1 أسباب نجاحآليات تدبر القرآن الكريم في العلاج النفسي الديني ومعالجة المشكلات المعاصرة د. محمود فتوح محمد
عدد الصفحات ١2 مقدمة الدراسة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تُضاعف الحسنات، وبعفوه تمُحى السيئات، له الحمد جل وعلا يسمع من حمده، ويعطي من سأله، ويزيد من شكره، ويطمئن من ذكره، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً يوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وص حبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفي أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وبعد : القـــرآن هـــادي البشرية ومرشدها ونور الحياة ودستورها، ما من شيء يحتاجه البشر إلا وبيَّنه الله فيه نصاً أو إشارة أو إيماءً ، عَلِمه مَنْ عَلِمه، وجهله من جهله،ولذا اعتنى به صَحْبُ الرسول صلى الله عليه وسلم وتابعوهم تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً . وعلى ذلك سار سائر السلف. ومع ضعف الأمة في عصورها المتأخرة تراجع الاهتمام بالقرآن وانحـســر حتى اقتصر الأمر عند غالب المسلمين على حفظه وتجويده وتلاوته فقط بلا تدبر ولا ف هم لـمـعانيه ومراداته، وترتب على ذلك ترك العمل به أو التقصير في ذلك، "وقد أنزل الله الـقــرآن وأمــرنــا بـتـدبــــره، وتكفل لنا بحفظه، فانشغلنا بحفظه وتركنا تدبره ( )". ولـيـس الـمقـصـود الدعوة لترك حفظه وتلاوته وتجويده؛ ففي ذلك أجر كبير؛ لكن المراد التواز ن بين الحـفــظ والتلاوة والتجويد من جهة وبين الفهم والتدبر. ومن ثم العمل به من جهة أخرى كما كان عليـه سلفنا الصالح - رحمهم الله تعالى - . يؤدى تعرض الأفراد إلى تجارب الرسوب أو الفشل إلى جعلهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية المختلفة والمتنوعة، فالأفراد الذين يعانو ن من سوء التوافق النفسي والاجتماعي، ويتبنو ن مفهوم ذات سلبي، ويعانو ن من انخفاض في درجة الدافعية لديه م، يكونوا في أمس الحاجة إلى البرامج الإرشادية والعلاجية لتدريبه م على التخطي والتغلب على هذه المعوقات التي قد تتسبب في ظهور الاضطراب النفسي، ويعد العلاج النفسي الديني أحد أبرز تلك التدخلات الفعالة؛ إذ يسهم في تحسين قدرة الفرد على التفكير والإدراك السليم للمواقف . ويساعد الفرد على الوعي بالذات، والتعبير عن النفس، واكتساب المهارات الحياتية بل وممارستها، ومن خلال ذلك يصل الفرد إلى التغلب على الاضطرابات النفسية، والى فهم أنفسهم وفهم الآخرين ( ) . - حول التربية والتعليم ،عبد الكريم محمد الحسن بكار ،ص 2- American Psychiatric Association (1994). “Diagnostic and statistical manual of mental disorders (DSM IV)”. 4th Ed. Washington: American Psychiatric Association, dc. , p.420.
عدد الصفحات ٢3 يعتمد الدين الإسلامي على مجموعة من الثوابت؛ منها أركان الإيمان : وهي الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره ،ما ورد في سورة البقرة ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ البقرة: ٢٨٥. ونجد في رحاب كل منها تربية نفسية إن أحسن شرح هدفها والتدريب عليها . ويؤدي الالتزام بها إلى تشكيل فلسفة عامة تقينا الاضطرابات النفسية . وتطبيق هذه القناعات يزيد الصلابة النفسية كما تؤكد النظرية المعرفية التي تقوم على أساس أن السلوك تابع للأفكار؛ حيث تؤثر أفكارنا تجاه الأحداث على مشاعرنا في العالم الخارجي وتغير سلوكنا )). و يساعد تدبر أركان الإيمان في الوقاية من بعض أسباب الاضطرابات النفسية . وتسعى الدراسة الحالية إلى دراسة أسباب نجاح آليات تدبر القرآن الكريم في العلاج النفسي الديني ومعالجة المشكلات المعاصرة مشكلة الدراسة: أدرك الكثير من علماء النفس في البيئة الإسلامية أهمية التأصيل الإسلامي للعلاج النفسي فأخذوا ينقبون في القرآن الكريم والسنة الشريفة واجتهادات علماء المسلمين، مما يسهم في بناء علم نفس إرشادي مر تبط بالثقافة الإسلامية. ولقد بدأت تظهر منذ بداية الستينات حتى الآن المقدمات التي قام بها علماء النفس التي تنادي بأهمية الإفادة من التعاليم والقيم الدينية الإسلامية في الإرشاد النفسي والصحة النفسية، وترى أن الإيمان الحقيقي بالله قوة هائلة تمد الإنسان المتدي ن بطاقة روحية تعينه على تحمل مشاق الحياة وتجنبه القلـق الناتج عـن الاهتمام بالحياة المادية ( ). تمثلت تلك الاتجاهات في كتابات عديدة منها : عبد الوهاب حمودة (69 ( القرآن وعلم النفس، ومحمد ماهر عمر(69 ) ملامح علم نفس إسلامي، وحسن محمد الشرقاوي (69 )نحوعلم نفس إسلامي، وسيد عبد الحميد مرسي (691( سلسة دراسات نفسية إسٍلامية "الشخصية السوية "، ومحمد عثمان نجاتي (691) القرآن وعلم النفس، والحديث النبوي وعلم النفس (222)، ومحمد عبد الفتاح مهدي (662 )نحو علم نفس إسلامي "العلاج النفسي في ضوء الإسلام "، وسيكولوجي ة الدين والتدين (22 )، ورشاد علي عبد العزيز موسى (66 )علم النفس الديني، أساليب العلاج النفسي ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية (22 )، الإرشاد النفسي في حياتنا اليومية في ضوء الوحي الإلهي 3 - Ellis،Albert(2001). Overcoming Destructive Beliefs،Feelings،and Behaviours. New York: Prometheus Books. - الدلالات الإكلينيكية المميزة لاستجابات مريض بعصاب الوسواس القهري لاختبار تفهم الموضوع (T.A.T) دراسة حالة "، عادل خضر، مجلة علم النفس ، ع 11 ، السنة ، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 222،ص 2.
