رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 05 الأشرف رئيس يهود، الذي حارب الله ورسوله، ونقض عهده مع النبيﷺ، وحرض العرب على حربه، وتحصن في قلاعه، فأرسل له النبي ﷺ بعض أصحابه لقتله، فلما جاءوا الحصن، وحذرته امرأته منهم، وقالت: إنك رجل محارب فلا تخرج إليهم؛ لعلمها بأنه في حال حرب مع المسلمين، وأنهم يتربصون به، فأرداه الله على يديهم! فجاء هؤلاء المغرورون لينزلوا مثل هذه الواقعة على المسلمين في مساجدهم وهم يصلون، فأنزلوا أنفسهم وزعيمهم منزلة رسول الله ﷺ المعصوم بالوحي، وأنزلوا المصلين في مساجدهم المفتوحة للجميع بأمان الله وذمته، منزلة كعب بن الأشرف اليهودي المحارب لله ورسوله في حصنه! وقد جعل الشارع حرمة دم المسلم أشد عند الله من حرمة البيت الحرام نفسه، بل ومن الدنيا كلها، كما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)(21)، وقال تعال: ﴿ وَمَا كَانَ لمُِؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِن ا إِلاَّ خَطَأ ﴾، وقال :﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِن ا مُّتَعَمِّد ا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِد ا فِيهَا وَغَضِبَ اللهَُّ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاب ا عَظِيما ﴾! وقد عظمت الشريعة شأن المساجد وأهلها فشرعت من الأحكام ما يصون حرمتها وحرمتهم فيها، ومن ذلك: 1- نهى النبيﷺ عن دخولها بالسلاح مسلولا، أو الدخول بالسهام مشهرة نصالها، حتى لا تخدش مسلما، كما جاء عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا مر أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا، ومعه نبل، فليمسك على نصالها، أو قال: فليقبض بكفه، أن يصيب أحدا من المسلمين منها شيء».(22) (12) سنن الترمذي رقم1. ((11 صحيح البخاري 1311 ومسلم1621 .
عدد الصفحات ١٥﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 06 2- وعن جابر بن عبد الله أن رجلا مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصولها «فأمر أن يأخذ بنصولها، لا يخدش مسلما»، وفي رواية قال لهالنبي ﷺ: «أمسك بنصالها».(23) 3- وعن ابن عمر وأبي موسى الأشعري عن النبيﷺ قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا».(24) 4- وعن أبي هريرة عن النبيﷺ قال: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري، لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار».(25) 5- وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، و يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه».(26) ومع وضوح هذه النصوص التي تؤكد حرمة دماء المؤمنين، وحرمة مساجد المسلمين، إلا إن الأمة فجعت، وهي تواجه عدوان الاحتلال الخارجي، وطغيان الاستبداد الداخل، بهذه الفئة الباغية، و العصابة الطاغية، التي اتخذت مساجد ها هدفا للتفجير، وترويع الْمنين، وقتل المصلين - تماما كما يفعل الطغاة بالأمة وشعوبها - وقصدتها هذه العصابة بظلم وإلحاد، بشبهة أن تفجيرها من الجهاد، وهي نازلة غير مسبوقة في تاريخ الأمة، قبل خروج هذه الفئة التي ابتدعت شبها شيطانية لتبرير كل جرائمها، ابتداء من الحكم على مجاهدي الشام - وقبلهم مجاهدي العراق الذين هزموا الجيش الأمريكي - بأنهم صحوات لتستحل دماءهم، حتى لم يبق فصيل مجاهد في البلدين لم تقاتله، حتى قتلت من قادتهم ومن علماء أهل السنة وخطبائهم ودعاتهم في العراق وسوريا أكثر مِا قتل العدو! وكأنما سلطها العدو على الأمة لتقوم نيابة عنه بما عجزت جيوشه عن القيام به! وانتهاء باستهداف مساجد المسلمين، ولم يقتصَوا على (10) صحيح البخاري1311 و1310. (11) صحيح البخاري1313 و1312 ومسلم 1 و233. (11) البخاري1311 ومسلم1621. (16) صحيح مسلم2111.