عدد الصفحات ٣4 والهدي النبوي(22 )، العلاج الدي(22 )، محمد يوسف خليل(66 )، تلاوة القرآن الكر وأثرها على اطمئنان النفس، ومحمد عوده ، كمال مرسي (66 ( الصحة النفسية في ضوء علم النفس والإسلام، وعبد العلي الجسماني (669 )علم النفس القرآني والتهذيب الوجداني، و مصطفى محمود (669 )علم نفس قرآني جديد، و عبد الرحمن محمد العيسوي ( 22 )سيكولوجية الإسلام والإنسان المعاصر، ومحمد محروس الشناوي (22 )بحوث في التوجيه الإسلامي للإرشاد والعلاج النفسي، ومحمد رمضان محمد (229)، الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في علم النفس والتحليل النفسي. ولقد أشارت أيضاً العديد من الدراسات إلى أهمية استخدام المفاهيم الدينية في الإرشاد والعلاج النفسي وتحقيق الصحة النفسية(1). يعد العلاج النفسي الديني شكلا من أشكال العلاج النفسي الحديث الذي يستمد أساسياته وفنياته من الإسلام ، وقد أثبت فعالية في تخفيف الاضطرابات النفسية ، الأمر الذي يسهم في تحقيق الاتزان الروحي و الاستقرار النفسي . وير ى الباحثون أن العلاج النفسي الديني هو أحد أنواع العلاج النفسي المحددة المبادئ ،والمفاهيم، والأسس، والخطوات، والفنيات التي تهتم بتوجيه المريض إلى الاهتمام بعلاج الاضطراب الذي يعانى منه وفق المفاهيم الدينية الصحيحة ،والأفكار السليمة التي تساعده على التوافق النفسي، والاجتماعي ،والروحي (9). توجد العديد من الفنيات الخاصة بالعلاج النفسي الديني التي لها أثر فعال في علاج النفس الإنسانية من اضطراباتها المختلفة ، وهذه الفنيات تستمد منهجها وإجراءاتها من الكتاب والسنة ، وهي عديدة ومتنوعة ، وتتناول العلاج بقراءة القران الكريم وتدبره، و العلاج بالتوحيد، والنصح،والأدعية ،والأذكار، والاستغفار، والصبر ، والصلاة ، والتخيل ، والاسترخاء ، وتلك الفنيات يمكن اعتبارها فنيات معرفية سلوكية لأنها تركز على أفكار المريض ،واتجاهاته المرضية المختلة وظيفياً ،وتمده بالمهارات التي تساعده على ممارسة السلوكيات التوافقية. ويقوم به المعالج النفسي الديني أثناء المقابلة العلاجية في الكشف عن مكبوتات اللاشعور ، وتعرفها وإخراجها إلى حيز شعور العميل لعلاجها ، كما يحدد المعالج النمو الديني والقيم المؤثرة على العميل ، وكيفية الإفادة منها في عملية العلاج ، فضلا عن امتلاكه جانباً إنسانياً يبرز في تعامله مع الإنسان كوحدة كلية شاملة ، وفي نظرته لصاحب الإرادة القوية والعقيدة 1- الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في علم النفس والتحليل النفسي، رمضان محمد محمد ،ص91 -الدلالات الإكلينيكية المميزة لاستجابات مريض بعصاب الوسواس القهري لاختبار تفهم الموضوع(T.A.T) دراسة حالة"، عادل خضر، مرجع سبق ذكره ،ص 2.
عدد الصفحات ٤5 الصحيحة على أنه مسؤ ول عن اختياراته وأفعاله وأقواله ، مما يجعله متمتعاً بالتوافق والصحة النفسية ، فضلا عن الجانب المعرفي المتمثل في تناول العمليات المعرفية العقلية وآليات التفكير الشامل 1 . يقوم العلاج النفسيالديني على أسس عامة تتمثل في عدد من المسلمات والمبادئ التي تتعلق بالسلوك البشري والعميل وعملية الإرشاد ، وعلى أسس فلسفية تتعلق بطبيعة الإنسان وأخلاقيات الإرشاد النفس ي ، وعلى أسس نفسية وتربوية تتعلق بالفروق الفردية ومطالب النمو ، وعلى أسس اجتماعية تتعلق بحاجات الفرد والمجتمع ، وعلى أسس فسيولوجية تتعلق بالجهاز العصبي والحواس(9).ويسعى علم النفس الديني إلى التأصيل الديني للإرشاد والعلاج النفسي من خلال تأسيس الإرشاد النفسي على أسس ومنطلقات وممارسات دينية تجعل الإرشاد النفسي أكثر كفاءة عند الأفراد في وقايتهم من الاضطرابات النفسية ومساعدتهم على استعادة الصحة النفسية6. ويقوم علم النفس الديني على معرفة الفرد بأن الله هو الخالق ولا خالق غيره كما في قوله تعالي : ﭽ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ الملك: ١٤. ويساعد تدبر القرآن الكريم على تحقيق ذلك 2،فتدبر القرآن الكريم هو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله " أى التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة " ويشير الشريفين (2 2) بأن علم النفس واعرفة الإنسانية بشكل عام ليست سوى علما احتماليا ينطوي على الخطأ والصواب والحق والباطل، ولن ينقذها من هذا المصير سوى جعلها تصدر عن مصدر يقيني. والتأصيل الإسلامي لعلم النفس يجعل هذا العلم يصدر عن مصدر يقيني ويقدم علما يقينا وليس احتماليا. ويولي المرشدون اهتم اما كبيرا بدور الوقاية الدينية من الاضطراب النفسي أو ما يطلق عليه التحصين النفسي الديني. ويخلص زهران ( 669 )إلى أن الدين وسيلة لتحقيق الإيمان والأمان والسلام النفسي، وهو هبة من الله لخير الإنسان؛ يعينه على الحياة السوية. والإرشاد النفسي الديني يحقق الهدف المطلوب وهو النفس المطمئنة التي توافق بين النفس الأمارة بالسوء وبين النفس اللوامة وتنمية البصيرة -العلاج الديني للأمراض النفسية، رشاد موسى ؛ ويوسف محمد، ص ٤2. ٨ -"الصحة النفسية والعلاج النفسي" ،حامد زهران، ،ص ٥. 6 "الإرشاد والعلاج النفسي من منظور إسلامي"، كمال مرسى ،ص١ . 2 http://www.aldoah.net قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل ،عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني موسوعة نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم، صالح حميد و عبد الرحمن بن ملوح نحو بناء نظرية إسلامية في النمو الإ نساني عماد الشريفين ،ص9 التوجيه والإرشاد النفسي ، حامد زهران ، ص9 .
عدد الصفحات ٥6 وقد توصل شاتChatters، 2000) بعد دراسته لدور القناعات الدينية كعامل وقاية إ أن المؤسسات الدينية تقدم عادة تقييما إيجابيا للنفس البشرية والذات، كما تقدم و سيلة لتشكيل سلوكيات وقائية تقلل من المخاطر الصحية . ويضيف بأن حضور الاجتماعات الدينية والقناعة الدينية والعبادات تؤدي إلى تغيير إدراك تحديات الحياة، وإلى تقوية التوافق النفسي والشعور بالرضا 1. ويضيف ماينراد وآخرون Maynard et al. 2001 أن مفهوم الله الذي يتكون من خلال التعليم والتدريب والخبرات الشخصية مؤثر في اختيار واستخدام الأفراد لاستراتجيات التعامل9 . ويؤكد بارجمنت وآخرون Pargament، etal) أن استخداماستراتيجيات التعامل الديني الإيجابية مثل طلب المساندة الروحية، والتسامح، والصلاة ارتبطت بتراجع الشكاوى السي كوسوماتية وزيادة النمو النفسي والروحي 1. ومن الاضطرابات النفسية المنتشرة والمؤثرة على المجتمعات في الوقت الحالي القلق والاكتئاب . وهما من الأمراض التي أظهرت الدراسات الأثر الإيجابي للدين والتدين في التعامل معها 9 .والتربية الإسلامية المستضيئة بالقرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة؛ والاجتهاد في ضوئهما؛ لتحقيق الغايات التي حددها الإسلام لنمو وسعادة المسلم وغيره في الحياة الدنيا والآخرة 6 وتعدالتنشئة الاجتماعية في الإسلام نظامً ا متكاملا يشمل جميع جوانب الفرد الإيمانية والجسمية والاجتماعية والعقلية والنفسية والأخ لاقية بصورة متوازنة بحيث لا يطغى جانب على آخر لتحقيق سعادة الإنسان2 . ويوضح جراجرة (699 )أسبقية الإسلام على العلوم المعاصرة في الاهتمام بالطفل وتفهم سيكولوجيته قبل علماء العصور الحديثة ،وضرورة رعايته نفسيا وجسديا ومراعاة خصوصية مراحل نموه. 15 Chatters, L. M. (2000). Religion and health: Public Health research and practice. Annual Review of Public Health, 21, 335–367. 16 Maynard, E. A., Gorsuch, R. L., & Bjorck, J. P. (2001). Religious coping style, concept of God, and personal religious variables in threat, loss, and challenge situations. Journal for the Scientific Study of Religion,40, 65–74. 17 Pargament, K. I., Smith, B. W., Koenig, H. G., & Perez, L. (1998). Patterns of positive and negative religious coping with major life stressors. Journal for the Scientific Study of Religion, 37, 71–724 9 علم النفس النمو الطفولة والمراهقة ، حامد زهران ، ،ص6 6 التربية الإسلامية بين الأصالة والحداثة، عبد الرحمن حجازي، ،ص24. 2 دراسات في ماهية التنشئة الاجتماعية ، منذر إبراهيم علي ،ص1 . ريادة الإسلام في تفهم خصوصية عالم الأطفال وفي تقرير وتطبيق حقوقهم الخاصة الرعاية والتربية ، عيسى الجراجرة، ص1 .