عدد الصفحات ١٦رسالة في حرمة استهداف المساجد في السلم والحرب 07 التفجير حتى جاهروا به، وتفاخروا بجرائمهم ، فاجترأوا على ما لم يجترئ عليه الأعد اء المحتلون، ولا الطغاة المجرمون الذين يقصفون المساجد بطائراتهم ومدافعهم وينفون أن يكونوا قصدوها، بل يتبرأون من استهداف قصفها، إذ تعاهد العالم على احترام المعابد وأهلها، وعدم التعرض لها، حتى في حال الحرب، إلا ما كان من هذه الطائفة التي خالفت أحكام الإسلام، وما تعاهد عليه العالم كله، فبدأت بتفجير مساجد الشيعة بشبهة أنها معابد وثنية شركية، مع أن الله سمى البيت الحرام مسجدا - بالرغم أنه كان تحت ولاية مشركي قريش - في 16 آية قرآنية، وعظه مه وعظه م حرمته، مع أن حوله ثلاثمائة صنم، فقال تعال في شأن الإسراء قبل الهجرة في السنة العاشرة من البعثة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسرَْىى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِّنَ المَْسْ جِدِ الحَْرَامِ إِلَ المَْسْجِدِ الأَْقْصَ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، فسماهما المسجد الحرام والمسجد الأقص، مع كونهما تحت ولاية المشركين، وقال في شأن استقبال القبلة في السنة الثانية من الهجرة: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَْسْجِدِ الحَْرَامِ ﴾، وقال : ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَْسْجِدِ الحَْرَامِ ﴾، وقال بعد الحديبية في السنة السادسة ﴿وَلاَ يجَْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَْسْجِدِ الحَْرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلىَ الْبرِِّ وَالتَّقْوَىى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلىَ الإِْثْمِ وَالْعُ دْوَانِ ﴾، وقال :﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَْاجِّ وَعِماَرَةَ المَْسْجِدِ الحَْرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهَِّ وَالْيَوْمِ الْخِرِ وَجَاهَدَ فيِ سَبِيلِ اللهَِّ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهَِّ وَاللهَُّ لا يهَْدِي الْقَوْمَ الظَّالمِِينَ ﴾، وقال يبشرهم بأداء عمرتهم: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَْسْجِدَ الحَْرَامَ إِنْ شَاءَ اللهَُّ آمِنِينَ محَُلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصَِِّينَ لا تخََ افُونَ ﴾. واعتمر النبي ﷺ وأصحابه عمرة القضاء في السنة السابعة للهجرة وطافوا بالبيت وحوله الأصنام، فلم يفجروه ولا قتلوا أهله وهم عاكفون فيه، ولم يسموه معبدا وثنيا، حتى طهره ﷺ من الأوثان عام فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة! ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا أصحابه أنهم قتلوا أحدا من المشركين وهم يصلون، فضلا عن المسلمين وهم يصلون في مساجدهم، حتى لو وقع فيها شرك أو بدع، فما زال الفقهاء يَذرون من الشركيات والبدع، ولا يقتضي صدور الشرك من المسلم جاهلا أو متأولا أن يكون مشركا
عدد الصفحات ١٧﴿مَعْذِرَة إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 08 خارجا من دائرة الإسلام ، ولا يستحل أحد من فقهاء الإسلام قاطبة قتل المصلين في مساجدهم، ولو ادعى مدع بأنهم غير مسلمين، فهو اجتهاد يعارضه قول عامة فقهاء الأمة بعدم الحكم على أهل القبلة بالكفر، بل هذا ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة يَتج بروايتهم ونقلهم حيث يقول: (الوجه التاسع: إن فقهاء الإمامية من أولهم إل آخرهم ينقلون عن أهل البيت أنه لا يقع الطلاق المحلوف به، وهذا متواتر عندهم عن جعفر بن محمد وغيره من أهل البيت، وهب أن مكابرا كذبهم كلهم وقال قد تواطئوا على الكذب عن أهل البيت، ففي القوم فقهاء وأصحاب علم ونظر في اجتهاد، وإن كانوا مخطئين مبتدعين في أمر الصحابة فلا يوجب ذلك الحكم عليهم كلهم بالكذب والجهل، وقد روى أصحاب الصحيح عن جماعة من الشيعة، وحملوا حديثهم واحتج به المسلمون، ولم يزل الفقهاء ينقلون خلافهم ويبحثون معهم، والقوم وإن أخطأوا في بعض المواضع لم يلزم من ذلك أن يكون جميع ما قالوه خطأ حتى يرد عليهم، هذا لو انفردوا بذلك عن الأمة، فكيف وقد وافقوا في قولهم من قد حكينا قولهم وغيره مِن لم تقف على قوله).(27) وقال شيخ الإسلام ابن تيميةفي صحة الصلاة خلف الأئمة منهم: (فإن أهل الحديث السنة كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم متفقون على أن صلاة الجمعة تصلى خلف البر والفاجر، حتى إن أهل البدع كالجهمية الذين يقولون بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الْخرة، ومع أن أحمد ابتل بهم، وهو أشهر الأئمة بالإمامة في السنة، ومع هذا فلم تختلف نصوصه أنه تصلى الجمعة خلف الجهمي والقدري والرافضي، وليس لأحد أن يدع الجمعة لبدعة في الإمام).(28) وقالأيضا عن الجهمية وهم أشد الفرق ضلالا عنده وعند سلف الأمة وأئمة أهل السنة: (المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين، ولهذا حكى طائفة عنهم الخلاف في ذلك ولم يفهموا غور قولهم، فطائفة تحكي عن أحمد في تكفير أهل البدع (11) الصواعق المرسلة- (1 /626) (11) المستدرك على فتاوى ابن تيمية جمع: ابن قاسم - (2 /1)، ومختصر الفتاوىالمصرية ص 11 .
عدد الصفحات ١٨