عدد الصفحات ٦7 ويتضمن الدين ا لإسلامي مصادر مهمة للتنشئة الاجتماعية تهدف إلى تعديل الاتجاهات وغرس القيم الفاضلة. ومما لا شك فيه أن لهذه القيم أثر ا كبيرً ا في حياة الفرد لأنها تنظ م حياته وتمده بمجموعة من المعايير توجه سلوكه الشخصي والاجتماعي .كما أنها تزوده بطاقات وجدانية تساعده على تقبل صعوبات الحياة والخروج من أزماتها . يتنوع تدبر القرآن الكريم بحسب تنوع مطالب المتدبرين . وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله : " يتفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص ، وأن منهم من يفهم من الآية حكماً أو حكمين ، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك ، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته أو ضمه إلى نص آخر متعلق به فيفهم من اقترانه به قدرا زائداً على ذلك اللفظ بمفرده " . ويعتبر العلاج بقراءة القران الكريم وتدبره ، والعلاج بالصلاة والدعاء مفيدا في تقليل التوتر عند يقينك بوجود قوة قادرة على تحقيق الشفاء 1. إن تدبر القران الكريم يدعم أركان الإيمان لدى الفرد والتي تحميه من بعض أسباب الاضطرابات النفسية؛ مثل: الصراع : وهو تعرض الفرد لقوى متساوية تدفعه في وجهات متعددة بحيث يصبح عاجزا عن اختيار وجهة معينة . ويشعر ا لفرد في مثل هذا الموقف بالضيق والتوتر لعجزه عن الاختيار ، والإحباط: الذي هو حالة انفعالية تشمل التوتر والقلق تنتج عن مواجهة الفرد عائقا أو عقبة تحول بينه وبين إشباع دافع أو أكثر، والقلق والذي هو خبرة انفعالية غير سارة يعاني منها الفرد عندما يشعر بخوف أو تهديد من شيء دون أن يستطيع تحديده تحديدا واضحا9. وفي ضوء ما سبق يمكن صياغة مشكلة الدراسة الحالية في التساؤل التا: ما هي أسباب نجاح آليات تدبر القرآن الكريم في العلاج النفسي الديني ومعالجة المشكلات المعاصرة ؟ وينبثق عن هذا التساؤل التساؤلات الفرعية التالي ة: ) ما مفهوم تدبر القرآن الكريم ؟ ) ما مفهوم العلاج النفسي الديني ؟ دراسات في ماهية التنشئة الاجتماعية ، منذر إبراهيم علي ، ص19. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي 661، 1/ 19. إعلام الموقعين عن رب العا ، ابن قيم الجوزية ، /9 . 1 التربية الإسلامية بين الأصالة والحداثة، عبد الرحمن حجازي، ص1. 9 مقدمة في الصحة النفسية، عبد السلام عبد الغفار، ص 66،1 .
عدد الصفحات ٧8 ) ماأركان تدبر القرآن الكريم ؟ ) ما أنواع تدبر القرآن الكريم ؟ 1) ما أسباب نجاحآليات تدبر القرآن الكريم في العلاج النفسي الديني ومعالجة المشكلات المعاصرة ؟ أهداف الدراسة: تهدف الدراسة الحالية إلى تحقيق ما يلي : التأصيلالنظري لموضوع تدبر القرآن الكريم . التأصيلالنظري للعلاج النفسي الديني. إبراز أسباب نجاح آليات تدبر القرآن الكريم في العلاج النفسي الديني ومعالجة المشكلات المعاصرة . منهج الدراسة: استخدم الباحث في هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي وذلك لوصف موضوع الدراسة، وتحليل بياناته، وبيان العلاقة بين مكوناته، والآراء التي تطرح حوله ، والآثار التي يحدثها . المبحث الأول: مصطلحات الدراسة: أولا: مفهوم تدبر القرآن الكريم: تناول العديد من العلماء : مفهوم تدبر القرآن الكريم فنجد الميداني يع رفه بأنه التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة . في حين يرى مقاتل بن سليمان أن مفهوم تدبر القرآن الكريم هو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك 1. ويرى الزمخشري أن مفهوم تدبر القرآن الكريم هو تأمل معانيه وت بصر ما فيه9 .وقال: وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يَدْبُر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة6. ويعرف القرطبي تدبر القرآن الكريم بأنه التفكر فيه وفي معانيه 2. 1 تفسير مقاتل، مقاتل بن سليمان الأزدي، تحقيق : أحمد فريد ، /1. وتفسير السعدي )تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (،عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي ، /96. 9 الكشاف، الزمخشري ـ ، /9 . 6الكشاف، الزمخشري ، المرجع السابق /1.
عدد الصفحات ٨9 ويرى الخازن أن مفهوم تدبر القرآن الكريم هو تأمل معانيه، وتفكر في حكمه، وتبصر ما فيه من الآيات . ويعرف أبو حيان مفهوم تدبر القرآن الكريم بأنه التفكر في الآيات، والتأمل الذي يفضي بصاحبه إلى النظر في عواقب الأشياء . ويعرفه ابن القيم بأنه تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله . ويصف السيوطي الشخص الذي يتدبر القرآن الكريم بأنه يشغل الشخص الذي قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية ، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك؛ فإن كان مما قصَّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل ، أو عذاب أشفق وتعوذ، أو تنزيه نزه و عظم ، أو دعاء تضرع وطلب . ويعرف ابن عاشور مفهوم تدبر القرآن الكريم بأنه تعقب ظواهر الألفاظ ليعلم ما يَدْبُر ظواهرها من المعاني المكنونة والتأويلات اللائقة . ويعرف الميداني مفهوم تدبر القرآن الكريم بأنه التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة . ثانيا: مفهوم العلاج النفسي الديني: Religion Psychological Psychotherapy: تعددت تعريفات العلماء والباحثين حول مفهوم العلاج النفسي الديني فنجد صبحي (699 ) يعرفه بأنه أحد المساعدات الإرشادية التي تستخدم كأداة للتغلب على العقبات التي تقف في سبيل التوافق النفسي، وتحقيق الحاجات النفسية والفسيولوجية لدى الأفراد بصفة عامة ، والشباب بصفة خاصة، وذلك عن طريق الإفادة من محتوى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة كأحد المساهمات في تصحيح الأفكار والتصورات الخاطئة 1. ويعرف فهمي ( 699 ( العلاج النفسي الديبأنه أسلوب توجي ه واستبصار يعتمد على معرفة الفرد لنفسه، ولربه، ولدينه ،وللقيم والمبادئ الروحية والخلقية ، وهذه المعرفة غير الدنيوية المتعددة الجوانب والأركان تعتبر مشعلاً يوجه الفرد في دنياه، ويزيده استبصاراً بنفسه ،وبأعماله ، وطرائق توافقه 2 تفسير القرط ،محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ،1/ 62. تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل (،علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي (الخازن )، /1. تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 6/ 9. الإتقان في علوم القرآن،جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ،666، /22. تفسير التحرير والتنوير ، محمد الطاهر بن عاشور، / . 1 "الإرشاد النفسي "، سيد صبحي،ص 2
عدد الصفحات ٩11 في حاضره ومستقبله . وقد أشار هذا التعريف إلى عمليتي التوافق والاستبصار كهدفين مهمين للإرشاد والعلاج النفسي الديني9. في حين يعرف زهران ( 666) العلاج النفسي الديني بأنه أسلوب توجيه وإرشاد وتربية وتعليم ، يقوم على معرفة الفرد لنفسه ولدينه ولربه والقيم الروحية والأخلاقية 1 عرّفكل من عبد الح ميد، وكفافي ( 661 ) العلاج النفسي الديني بأنه عـلاج نفسي تدعيمي ، يوفـر نوعاً من الإرشـاد الدعوي 9 وعرّف مرسي(661 )العلاج النفسي الديني بأنه عمليات تعلم وتعليم نفسي اجتماعي ، تتم في مواجهة بين شخص متخصص في علم النفس الإرشادي ( مرشد ) ، وشخص أخر يقع عليه التوجيه والإرشاد (المسترشد)، ويستخدم فيه فنيات وتقنيات وأساليب فنية ومهنية ، ويهدف إلى مساعدة المسترشد على حل مشكلاته ومواجهتها بأساليب توافقية مباشرة ، ومعاونته على فهم نفسه ، ومعرفة قدراته وميوله وتشجيعه على الرضا بما قسم الله له ، وتدريبه على اتخاذ قراراته بهدي من شرع الله حتى ينشأ عنده طلب الحلال بإرادته ، وترك الحرام بإرادته ، ويضع لنفسه أهدافاً واقعية مشروعة ، ويفيد من قدرته بأقصى وسعها في عمل ما ينفعه وينفع الآخرين ، ويجد تحقيق ذاته من فعل ما يرضي الله فينعم بالسعادة في الدنيا والآخرة 6. وعرّفإبراهيم (669 )العلاج النفسي الديني بأنه عملية توجيه وإرشاد وعلاج وتربية وتعليم تتضمن تصحيح وتغيير تعلم سابق خطأ ، وهو إرشاد تدعيمي يقوم على استخدام القيم والمفاهيم الدينية والخلقية ، ويتناول فيه المرشد مع العميل موضوع الاعتراف والتوبة والاستبصار ، وتعلم م هارات وقيم جديدة تعمل على وقاية وعلاج الفرد من الاضطرابات السلوكية والنفسية 2 وعرّف خضر (222 ) العلاج النفسي الديني بأنه محاولة مساعدة الفرد لاستخدام المعطيات الدينية للوصول إلى حالة من التوافق تسمح له بالقدرة على ضبط انفعالاته إلى الحد الذي يساعده على النجاح في الحياة . 9 الإرشاد النفسي "، فهمي مصطفى،ص9. 1 "الصحة النفسية والعلاج النفسي" ، حامد زهران ، ص 11. 9 معجم علم النفس في الطب النفسي"، جابر عبد الحميد علاء الدين كفاى،، جـ "9"،ص 6 "الإرشاد والعلاج النفسي من منظور اسلامى "، كمال مرسى، مرجع سبق ذكره، ص 99. 2 العلاج النفسي الحديث قوة للإنسان"، عبد الستار إبراهيم ص . "الدلالات الإكلينيكية المميزة لاستجابات مريض بعصاب الوسواس القهري لاختبار تفهم الموضوع (T.A.T) دراسة حالة "، عادل خضر، مرجع سبق ذكره، ص 2.
عدد الصفحات ١٠11 وترى ياركندى ( 22 )أن العلاج النفسي الديني هو مجموعة من الأساليب والمعارف والخدمات يقدمها أخصائيون في الإرشاد معتمدين على القرآن والسنة ؛ بهدف تحقيق الصحة النفسية . ويعرّف الحبيب (221 )الإرشاد النفسي الديني بأنه طريقة من الطرق الإ رشادية التي تستخدم فنيات الدين وقيمه ومفاهيمه في إصلاح عيوب النفس وإرجاعها إلى فطرتها السليمة التي فطرها الله عليها . في حين يرى المهدي (221 )أن الإرشاد النفسي الديني هو إرشاد روحي بمعناه الغيبي غ المحسوس بالإضافة إلى الاهتمام الملحوظ بالعلاج النفسي ا لذي أخضع للدراسة على صعيد العلم والتجربة أحياناً ، وبذلك يجمع بين الأخذ بالأسباب واللجوء إلى خالقها ، لقوله تعالى: ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ الشعراء: 2. كما عرّف ليهي(229 )العلاج النفسي الديني بأنه شكل من أشكال العلاج النفسي الحديث يقوم على أساليب ومفاهيم و مبادئ دينية وروحية وأخلاقية بهدف تصحيح وتغيير الأفكار المشوهة ،والتصورات المختلة وظيفياً لدى الفرد في أمور الحياة كلها، ومساعدته على تحمل مشاق الحياة ، ويبعث الأمن والطمأنينة في النفس ،وراحة البال ويغمره الشعور بالسعادة 1 . ويقصد بالعلاج النفسي الديني في الدراسة الحالية بأنه مجموعة من الخدمات التخصصية التي يقدمها مختصون في علم النفس لأشخاص يعانون من سوء توافق نفسي أو شخصي أو اجتماعي بهدف مساعدتهم على تجنب الوقوع في مشكلات أو محن نفسية أو اجتماعية أو أسرية ،وتقليل آثارها إذا وقعت ، وتزويدهم بالمعارف الدينية والعلمية والمهارات الفنية لتحسين توافقهم النفسي مع هذه الظروف استرشاداً بالعبادات والقيم الدينية ، مثل : التقوى، والتوكل ، والصبر ، والإيمان بالقضاء والقدر ، والدعاء ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى استغلال فنيات وأساليب نظريات الإرشاد النفسي بأنواعها كوسائ ل معينة من مساعدة المسترشد على تحقيق النمو الذاتي وتحمل المس ؤ ولية الاجتماعية وتحقيق أهدافه المشروعة من الناحية الدينية في نطاق قدراته وإمكانياته . ياركندى، هانم حامد (22 ) :"الصحة النفسية في المفهوم الإسلامي"،، ص 19. الحبيب، طارق بن على (221): "الوسواس القهري مرض نفسي أم أحاديث شيطانية القاهرة "، مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع،ص . " العلاج النفسي في ضوء الإسلام"، محمد عبد الفتاح المهدي، ص . 1 "دليل عملي تفصيلي لممارسة العلاج النفسي المع رفي في الاضطرابات النفسية "، روبرت ليهي، ترجمة جمعة يوسف ومحمد الصبوة . ص 6 .
عدد الصفحات ١١12 المبحث الثاني: تدبر القرآن: أولاا : تدبر القرآن في سور القران الكريم: تعددت الآيات التي تدعو إلى تدبر القرآن الكريم ومنها : قال الله - تعـالى -: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ص: ٢٥ في هذه الآيـة بين الله - تعالى - أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها . قال الحسن البصري : "والله! ما تـدبُّـره بحفـــظ حـروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآنُ في خُلُق ولا عمل"9. قال- تعالى -:ﭽ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ النساء: ٥٨. قال ابن كثير : " يقول الله تعالى آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: أفــلا يتدبرون القرآن } 1، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب . قال - تعالى -:ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ البقرة: ٤٥٤.روى ابن كـثـيـر عـن ابن مسعود قال: "والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله "9 . وقال الشوكا : "يتلونه: يعملون بما فيه"( فتح القدير ، /1 )ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر. قــال - تعالى -:ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭼ البقرة: ٨ . قال الـشـوكـانـي : "وقيل: (الأماني: التلاوة) أي: لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون تفهم وتدبر6، وقـال ابـن القـيـم: "ذم الله المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني "12. قال ا- تعالى -:ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ الفرقان: 22 .قال ابن كث : "وترك تدبره وتفهمه من هجرانه "1 .وقال ابن القيم: "هجر القرآن أنواع ... الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه "1 . 9 تفسير ابن كثير،إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، 1/9 1 تفسير ابن كثير،إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي،المرجع السابق، /9 9 تفسير ابن كثير ، تفسير ابن كثير ،إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ،مرجع سبق ذكره، /2 6 "فتح القدير،كمال الدين بن عبد الواحد (ابن الهمام( ، /2 12 بدائع التفسير الجامع لما فسره الإمام ابن قي م الجوزية ، ابن القيم، المحقق: يسري السيد - صالح الشامي /22 1 تفسير ابن كثير ، تفسير ابن كثير ،إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ،مرجع سبق ذكره، 9/ 29 1 بدائع التفسير الجامع لما فسره الإمام ابن قيم الجوزية ، ابن القيم،مرجع سبق ذكره، /6
عدد الصفحات ١٢13 ومما سبق يمكن أن نستنتج بعض الملاحظات على الآيات التي تدعو إلى تدبر القرآن الكريم وهى : -1 أن الآيات الواردة في التدبر قد جاءت كلها معترضة في سياقات مختلفة غير سياق ا ديث عن القرآن : فقوله تعالى : {أَفَلاَ يـَتَدَبـَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيرِْ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا }وردت معترضة الأمر والاستجابة له والرجوع في بطاعة الرسول الحكم إليه . وقوله تعالى ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ محمد: ١٥ ، وردت معترضة الأمر بالصدق في الاستجابة والإذعان وعدم التولي .وقوله تعالى : ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ المؤمنون: ٨ معترضة في سياق الأمر بالإيمان بالنبي والاعتراف به وعدم الاستكبار . وقوله تعالى ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ص: ٢٥ وردت معترضة في سياق مخاصمة الكافرين في الحق الذي جاء به محمد ، وذكر قصة داود وسليمان ( عليهما السلام ) ورجوعهما للحق بعدما تبين وإنابتهما إلى الله. فنلحظ من ورود هذه الآيات الآمرة بالتدبر معترضة في سياق الحديث عن غير القرآن أن الغرض منها الأمر بالوقوف مع الآيات الواردة والتأمل فيها والانتفاع والامتثال لها . مما يؤكد لنا أن التدبر هو الوقوف مع الآيات والتأمل فيها للانتفاع والامتثال . - 2أن القرآن مل يء بالنصوص الآمرة بالنظر في الآيات والتفكر والتبصر والتذكر ، وقد تكررت هذه النصوص في مواضع كثيرة م ن القرآن ، مما يؤكد أن الغرض هو الحث على الوقوف مع الآيات والتأمل والتفكر وإعمال العقل والبصر والسمع فيها ، والنظر في دلالاتها وهداياتها ، والانتفاع بها والامتثال لها ، وهذا هو التدبر،ومن هذه النصوص ما يلي: قوله تعالى : ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ البقرة: ١١ قوله تعالى : ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ الروم: ٥٥ وفي أسلوب استفهامي يدعوا للوقوف مع الآيات والتأمل في مقاصدها : قوله تعالى : ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ الأنعام: 2 قوله تعا: ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ يونس: قوله تعالى : ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ الرعد: 2 قوله تعا: ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ الرعد: ١ قوله تعالى : ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭼ الحجر: ٢
عدد الصفحات ١٣14 قوله تعا: ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ طه: ١٢ قوله تعالى : ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ الأنعام: 2 قوله تعا: ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ يونس: 2 قوله تعا: ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ القصص: ٥ قوله تعالى : ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ السجدة: ٥ -3تكرر الآيات في بعض السور مما يؤكد أنها للحث على الوقوف مع الآيات والتأمل فيها ، ومن ذلك مثلاً :قوله تعالى : ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭼ القمر: ٤ تكررت هذا الآية في السورة أربع مرات ، وتكررها دال على أن المقصود الوقوف مع الآيات والقصص الواردة والتذكر بها ولهذا قال { فهل من مدكر }، وهي آية دالة دلالة صريحة على الحث على التدبر ولهذا قال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذ كْرِ }أي للتذكر والانتفاع .و قوله تعالى ﭽ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ الرحمن: 2 تكررت هذه الآية ثلاثين مرة ، وهي آية حاثة على الوقوف مع النعم والآلاء الواردة في السورة وتأملها مما يبعث على الامتثال والإيمان -4 ورود القسم في ابتداء السور بالآيات الكونية وتعدده وتضمنه للتغيرات والأحوال التي تتضمنها الآيات الكونية المقسم بها فهذا التعدد وتضمينه للأحوال والتغيرات دال على الأمر بالوقوف مع هذه الآيات والتأمل فيها للانتفاع والإيمان . ثانياا : تدبر القرآن الكريم في السنة النبوية الشريفة: تعددت الأحاديث النبوية التي تدعو إلى تدبر القرآن الكريم ومنها : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ر ســـــول الله صلى الله عـلـيـه وسلم قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلـت عـلـيـهــم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده "( رواه مسلم )1 .فالسكينة والرحمة والذكر مقابل التلاوة المقرونة بالدراسة والتدبر . روى حذيفة - رضي الله عنه -: "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فكان يقرأ مـتـرســـلاً إذا مـر بـآيـة فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ"( رواه مسلم )1 . فهذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والت عوذ. 1 صحيح مسلم ، أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ح/966 1 صحيح مسلم ، أبي الحسين مسلم بن اجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ، ح /11
عدد الصفحات ١٤15 عن أبي ذر- رضي الله عنه - قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها : ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭼ المائدة: ٨٤٤ (رواه أحمد )11 .فهـذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم التدبر على كثرة التلاوة، ف يقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة . عـــن ابن مسعود قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"( رواه الطبري)19 .فهكذا كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم الصحابة القرآن : تلازم العلم والمعنى والعمل؛ فلا علم جديد إلا بع د فهم السابق والعمل به. لما راجـــع عبد الله بن عمرو بن العاص النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن لم يأذن له في أقل من ثلاث ليالٍ وقال : "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث"( رواه الدارمي والترمذي )11.فدل على أن فقه القرآن وفهمه هو المقصود بتلاوته لا مج رد التلاوة . ثالثاا : ما ورد عن السلف في مسألة تدبر القرآن الكريم: عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخـــر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به . وفي هذا المعنى قال ابن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به"19. روى مالك عــــن نافع عن ابن عمر قال: "تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً 16.وطول المدة ليس عجزاً من عمر ولا انشغالاً عن القرآن؛ فما بقي إلا أنه التدبر. عن ابن عباس قـال : (قدم على عمر رجل فجعل عمر يسأل عن الناس فقال : يا أمير المؤمنين! قد قرأ الـقــرآن منهم كذا وكذا، فقلت : والله ما أحب أن يسارعوا يومهم ه ذا في القرآن هذه المسارعة . قـــــال: فزبرني عمر، ثم قال : مه! فانطلقت لمنزلي حزيناً فجاءني، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفاً؟ قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتقوا - يختصموا: كلٌ يقول الـحــــق عندي - ومتى 11 أحمد بن محمد بن حنبلبن هلال بن أسد مسند الإمام أحمد، ح /2 91 19 تفسير الطبري،محمد بن جرير الطبري ، /92 11 سنن الدارمي ، دار الحديث ، القاهرة ، 1420هـ، برقم 912 . 19 تفسير القرطبي ( الجامع لأحكام القرآن (،الإمام ابو عبدالله القرطبي ، /6- 2 . 16 نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء ، شمس الدين الذهبي - محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف ، المحقق: محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف ، /1/أ
عدد الصفحات ١٥16 يحتقوا يختصموا، ومتى اختصموا يختلفوا، وم ما يختلفوا يقتتلوا، فـقــال عـمــــر : لله أبوك ! لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها )92، وقد وقـع ما خشي منه عـمــــر وابن عـبــــاس- رضي الله عنهما - فخرجت الخوارج الذين يقرؤون القرآن؛ لكنه لا يجاوز تراقيهم . عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : (لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ (إذا زلزلت ) و (القارعة ) لا أزيد عليهما أحب إليَّ من أن أهذَّ القرآن ليلتي هذّاً . أو قال: أنثره نثراً )9 . قال الحـسـن البصري : "إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، وما تدبُّر آياته إلا بإتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول : لقد قرأت القرآن فما أسـقـطـت منه حرفاً وقد - والله! - أسقطه كله ما يُرى القرآن له في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهـــم ليقول: إني لأقرأ السورة في نـَفَسٍ ! والله! ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الوَرَعــة مـتى كـانـت الـقــراء مـثـل هــذا؟ لا كـثَّــر الله في الناس أمثالهم"9 .وقال الحسن أيضاً: "نزل القرآن ليُتَدَبَّر ويعمل به؛ فاتخذوا تلاوته عملاً 9 .أي أن عمل الناس أصبح تلاوة القرآن فقط بلا تدبر ولا عمل به ". وكان شعبة بن الحجاج بن الورد يقول لأصحاب الحديث : "يا قوم! إنكم كلما تقدمتم فـ ي الـحـديـث تـأخـرتـم في القرآن "9 .وفي هذا تنبيه لمن شغلته دراسة أسانيد الحديث ومسائل الفقه عن القرآن وتدبره أنه قد فقد توازنه واختل ميزانه . ر ابعا:الغاية من تدبر القرآن الكريم: تعد الغاية من تدبر القرآن الكريم هي تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى وذلك بالت عرف عليه وعلى عظيم سلطانه وفضله ، ومن ثمَ امتثال أمره ونهيه .. قال تعالى ﭽ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﭼ محمد: ٢٤ .. فالعلم مقدم على العمل.. فتدبر هذا القرآن العظيم والتأمل في آياته هو الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد .. فذاك الذي يملئ القلوب بالإيمان.. وبه يتبين للعباد الطريق الموصلة إلى الله وإلى جنته .. الطريق الموصلة إلى العذاب وبأي شيء 92 نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء ، شمس الدين الذهبي - محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف ، ،المرجع السابق، /16 9 -الزهد والرقائق ، عبد الله بن المبارك المروزي ، المحقق: أحمد فريد ، 61 . وموسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملُّوح ، 1998،6 9 الزهد وا لرقائق، عبد الله بن المبارك المروزي ، مرجع سبق ذكره، 19 9 مفاتيح للتعامل مع القرآن، صلاح عبد الفتاح الخالدي . و مدارج السالكين ، ابن قيم الجوزية ، /91 9 نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء ، شمس الدين الذهبي - محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف ، ، مرجع سبق ذكره ، /19
عدد الصفحات ١٦